لم يعد الجدل حول سلاح “حزب الله”، في رأيي، مجرد نقاش عسكري يتعلق بإسرائيل أو بمفهوم المقاومة. فالمسألة تجاوزت منذ زمن حدود الأمن والدفاع لتصبح قضية هوية، ومكانة، وانتماء سياسي وعقائدي.
الخطأ الذي يقع فيه لبنانيون كثر، سواء من مؤيدي الحزب أو من خصومه، هو اختزال السلاح في وظيفته العسكرية. فهو لم يكن يومًا مجرد بندقية أو صاروخ، إذ أضحى مع مرور العقود، رمزًا سياسيًا واجتماعيًا ونفسيًا حمل معاني أكبر بكثير من وظيفته الأصلية.
بالنسبة إلى جزء مهم من البيئة المؤيدة للحزب، ارتبط السلاح بالخروج من التهميش إلى التأثير، ومن الهامش إلى مركز القرار. وأصبح رمزًا لمجموعة من المكتسبات المعنوية: الشعور بالقوة، القدرة على التأثير، والمشاركة في رسم التوازنات الوطنية والإقليمية.
لكن هذه القراءة تبقى ناقصة إذا تجاهلت حقيقة أساسية: السلاح لم يرتبط فقط بالمقاومة، بل أيضًا بمنظومة عقائدية وسياسية متكاملة.
فمنذ نشأة الحزب، تداخل البعد الوطني مع البعد الديني، وتداخلت مقاومة الاحتلال مع مفاهيم الجهاد وولاية الفقيه والانتماء إلى مشروع سياسي يتجاوز حدود الدولة اللبنانية. السلاح ضمن السياقات السابقة، أكثر مجرد أداة دفاع، هو جزء من رؤية أشمل للهوية والسلطة ودور الجماعة داخل لبنان وخارجه.
من هنا يصعب فهم الجدل حول السلاح إذا تم التعامل معه كمسألة أمنية فقط. فالخلاف الحقيقي لا يدور حول بندقية أو صاروخ، بل حول طبيعة المشروع الذي يحمله هذا السلاح، فهل الهدف النهائي هو حماية جماعة لبنانية داخل دولة لبنانية؟ أم خدمة مشروع عقائدي وسياسي أوسع من لبنان نفسه، وهنا تحديدًا تبدأ المعضلة؟!
الرصيد المعنوي والسياسي الذي أنتجته المقاومة لم يتحول إلى سردية وطنية جامعة لجميع اللبنانيين، إذ وُظِّف جزء كبير منه في ترسيخ هوية عقائدية وسياسية خاصة بجزء من المجتمع اللبناني. وبدل أن تصبح المقاومة نقطة التقاء وطنية، أصبحت تدريجيًا أحد أبرز خطوط الانقسام داخل المجتمع.
العقيدة الواحدة أو الهوية الواحدة أو المشروع الواحد، لم تكن جزءاً من تأسيس لبنان، القائم على إدارة التعدد والتعايش بين جماعات مختلفة في الدين والسياسة والثقافة والانتماء الإقليمي. ولهذا يصعب على أي مشروع عقائدي شامل أن يتحول إلى مشروع وطني جامع، لأن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين لا يرى نفسه بداخله أصلًا.
لكن الجانب الأكثر تعقيدًا هو البعد النفسي، فعندما ترتبط الكرامة بالقوة، ويتحول السلاح إلى رمز للهوية، يصبح نقده أو مساءلته أمرًا بالغ الصعوبة. فالبشر لا يتعلقون بالأدوات بقدر تعلقهم بالمعاني التي يمنحونها لتلك الأدوات.
تحول الدفاع عن السلاح، في أحيان كثيرة، إلى دفاع عن صورة الجماعة عن نفسها: عن تاريخها، تضحياتها، مكانتها، وشعورها بالاعتراف، وهنا يقع الخلط بين القوة والقيمة، فالقوة قد تمنح نفوذًا وتأثيرًا، لكنها لا تكفي لبناء مكانة مستقرة عبر الأجيال. أما المكانة الراسخة فتبنى بالتعليم والاقتصاد والثقافة والمؤسسات والقدرة على النجاح داخل الدولة لا خارجها.
المراجعة الآن خيار مؤلم، كونها تعني النظر في خيار سياسي، وإعادة تقييم جزء من الهوية الجماعية نفسها. ولهذا، كثيرًا ما تُستقبل المراجعة كأنها خيانة، على رغم أنها في جوهرها أحد شروط النضج السياسي.
المشكلة ليست في ما إذا كان السلاح قد لعب دورًا مهمًا في مرحلة من المراحل، كما أن المشكلة ليست في حق أي جماعة بالتمسك بقناعاتها الدينية أو المذهبية أو الفكرية. فالعالم مليء بجماعات حافظت على هوياتها وخصوصياتها من دون أن تمتلك جيوشًا خاصة أو تربط مصيرها بمشاريع سياسية تتجاوز دولها الوطنية، المشكلة تبدأ عندما تتحول العقيدة إلى مرجعية أعلى من المجتمع الذي يفترض أن تخدمه.
إقرأوا أيضاً:
عندها يتغير ترتيب الأولويات. فبدل أن يكون المشروع في خدمة الناس، يصبح الناس في خدمة المشروع. وبدل أن تُقاس السياسات بمقدار ما تحققه من أمن واستقرار وازدهار للجماعة التي تحملها، تصبح الجماعة مطالبة بتحمل الكلفة دفاعًا عن استمرار المشروع نفسه. وهذه ليست معضلة تتعلق بلبنان وحده، ولا بحزب الله وحده، إنها أسئلة عرفها التاريخ مرارًا في المشاريع العقائدية الكبرى، سواء كانت دينية، أو قومية، أو ثورية، أو أيديولوجية.
عندما تندمج هوية جماعة ما بمشروع عقائدي شامل يتجاوز حدود الدولة والمجتمع، هل تبقى المراجعة الفكرية ممكنة من داخل هذا المشروع؟ أم أن الجماعات لا تعيد النظر في العقائد الشمولية إلا عندما تصطدم بحدود الواقع، وتعجز عن تحقيق وعودها، أو تتعرض لهزيمة تاريخية تدفعها إلى إعادة تعريف نفسها؟
التاريخ لا يقدم إجابة واحدة، فبعض المشاريع راجعت نفسها تدريجيًا وتكيفت مع الواقع. وبعضها الآخر لم يتغير إلا بعد انهيارات كبرى. وثمة أخرى لم تتغير أصلًا، بل اختفت مع الظروف التي أنشأتها، لكن القاسم المشترك بينها جميعًا أن لحظة المراجعة تبدأ بالتساؤل عمّا إذا كان المشروع ما زال يخدمهم، أم أنهم أصبحوا هم من يخدمونه.
وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية، المشكلة بدأت عندما أصبحت العقيدة مرجعية أعلى من مصالح الجماعة نفسها. وعندما يحدث ذلك، يتغير ترتيب الأولويات: فبدل أن يكون المشروع في خدمة الناس، يصبح الناس في خدمة المشروع.
وعندما تصل أي جماعة إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال الحقيقي: كيف نحمي المشروع؟ بل يصبح سؤالًا أكثر قسوة وعمقًا: هل ما زال المشروع يخدم الجماعة التي حملته لعقود، أم أن الجماعة أصبحت هي التي تحمل المشروع مهما بلغت الكلفة؟












