في كل مرة يحط فيها الموفد الأميركي توم براك في بيروت، يرتفع منسوب النقاش حول سلاح حزب الله في لبنان، ويدخل عنصر جديد على هذا النقاش. في البداية، كان النقاش حول السلاح جنوب نهر الليطاني وشماله، ثم السلاح الثقيل والخفيف، وتخلل الانقسام سلاح المخيمات الفلسطينية! أما آخر عنصر أُدخل إلى مسار تسليم السلاح، فتمثّل بوقائع اشتباكات السويداء، إذ ظهرت مهمة جديدة له، تتمثل بحماية لبنان من مسلّحي “العشائر العربية” التي “غزت” محافظة السويداء.
والحال أن المهمة الأخيرة التي أنيطت بسلاح حزب الله والمتمثلة بصد غزوات محتملة لعشائر البدو، تضع الحزب في موقع من المفترض ألا يتمناه لنفسه، ذاك أنه سيقاتل والحال هذه إلى جانب الجيش الإسرائيلي الذي سبقه إلى معركة صدّ هذه الهجمات.
هذه المفارقة، المنطقية ولكن غير الواقعية، هي جزء مما ترسمه قصة هذا السلاح. فالحرب الأخيرة التي شهدها لبنان بين إسرائيل وحزب الله أحدثت فوضى هائلة في قصة السلاح وفي سرديته. صار من الصعب على حزب الله أن يقنع أحداً في أن سلاحه سيردع إسرائيل عن قصف لبنان، لا بل عن تدميره عن بكرة أبيه. أما ما كان حزب الله قد روج له، ويتمثل في احتلال الجليل، فلم يعد يصلح لأن يكون نكتة. وما رافق أدب السلاح وأناشيده عن الصواريخ وعن الاستعداد، فقد صار هباء منثوراً.
هذا السلاح اليوم من دون قصة. هو سلاح فقط. صحيح أننا، كلبنانيين وخلافاً للإسرائيليين، لا نعرف الكثير عن أوضاعه وعن أماكن تخزينه وعن عدد حامليه، لكننا نعرف ونشعر بأنه سلاح من دون مهمة. حتى خصوم الحزب اللبنانيين الذين لطالما استعمل حزب الله سلاحه ضدهم، يشعرون اليوم بأن السلاح في طريقه إلى الصدأ، وأنه لم يعد يقوى على تغيير معادلات الداخل. القصة أكبر من أن الحزب تعرض لضربة إسرائيلية أدت إلى تدمير بنيته العسكرية، فسقوط نظام آل الأسد في سوريا جعل من إمكان إعادة بناء القدرة العسكرية مستحيلاً.
هو سلاح من دون مشروع، لا في الداخل ولا في الخارج. سلاح فقط. وعندما يقول توم براك إن سلاح حزب الله هو مشكلة لبنانية، فهو يعني ما يقول. السلاح لم يعد مشكلة إسرائيلية ولا مشكلة سورية. وبإمكان المرء أن يجازف ويقول إنه لم يعد مشكلة كل اللبنانيين، بل جزء منهم. هذا السلاح لم يعد يخيف السنة اللبنانيين، فهم اليوم امتداد لما هو أقوى من الحزب، وهو وإن أثار مخاوف المسيحيين، فهؤلاء يعرفون أن سلاح الحزب أصابه يتم إقليمي صار من الممكن بفعله صدّ ما يشكله من مخاطر عليهم.
الأرجح أن حزب الله خسر من بين ما خسره، قدرته على مقايضة السلاح بالمعادلة الداخلية، أي السلاح مقابل مكاسب سياسية ودستورية، ذاك أن قيمة السلاح انخفضت، وحين كانت قيمته تصلح للمقايضة الداخلية اختار الحزب تقديم وظيفة السلاح الإقليمية، وقرر الهيمنة على الدولة من خارج منظومتها الإدارية والسياسية. أما اليوم، فمن كان مستعداً من الجماعات اللبنانية لدفع ثمن السلاح في التركيبة الداخلية، لم يعد يشعر اليوم بأن السلاح يستحق أثماناً.
على رغم انسداد الأفق في وجه السلاح، يخوض ثنائي أمل حزب الله في لبنان معركة الرمق الأخير له، لكن لا أحد يمكنه أن يحدد اليوم وجهة هذه المعركة وأفقها.
عندما يغامر الحزب بمستقبل لبنان، ومستقبل الجماعة الشيعية دفاعاً عن سلاح لا قدرة له على أن يكون فاعلاً سياسياً، فإن التفسيرات يمكن أن تأخذنا إلى أن مهمة بقاء السلاح هي انتظار فشلٍ في سوريا.
وحين لاح هذا الفشل عبر سقطة أحمد الشرع في السويداء، استيقظت مهمة جديدة للسلاح، وهي حماية لبنان من غزو العشائر، لكن هذه المهمة تقتضي انعطافة عن المهمة التي وُجد هذا السلاح في سياقها، وهي قتال إسرائيل! فما بالكم أن إسرائيل نفسها قد طرحت على نفسها هذه المهمة في السويداء؟!
إذاً، قتال العشائر قد يملي قتالاً إلى جانب إسرائيل.
أما الوظيفة الثانية للتمسّك بالسلاح فتتمثل في أنه كان الوسيلة الأهم لتشكل بيئة ملتحمة بالحزب تشعر بتفوّقها على الجماعات اللبنانية الأخرى. تسليم السلاح سيكون بداية للبحث في احتمالات شيعية تشارك الثنائي الشيعي تمثيل الجماعة.
توم براك محقّ حين قال إن السلاح هو مشكلة لبنانية.
إقرأوا أيضاً:











