ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سلطة الوهم: كيف صنع محمود صلاح إمبراطوريّته من نظريات المؤامرة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا توجد أي سجلات معلنة لنشر أبحاث علمية محكّمة باسم محمود صلاح في دوريات جامعية أو انتماء إلى مؤسسة بحثية معتبرة. كل ما في الأمر شخصية تمكنت من بناء علامة شخصية، لعالم غامض”، معتمداً على مزيج من الألقاب العلمية غير التقليدية والسرديات المثيرة للفضول.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في إحدى أمسيات برنامج تلفزيوني تحت عنوان “حقيقة أم خيال؟”، قدم محمود صلاح نفسه أمام الكاميرا بلقب دكتور محمود صلاح، “الباحث في علوم ما وراء الطبيعة”، قبل أن يجيب عن  سؤال المقدّم: “هل الأرض مسطحة أم كروية؟” بأن “هناك كائنات أخرى تعيش وراء الجدار الجليدي، وهناك اتفاقيات سرّية بين أميركا وتلك الكائنات، والتواصل مع الأشجار حقيقي.

لم يرمش له جفن وهو يؤكد للمشاهدين أن حكومة الولايات المتحدة تخفي سرًا هائلًا خلف أسوار جليدية في أطراف الأرض، وأن نظريات العلم الراسخ ما هي إلا مؤامرة كبرى. في مقطع آخر على المنصة نفسها، زعم صلاح أنه “بشهادة الكونغرس الأميركي الأرض مسطحة وليست كروية، وأن أميركا لم تصل إلى القمر”. هكذا، وخلال دقائق، نسج محمود صلاح عالمًا موازياً يعجّ بالفرضيات الغريبة: أرض مسطحة تحاصرها جبال جليدية، وقبائل من مخلوقات خفيّة تعقد صفقات مع القوى العظمى، ورحلات أبولو إلى القمر ليست سوى فيلم سينمائي محبوك. لقد تحوّل المشهد الافتتاحي الى حلقة “الجدار الجليدي”، إلى نافذة على ظاهرة آخذة بالانتشار؛ ظاهرة خبير رقمي غامض يصوغ مزيجًا من نظريات المؤامرة والخيال العلمي، مستفيدًا من سحر المنصات الحديثة.

السيرة المعلَنة vs. الواقع: وهم الدكتوراه والباحث الميتافيزيقي

يروّج محمود صلاح لنفسه تحت ألقاب أكاديمية رنانة، مقدِّمًا ذاته بوصفه حاصلًا على دكتوراه في علم الميتافيزيقا وباحثًا في مجال ما وراء الطبيعة. حساباته الرسمية على المنصات الرقمية – من فيسبوك إلى يوتيوب – تزدان بلقب “د.” قبل اسمه، ما يمنح انطباعًا للمتابعين بأنهم أمام عالم متخصص أو بروفيسور متمرّس في علوم غامضة. 

قدّم محمود صلاح برنامجًا إذاعيًا بعنوان “جمّد قلبك” على إذاعة الشرق الأوسط، الإذاعة المصرية الحكومية الشهيرة،  في إشارة إلى قصص الرعب والماورائيات التي اعتاد سردها. غير أن التدقيق في الخلفية العلمية المعلَنة يقود إلى علامات استفهام كثيرة. فعلم “الميتافيزيقا” الذي يتباهى بحمل شهادة الدكتوراه فيه ليس تخصصًا أكاديميًا معترفًا به في الجامعات التقليدية؛ بل يبدو أنه يوظّف المصطلح بمعناه الشعبي المتداول المتداخل مع الخوارق والغيبيات، لا بمعناه الفلسفي الأصلي. 

أحد أبرز الدلائل على ذلك هو إعلان ترويجي نشره صلاح عن دورة تدريبية في “الميتافيزيقا” مدتها 8 محاضرات فقط، “باعتماد المجموعة المصرية البريطانية” – ما يوحي بأن “الدكتوراه” التي يحملها ربما منحتها له جهة خاصة غير أكاديمية، أو عبر مسار تعليمي غير تقليدي. وفي تعليق ناقد على هذه الظاهرة، كتب عبدالرحمن نصر: “واحد من هؤلاء الذين طفا ذكرهم أخيراً على السطح هو المدعو د. محمود صلاح الذي يصف نفسه بكاتب وباحث في علم ما وراء الطبيعة، ويسبق اسمه بلقب دكتور…”، في إشارة إلى أن اللقب جزء من صناعة الصورة أكثر منه انعكاسًا لمكانة أكاديمية حقيقية. 

لا توجد أي سجلات معلنة لنشر أبحاث علمية محكّمة باسم محمود صلاح في دوريات جامعية أو انتماء إلى مؤسسة بحثية معتبرة. كل ما في الأمر شخصية تمكنت من بناء علامة شخصية، لعالم غامض”، معتمداً على مزيج من الألقاب العلمية غير التقليدية والسرديات المثيرة للفضول.

وراء الكواليس، تبدو قصة صعود محمود صلاح مرتبطة أكثر بمنصات التواصل نفسها وذائقة الجمهور منها بأي إنجاز أكاديمي حقيقي. فقبل عامين فقط، لم يكن لاسمه حضور يُذكر خارج دوائر المهتمين بالماورائيات، لكنه استفاد من ظهور متكرر على برامج حوارية تلفزيونية مثل برنامج “القاهرة اليوم” مع الإعلامي أحمد يحيى على قناة ألفا. هناك، تبنّى دور الضيف الاستثنائي الذي يفاجئ الجمهور بادعاءات صادمة. تارة يخرج على الشاشة حاملاً أجهزة يدّعي أنها لكشف الجنّ والأرواح في الاستوديو، وطوراً يسترسل في حكايات عن أسرار الحكومات والخطط العلمية الخفية. وسرعان ما ترسّخت في ذهن المشاهد شخصية “الخبير الغامض” الذي لديه دومًا رواية بديلة لكل ما نعرفه. هذه الصورة، على رغم ضعف أساسها العلمي، باتت واقعه الجديد: مئات الآلاف من المتابعين يعتبرونه مرجعًا في أمور غامضة، يلقبونه أحيانًا بـ”العالم” و”البروفيسور”، بينما تقف المؤسسات العلمية الحقيقية على الهامش حائرة أمام اكتساح خطاب اللاعلم منصات الجماهير.

الأرض المسطّحة والجدار الجليدي: بين العلم والزيف

اشتهر محمود صلاح بتبنّي نظرية الأرض المسطّحة وزعمه وجود جدارٍ جليدي يُحيط بالكوكب، مؤكّدًا أنّ وكالات الفضاء تخفي الحقيقة وأنّ وثائق “سرّية”، بل “شهادة من الكونغرس”، تُثبت تسطّح الأرض. ويستدلّ بـ”ثبات الأفق” و”مستوى البحر” لإنكار الكرويّة. هذا يتعارض كليًّا مع براهين عمرها قرون: استدارة ظلّ الأرض على القمر (أرسطو)، اختفاء السفن تدريجيًّا عند ابتعادها، وصور الفضاء الحديثة – وأشهرها “الرخام الأزرق” (أبولو 17، 1972). كذلك يفسّر اختلاف أوقات الشروق والغروب، ورحلات الطائرات والإبحار حول العالم، كروية الأرض حسيًّا. أمّا “الجدار الجليدي” فليس سوى سواحل وأرفف أنتاركتيكا، حيث تعمل نحو 100 محطةٍ بحثية من 30 دولة ويصل إليها آلاف العلماء سنويًّا من دون أن يعثروا على “حافة العالم” أو كائناتٍ خلفها. تتضافر صور الفضاء والأدلة الميدانية لتجعل فكرة الأرض المسطّحة وهمًا يبدّده درس جغرافيا بسيط، ومع ذلك يروّج صلاح للخرافة بوصفها “اكتشافًا خطيرًا” يستقطب جمهورًا متعطّشًا للأسرار.

إنكار هبوط الإنسان على القمر: عودة إلى نظريات المؤامرة الكلاسيكية

يزعم محمود صلاح أنّ هبوط أبولو 11 على القمر كان “فيلمًا هوليووديًا” محبوكًا، مستدلًّا بظلالٍ تبدو غير متوازية، وعلمٍ أميركي يُخيَّل أنه يرفرف بلا هواء، وغياب النجوم عن السماء القاتمة، مدّعيًا كذلك أنّ الكونغرس يعرف حقيقة الخدعة، لكنّ الردَّ العلميّ يحسم المسألة؛ فقد جُمِعَت مئات الكيلوغرامات من صخور القمر وحُلّلت في مختبرات مستقلّة، فأثبتت تركيبًا يختلف عن صخور الأرض، وتركت بعثات أبولو ستة أعلام ومركباتٍ ومعدات تصوير وعواكس ليزرية على السطح، وهذه العواكس يستخدمها العلماء منذ 1969 في تجربة “قياس المدى الليزري” التي تؤكّد وجودها يوميًا وتُظهر ابتعاد القمر عن الأرض بنحو 3.8 سنتمتر سنويًا، كما أنّ الاتحاد السوفياتي راقب الرحلات بالرادار ولم يشكّك فيها ولو للحظة، ولو كان ثمة تزوير لفضحه خصم الحرب الباردة فورًا، يضاف إلى ذلك اللقطات الأصلية عالية الجودة التي تُبيّن حركة الروّاد البطيئة تحت جاذبية أقلّ، وصورة باز ألدرين الشهيرة إلى جوار العلم، فتتضافر الصخور والتحاليل والعواكس والصور والرصد السوفياتي لتُثبِت واقع الهبوط حسمًا. وعلى رغم ذلك كله، يواصل صلاح اجتذاب جمهور يهوى سيناريو “الحقيقة المخفية”، ويصف أعظم إنجاز فضائي بأنه “أكبر أكذوبة في التاريخ”.

كائنات عاقلة في كهوف تاسيلي بين الأسطورة والتاريخ

يروّج محمود صلاح لرواية تفيد بأن كهوف التاسيلي ناجر في الجزائر تخفي دلائل على اتصال البشر بكائنات فضائية؛ إذ يشير إلى نقوش صخرية غريبة ومدينة أسطورية تُدعى “سيفار”، زاعماً أن “الكائنات حذّرت البشر منذ سنوات”. هذه الادعاءات تستند إلى تأويلات قديمة ظهرت منذ خمسينات القرن الماضي حين رأى بعض المستكشفين في النقوش أشكالاً بشرية برؤوس دائرية ظنوها “فضائية”، لكن العلم يوضح أن تاسيلي كنز أثري يوثق حياة البشر الأوائل: أكثر من 15 ألف لوحة ونقش امتدت من عشرة آلاف قبل الميلاد إلى القرون الأولى للميلاد، سجلّت تحولات مناخ الصحراء الكبرى وهجرة حيواناتها ومشاهد الطقوس اليومية، وصنفتها اليونسكو تراثاً عالمياً عام 1982. مرحلة “الرؤوس المستديرة” التي يتشبث بها صلاح يراها علماء الآثار أسلوباً رمزياً مرتبطاً بطقوس دينية بدائية، لا دليلاً على زوار سماويين؛ والدراسات الميدانية تؤكد غياب أي آثار لحضارات غير بشرية، بينما تغذي قصص الهواة – مثل “مدينة الجن” واختفاء مستكشفين – خيال العامة بلا سند علمي. الباحثون الذين رافقوا مرشدي الطوارق وثّقوا النقوش وفسروها في سياق ثقافات شمال أفريقيا القديمة، وبعض الرسوم لأشخاص مقنّعين أو بملابس احتفالية تعكس شعائر للخصوبة أو الصيد لا أكثر. هكذا لا توجد أدلة أثرية أو جيولوجية على كائنات عاقلة غير البشر في تاسيلي، ومع ذلك تجد رواية صلاح رواجاً لأنها تمنح تفسيراً جذاباً ومبسّطاً للغز تاريخي معقد، فيرتاح فضول الجمهور إلى قصة فضائيين بدل البحث في الدراسات الأثرية الرصينة.

آليات الانتشار على المنصات الرقمية: خوارزميات تصنع الشهرة

يتساءل المرء: كيف استطاع شخص مثل محمود صلاح، بأفكاره المناقضة للعقلانية والعلم، أن يجتذب كل هذا الجمهور في زمن يمكن فيه بضغطة زر الوصول الى المعلومة الموثوقة؟ للإجابة، يجب فهم دور المنصات الرقمية والخوارزميات في تلميع أمثال هذه الظواهر. لقد ظهر محمود صلاح في الوقت المناسب تمامًا؛ عصر المحتوى الفيروسي القصير والتفاعل الآني. فهو ينشط بقوة على يوتيوب وتيك توك وفيسبوك، ويقدم مقاطعه بأسلوب مشوّق لا يخلو من الدراما: عناوين فيديوهات مثيرة للفضول (على غرار “مفاجآت صادمة” و*”حقائق مخفية”)، ومونتاج سريع الإيقاع مفعم بالموسيقى التشويقية، وصوت هادئ ونبرة واثقة تزيد من الإيحاء بالمصداقية. 

هذه العوامل تجعل الفيديو قابلًا للمشاركة والانتشار السريع، خصوصًا إذا أثار جدلًا في التعليقات ودفع الناس الى إعادة نشره مصحوبًا باستنكار أو تأييد. وقد استفاد صلاح تحديدًا من خاصية المقاطع القصيرة (Shorts/Reels) التي تروجها المنصات بقوة؛ إذ راجت له مقاطع لا تتجاوز الدقيقة، يظهر فيها وهو يجيب عن أسئلة مثل “الأرض مسطحة أم كروية؟” أو “أينشتاين لا يزال حيًا؟”، فتحصد تلك الثواني مئات آلاف المشاهدات في أيام قليلة. على سبيل المثال، وصل أحد مقاطع برنامج “القاهرة اليوم” الذي ظهر فيه وهو يتحدث عن سر الكائنات الخفية وكل ما تريدون معرفته عن الجدار الجليدي وما قصة بناء هرم جديد، إلى ما يقارب النصف مليون مشاهدة خلال فترة وجيزة، وتجاوز فيديو آخر عن كائنات جوف الأرض أقدم من آدم وآينشتاين على قيد الحياة بعد استنساخه، أكثر من 600  ألف مشاهدة. أما صفحته على فيسبوك، فقد تجاوزت حاجز الـ 400  ألف متابع يتفاعلون مع كل منشوراته، ناهيك بحسابه على تيك توك حيث تنتشر مقاطعه مترجمة أحيانًا الى الإنكليزية وتحصد إعجابات بالآلاف. 

تغذّي أنظمة التوصيات الآلية أرقام المشاهدات الضخمة لمحمود صلاح؛ فكل تفاعل جديد يدفع يوتيوب إلى اقتراح مزيدٍ من محتواه ومحتوى مؤامراتي مشابه، فيُدخل المشاهد “غرفة صدى” تؤكّد قناعاته وتقدّم له قوائم عن “المؤامرة الكونية” و”الأرض المجوَّفة” و”الأطباق الطائرة النازية”، حتى يبدو هذا الخطاب شائعًا لا شذوذًا. نجاح صلاح الرقمي مرهون بمهارته في اللعب على الخوارزميات والترندات: أثناء جائحة كورونا روّج لـ”مؤامرات اللقاح” والنانوبوت، وحين تصدّر الذكاء الاصطناعي الأخبار وصفه بأنه “أخطر من القنبلة النووية”؛ يختار وسومًا دارجة مثل #الأرض_المسطحة و#Illuminati ويكثّف رسالته في الثواني الأولى لضمان اكتمال المشاهدة، فيُفضّله النظام أكثر. الإثارة والجدل وقود الانتشار؛ تعليقات المستهزئين والمقتنعين ترفع التفاعل الذي تكافئه المنصّات، على رغم إعلان يوتيوب (2019) خفض توصية فيديوهات “على الحافة” – وهو إجراء أثبتت تقارير لاحقة محدوديته. هكذا تُصبح المنصّات شريكًا غير مقصود في تضخيم الظاهرة، بينما يوظّف صلاح أدوات الإعلام الجديد: مقاطع قصيرة متزامنة على منصّات شتّى، ردودًا لطيفة تعزّز الولاء، وبثوثًا حيّة تكمل رابطة “المعلّم وتلاميذه”.

الدوافع النفسيّة والاجتماعيّة لجمهور المؤامرة

النجاح الجماهيري لشخصية مثل محمود صلاح يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا ينجذب عدد كبير من الناس إلى محتوى يكذّب بديهيات العلم ويعتمد على طرح لا عقلاني؟ من منظور علم النفس الاجتماعي، الإيمان بنظريات المؤامرة والخوارق يستجيب لجملة احتياجات نفسية واجتماعية لدى الأفراد. وجدت دراسة حديثة حللت بيانات 170 بحثًا سيكولوجيًا (شملت 158 ألف مشارك)، أن أبرز دوافع الإيمان بنظريات المؤامرة هي ثلاثة: حاجة الأفراد الى فهم بيئتهم والشعور بالأمان وسط الضبابية، وحاجتهم الى الشعور بالتفوق المعرفي على الآخرين. بكلمات أخرى، عندما يعجز الناس عن تفسير أحداث معقدة أو مخيفة – كالكوارث الطبيعية أو الأزمات الصحية أو حتى التقلبات السياسية – يميل بعضهم الى تبني تفسير مؤامراتي يمنحهم إطارًا مبسطًا للفهم ويخفف قلقهم بتحميل جهة ما مسؤولية ما يحدث. وفي الوقت نفسه، يمنح تبنّي تلك النظريات صاحبها إحساسًا بالتميز وامتلاك الحقيقة الخفية التي يجهلها “العامة”، فيشعر بتفوق فكري يرضي غروره أو يعوّض نقصًا ما. هذا ينسجم تمامًا مع ما توفره شخصية محمود صلاح لجمهورها: فهو يعدهم بأنهم عبر متابعته “سيعرفون ما يخفيه العلماء والحكومات”، وأنهم سيكونون في دائرة العارفين المستنيرين بينما يبقى غيرهم مخدوعًا. هكذا يستميل متابعيه عبر إشباع حاجتهم النفسية الى الشعور بأنهم مميزون ومستيقظون على “حقيقة” لا يدركها معظم الناس.

إلى جانب ذلك، يلعب البعد الاجتماعي والسياسي دورًا في رواج هذه الأفكار. ففي مجتمعات تعاني أحيانًا من عدم الثقة بالمؤسسات الرسمية ومن ضعف الثقافة العلمية العامة، تجد نظريات المؤامرة أرضًا خصبة للنمو. كثر من الناس مرّوا بتجارب خذلان من الجهات التي يفترض بها تزويدهم بالمعلومات الصحيحة – سواء كانت حكومات أو إعلامًا تقليديًا – فأصبحوا أكثر استعدادًا لتصديق أي رواية بديلة تشبع شعورهم بالشك. على سبيل المثال، ترسخ في الوعي الجمعي العربي تاريخيًا، أن القوى العظمى تتآمر على شعوبنا (وهو ما حدث فعلًا في سياقات سياسية واستعمارية)، فاختلط ذلك الميل بتصديق المؤامرة في كل شيء، حتى في العلم. لذا حين يأتي من يقول: “وكالات الفضاء تكذب عليكم والأرض ليست كروية” لن يعدم من يصدقه بدافع الشك في كل ما يأتي عبر الغرب أو المؤسسات الرسمية.

 أيضًا هناك دافع الهوية والانتماء: يجتذب خطاب محمود صلاح شريحة من الشباب ربما تجد في مجتمع المؤمنين بتلك الأفكار ملاذًا اجتماعيًا. إنهم يشكلون مجموعات وصفحات يتبادلون فيها الفيديوهات والقناعات، ويشعرون بأن انتماءهم الى جماعة “العارفين بحقيقة المؤامرة” يمنحهم هوية وتميزًا، بل ويرون البقية “قطيعًا جاهلًا” بحسب بعض تعليقاتهم المتبادلة. من زاوية التحليل النفسي، هذا يعكس ميكانزمات دفاعية لدى الأفراد المحبطين أو الضعفاء؛ فبدل مواجهة واقع معقد قد يشعرون بالعجز حياله، ينسحبون إلى تبنّي سرديات بديلة تمنحهم بساطة في التفسير وجماعة تحتويهم. وكما وصف أحد الباحثين، “نظرية المؤامرة هي وهم يلاحق الضعفاء والمهزومين” لأنها تعطل التفكير النقدي، لكنها في الوقت ذاته تسكّن القلق الوجودي. المؤسف أن هذا الوهم يتحول الى إدمان معرفي؛ إذ نرى بعض متابعي صلاح يتابعون كل حلقة بلهفة وكأنها جرعة تشبع فضولهم الدائم الى مزيد من الأسرار المزعومة. وفي التعليقات ما يدل على ذلك: “ننتظر منك الحلقة القادمة دكتور، أكشف لنا المزيد من الحقائق المخفية” – عبارات تتكرر بصيغ مشابهة، تشير إلى تعطّش سيكولوجي مستمر للغموض لدى الجمهور.

ولا يمكن إغفال دور الثقافة الشعبية والإعلام الترفيهي في تطبيع هذه الأفكار. فأفلام هوليوود مليئة بقصص المؤامرات (من رجال الظل في الحكومة إلى الفضائيين في المنطقة وكذلك ألعاب الفيديو والروايات، ما يجعل العقل الجمعي مهيئًا لتقبّل فرضيات مثل الأرض المسطحة والجدار الجليدي ضمنًا كأنها مجرد سيناريو آخر قابل للنقاش. يضاف إلى ذلك ضعف التعليم العلمي في المناهج أحيانًا؛ فالطالب الذي لم يختبر بنفسه تجربة علمية ولم يتعلم منهجية التفكير النقدي، قد يجد نفسه عاجزًا عن التمييز بين ما هو علم رصين وما هو “علم زائف”. وهنا تتحمل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية جزءًا من المسؤولية لأنها لم تبنِ حصانة معرفية كافية لدى شريحة من الجمهور تجعلهم يرفضون تلقائيًا ادعاءات من نوعية “الأرض مسطحة” على أساس أنها لا تقل عبثية عن القول بأن الأرض قرص محمول على ظهر سلحفاة! خلاصة الأمر أن جمهور نظريات محمود صلاح ليسوا بالضرورة أغبياء أو مجانين كما قد يصفهم البعض، بل غالبًا هم أناس عاديون وقعوا في فخ مزيج من الاحتياجات النفسية (الفهم والتفوق والانتماء) والظروف الاجتماعية (انعدام الثقة وقصور الثقافة العلمية) التي جعلتهم فريسة سهلة لسردية الخبير المزيّف.

المواجهة العلمية: أصوات العقل أمام ادعاءات صلاح

وسط انتشار ظاهرة محمود صلاح وتصاعد تأثيرها على وعي بعض فئات الجمهور، لم يقف العلماء وصنّاع المحتوى العلمي مكتوفي الأيدي. ظهر في المشهد المقابل عدد من الأصوات التي سخّرت خبرتها ومنصاتها لدحض مزاعمه وتحذير الناس من الانجرار وراءها. أحد أبرز هذه المواقف جاء من العالم المصري الأميركي المشهور الدكتور فاروق الباز – عالم الجيولوجيا الفضائية في وكالة ناسا وأحد المشاركين في برنامج أبولو نفسه، والذي استضافه محمود صلاح فاروق الباز في أواخر عام 2024 ضمن إحدى حلقات برنامجه (الذي يحمل بالمفارقة اسم “المجهول مع د. محمود صلاح“)، أملاً ربما بإضفاء شرعية علمية على حواره. لكن الباز واجه صلاح بحزم علمي وأدلى بتصريحات صارمة أصبحت لاحقًا عناوين للصحف. إذ قال الباز بوضوح إن “مروّجي نظرية الأرض المسطحة يعانون من خلل فكري” لأنهم “لا يستطيعون ملاحظة أن الأرض دائرية أو بيضاوية، ما يدل على عدم قدرتهم على التفكير بشكل منطقي”. وأردف موجّهًا حديثه الى أولئك المروّجين بلهجة ساخرة: فليتفكروا قليلاً “كيف يمكن أن يكون كوكب متوقف (غير دائر) ومع ذلك يتعاقب الليل والنهار؟”. شكّلت هذه الكلمات صفعة علنية لأطروحات صلاح، بخاصة وأنها صدرت من عالم مرموق شارك فعليًا في اختيار مواقع هبوط أبولو على القمر ويعلم دقائق الأمور عن شكل الأرض من الفضاء. حاول صلاح خلال الحلقة مجادلة الباز أو طرح مزاعمه المعتادة، لكن وجود شخصية بثقل فاروق الباز أربك حساباته. وبعد الحلقة، تناقلت وسائل الإعلام تصريحات الباز وتحذيره من انتشار المعلومات غير الصحيحة علميًا. وعبّر الباز عن مخاوفه من أن تنطلي مثل هذه الخرافات على الشباب، داعيًا إلى ترسيخ التفكير العلمي والمنطقي في مواجهة الخرافة.

كذلك، لم يغب المحتوى العلمي العربي عن التصدي لهذه الموجة. فمثلاً، قدّم اليوتيوبر العلمي الشهير أحمد الغندور حلقة خاصة في برنامجه “الدحيح” عنوانها هل الأرض مسطحة؟”، فنّد فيها بأسلوبه الساخر المحبب، حجج الأرض المسطحة واحدة واحدة بأدلة تاريخية وعلمية. استشهد الغندور بإجماع علماء المسلمين منذ القرون الوسطى على كروية الأرض (نقل عن ابن تيمية قوله “قد اتفقوا على أنها كروية الشكل”)، وشرح ببساطة لجمهوره كيف أن ظواهر مثل خسوف القمر وشروق الشمس من أماكن مختلفة تثبت كروية الأرض.

أيضًا تصدى له عدد من المدوّنين العلميين على فيسبوك وتويتر ممن لهم باع في تبسيط العلوم، مثل شادي عبد الحافظ الذي نشر منشورات عدة مفصّلة تشرح أخطاء فهم صلاح للفيزياء والفلك – فمثلاً شرح لماذا لا تُرى النجوم في صور رواد الفضاء (بسبب إعدادات الكاميرا وشدة سطوع سطح القمر مقارنة بخفوت النجوم)، ولماذا يظل العلم الأميركي مرفرفًا (بفعل قضيب معدني أفقي مثبت أعلاه وليس لوجود هواء). وهكذا تم نقض كل النقاط التي يثيرها منظّرو المؤامرة واحدة تلو الأخرى بالرجوع إلى المصادر الموثوقة والتجارب المباشرة. كما انبرت صفحات مبادرات التحقق من الأخبار العلمية (مثل منصة “فتبينوا” ) لنشر مقالات مختصرة وسهلة القراءة تسرد 10 أدلة لدحض خرافة الأرض المسطحة وتفنّد أشهر مزاعم تلفيق الهبوط على القمر مع إرفاق صور ووثائق.

على جانب آخر، هناك أيضًا علماء الاجتماع وعلماء النفس الذين حذروا من آثار الانجرار وراء أمثال محمود صلاح. فهم يرون أن انتشار التفكير المؤامراتي هو مؤشر إلى أزمة ثقة ومعرفة في المجتمع. يصف أحد الباحثين هذه الظاهرة بأنها “أفيون معطّل للعقل” لأنها تعطّل المنطق والتفكير العلمي وتسبب نوعًا من الشلل في الإرادة الجمعية نحو التغيير الإيجابي. فالشخص المؤمن بأن كل شيء مؤامرة من قوى خفية سيستسلم لشعور العجز والارتياب الدائم بدل السعي الى إصلاح واقعه أو اكتساب معرفة حقيقية. لذلك يجادل هؤلاء الخبراء بأن مواجهة موجة محمود صلاح وأمثاله لا تكون فقط بتفنيد المعلومات الخاطئة، بل أيضًا بمعالجة التربة الخصبة التي تنمو فيها. أي عبر تحسين مستوى التعليم العلمي، وتعزيز التفكير النقدي عند الطلاب منذ الصغر، وبناء الثقة بين الجمهور والمؤسسات العلمية المحلية، وتشجيع صنّاع المحتوى الرصين بمنحهم مساحة أكبر في الإعلام. من المبادرات اللافتة في هذا السياق، تنظيم بعض أساتذة الجامعات ندوات عامة مفتوحة بعنوان مثل “العلم الزائف وخطره” يشرحون فيها للحضور كيفية التمييز بين ما هو علمي وما هو دجل.

 قصة محمود صلاح هي قصة تصلح كنموذج دراسة حالة لكيفية استخدامه كلمات علمية صحيحة في ظاهرها (كالنانوتكنولوجي، والبعد الخامس، والميتافيزيقا) لكنه يوظفها في سياق لا علمي مضلل. الجهود المضادة لجهل مروجي نظريات المؤامرة وإن كانت لا تبلغ مدى انتشار محتوى المؤامرة نفسه، لكنها بمثابة سد دفاعي ضروري كي لا يسود الجهل المركّب. وكما قال فاروق الباز في ختام مواجهته التلفزيونية مع صلاح: “علينا أن نعلم أبناءنا التفكير العلمي منذ الصغر، حتى لا يأتي من يخدعهم بروايات من نسج الخيال” – في إشارة إلى أن اللقاح الأنجع ضد وباء الخرافة هو ترسيخ المنهجية العلمية في العقول الناشئة.

سلطة الزيف في عصر الرقميات

في المشهد الختامي لإحدى حلقات محمود صلاح، ينظر مباشرة إلى الكاميرا ويخاطب جمهوره: ” تذكروا أن هناك دائمًا من يحاول إخفاء الحقيقة عنكم”. بهذا الأسلوب ، يزرع صلاح بذور الشك في كل مصدر آخر للمعلومات سواه، ويقدم نفسه ضمنيًا كمنارة المعرفة الحرة في عصر “الخوارزميات المسيَّسة” كما يسميه. لقد نجح عبر الشاشة الصغيرة في غرفة معيشتنا، في صنع وهم بسلطة معرفية بديلة، سلطة لا تستند إلى جامعات أو مجلات علمية بل إلى أرقام المشاهدات وإعادات النشر. وفي عصر الرقمنة الحالي، كثيرًا ما تختلط علينا مقاييس الثقة: فنميل بلا وعي لى من لديه جمهور أكبر أو حضور طاغٍ على المنصات، ونفترض أن الشعبية تعني المصداقية. قصة محمود صلاح تقدم مثالًا حيًا على هذا الخلط الخطر؛ فشعبيته الرقمية صنعت في أعين متابعيه “هالة من الموثوقية” حول شخصه، حتى باتت أي معلومة يلقيها – مهما بلغت غرابتها – مقبولة لمجرد أنها خرجت من فمه. إنه صنع وهم الخبير مستفيدًا من أدوات العصر: قديمًا كان من الصعب على دجّال علمي أن يخاطب جمهورًا واسعًا من دون أن يمر عبر فلتر المؤسسات الإعلامية التقليدية التي قد تتحقق من كلامه؛ أما اليوم فالباب مفتوح لكل من يمتلك حسابًا وموهبة في سرد الحكاية.

غير أن ما وراء نجاح محمود صلاح يتعدى شخصه إلى بنية اجتماعية وتقنية سمحت له ولأمثاله بالازدهار. إنها لحظة تاريخية تتميز بازدياد الشكوك العامة في الروايات الرسمية، وبهيمنة الخوارزميات التي تعظّم الإثارة، وبسهولة تحول نظرية هامشية إلى ترند عالمي بين ليلة وضحاها. 

في هذه اللحظة، يبرز “الخبير الغامض” كبديل للبروفيسور التقليدي؛ الخبير الذي لا يتقيد بقيود المنهج العلمي المملة، بل يقدم المعرفة كقصص مشوقة ومفاجآت مذهلة. 

ما يدعو الى التأمل، أن بعض جمهور محمود صلاح يرى فيه بطلًا يتحدى هيمنة المؤسسات الأكاديمية “المتكبرة” – فشعارهم الضمني: لماذا نصدق “علماء ناسا” ولا نصدق “باحثًا حرًا” يطرح أسئلتنا نحن؟ هكذا يتحول الصراع إلى ما يشبه صراع سلطة معرفية: سلطة تقليدية تستند إلى الدليل العلمي والتجربة، وسلطة جديدة شعبوية تستند إلى عدد المتابعين وجرأة الطرح. وربما يكون هذا أخطر ما في الظاهرة، لأنه إذا ما اختلّت الموازين ورُجّحت كفة اللاعلم، سنكون أمام مجتمع يتخذ قراراته ويبني قناعاته على الأوهام.

وبين سطور هذه الحكاية العربية عن محمود صلاح، يتردد صدى قصص مماثلة حول العالم لشخصيات حققت الشهرة عبر الترويج للمعلومات المضلّلة. إنها معركة تدور رحاها على منصات رقمية لكن أثرها يتجسد في العقول والوعي الجمعي. لقد خرج محمود صلاح ومَن هم على شاكلته من رحم عصرهم الرقمي، مستخدمين لغة عصرهم، ليبنوا سلطنة” معرفية موازية يقف العلم الحقيقي إزاءها مثل عالم جليل يصيح وسط سوق صاخب فلا يكاد صوته يُسمع. 

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.
11.06.2025
زمن القراءة: 15 minutes

لا توجد أي سجلات معلنة لنشر أبحاث علمية محكّمة باسم محمود صلاح في دوريات جامعية أو انتماء إلى مؤسسة بحثية معتبرة. كل ما في الأمر شخصية تمكنت من بناء علامة شخصية، لعالم غامض”، معتمداً على مزيج من الألقاب العلمية غير التقليدية والسرديات المثيرة للفضول.

في إحدى أمسيات برنامج تلفزيوني تحت عنوان “حقيقة أم خيال؟”، قدم محمود صلاح نفسه أمام الكاميرا بلقب دكتور محمود صلاح، “الباحث في علوم ما وراء الطبيعة”، قبل أن يجيب عن  سؤال المقدّم: “هل الأرض مسطحة أم كروية؟” بأن “هناك كائنات أخرى تعيش وراء الجدار الجليدي، وهناك اتفاقيات سرّية بين أميركا وتلك الكائنات، والتواصل مع الأشجار حقيقي.

لم يرمش له جفن وهو يؤكد للمشاهدين أن حكومة الولايات المتحدة تخفي سرًا هائلًا خلف أسوار جليدية في أطراف الأرض، وأن نظريات العلم الراسخ ما هي إلا مؤامرة كبرى. في مقطع آخر على المنصة نفسها، زعم صلاح أنه “بشهادة الكونغرس الأميركي الأرض مسطحة وليست كروية، وأن أميركا لم تصل إلى القمر”. هكذا، وخلال دقائق، نسج محمود صلاح عالمًا موازياً يعجّ بالفرضيات الغريبة: أرض مسطحة تحاصرها جبال جليدية، وقبائل من مخلوقات خفيّة تعقد صفقات مع القوى العظمى، ورحلات أبولو إلى القمر ليست سوى فيلم سينمائي محبوك. لقد تحوّل المشهد الافتتاحي الى حلقة “الجدار الجليدي”، إلى نافذة على ظاهرة آخذة بالانتشار؛ ظاهرة خبير رقمي غامض يصوغ مزيجًا من نظريات المؤامرة والخيال العلمي، مستفيدًا من سحر المنصات الحديثة.

السيرة المعلَنة vs. الواقع: وهم الدكتوراه والباحث الميتافيزيقي

يروّج محمود صلاح لنفسه تحت ألقاب أكاديمية رنانة، مقدِّمًا ذاته بوصفه حاصلًا على دكتوراه في علم الميتافيزيقا وباحثًا في مجال ما وراء الطبيعة. حساباته الرسمية على المنصات الرقمية – من فيسبوك إلى يوتيوب – تزدان بلقب “د.” قبل اسمه، ما يمنح انطباعًا للمتابعين بأنهم أمام عالم متخصص أو بروفيسور متمرّس في علوم غامضة. 

قدّم محمود صلاح برنامجًا إذاعيًا بعنوان “جمّد قلبك” على إذاعة الشرق الأوسط، الإذاعة المصرية الحكومية الشهيرة،  في إشارة إلى قصص الرعب والماورائيات التي اعتاد سردها. غير أن التدقيق في الخلفية العلمية المعلَنة يقود إلى علامات استفهام كثيرة. فعلم “الميتافيزيقا” الذي يتباهى بحمل شهادة الدكتوراه فيه ليس تخصصًا أكاديميًا معترفًا به في الجامعات التقليدية؛ بل يبدو أنه يوظّف المصطلح بمعناه الشعبي المتداول المتداخل مع الخوارق والغيبيات، لا بمعناه الفلسفي الأصلي. 

أحد أبرز الدلائل على ذلك هو إعلان ترويجي نشره صلاح عن دورة تدريبية في “الميتافيزيقا” مدتها 8 محاضرات فقط، “باعتماد المجموعة المصرية البريطانية” – ما يوحي بأن “الدكتوراه” التي يحملها ربما منحتها له جهة خاصة غير أكاديمية، أو عبر مسار تعليمي غير تقليدي. وفي تعليق ناقد على هذه الظاهرة، كتب عبدالرحمن نصر: “واحد من هؤلاء الذين طفا ذكرهم أخيراً على السطح هو المدعو د. محمود صلاح الذي يصف نفسه بكاتب وباحث في علم ما وراء الطبيعة، ويسبق اسمه بلقب دكتور…”، في إشارة إلى أن اللقب جزء من صناعة الصورة أكثر منه انعكاسًا لمكانة أكاديمية حقيقية. 

لا توجد أي سجلات معلنة لنشر أبحاث علمية محكّمة باسم محمود صلاح في دوريات جامعية أو انتماء إلى مؤسسة بحثية معتبرة. كل ما في الأمر شخصية تمكنت من بناء علامة شخصية، لعالم غامض”، معتمداً على مزيج من الألقاب العلمية غير التقليدية والسرديات المثيرة للفضول.

وراء الكواليس، تبدو قصة صعود محمود صلاح مرتبطة أكثر بمنصات التواصل نفسها وذائقة الجمهور منها بأي إنجاز أكاديمي حقيقي. فقبل عامين فقط، لم يكن لاسمه حضور يُذكر خارج دوائر المهتمين بالماورائيات، لكنه استفاد من ظهور متكرر على برامج حوارية تلفزيونية مثل برنامج “القاهرة اليوم” مع الإعلامي أحمد يحيى على قناة ألفا. هناك، تبنّى دور الضيف الاستثنائي الذي يفاجئ الجمهور بادعاءات صادمة. تارة يخرج على الشاشة حاملاً أجهزة يدّعي أنها لكشف الجنّ والأرواح في الاستوديو، وطوراً يسترسل في حكايات عن أسرار الحكومات والخطط العلمية الخفية. وسرعان ما ترسّخت في ذهن المشاهد شخصية “الخبير الغامض” الذي لديه دومًا رواية بديلة لكل ما نعرفه. هذه الصورة، على رغم ضعف أساسها العلمي، باتت واقعه الجديد: مئات الآلاف من المتابعين يعتبرونه مرجعًا في أمور غامضة، يلقبونه أحيانًا بـ”العالم” و”البروفيسور”، بينما تقف المؤسسات العلمية الحقيقية على الهامش حائرة أمام اكتساح خطاب اللاعلم منصات الجماهير.

الأرض المسطّحة والجدار الجليدي: بين العلم والزيف

اشتهر محمود صلاح بتبنّي نظرية الأرض المسطّحة وزعمه وجود جدارٍ جليدي يُحيط بالكوكب، مؤكّدًا أنّ وكالات الفضاء تخفي الحقيقة وأنّ وثائق “سرّية”، بل “شهادة من الكونغرس”، تُثبت تسطّح الأرض. ويستدلّ بـ”ثبات الأفق” و”مستوى البحر” لإنكار الكرويّة. هذا يتعارض كليًّا مع براهين عمرها قرون: استدارة ظلّ الأرض على القمر (أرسطو)، اختفاء السفن تدريجيًّا عند ابتعادها، وصور الفضاء الحديثة – وأشهرها “الرخام الأزرق” (أبولو 17، 1972). كذلك يفسّر اختلاف أوقات الشروق والغروب، ورحلات الطائرات والإبحار حول العالم، كروية الأرض حسيًّا. أمّا “الجدار الجليدي” فليس سوى سواحل وأرفف أنتاركتيكا، حيث تعمل نحو 100 محطةٍ بحثية من 30 دولة ويصل إليها آلاف العلماء سنويًّا من دون أن يعثروا على “حافة العالم” أو كائناتٍ خلفها. تتضافر صور الفضاء والأدلة الميدانية لتجعل فكرة الأرض المسطّحة وهمًا يبدّده درس جغرافيا بسيط، ومع ذلك يروّج صلاح للخرافة بوصفها “اكتشافًا خطيرًا” يستقطب جمهورًا متعطّشًا للأسرار.

إنكار هبوط الإنسان على القمر: عودة إلى نظريات المؤامرة الكلاسيكية

يزعم محمود صلاح أنّ هبوط أبولو 11 على القمر كان “فيلمًا هوليووديًا” محبوكًا، مستدلًّا بظلالٍ تبدو غير متوازية، وعلمٍ أميركي يُخيَّل أنه يرفرف بلا هواء، وغياب النجوم عن السماء القاتمة، مدّعيًا كذلك أنّ الكونغرس يعرف حقيقة الخدعة، لكنّ الردَّ العلميّ يحسم المسألة؛ فقد جُمِعَت مئات الكيلوغرامات من صخور القمر وحُلّلت في مختبرات مستقلّة، فأثبتت تركيبًا يختلف عن صخور الأرض، وتركت بعثات أبولو ستة أعلام ومركباتٍ ومعدات تصوير وعواكس ليزرية على السطح، وهذه العواكس يستخدمها العلماء منذ 1969 في تجربة “قياس المدى الليزري” التي تؤكّد وجودها يوميًا وتُظهر ابتعاد القمر عن الأرض بنحو 3.8 سنتمتر سنويًا، كما أنّ الاتحاد السوفياتي راقب الرحلات بالرادار ولم يشكّك فيها ولو للحظة، ولو كان ثمة تزوير لفضحه خصم الحرب الباردة فورًا، يضاف إلى ذلك اللقطات الأصلية عالية الجودة التي تُبيّن حركة الروّاد البطيئة تحت جاذبية أقلّ، وصورة باز ألدرين الشهيرة إلى جوار العلم، فتتضافر الصخور والتحاليل والعواكس والصور والرصد السوفياتي لتُثبِت واقع الهبوط حسمًا. وعلى رغم ذلك كله، يواصل صلاح اجتذاب جمهور يهوى سيناريو “الحقيقة المخفية”، ويصف أعظم إنجاز فضائي بأنه “أكبر أكذوبة في التاريخ”.

كائنات عاقلة في كهوف تاسيلي بين الأسطورة والتاريخ

يروّج محمود صلاح لرواية تفيد بأن كهوف التاسيلي ناجر في الجزائر تخفي دلائل على اتصال البشر بكائنات فضائية؛ إذ يشير إلى نقوش صخرية غريبة ومدينة أسطورية تُدعى “سيفار”، زاعماً أن “الكائنات حذّرت البشر منذ سنوات”. هذه الادعاءات تستند إلى تأويلات قديمة ظهرت منذ خمسينات القرن الماضي حين رأى بعض المستكشفين في النقوش أشكالاً بشرية برؤوس دائرية ظنوها “فضائية”، لكن العلم يوضح أن تاسيلي كنز أثري يوثق حياة البشر الأوائل: أكثر من 15 ألف لوحة ونقش امتدت من عشرة آلاف قبل الميلاد إلى القرون الأولى للميلاد، سجلّت تحولات مناخ الصحراء الكبرى وهجرة حيواناتها ومشاهد الطقوس اليومية، وصنفتها اليونسكو تراثاً عالمياً عام 1982. مرحلة “الرؤوس المستديرة” التي يتشبث بها صلاح يراها علماء الآثار أسلوباً رمزياً مرتبطاً بطقوس دينية بدائية، لا دليلاً على زوار سماويين؛ والدراسات الميدانية تؤكد غياب أي آثار لحضارات غير بشرية، بينما تغذي قصص الهواة – مثل “مدينة الجن” واختفاء مستكشفين – خيال العامة بلا سند علمي. الباحثون الذين رافقوا مرشدي الطوارق وثّقوا النقوش وفسروها في سياق ثقافات شمال أفريقيا القديمة، وبعض الرسوم لأشخاص مقنّعين أو بملابس احتفالية تعكس شعائر للخصوبة أو الصيد لا أكثر. هكذا لا توجد أدلة أثرية أو جيولوجية على كائنات عاقلة غير البشر في تاسيلي، ومع ذلك تجد رواية صلاح رواجاً لأنها تمنح تفسيراً جذاباً ومبسّطاً للغز تاريخي معقد، فيرتاح فضول الجمهور إلى قصة فضائيين بدل البحث في الدراسات الأثرية الرصينة.

آليات الانتشار على المنصات الرقمية: خوارزميات تصنع الشهرة

يتساءل المرء: كيف استطاع شخص مثل محمود صلاح، بأفكاره المناقضة للعقلانية والعلم، أن يجتذب كل هذا الجمهور في زمن يمكن فيه بضغطة زر الوصول الى المعلومة الموثوقة؟ للإجابة، يجب فهم دور المنصات الرقمية والخوارزميات في تلميع أمثال هذه الظواهر. لقد ظهر محمود صلاح في الوقت المناسب تمامًا؛ عصر المحتوى الفيروسي القصير والتفاعل الآني. فهو ينشط بقوة على يوتيوب وتيك توك وفيسبوك، ويقدم مقاطعه بأسلوب مشوّق لا يخلو من الدراما: عناوين فيديوهات مثيرة للفضول (على غرار “مفاجآت صادمة” و*”حقائق مخفية”)، ومونتاج سريع الإيقاع مفعم بالموسيقى التشويقية، وصوت هادئ ونبرة واثقة تزيد من الإيحاء بالمصداقية. 

هذه العوامل تجعل الفيديو قابلًا للمشاركة والانتشار السريع، خصوصًا إذا أثار جدلًا في التعليقات ودفع الناس الى إعادة نشره مصحوبًا باستنكار أو تأييد. وقد استفاد صلاح تحديدًا من خاصية المقاطع القصيرة (Shorts/Reels) التي تروجها المنصات بقوة؛ إذ راجت له مقاطع لا تتجاوز الدقيقة، يظهر فيها وهو يجيب عن أسئلة مثل “الأرض مسطحة أم كروية؟” أو “أينشتاين لا يزال حيًا؟”، فتحصد تلك الثواني مئات آلاف المشاهدات في أيام قليلة. على سبيل المثال، وصل أحد مقاطع برنامج “القاهرة اليوم” الذي ظهر فيه وهو يتحدث عن سر الكائنات الخفية وكل ما تريدون معرفته عن الجدار الجليدي وما قصة بناء هرم جديد، إلى ما يقارب النصف مليون مشاهدة خلال فترة وجيزة، وتجاوز فيديو آخر عن كائنات جوف الأرض أقدم من آدم وآينشتاين على قيد الحياة بعد استنساخه، أكثر من 600  ألف مشاهدة. أما صفحته على فيسبوك، فقد تجاوزت حاجز الـ 400  ألف متابع يتفاعلون مع كل منشوراته، ناهيك بحسابه على تيك توك حيث تنتشر مقاطعه مترجمة أحيانًا الى الإنكليزية وتحصد إعجابات بالآلاف. 

تغذّي أنظمة التوصيات الآلية أرقام المشاهدات الضخمة لمحمود صلاح؛ فكل تفاعل جديد يدفع يوتيوب إلى اقتراح مزيدٍ من محتواه ومحتوى مؤامراتي مشابه، فيُدخل المشاهد “غرفة صدى” تؤكّد قناعاته وتقدّم له قوائم عن “المؤامرة الكونية” و”الأرض المجوَّفة” و”الأطباق الطائرة النازية”، حتى يبدو هذا الخطاب شائعًا لا شذوذًا. نجاح صلاح الرقمي مرهون بمهارته في اللعب على الخوارزميات والترندات: أثناء جائحة كورونا روّج لـ”مؤامرات اللقاح” والنانوبوت، وحين تصدّر الذكاء الاصطناعي الأخبار وصفه بأنه “أخطر من القنبلة النووية”؛ يختار وسومًا دارجة مثل #الأرض_المسطحة و#Illuminati ويكثّف رسالته في الثواني الأولى لضمان اكتمال المشاهدة، فيُفضّله النظام أكثر. الإثارة والجدل وقود الانتشار؛ تعليقات المستهزئين والمقتنعين ترفع التفاعل الذي تكافئه المنصّات، على رغم إعلان يوتيوب (2019) خفض توصية فيديوهات “على الحافة” – وهو إجراء أثبتت تقارير لاحقة محدوديته. هكذا تُصبح المنصّات شريكًا غير مقصود في تضخيم الظاهرة، بينما يوظّف صلاح أدوات الإعلام الجديد: مقاطع قصيرة متزامنة على منصّات شتّى، ردودًا لطيفة تعزّز الولاء، وبثوثًا حيّة تكمل رابطة “المعلّم وتلاميذه”.

الدوافع النفسيّة والاجتماعيّة لجمهور المؤامرة

النجاح الجماهيري لشخصية مثل محمود صلاح يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا ينجذب عدد كبير من الناس إلى محتوى يكذّب بديهيات العلم ويعتمد على طرح لا عقلاني؟ من منظور علم النفس الاجتماعي، الإيمان بنظريات المؤامرة والخوارق يستجيب لجملة احتياجات نفسية واجتماعية لدى الأفراد. وجدت دراسة حديثة حللت بيانات 170 بحثًا سيكولوجيًا (شملت 158 ألف مشارك)، أن أبرز دوافع الإيمان بنظريات المؤامرة هي ثلاثة: حاجة الأفراد الى فهم بيئتهم والشعور بالأمان وسط الضبابية، وحاجتهم الى الشعور بالتفوق المعرفي على الآخرين. بكلمات أخرى، عندما يعجز الناس عن تفسير أحداث معقدة أو مخيفة – كالكوارث الطبيعية أو الأزمات الصحية أو حتى التقلبات السياسية – يميل بعضهم الى تبني تفسير مؤامراتي يمنحهم إطارًا مبسطًا للفهم ويخفف قلقهم بتحميل جهة ما مسؤولية ما يحدث. وفي الوقت نفسه، يمنح تبنّي تلك النظريات صاحبها إحساسًا بالتميز وامتلاك الحقيقة الخفية التي يجهلها “العامة”، فيشعر بتفوق فكري يرضي غروره أو يعوّض نقصًا ما. هذا ينسجم تمامًا مع ما توفره شخصية محمود صلاح لجمهورها: فهو يعدهم بأنهم عبر متابعته “سيعرفون ما يخفيه العلماء والحكومات”، وأنهم سيكونون في دائرة العارفين المستنيرين بينما يبقى غيرهم مخدوعًا. هكذا يستميل متابعيه عبر إشباع حاجتهم النفسية الى الشعور بأنهم مميزون ومستيقظون على “حقيقة” لا يدركها معظم الناس.

إلى جانب ذلك، يلعب البعد الاجتماعي والسياسي دورًا في رواج هذه الأفكار. ففي مجتمعات تعاني أحيانًا من عدم الثقة بالمؤسسات الرسمية ومن ضعف الثقافة العلمية العامة، تجد نظريات المؤامرة أرضًا خصبة للنمو. كثر من الناس مرّوا بتجارب خذلان من الجهات التي يفترض بها تزويدهم بالمعلومات الصحيحة – سواء كانت حكومات أو إعلامًا تقليديًا – فأصبحوا أكثر استعدادًا لتصديق أي رواية بديلة تشبع شعورهم بالشك. على سبيل المثال، ترسخ في الوعي الجمعي العربي تاريخيًا، أن القوى العظمى تتآمر على شعوبنا (وهو ما حدث فعلًا في سياقات سياسية واستعمارية)، فاختلط ذلك الميل بتصديق المؤامرة في كل شيء، حتى في العلم. لذا حين يأتي من يقول: “وكالات الفضاء تكذب عليكم والأرض ليست كروية” لن يعدم من يصدقه بدافع الشك في كل ما يأتي عبر الغرب أو المؤسسات الرسمية.

 أيضًا هناك دافع الهوية والانتماء: يجتذب خطاب محمود صلاح شريحة من الشباب ربما تجد في مجتمع المؤمنين بتلك الأفكار ملاذًا اجتماعيًا. إنهم يشكلون مجموعات وصفحات يتبادلون فيها الفيديوهات والقناعات، ويشعرون بأن انتماءهم الى جماعة “العارفين بحقيقة المؤامرة” يمنحهم هوية وتميزًا، بل ويرون البقية “قطيعًا جاهلًا” بحسب بعض تعليقاتهم المتبادلة. من زاوية التحليل النفسي، هذا يعكس ميكانزمات دفاعية لدى الأفراد المحبطين أو الضعفاء؛ فبدل مواجهة واقع معقد قد يشعرون بالعجز حياله، ينسحبون إلى تبنّي سرديات بديلة تمنحهم بساطة في التفسير وجماعة تحتويهم. وكما وصف أحد الباحثين، “نظرية المؤامرة هي وهم يلاحق الضعفاء والمهزومين” لأنها تعطل التفكير النقدي، لكنها في الوقت ذاته تسكّن القلق الوجودي. المؤسف أن هذا الوهم يتحول الى إدمان معرفي؛ إذ نرى بعض متابعي صلاح يتابعون كل حلقة بلهفة وكأنها جرعة تشبع فضولهم الدائم الى مزيد من الأسرار المزعومة. وفي التعليقات ما يدل على ذلك: “ننتظر منك الحلقة القادمة دكتور، أكشف لنا المزيد من الحقائق المخفية” – عبارات تتكرر بصيغ مشابهة، تشير إلى تعطّش سيكولوجي مستمر للغموض لدى الجمهور.

ولا يمكن إغفال دور الثقافة الشعبية والإعلام الترفيهي في تطبيع هذه الأفكار. فأفلام هوليوود مليئة بقصص المؤامرات (من رجال الظل في الحكومة إلى الفضائيين في المنطقة وكذلك ألعاب الفيديو والروايات، ما يجعل العقل الجمعي مهيئًا لتقبّل فرضيات مثل الأرض المسطحة والجدار الجليدي ضمنًا كأنها مجرد سيناريو آخر قابل للنقاش. يضاف إلى ذلك ضعف التعليم العلمي في المناهج أحيانًا؛ فالطالب الذي لم يختبر بنفسه تجربة علمية ولم يتعلم منهجية التفكير النقدي، قد يجد نفسه عاجزًا عن التمييز بين ما هو علم رصين وما هو “علم زائف”. وهنا تتحمل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية جزءًا من المسؤولية لأنها لم تبنِ حصانة معرفية كافية لدى شريحة من الجمهور تجعلهم يرفضون تلقائيًا ادعاءات من نوعية “الأرض مسطحة” على أساس أنها لا تقل عبثية عن القول بأن الأرض قرص محمول على ظهر سلحفاة! خلاصة الأمر أن جمهور نظريات محمود صلاح ليسوا بالضرورة أغبياء أو مجانين كما قد يصفهم البعض، بل غالبًا هم أناس عاديون وقعوا في فخ مزيج من الاحتياجات النفسية (الفهم والتفوق والانتماء) والظروف الاجتماعية (انعدام الثقة وقصور الثقافة العلمية) التي جعلتهم فريسة سهلة لسردية الخبير المزيّف.

المواجهة العلمية: أصوات العقل أمام ادعاءات صلاح

وسط انتشار ظاهرة محمود صلاح وتصاعد تأثيرها على وعي بعض فئات الجمهور، لم يقف العلماء وصنّاع المحتوى العلمي مكتوفي الأيدي. ظهر في المشهد المقابل عدد من الأصوات التي سخّرت خبرتها ومنصاتها لدحض مزاعمه وتحذير الناس من الانجرار وراءها. أحد أبرز هذه المواقف جاء من العالم المصري الأميركي المشهور الدكتور فاروق الباز – عالم الجيولوجيا الفضائية في وكالة ناسا وأحد المشاركين في برنامج أبولو نفسه، والذي استضافه محمود صلاح فاروق الباز في أواخر عام 2024 ضمن إحدى حلقات برنامجه (الذي يحمل بالمفارقة اسم “المجهول مع د. محمود صلاح“)، أملاً ربما بإضفاء شرعية علمية على حواره. لكن الباز واجه صلاح بحزم علمي وأدلى بتصريحات صارمة أصبحت لاحقًا عناوين للصحف. إذ قال الباز بوضوح إن “مروّجي نظرية الأرض المسطحة يعانون من خلل فكري” لأنهم “لا يستطيعون ملاحظة أن الأرض دائرية أو بيضاوية، ما يدل على عدم قدرتهم على التفكير بشكل منطقي”. وأردف موجّهًا حديثه الى أولئك المروّجين بلهجة ساخرة: فليتفكروا قليلاً “كيف يمكن أن يكون كوكب متوقف (غير دائر) ومع ذلك يتعاقب الليل والنهار؟”. شكّلت هذه الكلمات صفعة علنية لأطروحات صلاح، بخاصة وأنها صدرت من عالم مرموق شارك فعليًا في اختيار مواقع هبوط أبولو على القمر ويعلم دقائق الأمور عن شكل الأرض من الفضاء. حاول صلاح خلال الحلقة مجادلة الباز أو طرح مزاعمه المعتادة، لكن وجود شخصية بثقل فاروق الباز أربك حساباته. وبعد الحلقة، تناقلت وسائل الإعلام تصريحات الباز وتحذيره من انتشار المعلومات غير الصحيحة علميًا. وعبّر الباز عن مخاوفه من أن تنطلي مثل هذه الخرافات على الشباب، داعيًا إلى ترسيخ التفكير العلمي والمنطقي في مواجهة الخرافة.

كذلك، لم يغب المحتوى العلمي العربي عن التصدي لهذه الموجة. فمثلاً، قدّم اليوتيوبر العلمي الشهير أحمد الغندور حلقة خاصة في برنامجه “الدحيح” عنوانها هل الأرض مسطحة؟”، فنّد فيها بأسلوبه الساخر المحبب، حجج الأرض المسطحة واحدة واحدة بأدلة تاريخية وعلمية. استشهد الغندور بإجماع علماء المسلمين منذ القرون الوسطى على كروية الأرض (نقل عن ابن تيمية قوله “قد اتفقوا على أنها كروية الشكل”)، وشرح ببساطة لجمهوره كيف أن ظواهر مثل خسوف القمر وشروق الشمس من أماكن مختلفة تثبت كروية الأرض.

أيضًا تصدى له عدد من المدوّنين العلميين على فيسبوك وتويتر ممن لهم باع في تبسيط العلوم، مثل شادي عبد الحافظ الذي نشر منشورات عدة مفصّلة تشرح أخطاء فهم صلاح للفيزياء والفلك – فمثلاً شرح لماذا لا تُرى النجوم في صور رواد الفضاء (بسبب إعدادات الكاميرا وشدة سطوع سطح القمر مقارنة بخفوت النجوم)، ولماذا يظل العلم الأميركي مرفرفًا (بفعل قضيب معدني أفقي مثبت أعلاه وليس لوجود هواء). وهكذا تم نقض كل النقاط التي يثيرها منظّرو المؤامرة واحدة تلو الأخرى بالرجوع إلى المصادر الموثوقة والتجارب المباشرة. كما انبرت صفحات مبادرات التحقق من الأخبار العلمية (مثل منصة “فتبينوا” ) لنشر مقالات مختصرة وسهلة القراءة تسرد 10 أدلة لدحض خرافة الأرض المسطحة وتفنّد أشهر مزاعم تلفيق الهبوط على القمر مع إرفاق صور ووثائق.

على جانب آخر، هناك أيضًا علماء الاجتماع وعلماء النفس الذين حذروا من آثار الانجرار وراء أمثال محمود صلاح. فهم يرون أن انتشار التفكير المؤامراتي هو مؤشر إلى أزمة ثقة ومعرفة في المجتمع. يصف أحد الباحثين هذه الظاهرة بأنها “أفيون معطّل للعقل” لأنها تعطّل المنطق والتفكير العلمي وتسبب نوعًا من الشلل في الإرادة الجمعية نحو التغيير الإيجابي. فالشخص المؤمن بأن كل شيء مؤامرة من قوى خفية سيستسلم لشعور العجز والارتياب الدائم بدل السعي الى إصلاح واقعه أو اكتساب معرفة حقيقية. لذلك يجادل هؤلاء الخبراء بأن مواجهة موجة محمود صلاح وأمثاله لا تكون فقط بتفنيد المعلومات الخاطئة، بل أيضًا بمعالجة التربة الخصبة التي تنمو فيها. أي عبر تحسين مستوى التعليم العلمي، وتعزيز التفكير النقدي عند الطلاب منذ الصغر، وبناء الثقة بين الجمهور والمؤسسات العلمية المحلية، وتشجيع صنّاع المحتوى الرصين بمنحهم مساحة أكبر في الإعلام. من المبادرات اللافتة في هذا السياق، تنظيم بعض أساتذة الجامعات ندوات عامة مفتوحة بعنوان مثل “العلم الزائف وخطره” يشرحون فيها للحضور كيفية التمييز بين ما هو علمي وما هو دجل.

 قصة محمود صلاح هي قصة تصلح كنموذج دراسة حالة لكيفية استخدامه كلمات علمية صحيحة في ظاهرها (كالنانوتكنولوجي، والبعد الخامس، والميتافيزيقا) لكنه يوظفها في سياق لا علمي مضلل. الجهود المضادة لجهل مروجي نظريات المؤامرة وإن كانت لا تبلغ مدى انتشار محتوى المؤامرة نفسه، لكنها بمثابة سد دفاعي ضروري كي لا يسود الجهل المركّب. وكما قال فاروق الباز في ختام مواجهته التلفزيونية مع صلاح: “علينا أن نعلم أبناءنا التفكير العلمي منذ الصغر، حتى لا يأتي من يخدعهم بروايات من نسج الخيال” – في إشارة إلى أن اللقاح الأنجع ضد وباء الخرافة هو ترسيخ المنهجية العلمية في العقول الناشئة.

سلطة الزيف في عصر الرقميات

في المشهد الختامي لإحدى حلقات محمود صلاح، ينظر مباشرة إلى الكاميرا ويخاطب جمهوره: ” تذكروا أن هناك دائمًا من يحاول إخفاء الحقيقة عنكم”. بهذا الأسلوب ، يزرع صلاح بذور الشك في كل مصدر آخر للمعلومات سواه، ويقدم نفسه ضمنيًا كمنارة المعرفة الحرة في عصر “الخوارزميات المسيَّسة” كما يسميه. لقد نجح عبر الشاشة الصغيرة في غرفة معيشتنا، في صنع وهم بسلطة معرفية بديلة، سلطة لا تستند إلى جامعات أو مجلات علمية بل إلى أرقام المشاهدات وإعادات النشر. وفي عصر الرقمنة الحالي، كثيرًا ما تختلط علينا مقاييس الثقة: فنميل بلا وعي لى من لديه جمهور أكبر أو حضور طاغٍ على المنصات، ونفترض أن الشعبية تعني المصداقية. قصة محمود صلاح تقدم مثالًا حيًا على هذا الخلط الخطر؛ فشعبيته الرقمية صنعت في أعين متابعيه “هالة من الموثوقية” حول شخصه، حتى باتت أي معلومة يلقيها – مهما بلغت غرابتها – مقبولة لمجرد أنها خرجت من فمه. إنه صنع وهم الخبير مستفيدًا من أدوات العصر: قديمًا كان من الصعب على دجّال علمي أن يخاطب جمهورًا واسعًا من دون أن يمر عبر فلتر المؤسسات الإعلامية التقليدية التي قد تتحقق من كلامه؛ أما اليوم فالباب مفتوح لكل من يمتلك حسابًا وموهبة في سرد الحكاية.

غير أن ما وراء نجاح محمود صلاح يتعدى شخصه إلى بنية اجتماعية وتقنية سمحت له ولأمثاله بالازدهار. إنها لحظة تاريخية تتميز بازدياد الشكوك العامة في الروايات الرسمية، وبهيمنة الخوارزميات التي تعظّم الإثارة، وبسهولة تحول نظرية هامشية إلى ترند عالمي بين ليلة وضحاها. 

في هذه اللحظة، يبرز “الخبير الغامض” كبديل للبروفيسور التقليدي؛ الخبير الذي لا يتقيد بقيود المنهج العلمي المملة، بل يقدم المعرفة كقصص مشوقة ومفاجآت مذهلة. 

ما يدعو الى التأمل، أن بعض جمهور محمود صلاح يرى فيه بطلًا يتحدى هيمنة المؤسسات الأكاديمية “المتكبرة” – فشعارهم الضمني: لماذا نصدق “علماء ناسا” ولا نصدق “باحثًا حرًا” يطرح أسئلتنا نحن؟ هكذا يتحول الصراع إلى ما يشبه صراع سلطة معرفية: سلطة تقليدية تستند إلى الدليل العلمي والتجربة، وسلطة جديدة شعبوية تستند إلى عدد المتابعين وجرأة الطرح. وربما يكون هذا أخطر ما في الظاهرة، لأنه إذا ما اختلّت الموازين ورُجّحت كفة اللاعلم، سنكون أمام مجتمع يتخذ قراراته ويبني قناعاته على الأوهام.

وبين سطور هذه الحكاية العربية عن محمود صلاح، يتردد صدى قصص مماثلة حول العالم لشخصيات حققت الشهرة عبر الترويج للمعلومات المضلّلة. إنها معركة تدور رحاها على منصات رقمية لكن أثرها يتجسد في العقول والوعي الجمعي. لقد خرج محمود صلاح ومَن هم على شاكلته من رحم عصرهم الرقمي، مستخدمين لغة عصرهم، ليبنوا سلطنة” معرفية موازية يقف العلم الحقيقي إزاءها مثل عالم جليل يصيح وسط سوق صاخب فلا يكاد صوته يُسمع.