ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سليم الحص: الممانع النزيه

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

اختار سليم الحص العزلة والاعتزال، تاركاً سيرة ذاتية يتقاطع عندها أكثر اللبنانيين عن نزاهة سلطوية حادة لم تصب عدواها الطبقة السياسية التي حالفها..

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 روى الرئيس سليم الحص طرفة حدثت له حين زار دمشق مهنئاً بشار الأسد بتولّيه الحكم . يقول الحص: “بعد انتهاء اللقاء، استبقاني الرئيس الأسد إلى مائدة الغداء، وحين دخلت غرفة الطعام كانت جميع الأصناف مطبوخة من اللحوم، وكوني نباتياً كما تعرفون، اعتذرتُ من الرئيس عن تناول الطعام “.  

في زيارتي الثانية لدمشق  يُكْمِل الحص، “تشاء المصادفات أن يستبقيني الرئيس الأسد إلى مائدة الغداء، ولدى دخولي غرفة الطعام تفاجأت بأنَّ كل أصناف المائدة نباتية، فنظرتُ إلى الرئيس الذي ابتسم مردداً، لم أنسَ أنكَ نباتي، فشكرته على لفتته وسألته: وماذا ستأكل أنت؟ أجابني: سآكل مما تأكل. هنا ابتسمتُ قائلاً: أول مرة أرى أسداً لا يأكلُ اللحم”!!

لم يكن الرئيس الراحل سليم الحص على الأرجح صاحب طرفة، فالأخيرة التصقت مثلاً بالرئيس الراحل عمر كرامي. وتبديد الطرافة في سردية الحص يتأتى أيضاً من واقعتين كفيلتين بنزعها عن سرديته. 

الأولى، أن طرفها الآخر هو بشار الأسد، والثانية أنها تزامنت مع بدايات الثورة السورية السلمية ضد نظام الأخير في العام 2011 وما رافقها من إيغال في لحم السوريين ودمهم.

راهناً، غيّب الموت الرئيس سليم الحص. وكالكثير من اللبنانيين، ومنذ إعلان وفاته، بدا أن سمة “ضمير لبنان” ستكون العبارة المروِّسة لرثائه، وتحديداً من الطبقة السياسية التي يُحسب للرجل أنه لم يتقاطع يوماً معها في السمة التي التصقت بها، أي الفساد، ونجيب ميقاتي كان أول الناعين والراثين.

كان الرئيس الحص نزيهاً منذ مباشرته العمل السياسي كرئيس للحكومة في أول عهد الرئيس الراحل الياس سركيس في العام 1976، وقبلها كرئيس للجنة الرقابة على المصارف بالتوازي مع رئاسة الأخير لحاكمية مصرف لبنان. وغالب الظن أن اقتران نزاهتين توافرتا في الحص وفي سركيس، أسستا لاحقاً لوسم الرجل بـ”ضمير لبنان”.

والتوغل أكثر في سيرة الحص الذاتية، سواء سيرته السلطوية أو العامة، تكثّف أيضاً الانطباع السائد عنه كـ”ضميرلبنان”. 

 سليم الحص هو القائل: “الروح التي وهبها الله للبشر لا يأخذها إلا الله”، وهو  ساق المقاربة  كتبرير لامتناعه عن توقيع أحكام الإعدام  في  عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، وتبدت مؤشراً الى نقاء نفسي أمام الموت القسري العميم الذي عايشه اللبنانيون في الحرب، والذي كان الحص ليكون واحداً من ضحاياها.

لم يكن الراحل بالتأكيد مع الجريمة وضد العقاب، لكنه الرجل الذي سكنته شفافية غالبة، ارتجى معها لبناناً يشبه سكينته التي زاول طقوسها ابتداءً من منزله.

هو من آلف في منزله بين كلب وهرة كاختبار عن إمكانية تبديد غريزة العداء بين الحيوانات، وساقها كدلالة تفترض ترويض اللبنانيين على العيش المشترك.

لكن الرئيس الحص انتهى في “عصارة عمره”  إلى رجل تسكنه خيبات كثيرة تقاطع على صناعتها شركاؤه في الحكم حيناً، وخصومه السياسيون أحياناً، ولا يُعفى هو من صناعتها.

اختار سليم الحص العزلة والاعتزال، تاركاً سيرة ذاتية يتقاطع عندها أكثر اللبنانيين عن نزاهة سلطوية حادة لم تصب عدواها الطبقة السياسية التي حالفها، ولم تغفر له عند خصوم كثر تبدى موقعه  السياسي نازعاً لها.

كان الرئيس الحص ممانعاً؟ نعم. هنا على الأرجح ينشطر اللبنانيون فيه، وهو لم يبادر أصلاً إلى ترويض هذه الممانعة في سيرته السياسية، أو على الأقل محاولة مقاربتها مع نزاهته السلطوية.

ظلت ممانعة الرئيس الحص تفضي إلى هذا الالتباس عند اللبنانيين، عند أهلها كما عند خصومها. نزاهة الرجل، على رغم الاعتراف بها، غالباً ما انطوت في ظل ممانعته الساطعة عند الخصوم، فيما أصحابها  كثّفوها كمسار سياسي يعنيهم أكثر من نزاهته التي تبدت غالباً  “أرشيفاً” يسعفهم في المناكفة السياسية مع رؤساء حكومات كسعد الحريري ونجيب ميقاتي.

سليم الحص ممانعاً؟ نعم. والعودة إلى طرفته مع بشار الأسد تفضي إلى ما هو أبعد من الممانعة. إنها إن أحسنا الظن بالراحل، ستفضي إلى محاكمة ضمير بدا حينها مصاباً “بالسبات الشتوي”.

26.08.2024
زمن القراءة: 3 minutes

اختار سليم الحص العزلة والاعتزال، تاركاً سيرة ذاتية يتقاطع عندها أكثر اللبنانيين عن نزاهة سلطوية حادة لم تصب عدواها الطبقة السياسية التي حالفها..


 روى الرئيس سليم الحص طرفة حدثت له حين زار دمشق مهنئاً بشار الأسد بتولّيه الحكم . يقول الحص: “بعد انتهاء اللقاء، استبقاني الرئيس الأسد إلى مائدة الغداء، وحين دخلت غرفة الطعام كانت جميع الأصناف مطبوخة من اللحوم، وكوني نباتياً كما تعرفون، اعتذرتُ من الرئيس عن تناول الطعام “.  

في زيارتي الثانية لدمشق  يُكْمِل الحص، “تشاء المصادفات أن يستبقيني الرئيس الأسد إلى مائدة الغداء، ولدى دخولي غرفة الطعام تفاجأت بأنَّ كل أصناف المائدة نباتية، فنظرتُ إلى الرئيس الذي ابتسم مردداً، لم أنسَ أنكَ نباتي، فشكرته على لفتته وسألته: وماذا ستأكل أنت؟ أجابني: سآكل مما تأكل. هنا ابتسمتُ قائلاً: أول مرة أرى أسداً لا يأكلُ اللحم”!!

لم يكن الرئيس الراحل سليم الحص على الأرجح صاحب طرفة، فالأخيرة التصقت مثلاً بالرئيس الراحل عمر كرامي. وتبديد الطرافة في سردية الحص يتأتى أيضاً من واقعتين كفيلتين بنزعها عن سرديته. 

الأولى، أن طرفها الآخر هو بشار الأسد، والثانية أنها تزامنت مع بدايات الثورة السورية السلمية ضد نظام الأخير في العام 2011 وما رافقها من إيغال في لحم السوريين ودمهم.

راهناً، غيّب الموت الرئيس سليم الحص. وكالكثير من اللبنانيين، ومنذ إعلان وفاته، بدا أن سمة “ضمير لبنان” ستكون العبارة المروِّسة لرثائه، وتحديداً من الطبقة السياسية التي يُحسب للرجل أنه لم يتقاطع يوماً معها في السمة التي التصقت بها، أي الفساد، ونجيب ميقاتي كان أول الناعين والراثين.

كان الرئيس الحص نزيهاً منذ مباشرته العمل السياسي كرئيس للحكومة في أول عهد الرئيس الراحل الياس سركيس في العام 1976، وقبلها كرئيس للجنة الرقابة على المصارف بالتوازي مع رئاسة الأخير لحاكمية مصرف لبنان. وغالب الظن أن اقتران نزاهتين توافرتا في الحص وفي سركيس، أسستا لاحقاً لوسم الرجل بـ”ضمير لبنان”.

والتوغل أكثر في سيرة الحص الذاتية، سواء سيرته السلطوية أو العامة، تكثّف أيضاً الانطباع السائد عنه كـ”ضميرلبنان”. 

 سليم الحص هو القائل: “الروح التي وهبها الله للبشر لا يأخذها إلا الله”، وهو  ساق المقاربة  كتبرير لامتناعه عن توقيع أحكام الإعدام  في  عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، وتبدت مؤشراً الى نقاء نفسي أمام الموت القسري العميم الذي عايشه اللبنانيون في الحرب، والذي كان الحص ليكون واحداً من ضحاياها.

لم يكن الراحل بالتأكيد مع الجريمة وضد العقاب، لكنه الرجل الذي سكنته شفافية غالبة، ارتجى معها لبناناً يشبه سكينته التي زاول طقوسها ابتداءً من منزله.

هو من آلف في منزله بين كلب وهرة كاختبار عن إمكانية تبديد غريزة العداء بين الحيوانات، وساقها كدلالة تفترض ترويض اللبنانيين على العيش المشترك.

لكن الرئيس الحص انتهى في “عصارة عمره”  إلى رجل تسكنه خيبات كثيرة تقاطع على صناعتها شركاؤه في الحكم حيناً، وخصومه السياسيون أحياناً، ولا يُعفى هو من صناعتها.

اختار سليم الحص العزلة والاعتزال، تاركاً سيرة ذاتية يتقاطع عندها أكثر اللبنانيين عن نزاهة سلطوية حادة لم تصب عدواها الطبقة السياسية التي حالفها، ولم تغفر له عند خصوم كثر تبدى موقعه  السياسي نازعاً لها.

كان الرئيس الحص ممانعاً؟ نعم. هنا على الأرجح ينشطر اللبنانيون فيه، وهو لم يبادر أصلاً إلى ترويض هذه الممانعة في سيرته السياسية، أو على الأقل محاولة مقاربتها مع نزاهته السلطوية.

ظلت ممانعة الرئيس الحص تفضي إلى هذا الالتباس عند اللبنانيين، عند أهلها كما عند خصومها. نزاهة الرجل، على رغم الاعتراف بها، غالباً ما انطوت في ظل ممانعته الساطعة عند الخصوم، فيما أصحابها  كثّفوها كمسار سياسي يعنيهم أكثر من نزاهته التي تبدت غالباً  “أرشيفاً” يسعفهم في المناكفة السياسية مع رؤساء حكومات كسعد الحريري ونجيب ميقاتي.

سليم الحص ممانعاً؟ نعم. والعودة إلى طرفته مع بشار الأسد تفضي إلى ما هو أبعد من الممانعة. إنها إن أحسنا الظن بالراحل، ستفضي إلى محاكمة ضمير بدا حينها مصاباً “بالسبات الشتوي”.