وصلتُ إلى باريس للبحث عن إجاباتٍ كثيرة لأسئلة تدور في داخلي، وأنفض عني اكتئاب الانزواء والنبذ المريع في فترة يباد فيها أهل مدينتي غزة من دون أن تتساوى ضحاياها مع ضحايا المدن الأخرى. فلا أحد يراني هنا، كما لا يرى أحد موتانا هناك، أسئلة لا يمكن العثور لها على إجابة مثالية؛ لماذا قد يحدث لنا ذلك كله؟ وهل بإمكان الكتابة والنشر أن يغيرا شيئاً؟ فلم يفعلا ذلك طوال عشرة شهور.
أما الأسئلة التي يوجهها إلي الآخرون هنا عن غزة، فالإجابة عنها مكررة، وقد كرهت حزني وصوتي وأنا أرد، كما كرهت ذاك الصوت الذي يخرج منهم بعد الإجابة، إما شفقة أو دهشة.
أريد أن أسمع إجابات من نوع آخر لأسئلة تؤرقني، مثلًا؛ هل كنا على حق؟ هل يلتقي الشهداء في الجنة ويبنون هناك غزة أخرى؟ هل انتهى الأمل بالإنسانية؟
حين وصلت، أردت مقابلة كل أصدقائي الذين تعرفت عليهم على مدى 15 عاماً كنت أتردد فيها على باريس قبل قرار الاستقرار في مدينة تولوز الفرنسية، لأسألهم تلك الأسئلة، وكان أحدهم الروائي والصديق اللبناني الفرنسي سليم نصيب.
وفي حال صادف وقرأتم روايته “العشيق الفلسطيني”، ستشعرون حقاً أنّ هذه الأيام فيها من تلك الأيام، والنفس المقاوم القوي نفسه في دحر العدوان الإسرائيلي، وإصرار غولدا مائير، إحدى شخصيات الرواية، هو ذاته إصرار نتانياهو الآن على حماية الغيتو اليهودي ولو أحاطه بقبور العالم.
إلّا أن هذه ليست روايته الوحيدة التي تكشف عن فهمه العميق للبيئة الصهيونية، فهو كتب أيضاً تحفته الأخيرة “الجَلبة” Le Tumulte الصادرة قبل عامين، والتي تعمّق فيها بقص حكاية اليهود في لبنان في بدايات القرن الماضي ومآلاتهم، وقبلها ألّف روايته بالفرنسية Oum، عن أم كلثوم، وحظيت بترجمة عربية بديعة للشاعر اللبناني بسام حجار بعنوان متميز “وكان صرحاً من خيال”، وهي تعتبر الأشهر بين رواياته في العالم العربي.
هوية سليم نصيب المتنوّعة تُنسب إلى أجداده اليهود من أصول حلبية دمشقية، وصلوا إلى لبنان في أربعينات القرن الماضي، وانضم في شبابه إلى صفوف الحزب الشيوعي اللبناني ثم غادر إلى باريس واستقر هناك مع عائلته حتى اللحظة. التقيت به في أكثر من مقهى وأكثر من مقابلة ليكون حديثاً كافياً عني وعنه وعن لبنان وعن غزة في زمن الإبادة.
قهوة وسؤال غزة المعتاد
في اللقاء الأول، ذهبنا إلى المقهى بدراجته النارية التي تجنّبه الزحام في شوارع باريس، لكن هذه المرة أعاقنا إصلاح الطرقات، فتابعنا مشياً على الأقدام. سألته كيف يشعر الآن وسط الأخبار المتواترة حول حرب قد تكون وشيكة في لبنان، فردّ بأنه خائف جداً على لبنان، ويتمنى ألا يدفع الثمن، فلا أحد يريد لوطنه أن ينهار تحت القنابل والموت. وأضاف: “لبنان من 50 سنة عم بموت لأنه إسرائيل عملت هيك بالفلسطينيين، ألا يكفي كل ما فات؟”. مع ذلك، أكد تفهّمه لوجود قسم آخر من اللبنانيين يرى أهمية في مساندة الفلسطينيين، بخاصة البيئة الشيعية المناصرة لحزب الله.
دخلنا مقهى، طلبنا قهوة إسبريسو، كان يريد سليم أن يسألني عن عائلتي في غزة، لكني سبقته، فلدي الفضول الأكبر لأسأله كيف يتابع الإبادة في غزة؟ وجاء رده بسيطاً وبليغاً معاً كما شخصيته: “أنا أعيش بجسدي في باريس لكن روحي في غزة، أستيقظ صباحاً، أقرأ غالبية المقالات في كثيرٍ من الصحف العالمية، ثم أبدأ بالكتابة عن غزة، كل يوم أقول سيكون آخر مقال لكنه لا يكون كذلك، رأسي مليء بالأفكار وقلبي بالمشاعر، جزء مصدوم بالمجتمع الإسرائيلي وجزء حزين على تدمير المجتمع الغزي الذي لا يستطيع أحد إنقاذه”.
يتابع وهو يحاول تذكّر المصطلحات بالعربية الفصحى: “إنّ ما يحدث جنون، ومن الواضح أن إسرائيل لا تتصرف حتى كاستعمار، بل أكثر من ذلك، هم لا يريدون للفلسطينيين أن يكونوا موجودين، فهم يحاربون وجود كل ما هو فلسطيني بالمطلق، لا يريدون لأي فلسطيني أن يتواجد على أرض فلسطين التاريخية، وحتى الفلسطينيين الذين يوجدون في إسرائيل يرزحون تحت ضغط شديد، أما الذين في الضفة وغزة فهم يفكرون كيف يتخلصون منهم ويطردونهم”.
يضيف: “في عام 1948، كانت إسرائيل تطرد الفلسطينيين ومن ثم تهدم بيوتهم وقراهم فوراً، أما الآن فهي تهدم بيوتهم ومدنهم فوقهم، وذلك كله يحدث لأن هناك فانتازيا لدى الإسرائيليين أنه ممكن الخلاص من أهل غزة بأن يذهبوا إلى مصر، ومن أهل الضفة بأن يذهبوا للأردن، وبفكرهم الفانتازي يرون أنه من الممكن تحقيق ذلك بالحرب وحدها ودون ذلك مستحيل، وهذه الفانتازيا المجنونة تظهر في تصريحاتهم على وسائل الإعلام”.
أحاول طي الوقت قبل أن تنضم لنا صديقة ثالثة، وهي محرّرة كتابنا المشترك أنا وسليم بنسخته الأولى “ابنة غزة” الصادر عام 2016، فسألته سريعاً، هل تقصد أنّ ما حدث في أستراليا وأميركا من قمع السكان الأصليين وإنهاء حضارتهم لا يمكن أن يحدث الآن من قبل إسرائيل؟ فأوضح بقوله: “كانت فترة زمنية مختلفة تماماً، وليس من الممكن تكرارها الآن”، مستدركاً: “لكن إسرائيل تستعرض القوة وتنتقم وتجعل العالم يشاهد أنها من الممكن أن تقتل 35 ألف فلسطيني وأكثر ومن دون أن يوقفها أحد، تريد تحقيق الفانتازيا التخيلية أنها بالإمكان القضاء على الفلسطينيين نهائياً، وتدمير غزة على رأس الناس وقتلهم، وإجبار مليوني غزاوي على النزوح ثم محاصرتهم بمكانٍ واحد، ولا يوجد أحد يستطيع إيقافهم والوحيد الذي كان يمكنه ذلك هو الرئيس جو بايدن، وبالفعل يحاول أن يتكلم ويعترض، لكن نتنياهو ما فارق معه، لذلك أرى أن أهم شيء يفعله بايدن الآن وفوراً هو إيقاف التسليح، لكن للأسف لا يتضح أن بايدن يريد ذلك، لأنه يفكر بشكلٍ جدي أنه ربما تحدث لهم مجزرة جديدة وتنمحي إسرائيل من الأرض، وهذا أمر لا يمكن أن يصدّق؟ من يريد أن يمحي إسرائيل؟ هل يمكن أن يفعل ذلك الفلسطينيون أم الإيرانيون؟ هذا النوع من التفكير بأن هناك جهة تريد أن تمحي إسرائيل هي فانتازيا لدى الأميركان والغرب، وكأنه الخطر على إسرائيل، بجد شو صار للعالم، الخطر هو على فلسطين”.
يسترسل نصيب بالحديث قائلاً: “الآن كلما صرخ شخص فلسطين من النهر للبحر، يكون نتانياهو سعيداً لأنه يأخذها حجة لمزيد من الإمعان في القتل بحجة أنّ العالم لا سامي ويريد القضاء على إسرائيل، لكن في الحقيقة لو تتحدث مع الناس من رافعي الشعار سيقولون إنهم لا يريدون محو إسرائيل، بل كثير منهم يفكرون بحل الدولة الواحدة بشعبين، لذلك ستكون من النهر إلى البحر، ولكن لا أحد يريد أن يسمع أمنية الناس، فقط يريدون سماع أنّ إيران تريد محو إسرائيل”.
ويضيف: “في أميركا مثلاً، خرجت التظاهرات من آلاف الطلبة ضد الاحتلال، هكذا ببساطة، ليجدوا أنهم أمام اتهام باللاسامية، ثم تأتي إسرائيل وتقول إنّ العداء يحيط بها، لماذا يا ترى؟ ماذا جلبت إسرائيل إلى المنطقة بعيداً عن أنها طبعاً لا ترى سوى نفسها وتعتبر نفسها ديمقراطية وقوية وغارقة في الأنانية، لقد جلبوا التعتير والمعاناة والموت، هذا ما جلبوه للمنطقة، ما جابوا شي تاني”.
اعتاد نصيب انتقاد إسرائيل في الإعلام الفرنسي والدفاع عن الضحايا والناجين في قطاع غزة خلال أربع حروب، وهي النغمة التي نادراً ما تُسمع هنا. كما صمد أمام التجاهل واستبعاد بعض مقالاته، فمدحت فيه ذلك الصبر، ثم سألته عن صمود من نوع آخر، صمود الغزاوي على أرضه في ظل الإبادة، ليعلق: “دائماً كان يوجد صمود على أرض فلسطين، ولكن ماذا حدث؟ طردوهم عام 1948 وعام 1967، وقسموهم بين غزة والضفة والشتات، وعرب الداخل، وقد كانت السياسة الإسرائيلية طوال الوقت أن يفرقوا بينهم، وألّا تكون فلسطين واحدة، بل يكون هناك غزاوي وضفاوي. وعندما تحدث الرئيس بايدن عن دولة فلسطينية، رفض نتانياهو حديثه بشكلٍ قاطع، بالنسبة لهم إقامة دولة فلسطين هو أمر مرعب، ليس فقط إقامة دولة فلسطين، بل مجرد أن يعود التواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة أي أقل من دولة، فهذا مرفوض لديهم تماماً”.
ويتابع: “لذلك طوال الفترة الماضية، عمل نتانياهو على تقوية حكم حماس في قطاع غزة، وأضعف السلطة، عشان الغزاوي يحس حاله غزاوي مش فلسطيني، والشيء ذاته ينطبق على أهالي الضفة الغربية، وبعد كل هذا لم يترك نتانياهو أو حكومته الغزاوي بحاله، بل جنوا وبدأوا في قتله. شيء خارج المنطق تماماً”.
ثورة وهولوكوست
انضمت صديقتنا إلى طاولتنا، وقررنا أن نكمل الحديث في موعد جديد بعد يومين. في هذا اللقاء، شرحت له كيف أنني عولت كثيراً على تحرّك التظاهرات في العالم لوقف الحرب، لكن ذلك لم يحدث مع الأسف على الرغم من كثافتها، فكما يبدو لا تغير التظاهرات والثورات العالم. يرد نصيب وهو ينظر من النافذة الزجاجية الطويلة إلى مطر لا يسكت: “نعم، هناك صحوة وتضامن وحملات كثيرة مع الفلسطينيين، تشبه الصحوة التي حدثت في العالم وقت حرب أميركا على فيتنام، وعلى رغم ذلك كله الإبادة مستمرة منذ شهور طويلة، والعالم يتفرج ساكتاً، لا يفعل كل ما يجب أن يفعله، وكلنا نعرف السبب، إنها عقدة الذنب التاريخية بسبب الهولوكوست التي جعلت أوروبا وأميركا تسكتان أمام ما يحدث في غزة”.
ويضيف بنبرة ساخرة: “كلاهما يعتبر أن إسرائيل خلقت بسبب الهولوكوست، وهذا غير صحيح، فهي بدأت قبل ذلك، وليس نتيجة المحرقة، ومن هنا أصبحت الممنوعات كثيرة فلا أحد يتعرض للصهيونية أو ينتقدها، وما واحد لازم يدق بإسرائيل وإلا اتُّهم باللاسامية، مثلاً ماذا كان رد نتانياهو وحكومته على ثورة الجامعات الأميركية، وحتى هنا في فرنسا؟ إنها التهم الجاهزة؛ اللاسامية والعداء لإسرائيل، ويشتكي وتشتكي حكومته، ولا أحد يواجههما بالحقيقة: لأنك استوليت على الأراضي وأخذت البلاد وهجرت الناس…”.
عندها، قلت لنصيب إن بعد مرور عقود ربما تصبح هناك عقدة إبادة الفلسطيني ويكف العالم عن عقدة الهولوكوست، أو على الأقل يحتفظ بالعقدتين معاً في ذاكرته ولا يحابي أحداً على حساب الآخر، ألا يكفي أربعون ألفاً كي تخف عقدة الذنب ناحية إسرائيل؟ فرد بقوله: “لا مش كافي أبداً، تخيلي انتقاد شعار من النهر إلى البحر، وهو مجرد كلام، أهم عند أميركا وأوروبا من المجزرة الحقيقية الدائرة أمامهم، فهم يهتمون بمقولة أكثر من اهتمامهم بمن يقتل. لا أميركا ولا أوروبا ستطلبان من إسرائيل أن تتوقف، ممكن يحكوا شوي وإنه لازم تعملوا وخدوا بالكم. وانتبهوا. تخيلي انتبهوا وخذوا بالكم… قدام مجزرة شغالة، وهذا كله بسبب عقدة الهولوكوست ليس عند كل العالم، لكن عند أميركا وأوروبا تحديداً”.
قاطعته متسائلة: “تتحدث بالتأكيد عن الحكومات، وليس الشعوب…؟”، فأجاب: “حتى الشعوب، لكن القصة قصة جيل، مثلًا الجيل الجديد لم يعرف الهولوكوست، إلا أن بايدن عرفه، لذلك لديه خوف، لكن الجيل الجديد مختلف، حتى داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، والشبيبة التي تتظاهر من أجل فلسطين، وهذا شيء جديد يتشكل وأول مرة نشهده، لذلك بعد عشر سنين مثلًا لن تكون إسرائيل ذاتها التي هي عليها الآن، كما لن تؤيدها أميركا مثلما تؤيدها اليوم”.
وتابع: “الأجيال في سلطة الحكم تتغيّر، وبايدن وترامب كبرا في السن وسينتهي زمنهما، لكن منذ الآن وحتى ذلك الوقت شو بدو يصير؟ قديش راح ياخدوا أراضي؟ ويقتلوا ناس، وما ننسى إنه منذ 7 أكتوبر عجلوا أكثر في الاستيلاء على الأراضي؛ لأنهم بوسط حرب استغلوا الوقت ليربحوا، وفي كل الأوقات إسرائيل لم توقف يومًا الاستيطان حتى بأيام اتفاقية أوسلو”.
أنا باريسي ولست فرنسياً!
انتقل سليم نصيب إلى باريس قبل أربعين عاماً، ومع ذلك لا يستطيع أن يقول عن نفسه إنه فرنسي، فأسهل عليه أن ينسب نفسه إلى مدينة من أن ينسبها إلى بلد، “فأنا باريسي”. فرددت عليه، “أفهم من كلامك أنك حين عدت إلى لبنان شعرت بأنه انتماؤك الأول بعد عشرين سنة من الغياب، لذلك كتبت كتابك الأخير؟”.
يقول نصيب: “لم تذهب عني لبنانيتي يوماً كي أسترجعها، لكن فعلًا قد ألهمتني اللحظة، وجعلتني أفكر في شبابنا حين كانت لدينا مشاعر وحماسة للتغيير، لكنها ليست السبب الرئيسي، فأنا شعرت منذ فترة طويلة بأنني مستعد للكتابة عن فترة حياتي في لبنان، وقد كتبت روايتي عند رحيلي عنها بداية الثمانينات”.
ويضيف متحدثاً عن الرواية: “هي قصة شخص يشبهني لكنه ليس أنا، فهي ليست سيرة ذاتية، بل رواية، تتحدث عن الوجود اليهودي في لبنان، والخوف من تهم الخيانة، ما يجعل اليهودي في ذلك الزمن يخفي هويته عبر اندماجه بهويات سياسية أخرى، لذلك نجد أنه قد يخرج من جماعته، لينضم إلى جماعة أخرى كي يتنكر أو يرتدي قناعاً يبعده عن أصله اليهودي خوفاً من أحكام المجتمع وتخوينه”.
ويلفت: “بقي اليهود في لبنان حتى ظهر الإسلاميون، ولا يمكن أن يكون الإسلاميون إلا أبناء فشلنا. وقد تركت وقتها لبنان، ثم ينتهي كتابي عند بداية الحرب، وفشل عرفات والموجة العربية كلها، سواء المسيحية العربية أو اليهودية العربية، وظهر الإسلاميون ولا يمكن أن يقترن الإسلامي بصفة أخرى، فالإسلامي إسلامي فقط، لا يمكن القول بالطبع الإسلامي اليهودي أو الإسلامي المسيحي”.
آنذاك، غادر نصيب لبنان على متن قارب يحمل الزعيم الراحل ياسر عرفات إلى شواطئ اليونان. غادر عرفات وكيانيته السياسية لبنان للمرة الأخير في أيلول/ سبتمبر 1982، وأجرى نصيب مقابلة مكتوبة معه لصالح جريدة “ليبراسيون”.
يتابع نصيب: “عدت الى بيروت بعدها للمرة الأولى خلال الثورة عام 2019، وهناك سمعت على لسان شباب الثورة أفكارنا ذاتها حين كنا شباباً في لبنان، وشعرت أن شعاراتنا سافرت عبر الزمن، التاريخ يكرر نفسه”.
يرى نصيب أن الربيع العربي هو سعي الشعوب نحو الحرية، وكذلك الثورة في إيران، فبعد نحو 70 عاماً تحت النظام الإسلامي، خرج الجيل الجديد وقام بثورة، متابعاً: “الإنسان يعود دائماً إلى مسار الحرية، وكل ما يحدث من قمع لن يخيفه”.
إقرأوا أيضاً:
زمن عرفات وزمن الإبادة
عن المقارنة التي يقوم بها البعض بين زعيم حركة حماس يحيى السنوار وياسر عرفات، يردّ سليم قائلاً: “لا تجوز المقارنة هنا، فالسنوار تحت الأرض، بينما الناس فوقها يقتلون وتدمّر البيوت على رأسها، أما عرفات فكان دوماً فوق الأرض، ولم يدمر شعبه. وحتى اللحظة لم يظهر على السنوار أنه يهتم بما يحدث للضحايا في غزة من شهداء لأنه شايفهم رايحين الجنة، كما أنه لا يحمل اللواء الفلسطيني مثل عرفات، بل حامل اللواء الإسلامي، واسم العملية هو طوفان الأقصى، وليس طوفان فلسطين أو غزة”.
ويشير: “ما يفعله السنوار ينطلق من كونه دينياً إسلامياً وليس وطنياً فلسطينياً، وحين تواجه حماس بذلك ترد بأنها أحيت القضية من جديد، وأرجعتها إلى الصفحات الأولى، وهذا صحيح. ولكن، هل كانت هناك نتيجة لهذا الكلام؟ لا، لم يتغير شيء، بل حدث خراب بيوت، ودمار مئات آلاف من المباني ومقتل عشرات آلاف الضحايا، إن ما فعله السنوار خاطئ تماماً، والتقارير الصحافية القادمة من هناك تقول إنّ الكره من داخل المجتمع الغزي يتصاعد ضده. لطالما كانت حماس وستظل العدو الأفضل لإسرائيل”.
وهنا قلت له: “كيف ستكون المقاومة الصحيحة وسط تهرب إسرائيل كل مرة من القوانين الدولية وتحمّل المسؤولية، وحتى التحقيق في مقتل شيرين أبو عاقلة تملّصت منه، ناهيك بقتل المعتقلين وتعذيبهم جسدياً ونفسياً وإبادة غزة، وسرقة الأراضي، كيف من المفترض أن يواجه الفلسطيني ذلك كله؟”.
رد نصيب على تساؤلاتي قائلاً: “الحقيقة لا أعرف، فطريق السلام لم ينفع مع إسرائيل سابقاً، والسلاح لم ينفع معها أيضاً. يجب أن ننظر إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه ونبدأ من هناك، اليوم جن المجتمع الإسرائيلي، وفقد توازنه وإنسانيته بعد 7 أكتوبر، وسيأتي يوم سيفكر أفراده: كيف سيعيش أبناؤنا” كيف سيكبرون بالسلاح؟ فقد كان عندهم وهم في السابق بأن الدول الديمقراطية في العالم تحبهم وتحب دولتهم، ولكن بعد اليوم لا أحد يحبهم، ستكبر لديهم أزمة نفسية كبيرة، لقد تعسكر المجتمع، وفي الوقت نفسه هناك بينهم من لديه أسئلة مثل: ماذا فعلنا؟ وما الذي سيحدث؟ من جهة أخرى، غادر كثير من الناس إسرائيل، فهي تتحول إلى بلدٍ يهودي منغلق على نفسه أكثر وأكثر، ومهما استمر هذا الجنون، فالتاريخ يصحح نفسه ويتعافى، مستحيل أن يبقى الإنسان على الجنون نفسه”.
يتابع نصيب: “ألمانيا النازية كانت تحتاج هزيمة كبيرة كي تعي ماذا يحدث لها، وتتخلى عن ذلك الإرث، إسرائيل ليست فقط ضد الفلسطينيين، بل هي ضد كل ما حولها، وإسرائيل منذ نشأتها تفكر بفلسفة العزلة وأنها تريد العيش لوحدها، وهذا أمر لا يخص الفلسطينيين، فهي تبني نفسها وتصنع ديمقراطية لوحدها بغض النظر عن العالم، وهذه ليست قصة اليهود. بالعكس كان دائما اليهودي مختلطاً بالمجتمعات والإثنيات الأخرى. هذه الفلسفة النرجسية أمر مرفوض، ومحل انتقاد كبير، فلا أريد كيهودي العيش في غيتو مسلح يحارب كل من حوله، إنها مصيبة، وأنا أفكر بهذه الطريقة وأرفض الغيتو”. ويردف: “لكن من داخل إسرائيل لا يفكرون هكذا، إلا أنه حين تنتهي الحرب وتهدأ الأمور سيتساءل الناس؛ ماذا سيحدث؟ لوين رايحين؟ كل حياتنا سلاح سلاح، وهيك حنضل عايشين؟ سيطرح هذا السؤال بقوة في المجتمع الإسرائيلي يوماً ما، ولكن من الممكن ألا نكون هنا كي نسمعه…”.
رفض الآخر ليهودية سليم نصيب
كل هذه الأفكار والتناقضات التي تخلط حاضر سليم نصيب بزمان ومكان مختلفين، تجعله يعيش فصاماً كما يصفه، مضيفاً: “اهتمامي بالمنطقة الذي لا ينتهي، يجعلني فيزيائياً وسط عائلتي في باريس كما أي رب أسرة، لكن فكري وقلقي وألمي هناك”.
ويبدو أن ذلك كله لا يشفع لسليم نصيب عند كثير من الأشخاص الذين لا يزالون يحاسبونه على هويته، بل يرفضونه أيضاً، وأحدهم وزير الثقافة الحالي في لبنان محمد مرتضى. ففي تشرين الأول/ أكتوبر عام 2022، تخلّى نصيب عن المشاركة في مهرجان “بيروت كتب” الذي ينظّمه المركز الثقافي الفرنسي في لبنان، بعد تصريحات مرتضى التي قال في أحدها: “لبنان متشبّث بالانفتاح الثقافي والتلاقي الفكري بين حضارات الأمم، ونرحب بأي تعاون ثقافي بين الدول والشعوب، كما نثمّن أي انفتاح على الفكر العالمي وتجلياته المعرفية. لكننا نحذر من استغلال الحراك الثقافي في سبيل الترويج للصهيونية وخططها الاحتلالية العدوانية الظاهرة والخفية التي بدأت بالأرض ولن تنتهي بالعقول. التطبيع الثقافي أشد ضرراً على الوطن وكيانه ومستقبله من أي تطبيع سياسي أو أمني أو عسكري”.
ورد نصيب وقتها أن “تلك التصريحات أثارت اشمئزازه بشدة”، وانسحب من المشاركة بعدما كان من المفترض أن يطلق من بيروت روايته “الجلبة”.
يوضح نصيب لـ”درج” أن ما حدث في ذلك الوقت عار، وأن كثراً من مثقفي لبنان أرسلوا له يعبرون عن رفضهم تصريحات الوزير، وأكدوا حقه في المشاركة في بلده ليطلق كتابه، مستدركاً: “لكن ماذا حدث بعدها، وزير الثقافة لا يزال هو نفسه وقاعد محلّه حتى اللحظة، وما تغير شي”.
يتابع نصيب: “الآن، أنا سعيد لأنه أخيراً بعد انتظار سنتين أتتني بعض العروض لترجمة روايتي في لبنان، ثمة كثر مهتمون بأن يقرأها الجمهور العربي، ولدي حماسة لأسمع ردود الأفعال عليها”.
يؤكد سليم أنه بعد انتهاء الحرب، وبعد كل تلك المعارك الشخصية والعامة، وسنوات من الكتابة عن الشرق الأوسط، قرر أن تكون روايته القادمة بوليسية وخيالية وليست لها علاقة بالواقع أو أي بلد عربي، لكن ربما تحصل أحداثها في الشرق الأوسط”.
الأمل… الدولة والمستقبل
هنا قلت له: شغلك الصراع في الشرق الأوسط منذ أربعين عاماً سواء حين كنت صحافياً أو حين تحولت إلى كتابة الروايات، ما يجعلني أتجرأ وأسألك كيف ترى مستقبل المنطقة؟، فردّ: “كل الذي فعله جيلي وجيل ياسر عرفات والقوميون العرب وأحلام حل الدولتين، وما كتبه محمود درويش كله فشل، وجاءت نتيجة كل تلك السنين من الأمل والحلم هي نتانياهو وحماس، ما يعني حرباً إلى الأبد، وإذا حماس الآن غادرت، فبعد 10 سنين ستظهر حماس أخرى. وفي الجهة الثانية في إسرائيل، فإن المجتمع الذي آمن بالحل الوسط اختفى، لقد فشلنا وفشل جيلنا، وكل ما حلمنا به أن يعم السلام يوماً انتهى، وصوت السلاح أعلى من الجميع، ومن يريد الحرب انتصر، ومن يتحدث الآن عن حل الدولتين أو دولة بشعبين يواجه بالسخرية والاستهزاء”.
يتابع: “من سيثق بالآخر بعد كل ما حدث؟ هل الفلسطينيون سيثقون بالإسرائيليين؟ هل الإسرائيليون سيثقون بالفلسطينيين؟ لقد بان على وجه إسرائيل الإجرام أكثر من أي وقت مضى”، وهنا قاطعته “هل انتهى الأمل للأبد؟”، فيجيب: “لا يوجد للأبد في التاريخ، لكن التاريخ يأخذ وقت عشرة أو عشرين سنة وأكثر، لا أعرف ما المستقبل القادم إلى غزة، ربما عرض ولي عهد السعودية محمد بن سلمان يعطي بعض أمل للفلسطيني أن يتغير حاله ويتبدل. فهو يعرض السلام مع إسرائيل بشكلٍ متكامل، وكان يحاول أن يفعل ذلك في البداية بعيداً عن الفلسطينيين، والآن عرف أنه لا يمكنه ذلك، وبدأ يطالب في المقابل بدولة فلسطينية، أي سلام حقيقي وشامل وليس مجرد اتفاقيات مثل تلك التي بين مصر وإسرائيل والأردن وإسرائيل، بل سلام حقيقي يحل جميع المشاكل، لكن في مقابل أن يعطوا شيئاً للفلسطينيين، فإن قبول الإسرائيليين في الخليج العربي بداية ثم في كل العالم العربي ما عدا الموالين لإيران، هو حلم أيضاً قد يتحقق إذا تحققت أحلام الفلسطينيين أولًا”.
أسأله هنا “يعني حتى بعد انتهاء الحرب، ستكون مجرد حلم إعادة الصلة بين الضفة وغزة، بل يبدو أنّ إعادة الصلة وقعها أصعب على إسرائيل من كلمة حماس ذاتها؟”، فيرد بأنه يرى سماح إسرائيل في الأصل لحماس بالحصول على تمويلها من القطريين عبر السفير القطري محمد العمادي كي تغدو أقوى، جاء بالأساس لمنع هذه الصلة، فقد اعتقد نتانياهو أنه بقطع صلة غزة بالضفة الغربية، وترك كل حكم غزة والإدارة والمال لحماس سيدجنها، لذلك جاء السابع من أكتوبر مفاجأة له ولحكومته كما تتحدث جميع التقارير، وذلك على الرغم من التنبيهات التي وصلته أيضاً من قبل”.
وافترضت أن مقصده هو لو كانت هناك دولة فلسطينية متكاملة تجمع الضفة وغزة، لم يكن ليحدث السابع من أكتوبر؟! فأجاب: “طبعاً لن يحدث، لأنه وقتها سترد بعض الحقوق إلى الشعب الفلسطيني، ولن تستغل حماس موضوع فشل الدولة الفلسطينية واستحالة حل الدولتين، بخاصة أن الواقع برهن ذلك. وقد استُبدل شعارا السلام والتعايش، بشعارات تحرير فلسطين الكبرى، لأنه بالتأكيد لن يردد أحد شعار الدولتين، ومن هنا وجدت إسرائيل الشعارات الجديدة للمرحلة حجة لتدمير كل شيء، تماماً مثلما كان يقول أحمد الشقيري نهاية ستينات القرن الماضي سنلقي اليهود بالبحر، تلقفتها أبواق الدعاية الصهيونية، وركض الإسرائيليون للعالم وقالوا شوفوا راح يكبونا بالبحر، بدهم يمحوا إسرائيل، شوفوا اللاسامية، وأخذوها وقتها حجة لمزيد من الإجرام وسرقة حقوق الشعب الفلسطيني.
أسأله: “هل فقدت أخيراً الأمل بالإنسانية بعد هذه الإبادة الوحشية؟”، فأجاب: “آمنت بعد كل هذه السنين والحروب والشتات والرفض، بأن البني آدم مستحيل ينهار نهائياً، وإذا انهار فسيقف من جديد، أنظري إلى التاريخ؛ لقد سحقوا الإنسان مراراً ومحوه، لكن بعد هينة من الوقت يقف على قدميه؛ لأن فيه قوة داخلية تجعله يعود، حتى لو ضُلل الإنسان وقيل له إن الباطل حق، والحق باطل، كم سيبقى يصدق هذا الكلام؟ عام، خمسة، خمسين، لكن بعدها سيتغير ويرى الحقيقة ويعرف الكذب، فإن حس العدالة لا يزول من الإنسان. لا يمكن القول الأمل بالإنسانية انتهى، أنظري في الحرب العالمية الثانية كان ممكن القول وقتها فعلاً انتهت الإنسانية ولا رجاء منها بسبب الوحشية وعدد الضحايا، لكن أنظري اليوم، لقد اختفت النازية، وبنَت الدول نفسها من جديد في أوروبا والعالم، وهناك اتفاقيات كثيرة لضمان عدم العودة للماضي، وبالفعل لم يعد أحد إلى الحروب، دائماً بعد المجازر والمذابح يحدث شيء يثبت أن الإنسان يبقى إنساناً، لكن الإشكالية أن حياتنا وقتها قصير والتاريخ وقته طويل، فقد نموت ولا نرى حدوث تلك العدالة، وقد يشهدها أبناؤنا وأحفادنا.
إقرأوا أيضاً:











