أدرك أمجد كريم (29 سنة) من مدينة الصدر شرق العاصمة العراقية بغداد، بعد أشهر من البحث وتقديم طلبات التعيين للمؤسّسات الحكومية، أن فرصته في الحصول على عمل حكومي بالاستفادة من شهادة البكالوريوس التي يحملها في الإدارة والاقتصاد، معدومة، فتوجّه نحو العمل الخاصّ بائعاً للشاي في كشك صغير بالقرب من سوق مريدي الشعبي.
طوال ستّ سنوات، ولنحو عشر ساعات في اليوم، عمل كريم على إعالة أسرته، مكان أبيه الذي فقده في السنة التي تخرّج فيها. كان عمله يؤمّن مصاريف العائلة قبل أن يواجه كما يقول “منعطفاً مأساوياً” في نيسان/ أبريل 2023، حين اكتشف إصابة والدته بسرطان الثدي، وتوجّب عليه تحمّل تكاليف علاجها الباهظة، لينفد سريعاً كلّ ما لديه من مال وتتراكم عليه الديون، ما أجبره على البحث عن أي وسيلة تنقذ والدته والعائلة، بما فيها بيع أحد أعضائه.
قرّر ذلك في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2023، بعدما وقعت عيناه على منشور في حساب على “فيسبوك” لشخص يدعى أبو يزن، كان يطلب فيه متبرّعين بالكلى، مرفقاً مع الطلب رقم هاتفه الشخصي. مع تردّي وضعه المالي وحالة والدته، لم يقاوم الشابّ العرض المقدّم له، يقول: “قدّموا 13 مليون دينار مقابل إحدى كليتيّ، وكان هذا المبلغ يعني بالنسبة لي تخفيفاً للديون واستمراراً في علاج أمّي!”.
تمّ الاتّفاق بين أمجد وأبي يزن على كلّ التفاصيل، بما فيها السفر إلى إيران لإجراء العمليّة الجراحية في مستشفى الشهيد مدرّسي في العاصمة طهران، فأخبر والدته وأشقّاءه وكلّهم أصغر منه، أنه سيسافر إلى إيران من أجل فرصة عمل عُرضت عليه هناك.
ويروي كيف أن سمسار تجارة الأعضاء أبو يزن وفتاة عراقية، استقبلاه في طهران، وأسكناه في شقّة صغيرة بالقرب من المستشفى لمدّة 20 يوماً، خضع خلالها لفحوصات مخبرية عدة، أكّدت صلاحيّة كليته للمتبرّع له، أو كما عبّر هو عن الأمر “للمباع له!”.
ويقول: “في 21 كانون الثاني/ يناير 2024، أُجريت لي العمليّة، وبعدما أمضيت خمسة أيّام في المستشفى، عدت إلى بغداد وأخبرت والدتي وإخوتي أن فرصة العمل في إيران لم تكن ملائمة لي”.
عاد كريم إلى حياته السابقة، إلا أن “آلاماً مبرّحة داهمته”، وظهرت تبعات العمليّة قبل أن يكمل شهره الأول. يقول وهو يتصبّب عرقاً بينما يضع يده تحت بطنه في موضع إجراء العمليّة: “أخفيت الأمر عن والدتي التي فارقت الحياة في أيلول/ سبتمبر 2024”.
يتابع: “لن أقول إنني نادم، فلو كانت لدي كلية ثالثة لبعتها من أجل أمّي”، ويستدرك: “مع ذلك، أنصح الناس وخصوصاً الذين يمرّون بما مررت به، ألا يختاروا الطرق التي يعتقدون أنها سهلة. بيع كليتي لم يكن حلاً صائباً، وللأسف تداعيات ذلك ستؤثّر على حياتي دائماً، كما يؤكّد أطباء”.
يسلّط هذا التحقيق الضوء على انتشار شبكات الإتجار بالأعضاء البشرية في العراق، التي تتّهمها أجهزة حكومية باستغلال الظروف المالية الصعبة لبعض العراقيين، واستدراجهم عبر عروض في وسائل التواصل الاجتماعي لبيع أعضائهم خلافاً للقانون، وبمبالغ زهيدة قياساً بما تحصل عليه تلك الشبكات، التي تقوم بعمليّات تزوير بعض الوثائق لضمان إجراء الجراحة داخل العراق، أو التوجّه لإجرائها في إيران، خارج المتطلّبات القانونية، وبعيداً عن الرقابة.

مفاوضات رحلة البيع
تزايد قصص بيع الأعضاء البشرية، ووقوع الكثيرين ضحايا لعمليّات الاحتيال، من خلال شبكات الإتجار بالأعضاء، دفعانا إلى التقصّي عن عمل تلك الشبكات في العراق، سواء في مستشفيات العاصمة بغداد، أو في إقليم كردستان، أو في إيران، أوصلنا البحث ومراقبة حسابات متعدّدة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى سبع شبكات نشطة في هذا المجال، تواصلنا معها؛ كبائعين مفترضين، عبر رسائل خاصّة ومكالمات هاتفية.
الاتّصال الأول جرى في 11 شباط/ فبراير 2025، مع امرأة قالت إن اسمها أمّ جنّة، ولديها حساب بالاسم ذاته في “فيسبوك“، وقدّمت نفسها على أنها منسّقة بين المتبرّعين ومرضى الكلى، سألت السيّدة على الفور عن جملة تفاصيل بينها: العمر، والوزن، وفصيلة الدم، ووجود أية أمراض، وتاريخ انتهاء صلاحيّة جواز السفر.
وبعد تلقّيها الإجابات، قدّمت عرضاً يتضمّن 13 مليون دينار ثمناً للكلية إذا كانت متوافقة مع الطلب، يُضاف إليها تذكرة سفر جوّي ذهاباً وإيّاباً بين بغداد وطهران، فضلاً عن تكاليف الإقامة والطعام والمصروف اليومي لفترة تتراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع، مع تكاليف إجراء العمليّة التي قالت إن طبيباً جرّاحاً ايرانياً مختصاً سيتولّاها اسمه علي رضائي في مستشفى الشهيد مدرّسي.
بدت الكثير من التفاصيل مشابهة لقصّة أمجد كريم، فالمستشفى هي ذاتها التي باع فيها كليته وبالسعر عينه، مما يؤشّر إلى احتمالية أن تكون هذه الشبكة هي نفسها التي تعامل معها.
بعد اعتراضنا على قيمة المبلغ، وبعد عدّة رسائل متبادلة، وعدت أمّ جنّة بمكافأة مالية من عائلة المتبرّع له، تبلغ نحو مليوني دينار، ليصبح المبلغ الكلّي 15 مليون دينار.
وطلبت السيّدة وعلى وجه السرعة التهيّؤ للأمر وتحديد تاريخ السفر، وإرسال صورة عن الجواز لكي تحجز تذكرة السفر، مؤكّدة أنها ستستمرّ في التواصل هاتفياً لحين وصول المتبرّع (المفترض) إلى مطار طهران، واستقباله هناك.
الاتّصال الثاني جرى مع فتاة تدعى زهراء محمد، بتاريخ 12 شباط/ فبراير 2025، وهي من المروّجين لبيع الأعضاء البشرية، تواصلنا معها أولاً عبر حساب في “فيسبوك”، وقالت إنها متعهّدة طبية.
رفضت التحدّث عبر الهاتف، وأصرّت على أن تتلقّى الاستفسارات عبر رسائل البريد الخاصّ في “فيسبوك”، وطلبت التفاصيل نفسها التي طلبتها أمّ جنّة، وبعد أن حصلت على المعلومات، قدّمت هي الأخرى عرضاً بسعر 13 مليون دينار للكلية، وذكرت أن ستُجرى في مستشفى الشهيد مدرّسي في طهران.
بعد يومين، تواصلنا هاتفياً مع سمسار ثالث يدعى ياسر فاضل، يقدّم نفسه على أنه متعهّد طبي من محافظة أربيل في إقليم كردستان، ومثل الباقين لديه حساب نشط على “فيسبوك” يتلقّى من خلاله الطلبات ويطرح الأسئلة ذاتها، ما يوحي أنك تتعامل مع شبكة واحدة، أو شبكات متعدّدة تدير عمليّاتها بالطريقة نفسها.
كان هناك اختلاف عن المرّات السابقة، ففاضل بعدما حصل على المعلومات المطلوبة، ذكر أن العمليّة ستُجرى في إحدى محافظات إقليم كردستان، واشترط أن يرافق البائع، أو كما يعرّفونه “المتبرّع” وليّ أمره، مؤكّداً أن عمليّة استئصال الكلية ستتمّ وفق القانون.
طلب فاضل حضور وليّ الأمر، كشرط للتبرع، دفعتنا للسؤال عن الحل في حال تعذّر حضوره “كونه لا يقدر على مرافقته بسبب ظرف قاهر”، جاء الردّ من فاضل بأنه سيتولّى تزوير شهادة وفاة وليّ الأمر، إذا قبلنا بذلك، وكرّر القول: “في كردستان لا تحاول إجراء عمليّة مثل هذه، دون وليّ أمر، لن يسمحوا بذلك. يجب أن تتوفّر شهادة وفاة للأب لكي يقبلوا بمرافقة الشقيق”.
بعد تكرّر الاتّصالات، علمنا أن سعر الكلية في الإقليم لشخص يحمل فصيلة الدم O موجب، هو 15 مليون دينار، وأغلى كلية هي للتي يحمل صاحبها فصيلة الدم AB، إذ قال فاضل إن “سعرها يبلغ 22 مليون دينار”.
خلال تلك المحادثة، ظهر شخص آخر كان بجوار فاضل، يدعى أبو طه، اشترك في الحديث، وقال بصوت عالٍ إنه يحتاج إلى كلية من فصيلة دم O أو A أو B، مع استبعاد فصيلة AB، وقبل إنهاء المكالمة، تراجع أبو طه، وقال موجّها كلامه إلى فاضل: “هل لديه جواز سفر؟ كم يبلغ من العمر؟”، ثم قال إن عرضه هو 12 مليون دينار فقط، وإنه لن يقدّم عرضاً بسعر أعلى، وأردف أن “العملية ستّجرى في إيران وليس في كردستان”.
البحث عن تجّار الترويج للأعضاء البشرية، وبشكل خاصّ الكلى، من خلال شبكات التواصل، أوصلنا إلى محمد الذي حصلنا على رقم هاتفه من مجموعة خاصّة في “فيسبوك”، لكنه رفض التحدّث إلينا عبر الاتّصال الهاتفي المباشر، وطلب إرسال التفاصيل من خلال رسائل نصية على تطبيق “واتساب”.
قال محمد إن “التبرّع في العراق من دون وليّ أمر غير ممكن، وإن سعر كلية فصيلة الدم AB في إيران يبلغ 13 مليون دينار، بينما فصيلة O يصل إلى 15 مليون دينار”. حاول معدّ التحقيق الحصول منه على مزيد من التفاصيل بشأن الضمانات القانونية للعمليّة، لكنّه تعامل بحذر شديد ورفض الرد على باقي الاستفسارات.
لكسب ثقة سماسرة تجارة الأعضاء، شارك معدّ التحقيق في دردشات على مجموعة خاصّة بالمتبرّعين بالكلى على “فيسبوك”، وعلّق على منشور لسيّدة تحمل اسم مهرة محمّد، فتلقّى سريعاً عبر الخاصّ منشوراً دعائياً وتحفيزياً بعنوان “فرصتك الحقيقية لتغيير حياتك”.
تضمّن المنشور ما توفّره مهرة وشبكتها للمتبرّع والمريض بالكلى من خدمات، وختمت المنشور بعبارة: “نحن مؤسّسة قانونية بخبرة 14 سنة، ونضمن لك المصداقية والشفافية”.
تواصلنا معها عبر “واتساب”، بعد حصولنا على رقم هاتفها، فكرّرت كلام من سبقوها، قائلة إن “العمليّة ستُجرى في إيران مقابل 13 مليون دينار، وسيتكفّلون بنفقات السفر والسكن والطعام والمصروف اليومي”، وعندما أبلغناها أن المبلغ المحدّد قليل، رفعت السعر إلى 14 مليون دينار.
بعد سبع ساعات من تلك المكالمة، عادت مهرة لتسأل المتبرّع أو البائع المفترض عن قراره، مجدّدة تأكيد استعدادها لدفع 14 مليون دينار!
بعد أيّام من المتابعة، قادنا البحث إلى شبكة بدت أكثر خبرة في الترويج لعملها واستغلال المتبرّعين، أحد الأشخاص في الشبكة ويدعى دارك، ذكر أن المتبرّعين يخضعون للتقييم، وأن هناك متطلّبات يجب أن تتوفّر فيهم، ويجب ألا يتجاوز وزن المتبرّع 80 كيلوغراماً.
لكنّه أردف أن باستطاعته استخدام علاقاته لإجراء العمليّة الجراحية في إيران، دون حاجة إلى انقاص الوزن إذا كان يزيد على 80 كيلوغراماً، وطلب من “المتبرّع” إرسال المعلومات الأساسية مع صورة تُظهر جسمه من أجل التقييم.
دارك ذكر أنه في حال كانت العمليّة ستُجرى في شمال العراق، فإنها تتطلّب حضور وليّ الأمر، وإحضار البطاقة الوطنية الموحّدة (مستمسك رسمي في العراق) موضحاً أنه يعمل كوسيط لتجارة الأعضاء في محافظات أربيل، ودهوك، والسليمانية، وأيضاً في بغداد، وتحديداً في مستشفى الخيال في شارع المغرب، وأن لديه شريكاً يقطن بالقرب من المستشفى يدعى أبو حسين.
وعن الأسعار، ذكر أن سعر الكلية من فصيلة الدم AB في إيران يبلغ 13 مليون دينار، بينما فصيلة O يبلغ 15 مليون دينار، وأن مكان إجراء العمليّة هو مستشفى بقيّة الله في طهران.
وروى دارك، في إطار الترويج لعمله، قصّة شاب يدعى ياسر من قضاء المحمودية، “تبرّع” بكليته مقابل 13 مليون دينار في إيران، وبعد نجاح العمليّة كافأته عائلة المريض المتبرّع له بمبلغ مماثل، فحصل على 26 مليون دينار.
وفق القصص أعلاه، لا توجد حالات تحايل أو استغلال من خلال إجبار الشخص على التبرّع، أو عدم دفع المبلغ المتفق عليه، وما يجري هو اتّفاق بين طرفين بملء إرادة الجانبين.
إقرار رسمي
مدير مكافحة الإتجار بالبشر والأعضاء البشرية في وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتّحادية العميد مصطفى الياسري، ذكر أن شبكات تجارة الأعضاء البشرية التي تنشط في إيران وكردستان العراق “تخضع لمراقبة مستمرّة من قِبل الأجهزة المختصّة”.
وأوضح أن لمديريته فرقاً خاصّة تعمل بالتعاون مع هيئة الإعلام والاتّصالات ووزارة الاتّصالات، إلى جانب مديرية التقنيات في وكالة الاستخبارات وقسم الجريمة الإلكترونية، لتعقّب هذه الشبكات، ومتابعة حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتمّ رصدها لمعرفة القائمين عليها، واتّخاذ الإجراءات القانونية بحقّهم داخل العراق، “أما إذا كانت هذه الشبكات تُدار من خارج البلاد، فنقوم بالتنسيق مع الجهات المختصّة في تلك الدول، لقطع الطريق أمام هذه التجارة غير الشرعية”.
ووفق العميد الياسري فإن هذه الشبكات لا يقتصر دورها على ممارسة السمسرة وترتيب عمليّات البيع فقط، بل يصل الأمر الى الإيقاع بضحاياها بوسائل متعدّدة، كتوقيعهم على كمبيالات وصكوك مالية لا يستطيعون تسديدها، مما يُجبرهم على تقديم أعضائهم كتعويض، مبيّناً أن السلطات الأمنية ضبطت شبكة في النجف بداية العام 2025، كانت تستدرج الضحايا بعدّة وسائل لإجراء عمليّات استئصال الكلى في إيران.
ويؤكّد الياسري أن عمليّات “نزع الأعضاء تتمّ غالباً بسرّية تامّة عبر وسطاء، كونها غير قانونية”، وأن المستشفيات الإيرانية التي “تُجري هذه العمليّات تخضع لمراقبة السلطات العراقية، منها مستشفيا بقيّة الله والشهيد مدرّسي”.
ويلفت إلى أن السلطات العراقية اتّخذت إجراءات قانونية ضدّ تلك المستشفيات بالتعاون مع السلطات الإيرانية، لكن دون أن يحدّد طبيعة تلك الإجراءات، ومتى اتّخذت، وما إذا كانت قد نجحت بالفعل في وقف عمليّات زراعة الكلى!
واكتفى العميد الياسري بالقول، تعليقاً على الخطوات المتّخذة للحدّ من تجارة الأعضاء البشرية في المستشفيات الإيرانية: “تمّ الاتّفاق بين البلدين على عدم السماح لأي مواطن عراقي بإجراء عمليّات التبرّع في المستشفيات الإيرانية، إلا بعد الحصول على موافقة القنصل العراقي في إيران، وهي موافقة تُمنح فقط بعد تقديم المتبرّع شهادة مصدّقة من وزارة الصحّة العراقية”.
وعن الأسعار التي تقدّمها شبكات تجارة الأعضاء لضحاياها بالنسبة إلى بيع الكلى، قال: “في إقليم كردستان وفي إيران تتراوح الأسعار بين 10 و 12 مليون دينار، فيما يعيد السماسرة بيعها إلى مرضى في دول أخرى مقابل 50 ألف دولار”.
وتؤكّد مديرية مكافحة الإتجار بالبشر والأعضاء البشرية، أن العراق حقّق مؤخّراً نجاحاً في مكافحة تجارة الأعضاء البشرية “وتمّ القضاء بنسبة 80% على هذه الجريمة، واعتقال بعض أخطر المروّجين لهذه التجارة في إقليم كردستان ومحاكمتهم، من بينهم أسماء مثل برزان وأوميد، الذين كانوا يديرون أكبر شبكات الإتجار بالأعضاء”.
ويستشهد العميد الياسري بإحصائيات قال إنها لوزارة الصحّة العراقية، أظهرت عدم إجراء عمليّات نزع أعضاء، أو وجود مؤشّرات لتجارة الأعضاء خلال سنتي 2023 و2024، معتبراً ذلك دليلاً على نجاح إجراءات وزارته.
لكنّ حديثه هنا اقتصر على المستشفيات الحكومية، ولم يشر إلى المستشفيات الأهلية، التي من الشائع أن تجرى فيها عمليّات استئصال الكلى أو زراعتها، بشكل علني أو سرّي.
في السياق الطبّي، يقول الطبيب الجرّاح أحمد الخفاجي إن عمليّة التبرّع تتطلّب إجراء مجموعة من الفحوصات الدقيقة تشمل “تحليل فصيلة الدم وفحصها، إلى جانب قياس مستوى الصبغة الحمراء، واختبارات وظائف الكلى والكبد، بالإضافة إلى التأكّد من صحّة وظائف القلب والرئتين، بهدف التأكّد من تمتّع المتبرّع بصحّة جيّدة”.
وتشير مصادر طبّية، إلى أن السماسرة لديهم قوائم بأسماء المتبرّعين المفترضين، تتضمّن معلومات طبّية أساسية عن كلّ متبرّع، مما يسهّل عمليّة الاختيار عند وجود مريض بحاجة ماسّة إلى العمليّة.
إجراءات لوقف الإتجار في كردستان
رغم التصريحات الرسمية “المشجّعة” بشأن مكافحة عمليّات الإتجار بالأعضاء، تشير إحصائيات حصلنا عليها من جهات أمنية، إلى تزايد مستمرّ في أعداد المعتقلين المتّهمين بالإتجار بالأعضاء البشرية في العراق، ففي سنة 2021 تمّ اعتقال 46 متّهماً دون تسجيل أية ضحيّة، وفي السنة التالية اعتُقل 123 متّهماً مع تسجيل 20 حالة تجارة أعضاء، بينما تمّ في سنة 2024 إلقاء القبض على 162 متّهماً مع تسجيل 25 ضحيّة.
العديد من المصادر الطبّية التي تواصلنا معها، لتأكيد أو نفي استمرار حالات الإتجار بالكلى داخل العراق، ذكرت أنها كانت تُجرى على نحو واسع في بعض المستشفيات الأهلية بخاصّة في إقليم كردستان، لكن حصل تحوّل مؤخّراً باتجاه إجرائها في إيران، تهرّباً من المتطلّبات القانونية والرقابة المشدّدة.
يقول العميد الياسري: “في نهاية كانون الثاني/ يناير 2025 تمّ الاتّفاق مع مديرية الإتجار بالبشر في كردستان على آلية صارمة للتعامل مع المتبرّعين، الذين يزوّرون المستمسكات الرسمية لبيع أعضائهم، وتمّ عدّ أي عمليّة تبرّع تتمّ مقابل مبالغ مالية، جريمة إتجار بالبشر”.
وتتضمّن الإجراءات الرسمية الحالية المتعلّقة بالتبرّع بالأعضاء البشرية في العراق، مقابلة المرضى والمتبرّعين بأعضائهم “مجّاناً”، للتحقّق من سلامة العمليّة، إلى جانب مقابلات مع ذوي المتبرّعين من الدرجة الأولى “للتأكّد من عدم وجود عمليّات إتجار”.
وخُصّصت لجنة للإشراف على عمليّات التبرّع، تضمّ أطبّاء متخصّصين في الكلى والجهاز الهضمي، بالإضافة إلى ممثّلين عن جهاز المخابرات والأمن الوطني، ويخضع المتبرّع مع مستمسكاته الرسمية لتحقيق دقيق، للتأكّد من عدم تزويرها، كما يتمّ التأكّد من صلة القرابة بينه وبين الشخص المرافق له، ويتمّ فحص المتبرّع للتحقّق من عدم وجود مانع صحّي يمنعه من التبرّع، وبعد العمليّة يحصل المتبرّع على سجلّ صحّي يُتيح له مراجعة المستشفيات وإجراء الفحوصات الدورية مجّاناً لضمان سلامته.
وتقول مصادر أمنية، إن القانون العراقي يتعامل بحزم شديد مع الشبكات التي تستهدف “القاصرين والأطفال”، بإيقاع أقصى عقوبة بحقّ المتورّطين، تصل إلى حد الإعدام، ولا يتمّ شمولهم بقوانين العفو، وهو ما أكّده أيضاً العميد الياسري.
انتهاك القانون
تقدّم عضو مجلس النواب العراقي حيدر المطيري، في مطلع العام 2024 بمقترح إلى وزارة الصحّة لمنح المتبرّعين بالكلى تأميناً صحّياً مجّانياً مدى الحياة، مع إعفائهم من جميع أجور الخدمات الصحّية والأقساط الشهرية والاشتراكات.
ووفقاً لوثيقة صادرة عن وزارة الصحّة بتاريخ 22 نيسان/ أبريل 2024، تمّ إدراج هذا المقترح ضمن مشروع التعديل الأوّل لقانون الضمان الصحّي رقم 22 لسنة 2020. لكنّ المشروع، رغم جانبه الإنساني الذي يحثّ على التبرّع، أثار جدلاً واسعاً بشأن إمكانية تحوّل التبرّع إلى وسيلة إغراء مادّي للفئات الفقيرة.

كما اقترح محافظ البصرة أسعد العيداني، إنشاء “المركز الوطني للتبرّع بالأعضاء البشرية”، وهو مشروع قدّمه رسمياً إلى مجلس الوزراء بهدف تنظيم عمليّات التبرّع، ومعالجة مشكلة نقص الأعضاء، وتضمّن المقترح تقديم مكافآت مالية ورواتب رعاية اجتماعية للمتبرّعين العاطلين عن العمل.
وهو ما زاد من المخاوف بشأن استغلال حاجة الفقراء، وشرعنة بيع الأعضاء تحت مسمّى “التبرّع الطوعي”.
عضوة نقابة المحامين العراقيين إنسام علي، ترى أن هذه المقترحات قد تشكّل انتهاكاً للقانون “أي عملية تبرّع يُدفع فيها المال، تندرج تحت طائلة المادّة 9 من قانون مكافحة الإتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012″، وتؤكّد أن “إدخال المال في التبرّع يحوّله إلى تجارة واضحة، ما يتعارض مع قانون زراعة الأعضاء البشرية”.
وتنصّ المادّة 9 على “حظر بيع العضو أو النسيج البشري أو شرائه أو الإتجار به بأية وسيلة كانت، ويحظر على الطبيب إجراء عمليّة استئصال العضو وزرعه عند علمه بذلك”.
ووفقاً للتعديل الأوّل لقانون عمليّات زرع الأعضاء البشرية ومنع الإتجار بها رقم 18 لسنة 2024، تنصّ المادّة 18 على فرض عقوبة السجن لمدّة تتراوح بين 10 و15 سنة، بالإضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين 10 و20 مليون دينار عراقي، لكلّ من يقوم باستئصال عضو أو جزء منه أو نسيج من إنسان حيّ أو ميت، أو يزرعه، أو يشارك أو يعمل كوسيط، أو يقوم بالإعلان أو التحايل أو الإكراه لغرض زراعته في جسم آخر.
أما المادّة 20 من القانون، فتنصّ على الحبس لمدّة لا تزيد على ثلاث سنوات، بالإضافة إلى غرامة تتراوح بين 2 و5 ملايين دينار عراقي، لكلّ من يستأصل عضواً أو نسيجاً من شخص متوفِ دون وصيّة مسبقة، أو بما يخالف الأحكام الشرعيّة.
المحاميّة إنسام علي، تقول إن الإعلانات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تروّج لـ”فرص التبرّع” في كردستان أو إيران، تستهدف الفقراء الذين يمرّون بضائقة مالية، إذ يتمّ “إقناعهم بالتبرّع مقابل مبالغ زهيدة، في حين تحقّق هذه التجارة أرباحاً طائلة للعاملين فيها”.
وأكّدت أن هذا الأمر يمثّل “شكلاً من أشكال بيع الأعضاء تحت غطاء التبرّع”، ما يجعله خاضعاً لأحكام المادّة 18 من قانون زراعة الأعضاء البشرية.
لكنّ النائب رائد المالكي، يرى أن مخاوف المحاميّة إنسام علي، مبالغ فيها، ويشير إلى أن الواقع الحالي “يضع مرضى الفشل الكلوي في مواجهة خطر كبير، إذ يجدون صعوبة في الحصول على متبرّعين”.
وذكر بأن بيع وتجارة الأعضاء البشرية مجرّمان قانونياً، لكن في الواقع “العديد من المرضى يضطرّون لشراء الكلى وإجراء العمليّات في مستشفيات أربيل أو بغداد أو في دول الجوار، مما يكلّفهم ما بين 60 إلى 70 مليون دينار”.
واقترح المالكي، أن يتمّ تضمين قانون زراعة الأعضاء البشرية منحاً مالية رسمية للمتبرّعين، بحيث تقدّم الدولة دعماً مالياً أو قطعة أرض لكلّ متبرّع بالكلى.
وهو يعتقد أن هذا “سيحدّ من عمليّات الإتجار غير القانونية، كما أنه سيسهم في تقليل نفقات الدولة على عمليّات غسيل الكلى، التي تكلّف 50 إلى 60 دولاراً لكلّ جلسة غسيل”.
إفادات متّهمين
محامٍ من بغداد، فضّل عدم الكشف عن هوّيته، مطّلع على بعض قضايا الإتجار بالأعضاء، ينقل لنا اعترافاً أدلى به متّهم بقضيّة الإتجار أمام القضاء.
يقول إن المتّهم (ع.س) من محافظة الديوانية جنوب بغداد، أقرّ باستخدامه “الفيسبوك” للبحث عن أشخاص من ذوي الدخل المحدود راغبين في بيع كلياتهم، وإنه تمكّن من الاتّفاق مع كثيرين في البصرة وبغداد وغيرهما من المدن.
تُظهر الاعترافات أن الشخص ذاته باع كليته قبل عدّة سنوات، وأنه تحوّل لاحقاً إلى وسيط مقابل عمولات مالية، لصالح تاجر أعضاء بشرية في أربيل، تعرّف عليه عبر “الفيسبوك”، وفق ما أقرّ به أمام القضاء، مبيّناً أن التاجر في أربيل يبيع الكلى بمبالغ مضاعفة لمرضى بحاجة إلى عمليّات زراعة سريعة.
الاعترافات تُوضح أن (ع.س) بسبب تردّي وضعه المالي وافق على بيع كليته، وأجرى العمليّة تحت إشراف طبيب هندي في أربيل، وبعدها أقنعه التاجر بالعمل كوسيط لجلب أشخاص آخرين مقابل مبالغ مالية “مغرية”.
المحامي مصدرنا، كشف كذلك عن شهادة رجل أقنع زوجته ببيع كليتها، إذ قال الزوج في اعترافاته أمام القاضي: “أقنعت زوجتي ببيع كليتها بمبلغ يزيد على 12 مليون دينار، كوني كنت مديناً بستّة ملايين دينار، وزوجتي وافقت لأن المبلغ المتبقّي كان سيساعدنا على تحسين وضعنا المعيشي”.
وذكر أن الوسيط قام بتأمين سيّارة نقلتهما إلى مدينة الحلّة في محافظة بابل جنوب بغداد، لإجراء فحوصات المطابقة في مختبر متخصّص بتحليل الدم، ليتمّ إرسال التقارير إلى السليمانية، لكن أثناء إجراء الفحوصات، ألقت القوّات الأمنية القبض على الوسيط بتهمة الإتجار بالأعضاء البشرية، فضلاً عن بيعه سابقاً كليته بمبلغ عشرة ملايين دينار، كما تمّ توقيف شركاء له وفقاً لأحكام المادّة 18 من قانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية رقم 11 لسنة 2016.
وبحسب شهادات محامين، تُظهر أوراق التحقيقات التي يطّلعون عليها، أن أغلب عمليّات زراعة الأعضاء تُجرى في مستشفيات إقليم كردستان وإيران، بعيداً عن رقابة السلطات الاتّحادية، وأن هناك عمليّات تحايل وتلاعب بالأوراق تحدث، وهو ما يُثير قلق الأجهزة القضائية والأمنية.
ومن الأمثلة عليها، ما أعلنته الشرطة العراقية في السابع من آذار/ مارس 2024، عن اعتقال أب من محافظة ميسان، قام ببيع إحدى كليتي ابنه الشابّ البالغ من العمر 22 سنة دون موافقته. وبحسب الشرطة، بدأت القصّة عندما رافق الأب ابنه إلى إقليم كردستان لقضاء بضعة أيّام على سبيل الاستجمام، لكن بدلاً من ذلك، دخل الاثنان مستشفى، كان قد اتّفق الأب مع إدارته مسبقاً، وتمّ استئصال إحدى كليتي الشابّ. يشير بيان الشرطة إلى أن العمليّة أُجريت من غير رضا الابن، دون أن تضيف مزيداً من التفاصيل بشأن كيفية حصول ذلك.
البنك هو الحلّ
مع أن الإتجار بالأعضاء البشرية مجرّم في العراق، وتتّخذ الإجراءات القانونية ضدّ المتورّطين فيه أفراداً أو شبكات، إلا أنه “جريمة مستمرّة الحدوث”، وفقاً لرئيس لجنة الصحّة في مجلس النواب ماجد شنكالي، وذلك بسبب “غياب الرقابة الفعّالة”.
ويذكر شنكالي أن أبرز مشكلة تواجه مكافحة هذا النوع من الجرائم، هو “عدم وجود بنك للأنسجة والأعضاء البشرية، مما يعيق تنظيم عمليّة التبرّع بنحو قانوني”، ويؤكّد إمكانيّة “تقنين عمليّات التبرّع ومنع تجارة الأعضاء البشرية، إذا وُجد البنك”.
ويقول: “إن لجنة الصحّة البرلمانية فاتحت في وقت سابق وزارة الصحّة، من أجل إنشاء بنوك خاصّة بالأعضاء البشرية في بغداد والمحافظات، وفقاً لقانون عمليّات زرع الأعضاء البشرية، ومنع الإتجار بها رقم 11 لسنة 2016”.
وتنصّ المادّة 24 أوّلاً من هذا القانون على أنه “يحقّ لوزير الصحّة الموافقة على إنشاء مصارف للأعضاء والأنسجة البشرية في أي مستشفى أو مركز طبّي، وذلك لتجميع وحفظ وتجهيز الأنسجة لأغراض الزراعة، بشرط توفّر جميع الإمكانيّات الفنّية اللازمة”.
إضافة إلى افتقاد وجود بنك للأنسحة، يرى النائب شنكالي، أن هناك تحدّيات عديدة تواجه جهود مكافحة الإتجار بالبشر، مثل الفقر والبطالة وأيضاً “بعض الفتاوى الفقهية التي تُجيز منح مكافآت مالية للمتبرّع”، ويجد فيها حافزاً يعزّز من انتشار ظاهرة بيع الأعضاء البشرية.
وكان زعيم “التيّار الصدري” مقتدى الصدر؛ وهو رجل دين شيعي يحظى بشعبية كبيرة، قد ردّ في 31 كانون الثاني/ يناير 2025 على استفسار أحد المواطنين، الذي باع كليته واشترى بثمنها منزلاً، بناءً على فتوى لوالد مقتدى الصدر في كتاب عنوانه “فقه الطبّ”، قائلا: “لا إشكال في بيع الكلى مع الضرورة وعدم الضرر، لكنّني أنصح بعدم فعل ذلك، فالله يرزق من يشاء بغير حساب”.
عن أسباب تعطّل إنشاء بنوك الأعضاء في العراق، يقول المتحدّث باسم وزارة الصحّة سيف البدر، إن هناك “تحدّيات تقنية وفنّية تتعلّق بتخزين وحفظ الأعضاء، إضافة إلى الحاجة إلى تأهيل وتدريب الكوادر الطبّية المختصّة”.
ويشير إلى وجود صعوبات “قانونية وشرعية”، فضلاً عن “الأعراف المجتمعية التي يجب مراعاتها في هكذا أمور”، مبيّناً أن وزارة الصحّة “تعمل مع الجهات المعنيّة على تعديل القوانين بما يتماشى مع احتياجات المجتمع العراقي”، في إشارة إلى إمكانيّة إجراء تعديلات على القانون الذي يعالج هذه المشكلة.
البدر، أكّد أن وزارته تواجه بصرامة تجارة الأعضاء، نافياً وبشدّة وجود عمليّات بيع الأعضاء البشرية في المستشفيات الحكومية، مبيّناً أن جميع العمليّات المتعلّقة بزراعة الأعضاء، تتمّ وفقاً للقانون، وبالالتزام التامّ بالضوابط المعتمدة.
وتشير تصريحات العديد من المسؤولين الحكوميين، بشكل غير مباشر، إلى حصول عمليّات زراعة الأعضاء غير الشرعية في مستشفيات غير حكومية، أو في مستشفيات خارج البلاد، عبر سماسرة منفردين، أو شبكات تعمل في هذا المجال.
لكنّ المقابلات التي أجريناها مع أشخاص ذوي صلة، تُظهر أن الكثير من عمليّات زراعة الأعضاء تُجرى في مستشفيات حكومية، لكن بعد تزوير بعض الأوراق والمستمسكات الخاصّة بالمتبرّع (البائع) مع تعهّد الطرفين أن التبرّع يتمّ مجّاناً دون مقابل!
المخاطر الصحّية التي تكتنف عمليّة استئصال الكلى، لم تعق حسين علاء (27 سنة) من مدينة الفلوجة التابعة لمحافظة الأنبار غرب العراق، من اتّخاذ القرار المصيري وبيع كليته بداية العام 2024، مقابل 16 مليون دينار، ليتمكّن من الاقتران بحبيبته التي كان والدها قد فرض مهراً كبيراً لتزويجها.
عائلة حسين، كانت تجهل ما أقدم عليه، إذ أخبرهم بأنه سيسافر إلى أربيل مع أصدقائه للاستجمام، وبعد أسبوعين عاد وأخبر والدته بأنه تعرّض لحادث سير سبب له بعض المشاكل الصحّية، لكنّها لاحظت المبلغ الذي كان في حوزته، لا سيّما أن عمله في بيع وشراء الأدوات المنزلية المستعملة، لا يمكن أن يؤمّن له هكذا مبلغ، ليعترف في النهاية بما أقدم عليه.
يقول حسين: “أبقينا الأمر طيّ الكتمان حتى تزوّجت، وبعدها كشفنا السرّ، وكانت الصدمة بالنسبة إلى زوجتي وأهلها والجميع”.
جرت عمليّة استئصال كلية حسين، في مستشفى في قضاء عقرة في محافظة دهوك في إقليم كردستان، وجرى الاتّفاق عبر ما يُعرف بالمتعهّد الطبّي.
يقول حسين: “زوّر مستمسكات ثبوتية لي، وأدخلني إلى لجنة التبرّع، وجعل شخصاً يرافقني على أنه والدي”.
عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية مهدي تقي، يعقّب على حالة حسين: “هذا التزوير تقوم به شبكات كبيرة تقف وراء عمليّات الإتجار بالأعضاء، إذ تستغل الظروف المالية للمواطنين لتحقيق مكاسب غير قانونية”.
ويشدّد تقي على ضرورة تعزيز جهود ملاحقة هكذا شبكات “بتطبيق القوانين بصرامة، مع توثيق التعاون بين جميع الجهات الحكومية، بما في ذلك المؤسّسات الصحّية في إقليم كردستان”.
جنيد محمود (28 سنة) خرّيج كليّة التربية في جامعة بغداد، دفعه يأسه من الحصول على وظيفة في القطاعين العامّ والخاصّ، للتفكير جدّياً في بيع واحدة من كليتيه، ليفتتح بثمنها متجراً صغيراً لبيع الموادّ الغذائية.
تتّسع حدقتا عينيه وهو يتذكّر تلك الأيّام: “كان ذلك في أواخر 2024، وكنت في حالة نفسية سيّئة، ومن حاول إقناعي بذلك صديق يعمل مضمّداً، قال إن مبلغ 14 مليون دينار التي سأحصل عليه، سيغيّر حياتي!”، يضرب يديه ببعضهما، ويتساءل مندهشاً: “هل حقّاً كنت سأفعل ذلك، وأبيع كليتي؟”.
يجيب نفسه وهو يبتسم: “نعم، كنت على وشك فعل ذلك، وإجراء الفحوصات مدفوعاً بالفقر والإحباط، لولا تدخّل شقيقي الأكبر الذي أخبرته بالأمر، فمنعني بشدة، وأنقذني من تلك الحماقة”.
يدعو جنيد، الشبّان الذين يمرّون بأوقات صعبة نتيجة المشاكل المالية، إلى عدم الرضوخ للمغريات التي يقدّمها لهم السماسرة، واستشارة عوائلهم قبل اتّخاذ أي قرار، فكلّ شيء حسبما يقول: “يمكن تعويضه أو إيجاد حلّ له، بما فيه الفقر، لكن كيف يمكن تعويض كليتك؟!”.
ملاحظة: يبلغ سعر الصرف الرسمي لكلّ 100 دولار أميركي في العراق نحو 132 ألف دينار.
أُنجز التحقيق بإشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية.
















