ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سمكة خارج الماء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أحياناً يكون الصبر على الحبّ أهمّ من الحبّ نفسه، مثل “الطريق إلى البيت أجمل من البيت” كما قال محمود درويش، فالحبّ يظلّ قابلاً للكسر إن لم يتحصّن بالصبر، بالقدرة على الصمود، شأنه شأن كل الصروح التي تهوي إذا بنيناها من خيال فقط، لكنّي لا أستطيع أن أفسّر الحبّ الذي يجعل الناس يتعلّقون بالمكان إلى درجة أنهم لا يقوون على مفارقته!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أندم كثيراً لأني لم أهاجر باكراً، وأحسد اللبنانيين الذين هاجروا قبلي واستقرّوا بعيداً عن الجحيم، وإن قالوا إنهم لم يبلغوا الجنّة، أحسدهم بالذات على ذاكرة ليس في زاوية خاصّة بالحرب.

 أفكّر أحياناً أنهم يفقدون جزءاً أساسياً من الهويّة اللبنانية العجيبة الغريبة، إذ كيف يمكن أن تكون لبنانياً ولديك ذاكرة خالية من أصوات الحروب وصورها؟ فكثيرون منهم لم يسمعوا أزيز الدرونات ولا زئير الطائرات الحربية ولا حتى صوت رصاصة، ولم يروا جندّياً ولا حاجزاً ولا أيّ نوع من الأسلحة. 

وأتابع من منفاي الذي اخترته بكامل إرادتي، تفاصيل حياة اللبنانيين الذين اختاروا البقاء في الوطن، أو في الوطن الذي اختارهم بينما نفى آخرين! أحاول أن أفكّك علاقة الحبّ التي تجمع بين طرفين هشّين حدّ الانهيار وأشطرها إلى أجزاء صغيرة لأفهمها، فأجد أن السرّ يكمن في الصبر.

أحياناً يكون الصبر على الحبّ أهمّ من الحبّ نفسه، مثل “الطريق إلى البيت أجمل من البيت” كما قال محمود درويش، فالحبّ يظلّ قابلاً للكسر إن لم يتحصّن بالصبر، بالقدرة على الصمود، شأنه شأن كل الصروح التي تهوي إذا بنيناها من خيال فقط، لكنّي لا أستطيع أن أفسّر الحبّ الذي يجعل الناس يتعلّقون بالمكان إلى درجة أنهم لا يقوون على مفارقته! 

ظلّت سلام تقول على مدى عمر من صداقتنا إن حاجتها إلى النبطية مثل حاجة السمكة إلى الماء، تموت إذا خرجت منها، وهذا يتجاوز معنى الحبّ والتعلّق إلى نوع من الروحانية، بينما كنت كل الوقت على النقيض منها تماماً، راحلتي مستنفرة ومضاربي تبحث عن منزل جديد، وقلق البدوي من الاستقرار يكبر في داخلي، 

ثم “هبّ عصف الريح… وانتهى كل الذي قد تاه من دنيا ومن عمر ومن أحباب”، وانتهينا سمكتين خارج الماء! 

في صغري سألت جدّتي مرّة لماذا تحبّين بيروت أكثر من الضيعة؟ فأجابتني مستنكرة: من قال لك هذا؟ قلت لها إني أسمعها دائماً تحكي عن بيروت أمام جاراتها وألمح عينيها تلمعان، ففهمت منها أن من رأى بيروت كأنه رأى الدنيا كلها، أسأل نفسي الآن، هل كان عليّ حقّاً أن أبعد إلى هذا الحدّ لأكتشف أن الدنيا كانت بين يدي؟ لأدرك أني أحبّ بيروت أكثر من الدنيا كلها؟

أنا هنا في كندا منذ سنة وأشهر عدة، وأحسّ بفائض من الأمان والهدوء والسكينة والوقت والنظام والرعاية والاستقرار، ماذا بعد؟ أشياء أخرى كثيرة وجديدة أتنعّم بها، إلّا أني لا أشعر بالحياة! طيّب، هل الحياة غير هذه الأشياء التي ذكرتها أعلاه؟ هي كذلك، لكن لمن لم يعش إلّا في هذه البلاد، لمن لم يعرف مدينة دافئة على المتوسّط! 

في السوبرماركت راقبني الرجل وأنا أشتري ربطة زعتر أخضر وسألني ما هذا؟ فشرحت له بإسهاب، فهم أني شرق أوسطية، وسألني من أيّ بلد، فأجبته من لبنان، لم يعرفه، فقلت من بيروت، فابتسم وقال: “أوووه، واوووو… بيروت نعم أعرفها إنها مدينة دافئة على المتوسّط”. 

يكفي للكندي أن تكون البلاد دافئة لتكون جميلة، ليتمسّك بها ولا يغادرها. أكملنا الشوبينغ بعدما انتهى حديثنا عن الدفء، ورحت أفكّر ما الذي دفعني إلى المجيء إلى هذه البلاد الباردة؟ أُعيد مراجعة الأسباب وأجدها أكثر من أصابع اليدين، فأعود وأربّت على قلبي وأُثني عليه بأن قراره كان صائباً وما زال.

الحياة في مكان ما ليست نفسها في آخر، هذا يشبه حكاية السمكة أيضاً، لكن تلك التي ولدت في أكواريوم وظنّت أن هذا هو البحر! إلى أن جاءت سمكة أخرى وحدّثتها عن البحر فأفسدت عليها نعمة استقرارها… نعمة؟ كذبة بالأحرى!

والغربة حوت، كالحوت الذي ابتلع يونس، لكنّك لن تخرج من بطنه حيّاً ولا نبياً، أقرأ رسالة محمّد مرّة تلو الأخرى، يقول إنه لم يعد له شغل في هذه البلاد سوى انتظار الموت، أنثني على قلبي وأبكي كم يحتاج الإنسان من الشجاعة ليعيش على أمل الموت؟ وأقول له إني أنتظر الموت مثله، فقد طال العمر كثيراً حتى بات لا طعم له ولا لون ولا رائحة! 

زارتني لارا الشهر الماضي “وحكينا بخمس دقايق عن خمس شهور”، كما تغنّي فيروز، جلسنا متقابلتين لساعات، مثل جبلين يتراكمان من صخر الخيبات، بكينا وضحكنا لا حزناً ولا فرحاً، لا أملاً ولا ألماً، هذا هو بالضبط الشعور الذي ينمو في الغربة: الرماد… يصبح كل شيء مصنوعاً من الفعل ونقيضه، الأبيض والأسود معاً، يعني لا حياة فيه.

 أظنّ أن للغربة خريطة مشاعر واحدة، تسلّمها لكل واحد منّا عندما يتجاوز العتبة، فنقرأها ونحفظها ونتحوّل إلى كائنات عجيبة، مزيج من بشر وآلة، نبكي من الوحدة ونشغّل جرس الإنذار إذا مسّنا قرب، نشكو من العزلة ونضيء الإشارة الحمراء لئلّا يفكّر أحد بتجاوزها، نتودّد إلى الغرباء لكن بطارياتنا محدودة الطاقة… 

كيف تقتلين الوقت؟ 

تسألني أمّي… ساعتان على الأقلّ في اليوم، أخصّصهما للثرثرة على الهاتف معها ومع صديقاتي، أحياناً أستعيض عن الاتّصال بتسجيل صوتي، أحاول أن أجعله فرحاً قدر الإمكان، مع الموناليزا (حفيدتي) أفتح الكاميرا، تظلّ تحكي حتى تذوب من النعاس وتنام، فتتركني لوحش الفراغ يبتلعني، وللشوق يفتح ثقباً واسعاً في قلبي! 

ولا أنسى في نهاية اليوم أن أشكر الغرب المتقدّم، الذي يتسبّب في تباعدنا جسدياً وبجمع شتاتنا افتراضياً، على نعمة الواتسآب.

في الصباح أهرب إلى الغابة، أحاول أن ألبنن الطبيعة من حولي، أعبر النهر من ضفّة إلى أخرى وأنا أردّد بصوت عالٍ: جنوب النهر، شمال النهر! أنادي على العصافير بأسمائها البلدية: أبو الحن، بوبانة، سنونو، ومالك الحزين، أنا أيضاً حزينة يا مالك لكن لا أحد يعرفني بهذا الاسم! 

في المساء أتمشّى في الحيّ، أتمنّى لو أرى هرّة أو كلباً شارداً، أو ثياباً مهفهفة على حبل غسيل، أو امرأة تصبّ الماء على درابزين الشرفة، أجلس على المقعد في الحديقة “أنطر شي إيد تسلم عليي شي صوت عم يقول مسا الخير”…

أفكّر في جدّتي التي كان يرقد في داخلها فينيقي صغير، كانت كلما سافرت إلى الحجّ أو العمرة أو زارت أضرحة الأئمّة، تعود مقتنعة بأن لبنان بلد لا مثيل له في العالم: الطقس الجميل والطبيعة الخضراء والأكل الشهي والناس الحلوين، فأراجع الأسباب التي دفعتني إلى الهروب وأجدها كثيرة، وأُسكت الصوت الثرثار في داخلي، ثم أعود وأسأل نفسي: لماذا لم أجرّب ولو مرّة واحدة أن أعدّ الأسباب التي كان يمكن أن تدفعني إلى البقاء! يا إلهي… ربما تكون كثيرة أيضاً! الليلة قبل أن أنام سأفعل…

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…

أحياناً يكون الصبر على الحبّ أهمّ من الحبّ نفسه، مثل “الطريق إلى البيت أجمل من البيت” كما قال محمود درويش، فالحبّ يظلّ قابلاً للكسر إن لم يتحصّن بالصبر، بالقدرة على الصمود، شأنه شأن كل الصروح التي تهوي إذا بنيناها من خيال فقط، لكنّي لا أستطيع أن أفسّر الحبّ الذي يجعل الناس يتعلّقون بالمكان إلى درجة أنهم لا يقوون على مفارقته!

أندم كثيراً لأني لم أهاجر باكراً، وأحسد اللبنانيين الذين هاجروا قبلي واستقرّوا بعيداً عن الجحيم، وإن قالوا إنهم لم يبلغوا الجنّة، أحسدهم بالذات على ذاكرة ليس في زاوية خاصّة بالحرب.

 أفكّر أحياناً أنهم يفقدون جزءاً أساسياً من الهويّة اللبنانية العجيبة الغريبة، إذ كيف يمكن أن تكون لبنانياً ولديك ذاكرة خالية من أصوات الحروب وصورها؟ فكثيرون منهم لم يسمعوا أزيز الدرونات ولا زئير الطائرات الحربية ولا حتى صوت رصاصة، ولم يروا جندّياً ولا حاجزاً ولا أيّ نوع من الأسلحة. 

وأتابع من منفاي الذي اخترته بكامل إرادتي، تفاصيل حياة اللبنانيين الذين اختاروا البقاء في الوطن، أو في الوطن الذي اختارهم بينما نفى آخرين! أحاول أن أفكّك علاقة الحبّ التي تجمع بين طرفين هشّين حدّ الانهيار وأشطرها إلى أجزاء صغيرة لأفهمها، فأجد أن السرّ يكمن في الصبر.

أحياناً يكون الصبر على الحبّ أهمّ من الحبّ نفسه، مثل “الطريق إلى البيت أجمل من البيت” كما قال محمود درويش، فالحبّ يظلّ قابلاً للكسر إن لم يتحصّن بالصبر، بالقدرة على الصمود، شأنه شأن كل الصروح التي تهوي إذا بنيناها من خيال فقط، لكنّي لا أستطيع أن أفسّر الحبّ الذي يجعل الناس يتعلّقون بالمكان إلى درجة أنهم لا يقوون على مفارقته! 

ظلّت سلام تقول على مدى عمر من صداقتنا إن حاجتها إلى النبطية مثل حاجة السمكة إلى الماء، تموت إذا خرجت منها، وهذا يتجاوز معنى الحبّ والتعلّق إلى نوع من الروحانية، بينما كنت كل الوقت على النقيض منها تماماً، راحلتي مستنفرة ومضاربي تبحث عن منزل جديد، وقلق البدوي من الاستقرار يكبر في داخلي، 

ثم “هبّ عصف الريح… وانتهى كل الذي قد تاه من دنيا ومن عمر ومن أحباب”، وانتهينا سمكتين خارج الماء! 

في صغري سألت جدّتي مرّة لماذا تحبّين بيروت أكثر من الضيعة؟ فأجابتني مستنكرة: من قال لك هذا؟ قلت لها إني أسمعها دائماً تحكي عن بيروت أمام جاراتها وألمح عينيها تلمعان، ففهمت منها أن من رأى بيروت كأنه رأى الدنيا كلها، أسأل نفسي الآن، هل كان عليّ حقّاً أن أبعد إلى هذا الحدّ لأكتشف أن الدنيا كانت بين يدي؟ لأدرك أني أحبّ بيروت أكثر من الدنيا كلها؟

أنا هنا في كندا منذ سنة وأشهر عدة، وأحسّ بفائض من الأمان والهدوء والسكينة والوقت والنظام والرعاية والاستقرار، ماذا بعد؟ أشياء أخرى كثيرة وجديدة أتنعّم بها، إلّا أني لا أشعر بالحياة! طيّب، هل الحياة غير هذه الأشياء التي ذكرتها أعلاه؟ هي كذلك، لكن لمن لم يعش إلّا في هذه البلاد، لمن لم يعرف مدينة دافئة على المتوسّط! 

في السوبرماركت راقبني الرجل وأنا أشتري ربطة زعتر أخضر وسألني ما هذا؟ فشرحت له بإسهاب، فهم أني شرق أوسطية، وسألني من أيّ بلد، فأجبته من لبنان، لم يعرفه، فقلت من بيروت، فابتسم وقال: “أوووه، واوووو… بيروت نعم أعرفها إنها مدينة دافئة على المتوسّط”. 

يكفي للكندي أن تكون البلاد دافئة لتكون جميلة، ليتمسّك بها ولا يغادرها. أكملنا الشوبينغ بعدما انتهى حديثنا عن الدفء، ورحت أفكّر ما الذي دفعني إلى المجيء إلى هذه البلاد الباردة؟ أُعيد مراجعة الأسباب وأجدها أكثر من أصابع اليدين، فأعود وأربّت على قلبي وأُثني عليه بأن قراره كان صائباً وما زال.

الحياة في مكان ما ليست نفسها في آخر، هذا يشبه حكاية السمكة أيضاً، لكن تلك التي ولدت في أكواريوم وظنّت أن هذا هو البحر! إلى أن جاءت سمكة أخرى وحدّثتها عن البحر فأفسدت عليها نعمة استقرارها… نعمة؟ كذبة بالأحرى!

والغربة حوت، كالحوت الذي ابتلع يونس، لكنّك لن تخرج من بطنه حيّاً ولا نبياً، أقرأ رسالة محمّد مرّة تلو الأخرى، يقول إنه لم يعد له شغل في هذه البلاد سوى انتظار الموت، أنثني على قلبي وأبكي كم يحتاج الإنسان من الشجاعة ليعيش على أمل الموت؟ وأقول له إني أنتظر الموت مثله، فقد طال العمر كثيراً حتى بات لا طعم له ولا لون ولا رائحة! 

زارتني لارا الشهر الماضي “وحكينا بخمس دقايق عن خمس شهور”، كما تغنّي فيروز، جلسنا متقابلتين لساعات، مثل جبلين يتراكمان من صخر الخيبات، بكينا وضحكنا لا حزناً ولا فرحاً، لا أملاً ولا ألماً، هذا هو بالضبط الشعور الذي ينمو في الغربة: الرماد… يصبح كل شيء مصنوعاً من الفعل ونقيضه، الأبيض والأسود معاً، يعني لا حياة فيه.

 أظنّ أن للغربة خريطة مشاعر واحدة، تسلّمها لكل واحد منّا عندما يتجاوز العتبة، فنقرأها ونحفظها ونتحوّل إلى كائنات عجيبة، مزيج من بشر وآلة، نبكي من الوحدة ونشغّل جرس الإنذار إذا مسّنا قرب، نشكو من العزلة ونضيء الإشارة الحمراء لئلّا يفكّر أحد بتجاوزها، نتودّد إلى الغرباء لكن بطارياتنا محدودة الطاقة… 

كيف تقتلين الوقت؟ 

تسألني أمّي… ساعتان على الأقلّ في اليوم، أخصّصهما للثرثرة على الهاتف معها ومع صديقاتي، أحياناً أستعيض عن الاتّصال بتسجيل صوتي، أحاول أن أجعله فرحاً قدر الإمكان، مع الموناليزا (حفيدتي) أفتح الكاميرا، تظلّ تحكي حتى تذوب من النعاس وتنام، فتتركني لوحش الفراغ يبتلعني، وللشوق يفتح ثقباً واسعاً في قلبي! 

ولا أنسى في نهاية اليوم أن أشكر الغرب المتقدّم، الذي يتسبّب في تباعدنا جسدياً وبجمع شتاتنا افتراضياً، على نعمة الواتسآب.

في الصباح أهرب إلى الغابة، أحاول أن ألبنن الطبيعة من حولي، أعبر النهر من ضفّة إلى أخرى وأنا أردّد بصوت عالٍ: جنوب النهر، شمال النهر! أنادي على العصافير بأسمائها البلدية: أبو الحن، بوبانة، سنونو، ومالك الحزين، أنا أيضاً حزينة يا مالك لكن لا أحد يعرفني بهذا الاسم! 

في المساء أتمشّى في الحيّ، أتمنّى لو أرى هرّة أو كلباً شارداً، أو ثياباً مهفهفة على حبل غسيل، أو امرأة تصبّ الماء على درابزين الشرفة، أجلس على المقعد في الحديقة “أنطر شي إيد تسلم عليي شي صوت عم يقول مسا الخير”…

أفكّر في جدّتي التي كان يرقد في داخلها فينيقي صغير، كانت كلما سافرت إلى الحجّ أو العمرة أو زارت أضرحة الأئمّة، تعود مقتنعة بأن لبنان بلد لا مثيل له في العالم: الطقس الجميل والطبيعة الخضراء والأكل الشهي والناس الحلوين، فأراجع الأسباب التي دفعتني إلى الهروب وأجدها كثيرة، وأُسكت الصوت الثرثار في داخلي، ثم أعود وأسأل نفسي: لماذا لم أجرّب ولو مرّة واحدة أن أعدّ الأسباب التي كان يمكن أن تدفعني إلى البقاء! يا إلهي… ربما تكون كثيرة أيضاً! الليلة قبل أن أنام سأفعل…

|

اشترك بنشرتنا البريدية