في السنوات الإحدى والعشرين التي تلت اغتياله، كتب الكثيرون عن مواجهة سمير قصير الصحافية والإعلامية للوصاية السورية. لكن في الفترة الأخيرة، نشهد عودةً إلى سمير قصير المثقّف أو المفكّر «العامّ»، وأيضاً إلى سمير قصير الإنسان «الخاصّ».
وفي العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية عموماً، شدّد بعض الباحثين، بشكل منهجي، على «أنسنة» المثقّف أو المناضل (وتحديداً المناضل اليساري) عبر دراسة سيرته الذاتية ومساره الشخصي، ومن ثم تثبيته كمرجعية سياسية وفكرية.
ورغم وجود بعض المساهمات الأكاديمية المحدودة باللغة الإنجليزية التي تناولت قصير من خلال شخصيّته وعلاقاته وتوجّهاته «الفريدة»، لا نجد الكثير من هذا النوع من المقاربات في النقاش اللبناني المحلّي. وفي سياق بحثي حول الحركة التقدّمية واللاطائفية التي ظهرت بعد الحرب الأهلية، أجد نفسي مهتمّاً كثيراً بسيرة المناضل لفهم تحوّلاته الخاصّة في سياق تحوّلات كبرى قيل إنها أكبر منّا جميعاً.
لقصير علاقة معقّدة مع عدد من القيم «المعتادة» التي غالباً ما استُخدمت لتفسير سلوك المثقّف بالمعنى السياسي والمعرفي: التواضع؛ الانتماء؛ العائلة؛ الوطن؛ الولاء؛ التمرّد. وقد جرى إهمال هذه العناصر إلى حدّ كبير عند تفسير نقطة انطلاقه والخلاصة الصعبة والتراجيدية التي وصل إليها. بالنسبة إلى كثيرين، قُتل قصير لأنه كان صحافياً جريئاً. لكن في الواقع، هناك شروط وسلوكيات ذهنية أعمق حول اللاعب السياسي اليساري ذات تداعيات حقيقية ومادّية على حياتنا اليومية والسياسية المعاصرة: كيف نقرأ الفرص؟ كيف نعالج المشكلات؟ كيف نخوض حواراً؟ مع من نتحالف؟
إن التمسك بالشخصيّة السياسية، سواء بوصفها منهجاً بحثياً ومعرفياً أو قيمةً قيادية في العمل السياسي، ليس موضوعاً مرغوباً لدى كثير من يساريي الربيع العربي في الحقلين السياسي والثقافي، ولا في العلوم الاجتماعية عموماً. فعلى المستوى البحثي، طغت «البنيوية» بوصفها منهجية علمية لتفسير التحوّلات الاجتماعية في سياقات جغرافية ووطنية مختلفة. وعلى الصعيدين السياسي والتنظيمي، وخاصّةً بعد الربيع العربي، سعى البعض إلى خوض تجارب حركاتية «أفقية» متحرّرة من «قيود القادة»، راغبين في ديمقراطية جذرية تتمحور حول «المجتمعات البديلة» من دون الالتحاق برموز فكرية أو تنظيمية صلبة وتسلّطية. وربما يشكّل الاستثناء الأبرز لهذه القاعدة علاقة اليسار بـ«أنبياء» نزع الاستعمار، حيث نكتشف فاعلية القيادة الفكرية بصيغتها القومية أو الأممية أو الكونية في مواجهة هيمنة إسرائيل والولايات المتّحدة: فرانتز فانون، إدوارد سعيد، جورج حبش، غسّان كنفاني، سمير أمين وغيرهم.
ولكن في الواقع، ورغم أنها أقلّ جاذبيةً لفئة واسعة من الشباب عندما تُقارَن بالنزاع «الحضاروي» الكوكبي الذي كرّس الصراع من أجل نزع الاستعمار، فإن المعركة من أجل التحرّر الاجتماعي – لا الوطني فقط – تحتاج هي أيضاً إلى رموزها ودروسها التطبيقية، وقد يكون سمير قصير أحد مفاتيحها في سياقنا العربي. فنتحدّث عن شخص جمع بين انخراطه الفكري والعلمي وانخراطه السياسي المعلن، وخاض هاتين التجربتين بصورة ديناميكية، ومن خلال تفاعل مباشر مع فئات واسعة من الطلاب الجامعيين اليساريين. ومع ذلك، تبقى قراءته التحليلية والأيديولوجية، ومساهمته الثقافية، وسيرته الخاصّة – في الرأي العامّ – مهمّشة مقارنةً بحضوره وانخراطه الصحافي.
لا خوف من الفشل: رفض المثالية
خاض سمير قصير عدداً من التجارب الثقافية والسياسية المؤثّرة، ولو جمعت ما بين النجاح والفشل: تجربة أكاديمية وبحثية- تاريخية أثمرت كتابه «تاريخ بيروت»؛ وتجربة صحافية لامعة في جريدة «النهار» جمعت بين التحليل الواقعي والتأمل التحوّلي، ولا سيّما في قراءته للتحوّلات السورية والمبادرات الحركية اللبنانية؛ كما خاض تجربة نقدية ريادية وجريئة مع «لوريان إكسبريس»، وإن لم يُكتب لها الاستمرار؛ وتجربة حزبية جديدة مع “حركة اليسار الديمقراطي”، بقيت محدودة بفعل ظرف الاغتيال.
ذهب إلى فرنسا للتعلّم في سنّ مبكرة، وكانت له صداقات عابرة للتيّارات السياسية، جمعت بين جوزيف سماحة وفوّاز طرابلسي وحازم صاغية وإلياس خوري ومحمود درويش ومحمود سويد. كرّس هويّته اليسارية من دون أن يعتبر الليبرالية الثقافية والتعدّدية شتيمة. وتصالح مبكراً مع المسألة اليهودية، رغم رفضه للصهيونية كتجربة كولونيالية عنيفة. ودعا إلى ديمقراطية سوريا بإصرار بدا أحياناً كصرخة في البرّية. كان مجنوناً، نعم، ولكن بالمعنى الذي يدفع الإنسان إلى خوض التجارب الصعبة، الناجحة منها والفاشلة، من دون خوف من نتائجها المتناقضة.
هذا «الجنون»، على عكس الحذر الذي طغى على بعض أوساط اليسار بشقّيه الديمقراطي والتحرّري القومي بعد الحرب الأهلية، تجسّد أيضاً في روحية كتاباته، وفي نظرته المستقبلية والمتفائلة لدور بيروت، وفي جرأته على مواجهة الوصاية السورية في فترة كان ثمن المواجهة فيها مرتفعاً جداً، ضمن معركة وحيدة ومنعزلة، وفي سياق سياسي طبع هذه الوصاية على مختلف المستويات. رضخ الجميع، باستثناء أمثال سمير قصير، الذين فضّلوا أن يعيشوا كمجانين طوال حياتهم.
والأهم من هذا الطابع «الجنوني» هو الطابع التجريبي في الطرح السياسي. فسمير قصير لا يبحث عن الشمولية، ولا عن أيّ خلاصة «مثالية»، لا في الطرح ولا في الممارسة. بل يبحث باستمرار عن الاحتراف والموارد والجرأة، حتى لو اتّخذ ذلك أحياناً شكلاً ينطوي على شيء من التهوّر. وحتى نظرته الفلسفية إلى اليسار كانت معقّدة. فهو لم يكن معجباً بالنقاء السياسي والفكري، ولا يبحث عن «أصولية يسارية». كان معجباً بتناقض الأفكار والرقص حول الأزمات والحلول. يساريته كانت «خفيفة»، وليست من النوع الذي يولّد فاشية تطهيرية مبطّنة. كان يبحث عن الممكن، رغم كل عيوبه، وهو ما شجّعه على الانخراط بشكل قيادي في تجربة “14 آذار”، من دون أن ينفي الحاجة إلى النقد البنّاء فيما بعدها.
دفن المظلومية وتكريس المسؤولية
اشتهر سمير قصير أولاً كصحافي خاض مهمّة تحدّي الأنظمة، وثانياً كمؤرّخ لبيروت قدّم مساهمة بارزة في فهم تاريخها، وذلك كجزء من حقبة «نهضوية- سياسية محدودة» أعقبت الحرب الأهلية وترافقت مع الاحتقان المتزايد تجاه الوصاية السورية بعد عام 2000. لكنّ قلّة تتوقّف عند مساهمته الفكرية والفلسفية الجريئة، التي تجلّت بوضوح في كتابه «تأملات في شقاء العرب». فبعيداً عن الروحية التمرّدية- القومية التي سادت في أجزاء واسعة من العالم العربي كردّ فعل على مآسي الاستعمار وحالة الضعف الموضوعي، التي عانت منها المجتمعات العربية مقارنةً بالتفوّق الإسرائيلي، طرح سمير قصير الحاجة إلى نهضة داخل العالم العربي كأوّل خطوة نحو تحقيق أيّ إستقلال جدّي ومادّي.
واجه قصير بعد نشر الكتاب تهماً عديدة، منها ما اتّهمه بالعنصرية أو بالاستشراق، وغيرها من التصنيفات الأخلاقوية المألوفة التي كثيراً ما يطلقها أشخاص تشعر أنهم لم يقرأوا من كتاب إدوارد سعيد سوى غلافه. لكن في الواقع، كان سمير قصير يطالب العرب «بالإنجاز». وليس المقصود هنا الإنجاز الاقتصادي النيوليبرالي بالمعنى الضيّق والمتداول، بل الإنجاز الثقافي والأيديولوجي والسياسي في مواجهة القيم والمشاريع التي كرّست شعوراً دائماً بالمظلومية، يبحث عن أمجاد الماضي من دون الانخراط في حلول قادرة على مقاربة أزمات العصر وتناقضات الحداثة وتشوّهاتها. ولم يكن قصير أوّل من طرح هذه المسائل؛ فقد سبقه إلى ذلك كلّ من ياسين الحافظ وصادق جلال العظم في أعقاب هزيمة العام 1967.
بالنسبة إلى قصير، شكّل عصر النهضة، إلى حدّ ما، تمسّكاً واعداً بالمسؤولية في زمن تسوده مظلومية خانقة تُقدَّم بوصفها حقيقة كونية. ومن هنا، أصبح التمسّك بـ«الكوني» إحدى مهامه الفكرية الأساسية: في مناهضته للاحتلال الإسرائيلي، وفي مواجهته الصريحة لبعض تيّارات معاداة السامية، وفي نقده لأطروحة صموئيل هنتنغتون التي افترضت أننا دخلنا عصر «صراع الحضارات»، والأهمّ من ذلك كله، في نقده الصريح والمفصّل لأزمات الإسلام السياسي.
“…كان صعود الإسلام السياسي نتيجة للإفلاس الديمقراطي، فإنه لا يمكن اعتباره حلاّ لمأزق الدول والمجتمعات العربية، بل إنه نظراً إلى كونه شكلاً من أشكال مقاومة القمع، يولد كذلك من فشل قيام الدولة الحديثة والفرص المتكافئة التي وعدت بها إيديولوجيات التطوّر، وبذلك فإنه يشابه نهضة الفاشيات في أوروبا. وفي الواقع فإن السلوك المجتمعي للحركات الإسلامية، ومجرّد أن ننزع عنها الطابع الديني الذي ترتديه، تنمّ عن الكثير أوجه الشبه بينها وبين الديكتاتوريات الفاشية. وعلى هذا فإن الإقرار بزعم الإسلام السياسي بأنه يمثّل قوّة تغيير يعني تقبّل فكرة ديمومة القصور الديمقراطي واستمرار تفويت فرصة بلوغ من الحداثة”. (49 – «تأمّلات في شقاء العرب»)
الهويّة لا ثابت أنطولوجي بل إكتشاف مفتوح
“سمير قصير، الراقص الرشيق في حقول الألغام، الساخر من كل انسجام مع عبودية مفروضة أو مختارة، هو أحد أسماء التفوّق على صُدْفةِ الهويّة وعلى التخصّص في مدوّنة واحدة. لذلك صدّق أن في وسع الفلسطيني أن يكون لبنانياً، وأن في وسع اللبناني أن يكون فلسطينياً عربياً، وأن من واجب العربي أن يكون مشاركاً في التفكير على الأقلّ، في التداعيات التي تتركها انقلابات العالم المعاصر على ما يُعدُّ له من مصائر. وصدّق أن ثقافة الديمقراطية لا تنتهك بالضرورة مقدّسات التراثِ القومي! لذلك لم يقع في شرك السؤال الزائد عن حاجتنا إلى الوجود: من أنا؟ فهذا المواطن المتعدّد المتجدّد المتنوّر المتطوّر لا يحتاج إلى برهان على شرعية الأمّ. لم يقاوم الأصولية بأصولية مضادّة، ولا الطائفية بطائفية مُضمرة. هويّته مفتوحة على غد ينبغي أن يكون مفتوحاً للجميع، وعلى حداثة لا معنى لها في شرطنا التاريخي إلا بارتباطها بمشروع تحرّر شامل المستويات”. – محمود درويش.
إقرأوا أيضاً:
كان سمير قصير لبنانياً مسيحياً، من أب ذي جذور فلسطينية وأم ذات جذور سورية. كان يسارياً، لكنّه عارض الأنظمة العسكرية القومية. وكان مناصراً للقضيّة الفلسطينية، لكنّه وقف موقفاً صارماً في مواجهة معاداة السامية. عارض الأنظمة الاستبدادية، لكنّه رفض الحروب التي تُشنّ باسم الديمقراطية. كان يسارياً مبدئياً، لكنّه في الوقت نفسه تنظيمياً يؤمن بفنّ التسوية السياسية. وكان عربياً، لكنّه رفض الشوفينية العربية بشكلها الإثني والقومي الجامد والصارم والإقصائي.
من هذا المنطلق، يبدو سمير قصير شخصاً غنيّاً بالهويّات، لكنّه يمثّل، إلى حدّ ما، نقيض سياسة الهويّة. كان مهتمّاً بهويّة بيروت وتاريخها، لكنّه رفض الانتماء الحادّ والحصري إلى هويّة واحدة على حساب سواها. كان يفتخر بعروبته، لكنّه كان يكره التهميش بمختلف أشكاله، ويتعامل بحذر مع التصنيفات المغلقة. وفي هذا المعنى، يشبه الكاتب والأكاديمي الفلسطيني- الأميركي إدوارد سعيد. فقد كتب سعيد عن الاستشراق وشخّصه ونقده كسلّة من المعارف المبسّطة حول منطقتنا وتاريخها وثقافتها، من دون أن ينتهي إلى الدفاع عن «الاستغراب» بوصفه مرآةً معاكسة له.
في كتابه «تأمّلات في شقاء العرب»، يهتمّ سمير قصير كثيراً بالكونية كنقطة انطلاق لنقده للتيّارات السائدة في العالم العربي. لكنّه، في الواقع، لا يمارس نقداً سياسياً ضيّقاً، بل يقدّم قصّة الهويّات بوصفها إشكالية مستمرّة تعترض تحقيق الحداثة والنمو الثقافي والأيديولوجي في العالم العربي. فهو يقدّم نصيحة للإنسان العربي قبل أن يقدّم نقداً للمثقّف العربي: قدّر هويّتك، لكن لا تغرق فيها. يوضح قصير هذه الإشكالية العربية في نقده لفكرة العودة إلى أمجاد الماضي، وتكريس الانتماء إلى هذه الأمجاد في الحاضر. ففي مكان ما، يرى أن هناك من يبحث عن الماضي في حاضر مختلف كلياً عنه. وهذه العودة، بحدّ ذاتها، جزء من حداثة النوستالجيا؛ إذ نرسم الماضي بعيون الحاضر الرجعية، من دون أن نقدّم أيّ جواب مقنع عن الحلول المتاحة للخروج من مأزقنا الراهن. فالماضي، بالنسبة إلى قصير، لا يمكن أن يكون برنامجاً سياسياً، ولا أن يحلّ محل التفكير الجدّي في أزمات العصر وتحدّياته.
رفض التواضع الزائف
يروي فوّاز طرابلسي في نصه التأمّلي عن سمير قصير «سمير قصير… كيف أضعتك؟»، تفاصيل من علاقته الوطيدة والحميمة به، بالتوازي مع قراءة نقدية لتجربته ومساره. ويتضمّن النصّ أيضاً بعض التعليقات التي يمكن اعتبارها مجحفة أو ناقصة بحقّ تجربة اليسار الديمقراطي ومؤسّسة سمير قصير ونشاطاتها. ومع ذلك، يقدّم عدداً من الملاحظات القيّمة التي توضح التباين بين قصير وبعض التيّارات اليسارية السائدة آنذاك.
وعلى هامش هذه الملاحظات، يروي طرابلسي حديثاً دار بينه وبين سمير قصير حول «التواضع»؛
أقول له أحياناً: «تواضع قليلاً!»
ـ هل تعرف ما يقول نيتشه في هذا الموضوع؟»
ـ «لا»
ـ يجيب بالفرنسية: «المتواضعون، صدّقوهم. إنهم كذلك»
ويفيد النعت الفرنسي لا التواضع بل المسكنة أو المحدودية، لم أوافقه. وهو ظلّ إلى التفوّق يطمح. وعندما اغتالوه، وجدوا في سيّارته كتاباً لنيتشه.
رفض سمير قصير «التواضع»، وليس فقط على المستوى السياسي أو التنظيمي، بل حتى في مغامرته الشخصية. لم يكن يعتقد أن هناك شيئاً بعيد المنال لا يمكن بلوغه بالممارسة والعمل. اختار الشيوعية في صغره، رغم نشأته في محيط مسيحي يميني، ورغم طغيان العنف والعسكرة والخوف على تلك المرحلة من بداية الحرب الأهلية. تعلّم الكتابة الصحافية المحترفة باللغة العربية، رغم ضعفه النسبي فيها نتيجة دراسته الجامعية الفرنسية. وتعلّم الصحافة، رغم تكوينه الأكاديمي في أوّل طلعته. وقدّم تجربة بحثية وأكاديمية غنيّة وألّف «تاريخ بيروت»، رغم أنه أصبح في الوعي العامّ «الصحافي سمير قصير». كما جرّب تقديم برنامج تلفزيوني، رغم إيقافه من قِبل الأجهزة الأمنية. وارتبط بالمعارضة السورية، رغم أنه أمضى جزءاً من حياته بعيداً عن هذا النطاق الاجتماعي والسياسي. وأسّس حزباً يسارياً، رغم أنه لم يمتلك تجربة تنظيمية قيادية طويلة أو راسخة. لم يكن يصغي إلى الناقد المجحف، لكنّه احتضن الناقد القريب والعادل. وكان يجمع بين خصوم ومعارضين في نقاشات حادّة، لكنّها ودّية ومثمرة. ومع كل خطوة جريئة، تحوّل إلى رمز بالنسبة إلى كثير من الطلاب والشباب، وعمل معهم على توسيع مروحة اليسار، وخصوصاً في شقّه الديمقراطي.
جرأة سمير قصير ليست جرأةً في الفعل فقط. فهي تعود، في جانب منها، إلى منطق نفسي وعقائدي يتعلّق بكيفية نظر الإنسان إلى نفسه وإلى العالم من حوله و دوره فيه. فالجرأة، في نهاية المطاف، هي أن نعتقد أن كل ما يحيط بنا قد بناه أشخاص ليسوا أذكى منّا بالضرورة، وأن الإنسان قادر على اكتساب قدرات ومهارات جديدة من دون أن يرث موقعاً أو مالاً أو سلطةً أو حتى ذكاء استثنائياً.
إن جرأة سمير قصير «المتمرّدة والمشاكسة» – في مواجهته لليمين المسيحي داخل بيئته المباشرة خلال الحرب، وفي تحدّيه للأنماط السائدة داخل اليسار والحركات القومية في العالم العربي، وفي تصدّيه لغرور الأنظمة الاستبدادية ـ قد تكون أحد أهم الأسلحة الفكرية والأخلاقية في مواجهة التحدّيات الراهنة أيضاً، ومنها الثنائيات المفروضة علينا أثناء هذه الحرب الهمجية.
تتصدّر صورة سمير قصير غلاف كتابي الجديد، «بحثاً عن يسارٍ لنا: 13 سؤالاً من بيروت»، رغم أنه لا يَرِد في صفحاته إلا مرّات قليلة. اخترت هذه الصورة لأن قصير يمثّل، إلى حدّ ما، لحظة انتقالية في تاريخ اليسار اللبناني، بكل ما حملته هذه اللحظة من إنجازات وإمكانات، كما من أزمات وتناقضات.
إقرأوا أيضاً:











