ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سوريا: أربعة أطراف تُدير ثلاثة مناهج دراسية متنافرة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أمام اختلاف مساحات السيطرة والولاءات، جاءت تعددية المناهج في سوريا، ففي المنطقة الكردية منهاجان وثلاث طرائق للتحصيل العلمي، طرفها الأول مناهج النظام السوري، التي انحصرت ضمن المدارس الخاصة في القامشلي والحسكة وديرك، والتي يتجاوز عددها 30 مدرسة، و125 مدرسة حكومية كانت تدرّس مناهج النظام السوري، وتنتشر في القرى العربية التي كانت موالية للنظام، أو في المربعات الأمنية، حيث منع تدريس اللغة الكردية بشكل مطلق. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تسبب النزاع الدائر في سوريا، في تحجيم العملية التعليمية وتهديد استمرارها ومستقبل جيل بأكمله، إذ قدّرت إحصائيات فريق “منسقو استجابة سوريا”، وجود نحو 2.3 مليون طفل متسرب من التعليم، وتدمير 891 مدرسة في الشمال الغربي؛ نتيجة الهجمات المتكررة للنظام السوري والروسي.

تشير الأرقام أيضاً إلى أن 66% من المخيمات في سوريا لا تحتوي على مدارس، وإلى انقطاع التمويل عن قرابة 50% من المدارس، التي تعتمد في رواتب مدرسيها ومصاريفها على الدعم الدولي.

يؤكد الموظف المتقاعد في وزارة التربية في دمشق حسين علي (51 عاماً) في حديثه مع “درج” أن: “أكثر من نصف المدرسين والمعلمين هاجروا، أو تركوا التدريس نتيجة للظروف الأمنية أو المعيشية”، ويرى أن “الحلول المتبعة تسببت في مشاكل أكثر، عبر الاعتماد على خطط قصيرة المدى وغير مستدامة، وأدت إلى فقدان النتائج المضمونة ذات الديمومة الطويلة الأمد”.

يختم حسين علي حديثه “بعد أكثر من عقد على الأزمة السورية والصراع السياسي والعسكري، لا تزال اللغة الكردية عرضة للتجاذبات والحسابات السياسية؛ عدا غياب شبه تام لدور المنظمات الدولية والمدنية المحلية وفعاليتها، مع الضعف الواضح لدور المانحين الدوليين والإقليميين في قضية التعليم، وكل ذلك يحمل عواقب وخيمة”. 

التعليم في المناطق الكردية قنابل موقوتة

أمام اختلاف مساحات السيطرة والولاءات، جاءت تعددية المناهج في سوريا، ففي المنطقة الكردية منهاجان وثلاث طرائق للتحصيل العلمي، طرفها الأول مناهج النظام السوري، التي انحصرت ضمن المدارس الخاصة في القامشلي والحسكة وديرك، والتي يتجاوز عددها 30 مدرسة، و125 مدرسة حكومية كانت تدرّس مناهج النظام السوري، وتنتشر في القرى العربية التي كانت موالية للنظام، أو في المربعات الأمنية، حيث منع تدريس اللغة الكردية بشكل مطلق. 

أما في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، فهناك 115 مدرسة في عموم محافظة الحسكة، وفقاً لمصادر تربوية من الطرفين، وتُدرس المناهج بثلاث لغات، العربية والإقبال عليها قليل، والسريانية ويكاد يكون معدوماً، والكردية ونسبتها جيدة، لكنها أقل بشكل مطلق من عدد الطلبة الكرد في المدارس الحكومية. 

والتقى “درج” مع المدرّسة شيرين عبدي (38عاماً) التي أعادت أسباب تفضيل الكرد مناهج النظام على منهاج الإدارة الذاتية إلى “غياب الاعتراف الرسمي بها من أي جهة، والضعف في أداء المدرسين، بخاصة الدفعات الأولى من الملتحقين بها، والإشارات الواضحة إلى الإدلجة السياسية والحزبية ضمنها”. 

من جهته يشرح شكري إبراهيم المدرّس المتخصص بالدورات الخصوصية أن “الصراع السياسي على التعليم، وتكرار إغلاق المدارس والوضع الأمني، أوجدا طرفاً ثالثاً للتعليم، وهو التعليم الرسمي بطريقة غير رسمية، أي عبر الدورات الخصوصية في المنازل، والاكتفاء بالتقدّم للامتحانات سواء الشهادة أو المرحلة الانتقالية، وهو ما أدى إلى ضعف التركيز وغياب التأقلم لدى الطالب، وفقدان التماسك والحوار المجتمعي بين الطلاب”.

توجهنا نحو جنوب مدينة القامشلي، حيث تكمن حالياً المعضلة الأكبر، إذ لم تشهد المدينة سوى مناهج “البعث” والنظام السوري. حسب وصف رياض الظاهر (28عاماً) طالب ماجستير في التربية، الذي اعتبر “عدم وجود توافق سياسي بين الإدارة في دمشق والإدارة الذاتية، سيقود إلى كارثة حقيقية، فالتعليم مستمر ولجميع الصفوف الانتقالية، وفي حال الانتقال إلى مناهج الإدارة الذاتية، حتى باللغة العربية، سنواجه مشاكل تقنية وتعليمية، بخاصة في هذا العام الذي انتهى نصفه الأول” .

ويقدّم الظاهر بعض الحلول مقترحاً: “اللغة الكردية يجب أن تتحول إلى لغة في المدارس، والمناهج يجب أن تتوحد على مستوى سوريا، من حيث المضمون والطرائق والآليات، والقرار التعليمي التربوي، ولا مشكلة لو كانت بأكثر من لغة”. 

عفرين: تتريك للمناهج وتمييع للغة الكوردية

نشر مركز “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في عام 2023 بحثاً حول التعليم في عفرين، جاء فيه أنه “بعد سيطرة فصائل المعارضة والجيش التركي على منطقة عفرين في عملية غصن الزيتون، في آذار/ مارس 2018، فرضت الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، مناهج صادرة عن وزارة التربية في الحكومة السورية المؤقتة، كما خصصت الحكومة المؤقتة، أربع حصص للغة التركية ومثلها للغة الكردية”.

نقرأ أيضاً في البحث: “تمّ تقليص نصاب اللغة الكردية إلى حصتين فقط وأحياناً إلى حصة واحدة، وأُلغيت تماماً في بعض المدارس، بحجة عدم وجود كوادر لتدريسها”. البحث ذهب باتجاه فرض “اللغة التركية على الكرد السوريين/ات والنازحين/ات السوريين العرب الوافدين إلى المنطقة من مناطق سورية أخرى، وبدأ الحديث في كتب اللغة التركية عن رموز وشخصيات قومية تركية وأخرى دينية غريبة عن البيئة المجتمعية السورية”.

 وحول واقع اللغة الكردية والتعليم في عفرين انتهى البحث للقول: “تُعدّ الكردية لغة ثانوية في المناهج التعليمية بعد العربية والتركية والإنجليزية من جهة عدد الحصص، ومعاملتها كمادة غير مؤثرة في المعدل العام للدرجات، بسبب عدّها لغة اختيارية في امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية. والمفارقة المثيرة هي تفوق اللغة التركية (داخل أراضي الدولة السورية) وتقدّمها من حيث الأهمية وعدد الحصص ونوعية المدرسين، فضلاً عن المكانة العلمية وأهميتها في التحصيل العلمي، على الكردية لغة السكان الأصليين”. 

وفي حديثه مع “درج” قال زهير حنان من أهالي قرية راجو: “المواد العلمية هي نفسها التي كان النظام يُدرسها، وهذا أمر طبيعي، فليس الأسد من اخترع الرياضيات أو الفيزياء، مقابل إهمال وتقليص حصص مادة الفلسفة، وزيادة حصص التربية الدينية والشريعة والسنة النبوية”.

 يختم حنان قائلاً: “غالبية القرارات الصادرة لها علاقة بالنموذج التركي في التعليم، وتم الاعتراف بشهادة التعليم الثانوي الصادرة عن المدارس في عفرين، ويتمكن حاملها من إتمام تحصيله الجامعي في تركيا”.

إدلب وحكومة الإنقاذ

لجأت حكومة الإنقاذ التي أنشأتها “هيئة تحرير الشام”، كذراع مدني لإدارة شؤون إدلب وريف حلب واللاذقية المحاذي لإدلب، إلى اتفاق ضمني بينها وبين الحكومة السورية المؤقتة، بحيث تكون كامل العملية التعليمية في مناطق حكومة الإنقاذ تابعة للحكومة السورية المؤقتة، أمام الجهات الداعمة والدولية.

السبب هو إدراج “هيئة تحرير الشام” على لوائح الإرهاب، ورفض الجهات المانحة التعامل معها، في حين أن الملف التعليمي، ضمنياً، كان يُدار بتوافق الحكومتين (الإنقاذ والمؤقتة) سواء من حيث اختيار المسؤولين التربويين في مناطق التداخل بينهما، أو الاتفاق على المحذوفات من المنهاج.

يضاف أيضاً  أن شهادات طلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية، كانت تُمهر بختم الحكومة المؤقتة التي يعترف بها عدد من الدول الأوربية. ووفقاً للباحث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” علي عبد المجيد الذي قال ل”درج” عبر “واتسآب” إنه “لم يتم تغيير المناهج، بل أُزيل كل ما يرمز إلى النظام السوري والأسد والبعث، في مناطق سيطرة الإنقاذ والحكومة المؤقتة، وكان الأمر متوافقاً عليه من الطرفين، وتم حذف مادة القومية الاشتراكية بالكامل، فهي ليست سوى كتاب تمجيدي للأسد والنظام”.

صراع تعليمي بين الحكومتين

أكد مصدر لـ”درج” أن “أسباب الخلافات ليست تعليمية ولا تربوية ولا تتعلق بمستقبل الطالب، إنما بإقالة مديرين تربويين تم تعينهم بالتوافق بين الطرفين”، ولفت إلى أن “الحكومة المؤقتة ترى أن حكومة الإنقاذ تتفرد وحدها في قضية المحذوفات من التعليم، سواء بإعادة قسم منها، أو بحذف أجزاء أخرى من دون العودة إلى الطرف الآخر”، وأشار إلى أن “هناك أيضاً رغبة لدى حكومة الإنقاذ في فك الارتباط مع الحكومة المؤقتة، ودعم جامعة إدلب، منطلقة من أن ما يزيد على 75% من الطلاب هم في مناطق نفوذها، وتفضيل الطلاب تقديم الامتحانات لديها، أو لدى مديريات التربية التابعة للمجالس المحلية المدعومة من تركيا، كون الامتحانات أسهل مقارنة بمثيلتها لدى الحكومة السورية المؤقتة، التي تستمد الأخيرة قوتها من كون الاعتراف الدولي هو للشهادات الصادرة عنها، ولكون الجهات المانحة تعترف بها وتنسق معها”.

 يُذكر أن هذا الصراع والتقييم لموازين القوى في العملية التعليمية، كان قبل وصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق وسيطرتها على سوريا.

مناهج النظام السوري

بقي النظام السوري يستثمر في التعليم والمناهج، سواء من جهة إجبار الطواقم التعليمية والإدارية والطلاب على الخروج في مسيرات تأييد، أو إلغاء مكونات المجتمع السوري، أو التركيز على “بعثنة” المناهج وتعريبها.

 التقى “درج” مع سمير عيطة (67عاماً) من أهالي ريف الحسكة، الذي قال: “خدمت في سلك التعليم 32 عاماً، ولم أشعر يوماً بالانتماء، كان البعث جاثماً على صدورنا، والتعليم مثل الجيش، كان الخط الأحمر العريض للنظام، الذي لا يجوز المساس به”.

 حالياً العملية التعليمية متوقفة مع وعود بإعادة إطلاقها مجدداً في عموم المحافظات، ووعود بتوزيع الرواتب خلال الأيام المقبلة، حيث قال مصدر مقرب من وزارة التربية في حكومة تصريف الأعمال السورية “جهودنا تركز حالياً على عودة الطلاب إلى المدارس، وتوزيع الرواتب، وبخصوص المحذوفات التي حصلت هي اعتيادية وتتقصد كل ما يتعلق بالنظام”.

 أثارت المحذوفات من منهاج النظام السوري السابق ردود فعل شديدة، خصوصاً في ظل التصريحات المتناقضة من الحكومة المؤقتة، لكن ترى فرح بشار وهي مدرّسة لغة عربية من دمشق، أن “الأهم هو البنية التحتية، الكتاب المدرسي، الرواتب، الاستقرار، إعادة ترميم المدارس المدمرة، كيفية خلق الانسجام بين الطلاب المعارضين والموالين، كيفية دمج الطلبة العائدين من بلاد النزوح، وليس حذف مادة عن زنوبيا، أو خولة بنت الأزور”.

حلول أكاديمية

التقى “درج” ضمن جلسة تربوية، مجموعة من الموجهين التربويين في مجمع القامشلي التربوي ، أكدوا أن “الحلول يجب أن تكون تدريجية وجذرية وليس ترقيعية، فلا يمكن إهمال أن نسبة من الطلبة الكرد الذين وصلوا إلى المراحل الأخيرة من الثانوية العامة لا يجيدون التحدث بالعربية، كما أن أعداداً مقبولة تخرجت من جامعات الإدارة الذاتية من دون أي اعتراف أو تراكم معرفي”.

 وكحلول اقترحوا “ضرورة دمج المناهج جميعها في منهاج واحد، على أن ينال التوافق الوطني، وأن يشمل المكونات كُلها، ويمكن جعل اللغة الكردية أساسية في المنطقة الكردية، ولغة ثانية في باقي أنحاء سوريا، أو طرح المنهاج بأكثر من لغة، على أن يكون موحداً ومعترفاً به، وحالياً الأفضل إنهاء العام الدراسي، وتعيين اللجان منذ الآن للخروج بتوافق تعليمي”.

وقال الباحث علي عبد المجيد: “إن الحل العلمي الأمثل هو منهاج واحد بإشراف الدولة، ومتخصصون من كافة الأطراف والكيانات السورية، والأفضل هو التوافق الوطني على منهاج واحد، لكن الأمر يتطلب توافقاً دستورياً أولاً، والاتفاق على مستقبل البلاد، وشكلاً من أشكال الاستقرار السياسي والتوافق الجغرافي بين الأطراف، الحديث مبكر عن توحيد المناهج، حالياً الأولوية للجهود الدبلوماسية والأمن والتوافقات بين الفاعليات الموجودة في الجغرافية السورية، للوصول إلى مادة تعليمية موحدة”.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.

أمام اختلاف مساحات السيطرة والولاءات، جاءت تعددية المناهج في سوريا، ففي المنطقة الكردية منهاجان وثلاث طرائق للتحصيل العلمي، طرفها الأول مناهج النظام السوري، التي انحصرت ضمن المدارس الخاصة في القامشلي والحسكة وديرك، والتي يتجاوز عددها 30 مدرسة، و125 مدرسة حكومية كانت تدرّس مناهج النظام السوري، وتنتشر في القرى العربية التي كانت موالية للنظام، أو في المربعات الأمنية، حيث منع تدريس اللغة الكردية بشكل مطلق. 

تسبب النزاع الدائر في سوريا، في تحجيم العملية التعليمية وتهديد استمرارها ومستقبل جيل بأكمله، إذ قدّرت إحصائيات فريق “منسقو استجابة سوريا”، وجود نحو 2.3 مليون طفل متسرب من التعليم، وتدمير 891 مدرسة في الشمال الغربي؛ نتيجة الهجمات المتكررة للنظام السوري والروسي.

تشير الأرقام أيضاً إلى أن 66% من المخيمات في سوريا لا تحتوي على مدارس، وإلى انقطاع التمويل عن قرابة 50% من المدارس، التي تعتمد في رواتب مدرسيها ومصاريفها على الدعم الدولي.

يؤكد الموظف المتقاعد في وزارة التربية في دمشق حسين علي (51 عاماً) في حديثه مع “درج” أن: “أكثر من نصف المدرسين والمعلمين هاجروا، أو تركوا التدريس نتيجة للظروف الأمنية أو المعيشية”، ويرى أن “الحلول المتبعة تسببت في مشاكل أكثر، عبر الاعتماد على خطط قصيرة المدى وغير مستدامة، وأدت إلى فقدان النتائج المضمونة ذات الديمومة الطويلة الأمد”.

يختم حسين علي حديثه “بعد أكثر من عقد على الأزمة السورية والصراع السياسي والعسكري، لا تزال اللغة الكردية عرضة للتجاذبات والحسابات السياسية؛ عدا غياب شبه تام لدور المنظمات الدولية والمدنية المحلية وفعاليتها، مع الضعف الواضح لدور المانحين الدوليين والإقليميين في قضية التعليم، وكل ذلك يحمل عواقب وخيمة”. 

التعليم في المناطق الكردية قنابل موقوتة

أمام اختلاف مساحات السيطرة والولاءات، جاءت تعددية المناهج في سوريا، ففي المنطقة الكردية منهاجان وثلاث طرائق للتحصيل العلمي، طرفها الأول مناهج النظام السوري، التي انحصرت ضمن المدارس الخاصة في القامشلي والحسكة وديرك، والتي يتجاوز عددها 30 مدرسة، و125 مدرسة حكومية كانت تدرّس مناهج النظام السوري، وتنتشر في القرى العربية التي كانت موالية للنظام، أو في المربعات الأمنية، حيث منع تدريس اللغة الكردية بشكل مطلق. 

أما في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، فهناك 115 مدرسة في عموم محافظة الحسكة، وفقاً لمصادر تربوية من الطرفين، وتُدرس المناهج بثلاث لغات، العربية والإقبال عليها قليل، والسريانية ويكاد يكون معدوماً، والكردية ونسبتها جيدة، لكنها أقل بشكل مطلق من عدد الطلبة الكرد في المدارس الحكومية. 

والتقى “درج” مع المدرّسة شيرين عبدي (38عاماً) التي أعادت أسباب تفضيل الكرد مناهج النظام على منهاج الإدارة الذاتية إلى “غياب الاعتراف الرسمي بها من أي جهة، والضعف في أداء المدرسين، بخاصة الدفعات الأولى من الملتحقين بها، والإشارات الواضحة إلى الإدلجة السياسية والحزبية ضمنها”. 

من جهته يشرح شكري إبراهيم المدرّس المتخصص بالدورات الخصوصية أن “الصراع السياسي على التعليم، وتكرار إغلاق المدارس والوضع الأمني، أوجدا طرفاً ثالثاً للتعليم، وهو التعليم الرسمي بطريقة غير رسمية، أي عبر الدورات الخصوصية في المنازل، والاكتفاء بالتقدّم للامتحانات سواء الشهادة أو المرحلة الانتقالية، وهو ما أدى إلى ضعف التركيز وغياب التأقلم لدى الطالب، وفقدان التماسك والحوار المجتمعي بين الطلاب”.

توجهنا نحو جنوب مدينة القامشلي، حيث تكمن حالياً المعضلة الأكبر، إذ لم تشهد المدينة سوى مناهج “البعث” والنظام السوري. حسب وصف رياض الظاهر (28عاماً) طالب ماجستير في التربية، الذي اعتبر “عدم وجود توافق سياسي بين الإدارة في دمشق والإدارة الذاتية، سيقود إلى كارثة حقيقية، فالتعليم مستمر ولجميع الصفوف الانتقالية، وفي حال الانتقال إلى مناهج الإدارة الذاتية، حتى باللغة العربية، سنواجه مشاكل تقنية وتعليمية، بخاصة في هذا العام الذي انتهى نصفه الأول” .

ويقدّم الظاهر بعض الحلول مقترحاً: “اللغة الكردية يجب أن تتحول إلى لغة في المدارس، والمناهج يجب أن تتوحد على مستوى سوريا، من حيث المضمون والطرائق والآليات، والقرار التعليمي التربوي، ولا مشكلة لو كانت بأكثر من لغة”. 

عفرين: تتريك للمناهج وتمييع للغة الكوردية

نشر مركز “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في عام 2023 بحثاً حول التعليم في عفرين، جاء فيه أنه “بعد سيطرة فصائل المعارضة والجيش التركي على منطقة عفرين في عملية غصن الزيتون، في آذار/ مارس 2018، فرضت الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، مناهج صادرة عن وزارة التربية في الحكومة السورية المؤقتة، كما خصصت الحكومة المؤقتة، أربع حصص للغة التركية ومثلها للغة الكردية”.

نقرأ أيضاً في البحث: “تمّ تقليص نصاب اللغة الكردية إلى حصتين فقط وأحياناً إلى حصة واحدة، وأُلغيت تماماً في بعض المدارس، بحجة عدم وجود كوادر لتدريسها”. البحث ذهب باتجاه فرض “اللغة التركية على الكرد السوريين/ات والنازحين/ات السوريين العرب الوافدين إلى المنطقة من مناطق سورية أخرى، وبدأ الحديث في كتب اللغة التركية عن رموز وشخصيات قومية تركية وأخرى دينية غريبة عن البيئة المجتمعية السورية”.

 وحول واقع اللغة الكردية والتعليم في عفرين انتهى البحث للقول: “تُعدّ الكردية لغة ثانوية في المناهج التعليمية بعد العربية والتركية والإنجليزية من جهة عدد الحصص، ومعاملتها كمادة غير مؤثرة في المعدل العام للدرجات، بسبب عدّها لغة اختيارية في امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية. والمفارقة المثيرة هي تفوق اللغة التركية (داخل أراضي الدولة السورية) وتقدّمها من حيث الأهمية وعدد الحصص ونوعية المدرسين، فضلاً عن المكانة العلمية وأهميتها في التحصيل العلمي، على الكردية لغة السكان الأصليين”. 

وفي حديثه مع “درج” قال زهير حنان من أهالي قرية راجو: “المواد العلمية هي نفسها التي كان النظام يُدرسها، وهذا أمر طبيعي، فليس الأسد من اخترع الرياضيات أو الفيزياء، مقابل إهمال وتقليص حصص مادة الفلسفة، وزيادة حصص التربية الدينية والشريعة والسنة النبوية”.

 يختم حنان قائلاً: “غالبية القرارات الصادرة لها علاقة بالنموذج التركي في التعليم، وتم الاعتراف بشهادة التعليم الثانوي الصادرة عن المدارس في عفرين، ويتمكن حاملها من إتمام تحصيله الجامعي في تركيا”.

إدلب وحكومة الإنقاذ

لجأت حكومة الإنقاذ التي أنشأتها “هيئة تحرير الشام”، كذراع مدني لإدارة شؤون إدلب وريف حلب واللاذقية المحاذي لإدلب، إلى اتفاق ضمني بينها وبين الحكومة السورية المؤقتة، بحيث تكون كامل العملية التعليمية في مناطق حكومة الإنقاذ تابعة للحكومة السورية المؤقتة، أمام الجهات الداعمة والدولية.

السبب هو إدراج “هيئة تحرير الشام” على لوائح الإرهاب، ورفض الجهات المانحة التعامل معها، في حين أن الملف التعليمي، ضمنياً، كان يُدار بتوافق الحكومتين (الإنقاذ والمؤقتة) سواء من حيث اختيار المسؤولين التربويين في مناطق التداخل بينهما، أو الاتفاق على المحذوفات من المنهاج.

يضاف أيضاً  أن شهادات طلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية، كانت تُمهر بختم الحكومة المؤقتة التي يعترف بها عدد من الدول الأوربية. ووفقاً للباحث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” علي عبد المجيد الذي قال ل”درج” عبر “واتسآب” إنه “لم يتم تغيير المناهج، بل أُزيل كل ما يرمز إلى النظام السوري والأسد والبعث، في مناطق سيطرة الإنقاذ والحكومة المؤقتة، وكان الأمر متوافقاً عليه من الطرفين، وتم حذف مادة القومية الاشتراكية بالكامل، فهي ليست سوى كتاب تمجيدي للأسد والنظام”.

صراع تعليمي بين الحكومتين

أكد مصدر لـ”درج” أن “أسباب الخلافات ليست تعليمية ولا تربوية ولا تتعلق بمستقبل الطالب، إنما بإقالة مديرين تربويين تم تعينهم بالتوافق بين الطرفين”، ولفت إلى أن “الحكومة المؤقتة ترى أن حكومة الإنقاذ تتفرد وحدها في قضية المحذوفات من التعليم، سواء بإعادة قسم منها، أو بحذف أجزاء أخرى من دون العودة إلى الطرف الآخر”، وأشار إلى أن “هناك أيضاً رغبة لدى حكومة الإنقاذ في فك الارتباط مع الحكومة المؤقتة، ودعم جامعة إدلب، منطلقة من أن ما يزيد على 75% من الطلاب هم في مناطق نفوذها، وتفضيل الطلاب تقديم الامتحانات لديها، أو لدى مديريات التربية التابعة للمجالس المحلية المدعومة من تركيا، كون الامتحانات أسهل مقارنة بمثيلتها لدى الحكومة السورية المؤقتة، التي تستمد الأخيرة قوتها من كون الاعتراف الدولي هو للشهادات الصادرة عنها، ولكون الجهات المانحة تعترف بها وتنسق معها”.

 يُذكر أن هذا الصراع والتقييم لموازين القوى في العملية التعليمية، كان قبل وصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق وسيطرتها على سوريا.

مناهج النظام السوري

بقي النظام السوري يستثمر في التعليم والمناهج، سواء من جهة إجبار الطواقم التعليمية والإدارية والطلاب على الخروج في مسيرات تأييد، أو إلغاء مكونات المجتمع السوري، أو التركيز على “بعثنة” المناهج وتعريبها.

 التقى “درج” مع سمير عيطة (67عاماً) من أهالي ريف الحسكة، الذي قال: “خدمت في سلك التعليم 32 عاماً، ولم أشعر يوماً بالانتماء، كان البعث جاثماً على صدورنا، والتعليم مثل الجيش، كان الخط الأحمر العريض للنظام، الذي لا يجوز المساس به”.

 حالياً العملية التعليمية متوقفة مع وعود بإعادة إطلاقها مجدداً في عموم المحافظات، ووعود بتوزيع الرواتب خلال الأيام المقبلة، حيث قال مصدر مقرب من وزارة التربية في حكومة تصريف الأعمال السورية “جهودنا تركز حالياً على عودة الطلاب إلى المدارس، وتوزيع الرواتب، وبخصوص المحذوفات التي حصلت هي اعتيادية وتتقصد كل ما يتعلق بالنظام”.

 أثارت المحذوفات من منهاج النظام السوري السابق ردود فعل شديدة، خصوصاً في ظل التصريحات المتناقضة من الحكومة المؤقتة، لكن ترى فرح بشار وهي مدرّسة لغة عربية من دمشق، أن “الأهم هو البنية التحتية، الكتاب المدرسي، الرواتب، الاستقرار، إعادة ترميم المدارس المدمرة، كيفية خلق الانسجام بين الطلاب المعارضين والموالين، كيفية دمج الطلبة العائدين من بلاد النزوح، وليس حذف مادة عن زنوبيا، أو خولة بنت الأزور”.

حلول أكاديمية

التقى “درج” ضمن جلسة تربوية، مجموعة من الموجهين التربويين في مجمع القامشلي التربوي ، أكدوا أن “الحلول يجب أن تكون تدريجية وجذرية وليس ترقيعية، فلا يمكن إهمال أن نسبة من الطلبة الكرد الذين وصلوا إلى المراحل الأخيرة من الثانوية العامة لا يجيدون التحدث بالعربية، كما أن أعداداً مقبولة تخرجت من جامعات الإدارة الذاتية من دون أي اعتراف أو تراكم معرفي”.

 وكحلول اقترحوا “ضرورة دمج المناهج جميعها في منهاج واحد، على أن ينال التوافق الوطني، وأن يشمل المكونات كُلها، ويمكن جعل اللغة الكردية أساسية في المنطقة الكردية، ولغة ثانية في باقي أنحاء سوريا، أو طرح المنهاج بأكثر من لغة، على أن يكون موحداً ومعترفاً به، وحالياً الأفضل إنهاء العام الدراسي، وتعيين اللجان منذ الآن للخروج بتوافق تعليمي”.

وقال الباحث علي عبد المجيد: “إن الحل العلمي الأمثل هو منهاج واحد بإشراف الدولة، ومتخصصون من كافة الأطراف والكيانات السورية، والأفضل هو التوافق الوطني على منهاج واحد، لكن الأمر يتطلب توافقاً دستورياً أولاً، والاتفاق على مستقبل البلاد، وشكلاً من أشكال الاستقرار السياسي والتوافق الجغرافي بين الأطراف، الحديث مبكر عن توحيد المناهج، حالياً الأولوية للجهود الدبلوماسية والأمن والتوافقات بين الفاعليات الموجودة في الجغرافية السورية، للوصول إلى مادة تعليمية موحدة”.