لم تعد التحولات الحاصلة في سوريا قابلة للفهم فقط ضمن الأدبيات التقليدية للحروب الأهلية أو الانتقال السياسي، لأن ما حدث فعلياً لم يكن انتقالاً سياسياً بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفته تجارب التحول الديمقراطي أو التسويات التفاوضية، بل أقرب إلى إسقاط نظام وإعادة تشكيل سلطة جديدة فوق أنقاض دولة مدمرة ومجتمع متشظٍّ، من دون أن يرافق ذلك عقد اجتماعي جامع أو تسوية وطنية مستقرة. ولهذا، فإن سوريا اليوم لا تبدو دولة خرجت من الحرب بقدر ما تبدو ساحة مفتوحة فوق طبقات متعددة من النزاع: نزاع أهلي، نزاع إقليمي، ونزاع دولي على وظيفة الدولة السورية الجيوسياسية المقبلة.
على الرغم من أن السلطة الجديدة تحاول تقديم نفسها بوصفها بداية “سوريا المستقرة”، تشير الوقائع على الأرض إلى مشهد مختلف تماماً. فخلال عام ونصف العام تقريباً من حكم هيئة تحرير الشام، تصاعدت حدة الاحتقان الداخلي والانقسامات الطائفية والإثنية، وتكررت موجات العنف والانتهاكات بحق الأقليات، خصوصاً بعد أحداث الساحل والسويداء، في ظل غياب أي هوية وطنية جامعة أو عقد سياسي تشاركي، ومع استمرار تفرد السلطة الجديدة بالحكم. ولهذا، فإن الحديث عن “استقرار سوريا” يبدو حتى الآن أقرب إلى خطاب سياسي مطلوب لتسويق السلطة الجديدة خارجياً منه إلى واقع داخلي فعلي.
وتشير تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي وبرنامج الغذاء العالمي إلى أن سوريا لا تزال تعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في العالم. فمؤشرات الفقر وانعدام الأمن الغذائي والنزوح الداخلي والانهيار الخدمي تكشف أن الدولة لا تمتلك موارد ذاتية كافية لإعادة بناء الاقتصاد أو حتى تأمين الحد الأدنى من الخدمات العامة. ويشير برنامج الغذاء العالمي إلى أن ملايين السوريين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما تقدر تقارير دولية أن إعادة الإعمار تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات في ظل تدهور البنى التحتية الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم.
لكن، بصورة مفارِقة، ومن قلب هذه الهشاشة تحديداً، بدأت سوريا تستعيد قيمتها الجيوسياسية، ليس بسبب فائض قوة داخلي أو تعافٍ اقتصادي، بل بسبب موقعها الجغرافي بوصفها عقدة عبور محتملة بين الخليج والعراق والأناضول وشرق المتوسط، وعلى تماس مباشر مع إسرائيل، التي أصبحت عملياً أحد المفاتيح الرئيسية في إعادة تعويم السلطة الجديدة دولياً.
ضمن هذا السياق، تبدو الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز واضطراب أسواق الطاقة، لحظة تأسيسية في إعادة تعريف موقع سوريا داخل الشرق الأوسط الجديد الذي قد نراه يتشكّل. فالحرب على إيران لم تنتج فقط تصعيداً عسكرياً، بل أعادت إحياء سؤال استراتيجي قديم في العقل الجيوسياسي الغربي والخليجي: كيف يمكن إعادة هندسة طرق الطاقة والتجارة بعيداً عن قابلية الخليج للاختناق الإيراني؟ وكيف يمكن إنتاج ممرات بديلة قادرة على تقليص قدرة طهران على خنق الاقتصاد العالمي عبر المضائق البحرية؟
هذا السؤال ليس جديداً في جوهره داخل التفكير الجيوسياسي الغربي. فمنذ أزمة قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين أدركت القوى الغربية هشاشة الممرات الاستراتيجية وإمكانية خنق التجارة والطاقة عبر تعطيل عقود العبور البحري، مروراً بحرب الناقلات في الخليج خلال الثمانينات، ثم الغزو الأميركي للعراق، فصعود الحوثيين وتهديد باب المندب، ظل هاجس “أمن الممرات” جزءاً بنيوياً من العقيدة الاستراتيجية الأميركية والغربية. إلا أن الحرب الأخيرة مع إيران أعادت هذا الهاجس بصورة أكثر حدّة، ليس فقط بسبب احتمال إغلاق هرمز، بل لأن الأزمة كشفت هشاشة البنية التي قامت عليها العولمة النفطية لعقود، وأعادت طرح الحاجة إلى مسارات برية ومتوسطية بديلة قادرة على تقليص قدرة إيران، وخصوم واشنطن عموماً، على خنق الاقتصاد العالمي عبر التحكم بعقود العبور البحرية.
من هنا، بدأت تتبلور مجدداً مشاريع ومسارات كانت تبدو مجمّدة أو مستحيلة: إعادة إحياء خطوط النفط والغاز البرية، ربط الخليج بالمتوسط عبر العراق وسوريا وتركيا، وتوسيع النقاش حول ممرات طاقة جديدة تربط شرق المتوسط بأوروبا بعيداً عن الابتزاز الجيوسياسي الروسي والإيراني في آن. وفي هذا السياق تحديداً، بدأت سوريا تستعيد أهميتها داخل التفكير الاستراتيجي الأميركي والخليجي، لا بوصفها دولة مستقرة أو متعافية، بل جغرافيا عبور محتملة يمكن إعادة توظيفها داخل خرائط الطاقة والتجارة الجديدة.
انطلاقاً من ذلك، يمكن فهم الجولات المكثّفة التي قام بها أحمد الشرع خلال الأشهر الماضية، ومحاولاته إبرام مذكرات تفاهم واتفاقات متعددة مع أطراف متناقضة، من الخليج إلى أوروبا والولايات المتحدة، مروراً بالطاقة والبنى التحتية وإعادة الإعمار. فالسلطة الجديدة في دمشق تدرك أن ما يمنح سوريا قيمتها في هذه المرحلة ليس تعافيها الداخلي أو امتلاكها عناصر قوة ذاتية، بل موقعها الجيوسياسي الاستثنائي داخل خرائط الطاقة والممرات والنفوذ التي يعاد رسمها بعد الحرب الإيرانية.
فالدولة التي تعاني انهياراً اقتصادياً عميقاً، وتفككاً اجتماعياً، وعجزاً بنيوياً عن إنتاج الاستقرار، تحولت بصورة مفارِقة إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح الخليج والعراق والأناضول وشرق المتوسط، وعلى تماس مباشر مع إسرائيل، التي باتت عملياً أحد المفاتيح الأساسية في تحديد حدود المقبول دولياً بالنسبة الى السلطة الجديدة. ولهذا جاء الدفع الأميركي والخليجي لإعادة تعويم أحمد الشرع، وتقديمه كرجل قادر على فرض “الاستقرار”، وهي الصورة التي حاول دونالد ترامب نفسه الترويج لها حين وصفه بأنه “قائد قوي”، بالتوازي مع انفتاح غربي وعربي متسارع على دمشق.
بهذا المعنى، لا يتم التعامل مع سوريا اليوم كدولة مركزية ذات سيادة متماسكة، بل كبنية تحتية جيوسياسية قابلة لإعادة التوظيف والاستثمار. ومن هنا تحديداً يمكن فهم التحول العميق في الخطاب الغربي تجاه دمشق: لم تعد القضية الرئيسية مرتبطة بإعادة بناء الدولة السورية أو إنتاج تسوية سياسية شاملة، بقدر ما أصبحت مرتبطة بإعادة توظيف الجغرافيا السورية داخل خرائط الطاقة والتجارة والأمن الجديدة، من ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب، إلى إعادة اللاجئين وتأمين خطوط الإمداد الإقليمية.
إقرأوا أيضاً:
اقتصاد المقايضة وإعادة توزيع السيادة
في هذا السياق، يكتسب المنتدى السوري-الإماراتي الذي عُقد في دمشق، أهمية تتجاوز بكثير طابعه الاستثماري الظاهر. فالتقارير التي تناولت هيكلية “الصندوق السيادي السوري” كشفت عن بنية اقتصادية-سياسية جديدة تُشكَّل فوق الدولة نفسها. الحديث هنا عن نحو ألفي عقار تقدّر قيمتها بنحو 2.5 مليار دولار، وأكثر من سبعين مليون متر مربع من الأراضي، ومشاريع مخططة تقترب قيمتها النظرية من مئة مليار دولار، تُطرح ضمن صيغ شراكة مع أطراف إقليمية ودولية قبل استقرار أي نظام سياسي داخلي.
ما يجعل هذا التحوّل بالغ الدلالة هو أن الصندوق لا يظهر كأداة استثمارية محايدة، بل كآلية لإعادة توزيع السيادة الاقتصادية على شبكات نفوذ جديدة. فالأراضي والمرافئ والمطارات والعقارات ومشاريع الطاقة لا تعرض هنا بوصفها أصولاً عامة تديرها دولة مستقرة، بل بوصفها أدوات مقايضة سياسية تستخدمها سلطة انتقالية محدودة الشرعية لتثبيت حضورها الخارجي، وشراء اعتراف تدريجي من قوى إقليمية ودولية متنافسة.
هذا المشهد يذكّر أيضاً بمذكرات التفاهم الاقتصادية السعودية التي رُوِّج لها في دمشق خلال مراحل سياسية حساسة. فقد أعلنت الرياض، في أكثر من محطة، عن حزم استثمارية واتفاقات ومذكرات تفاهم بمليارات الدولارات، بينها منتدى الاستثمار السعودي-السوري في دمشق واتفاقات في قطاعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات والطيران. غير أن عدداً من هذه التفاهمات بقي في مرحلة الإعلان أو الإطار الأولي، وهو ما يطرح سؤالاً حول وظيفتها السياسية بقدر وظيفتها الاقتصادية: هل كانت مقدمة فعلية لإعادة إعمار واسعة، أم جزءاً من عملية رفع رصيد الشرع داخلياً وخارجياً وإظهاره كزعيم قادر على كسر العزلة؟
هنا يصبح الاقتصاد لغة شرعية بديلة. فكل مذكرة تفاهم تتحول إلى إشارة اعتراف، وكل منتدى استثماري إلى منصة سياسية، وكل مشروع بنية تحتية إلى وعد ضمني بأن السلطة الجديدة قادرة على ضبط البلاد وفتحها أمام رأس المال. غير أن هذا الاقتصاد، في غياب شرعية داخلية ومؤسسات رقابية مستقلة، لا ينتج بالضرورة إعادة إعمار، بل قد ينتج صيغة جديدة من الريعية السياسية، حيث تستخدم الأصول العامة لإعادة هندسة الولاءات لا لإعادة بناء الدولة.
سوريا: الدولة الغنيمة
ضمن هذا المشهد، تبدو سوريا أقرب إلى ما تصفه بعض أدبيات العلاقات الدولية بـ “الدولة-الغنيمة”، أي الدولة التي تتحوّل بفعل الانهيار أو الانتقال الهشّ إلى مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ والوظائف بين القوى الخارجية. فتركيا تنظر إلى سوريا بوصفها عمقاً استراتيجياً وممراً اقتصادياً جنوبياً يربطها بالعالم العربي والخليج، وفي الوقت نفسه ساحة مرشّحة لتصادمات مستقبلية مع إسرائيل حول النفوذ وحدود الترتيبات الأمنية في الشمال والجنوب السوريين.
أما قطر، فتسعى إلى تثبيت نفوذ طويل الأمد عبر الطاقة والمقاولات والبنى التحتية، مستفيدة من علاقتها التاريخية بالفصائل الإسلامية السورية ومن صعود هيئة تحرير الشام بعد سقوط نظام الأسد. كما ترى الدوحة في سوريا الجديدة فرصة لإعادة إحياء مشروع محور سني ممتد من تركيا إلى الخليج، وربما إلى باكستان، وهو المشروع الذي كانت السعودية نفسها تنظر إليه بإيجابية نسبية خلال مرحلة تعويم الشرع الأولى، باعتباره أداة لإعادة إدماج سوريا داخل المجال السني الإقليمي ومواجهة النفوذ الإيراني.
لكن الإمارات تبدو هنا الاستثناء الأبرز. فأبو ظبي، التي بنت خلال السنوات الأخيرة شراكة استراتيجية متقدمة مع إسرائيل، لا تنظر بارتياح إلى صعود محور تركي-قطري-إسلامي جديد في دمشق. ولهذا تسعى إلى إعادة فصل سوريا عن هذا المحور، وإعادة دمجها ضمن نظام إقليمي أقرب إلى واشنطن وتل أبيب. ومن هنا يمكن فهم الحضور الإماراتي المكثف في ملفات الاستثمار والعقار والبنى التحتية السورية، وكذلك الدور المتزايد الذي تنسبه تقارير إعلامية إلى أبو ظبي في الوساطات الأمنية غير المباشرة بين دمشق وإسرائيل، مع الأخذ في الاعتبار النفي الإماراتي الرسمي لبعض هذه التقارير.
أما الولايات المتحدة، فتبدو معنية بأكثر من مجرد “استقرار سوريا”. فالمسألة بالنسبة الى واشنطن ترتبط أيضاً بإعادة رسم خرائط النفوذ في مواجهة الصين وروسيا وإيران معاً. فالتحكم بالممرات الجديدة، وخطوط الطاقة البديلة، وربط الخليج بشرق المتوسط، كلها عناصر تدخل ضمن الاستراتيجية الأميركية الأوسع لفصل آسيا عن الممرات التي يمكن أن تقع تحت النفوذ الصيني أو الإيراني مستقبلاً. ولهذا لا يبدو غريباً أن تُسوَّق اليوم مشاريع ومنتجعات واستثمارات تحمل اسم ترامب أو ترتبط برمزية “الاستثمار الأميركي” داخل سوريا الجديدة، في محاولة لتحويل إعادة الإعمار نفسها إلى جزء من إعادة التموضع الجيوسياسي الأميركي في المنطقة.
في المقابل، تنظر فرنسا إلى شرق المتوسط السوري بوصفه بوابة لاستعادة حضورها التاريخي في المتوسط، وهو ما يفسر اندفاع “توتال إنيرجيز” نحو مذكرة التفاهم البحرية مع “قطر للطاقة” و”كونوكو فيليبس” لمراجعة البلوك البحري رقم 3 قبالة الساحل السوري، على الرغم من التعقيدات القانونية والسياسية والأمنية. فالمسألة بالنسبة الى باريس لا تتعلق فقط بالغاز أو النفط، بل أيضاً بإعادة تثبيت حضورها الاستراتيجي في المتوسط، وخلق نوع من التوازن أمام الحضور الروسي البحري المتزايد.
معضلة البقاء: لعبة المحاور المتصادمة
لفهم هشاشة هذه الترتيبات، تبدو نظرية الألعاب إطاراً تفسيرياً شديد الأهمية. فالمشهد السوري الراهن يشبه إلى حد بعيد “لعبة الدجاج” أو Chicken Game، حيث يتحرك اللاعبون جميعاً نحو حافة الاصطدام مع افتراض أن الطرف الآخر سيتراجع أولاً. تركيا تريد الحفاظ على عمقها السوري وعدم خسارة نفوذها لصالح الإمارات أو إسرائيل. الإمارات تريد تحجيم الإسلام السياسي ومنع تشكل محور تركي-قطري جديد. إسرائيل تريد ضمانات أمنية كاملة تمنع إعادة إنتاج أي تهديد حدودي. الولايات المتحدة تريد استقراراً وظيفياً يضمن الممرات الجديدة من دون تمكين تركيا أو إيران بالكامل. أما الشرع نفسه، فيحاول إقناع الجميع بأنه قادر على تقديم ضمانات متناقضة في الوقت نفسه.
لكن المعضلة البنيوية هنا هي ما تسميه العلوم السياسية “معضلة الالتزام”. فجميع الأطراف تدخل هذه التفاهمات وهي تدرك هشاشتها البنيوية. إسرائيل لا تثق بخلفية الشرع الأيديولوجية، وتركيا لا تثق بالمحور الإماراتي-الإسرائيلي، والإمارات لا تثق بالإسلام السياسي، والغرب لا يثق باستقرار النظام الانتقالي نفسه. أي أن كل هذه التفاهمات تقوم على افتراض مؤقت لا على ثقة استراتيجية طويلة الأمد.
وتكشف التجارب المقارنة هشاشة هذا النوع من الترتيبات. فلبنان بعد الحرب الأهلية، والعراق بعد 2003، والبوسنة بعد اتفاق دايتون، كلها نماذج لأنظمة تم تثبيتها عبر توازنات خارجية معقدة، لكنها بقيت عاجزة عن إنتاج سيادة داخلية متماسكة. في مثل هذه الحالات، لا تنتهي الحرب بالضرورة، بل يعاد تنظيمها داخل مؤسسات هجينة واقتصادات ريعية وشبكات ولاء عابرة للدولة.
ولهذا لا تبدو سوريا اليوم مجرد دولة شديدة الهشاشة داخلياً، تقف على حافة الانهيار الاقتصادي والأمني ولم تستعد سيادتها بعد، بل جغرافيا يعاد توزيعها بين القوى المتنافسة تحت أسماء جديدة: الطاقة، الاستثمار، الممرات، وإعادة الإعمار.
وبينما تدار البلاد بمنطق المقايضات المؤقتة وتوازنات اللحظة، يبقى السؤال الأكثر خطورة في المشهد السوري الراهن: من سيكون “الديك” في لعبة الدجاج الإقليمية الجارية فوق الأرض السورية، ومن سيكون الطرف الذي سيحرف المقود أولاً قبل لحظة الاصطدام؟
إقرأوا أيضاً:












