يعيش الشارع السوري الذي رزح تحت ظُلم آل الأسد لعقود، حالة نشوة غير منتهية وشعور ضمني بالنصر، ورغم أن سعادة السوريين مستحقّة، فإن سوريا المهدّمة بالكامل تحتاج أصواتاً أكثر عقلانية، وأقلّ هياجاً وسعاراً طائفياً.
أن تعيش في ظلّ “حكومة نرجسيّة” لا يعني فقط أن السلطة مهووسة بالظهور والاستعراضات البصرية، بل أنك محاط بخطاب سياسي يُعيد تعريف الواقع باستمرار ليحافظ على صورته، لا على حقيقته.
في سوريا ما بعد الأسد، سعت الحكومة الجديدة لتقديم نفسها كنقيض لما سبقها: زعامة شابّة، وخطاب جديد، ومظاهر “تقشّف مدني”. لكن ما بدا أول الأمر محاولة للتمايز، تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه إنتاجاً دائماً لصورة القائد الطبيعي، القريب من الشارع، الحاضر دوماً في كلّ المشاهد.
“الرئيس” يسير في الشارع بشكل طبيعي ويأكل في المطاعم، وزير الخارجية يظهر فجأة وهو يصلّي في أحد الجوامع، وزراء الحكومة يُجرون جولات بسيطة بين الناس بشكل عفوي، يظهرون في المطاعم وفي الأسواق والمطارات.
لكن مع كلّ هذا الحرص على الصورة، تغيب الأسئلة الأهم: ماذا عن مجازر الساحل؟ ومجازر السويداء ؟ ماذا عن تغييب المكوّن الكردي في الدستور؟ ماذا عن انعدام التمثيل الحقيقي لعموم مكوّنات المجتمع السوري؟ ولماذا يصبح مجرّد نقد لسياسة حكومية سبباً في الاتّهام بالعمالة أو الفلول؟
لا يحتمل الخطاب السائد المراجعة، ولا تأتي الردود عبر الشرح أو المحاججة، بل عبر التحشيد والتخوين. ولا تكتفي الحكومة بروايتها، بل تعمل على إقصاء كلّ ما يناقض هذه الرواية. هذا الرفض لأي نقاش لا يمكن فهمه فقط بصفته قراراً سلطوياً، بل هو جزء من نمط نفسي أوسع: “النرجسيّة الجمعية”.
النرجسيّة الجمعية: صورة الجماعة أهمّ من واقعها
تعرّف الباحثة أغنيشكا غولِك دي زافالا النرجسيّة الجمعية بأنها “إيمان مبالغ فيه بعظمة الجماعة، مقرون بشعور بأن الآخرين لا يعترفون بها كما يجب”. والظاهرة هنا أكبر من مجرّد شعور جماعي بالفخر، بل بنية نفسية دفاعية تنشأ من الإحساس بعدم التقدير، وتُنتج حساسية مفرطة تجاه أي نقد، لو لم يكن موجّهاً إلى الجماعة بالأساس. ووفق دراستها ، هذه الحالة ليست فردية، بل جماعية، ويمكن للحكومات أن تعزّزها بشكل مباشر عبر إنتاج سردية مظلومية جماعية، وتضخيم صورة التفوّق التاريخي وتبرير القمع الداخلي بوصفه حمايةً للجماعة.
مظاهر مثل التعامل مع مجزرة كنيسة مار إلياس مثلاً، على أنها حالة تحتمل ما يفوقها من التقدير، لأن ضحايا نظام الأسد يفوق عدد ضحايا المجزرة بأضعاف مضاعفة، أو عبارات مثل: “وين كنتوا من أربطعش سنة؟”، أو احتكار الثورة السورية كلّها في عمليّة ردع العدوان وحدها، وانتشار مقولة “من يحرّر يقرّر”، هي أكبر من مجرّد منشورات أو تعليقات عابرة على “فيسبوك”، بل هي تجلٍّ لمظاهر أعمق لدى مؤيّدي السلطة الجديدة اليوم.
لا أرى في حالة الإنكار الجماعي والتحويلات الجاهزة لكلّ قضيّة لا تخصّ مجتمع السلطة اليوم حالة غريبة، لا أستغربها، لأن السياسات الحكومية تغذّي حالة الإنكار العامّة تلك.
النرجسيّة الجمعية، كما تثبت الدراسات، لا تكتفي بصناعة خصم خارجي، بل تصنع خصوماً داخليين أيضاً.
حين تُصبح الجماعة ضحيّة صورتها
المشكلة الأكبر فعلياً أن حالة الانتشاء العظمى تلك، لا تبشّر بالخير، ليس بسبب تأثيراتها الدموية على بقيّة مكوّنات الشعب السوري مثل: التحشيد ضدّ السويداء بعد تسجيل صوتي أهان الرسول محمد، أو النفير العامّ، وعبارات “جنّدونا وسلّحونا” فحسب، بل أيضاً لأن النرجسيّة الجمعية تُضعف قدرة الجماعة على الإصلاح الذاتي، وبدل أن تدفع الأفراد إلى تحسين واقع جماعتهم، تصبح أولوياتهم هي التركيز على كيف تبدو جماعتهم في أعين الآخرين، حتى لو كان الواقع هشّاً ومملتئاً بالإخفاقات. حالة مستمرّة من الإنكار و”أعطوهم وقت”.
في هذا النمط من التفكير، لا يعود المهمّ هو ما إذا كانت الحكومة تحقّق العدالة، أو تمثّل الجميع، بل ما إذا كانت تظهر بمظهر القوي والمحبوب دولياً. لهذا يصبح الانخراط في التطبيل والتضخيم جزءاً من “الولاء”.
هكذا، يساهم جمهور الحكومة، بشكل غير مباشر، في إضعاف إمكانيات التغيير والإصلاح. فهم يُعيدون إنتاج الخطاب نفسه، يهاجمون المختلف، ويتواطأون مع تغييب المساءلة.
جمهور نرجسي لا يقلّ خطورة عن حكومته
الواقع يقول إن الإناء ينضح بما فيه، وأن العنف الرمزي الذي يُوجَّه إلى الخارج لا بدّ أن يُعاد تصريفه في الداخل، بشكل أو بآخر. فالنرجسيّة الجمعية، كما تثبت الدراسات، لا تكتفي بصناعة خصم خارجي، بل تصنع خصوماً داخليين أيضاً. تشير دراسة تجريبية حديثة إلى أن الأفراد الذين يسجّلون معدّلات مرتفعة من النرجسيّة الجمعية يُظهرون استعداداً ملحوظاً للتشهير، والاتّهام، وحتى التآمر على أبناء جماعتهم أنفسهم، إن شعروا بأن هؤلاء لا يُمثّلون الجماعة بصورة “لائقة” أو “وطنية” كافية.
بعبارة أوضح: حين تصبح صورة الجماعة أعظم من قيمها، وحين يغدو الحفاظ على هذه الصورة المبالغ فيها أهمّ من قول الحقيقة أو تصحيح المسار، تظهر ديناميكيات خطيرة داخل الجماعة نفسها. يبدأ ما يمكن تسميته بـ”التطهير الرمزي” من الداخل— تصفية رمزية لمن يُعتبر “غير منسجم مع السردية”، أو “مشوّهاً لصورة الجماعة”.
هذا لا يتطلّب سلطة قمعية مركزية، بل يكفي وجود جمهور نرجسي، شديد الحساسية تجاه النقد، ومتورّط وجدانياً في استعراض صورة مثالية للجماعة، ليتحوّل هذا الجمهور نفسه إلى أداة رقابة غير مرئية.
هذه النزعة ليست استثناءً، بل نمط نفسي يمكن قياسه، يتكرّر في المجتمعات التي تبني هوّيتها على استحقاق رمزي لا يمكن التشكيك فيه. حين تُختزل قيمة الجماعة في مظهرها أو خطابها، يصبح التضامن مشروطاً بالصمت، والانتماء مشروطاً بالتطابق، ويغدو كلّ خروج عن الصفّ، مهما كان مشروعاً، تهديداً وجودياً.
وهنا يكمن الخطر الأكبر للنرجسيّة الجمعية: فهي لا تُقصي المختلف فحسب، بل تقمع التنوّع داخل الجماعة نفسها، وتُعيد تعريف “الولاء” بوصفه اتفاقاً على الصيغة لا على الغاية. وبهذا، تُفرّغ السياسة من مضمونها—فلا مساءلة، ولا تمثيل، ولا نقاش عمومي. كلّ ما يبقى هو شكل دولة، يُعيد تدوير ذاته عبر لغة الاستثناء الدائم، والخطر الدائم، والانتصار الدائم.
ما الذي نواجهه اليوم في سوريا؟ هل الإنكار، ورفض النقد، والاحتفاء بالسطح بدل الجوهر، هو خيار السلطة وحدها، أم ثقافة باتت تغلّف تفكير جمهورها أيضاً؟
“هل الحكومة الجديدة نرجسية؟”، أم ” كما تكونون يُولّى عليكم؟”، وماذا لو كان بعضنا اليوم يُعيد إنتاج آليات الإقصاء نفسها التي مارسها النظام؟ كيف يمكن أن نفرّق بين دعم الجماعة، والذوبان في خطابها؟ هل نُحسن تمييز الولاء من التواطؤ؟
إقرأوا أيضاً:










