ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سوريا بعد عام على “ردع العدوان”: حمص وإشكالية “اللحظة الفاشية”!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تمثّل حمص بؤرة شديدة الخصوصية في سوريا لجهة الاصطفاف الطائفي وخطوط النزاع. هي برميل بارود يمكن أن يفجّر البلد بكامله. فحوادث المدينة لم تهدأ منذ أشهر عديدة وأيّ حدث يمكن أن يُشعلها مثلما ظهر أخيراً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مضى عام على انطلاق عمليّة “ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد، وخلال هذا العام جرت مياه كثيرة في سوريا، من الدهشة والأمل بالمستحيل، إلى المجازر والقتل الطائفي ودعوات الإبادة.

وفي الأيام الماضية حصل في حمص ما يشبه “بروفة” مصغّرة لما حصل في الساحل والسويداء، عبر “فزعة” استهدفت أحياء العلويين وأحرقت ممتلكاتهم، ولولا ضبط الوضع في اللحظات الأخيرة عبر الأمن العامّ والوجهاء، لربما شهدنا مذبحة مروّعة في مدينة حمص.

 هذا الهجوم على العلويين دفعهم أخيراً إلى الخروج في مظاهرات في مدن الساحل، بدعوة من الشيخ غزال غزال، وقد نجح خروجهم هذا في كسر حاجز الخوف بشكل نسبي.

تمثّل حمص بؤرة شديدة الخصوصية في سوريا لجهة الاصطفاف الطائفي وخطوط النزاع. هي برميل بارود يمكن أن يفجّر البلد بكامله. فحوادث المدينة لم تهدأ منذ أشهر عديدة، وأيّ حدث يمكن أن يُشعلها مثلما ظهر أخيراً. 

فحمص تشهد طوال هذا الوقت قتلاً مداوماً للعلويين، إهانات واعتداءات بما يشي برغبة في طردهم من المدينة، والخلاص منهم على المستوى الشعبي، الشأن الذي يتجلّى في الشعارات المرفوعة، في حين أن المستوى الرسمي يؤكّد في خطابه على “السلم الأهلي”.

ربما تقدّم حمص مزية مهمّة للنظر في أحوال سوريا عامّة. فكيف لنا أن نفهم ما يحصل هناك؟

 شارع ضدّ شارع!

خلال سنوات الثورة والحرب الأهلية أصاب حمص تدمير هائل، وتحديداً أصاب مناطق وأحياء بعينها، وهي الأحياء التي انتفضت ضدّ نظام الأسد، هذه الأحياء كانت بالطبع أحياء سنّية. 

لكن ومنذ البداية عرفت حمص أيضاً مواجهة أهلية حقيقية. بحسب الشهادات المتوفّرة، وبعضها سمعته مباشرة من أشخاص عاينوها ومنهم علويون، خلال أحداث اعتصام الساعة في السنة الأولى للثورة، قامت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، بتعبئة أهلية من الأحياء العلوية في المدينة لتطويق الاعتصام، وحتى خلال فضّه تعمّد عدد من الضبّاط توجيه أوامرهم إلى المجموعات انطلاقاً من أسماء الأحياء التي أتوا منها، لينقضّوا على المعتصمين.

 لم يكتفِ النظام وقتها بهذا الأمر، بل كان يأخذ المعتقلين من الاعتصامات والمظاهرات، بمن فيهم الجرحى، إلى الأحياء العلوية، ويطلب من الأهالي تربيتهم في حفلة من الإهانة والضرب والتنكيل على أيديهم.

 تلاه حصار الأحياء المتمرّدة (السنّية) وتجويعها. شارع ضدّ شارع، أهالٍ ضدّ أهالٍ، ومواجهة على خطوط الانقسام الطائفي في المدينة، هذه كانت سياسة النظام الواعية، التي لم تقتصر نتائجها على استقطاب العلويين وضمان تمترسهم وراءه فحسب، إنما فخّخت المجتمع بشكل كامل.

لم تقتصر التعبئة الطائفية على وجهة واحدة، أيضاً المنتفضون- أو الكثير منهم- رأوا منذ البداية، أن المواجهة مواجهة مع “النظام العلوي”، والتعبير الأخير عنى تلقائياً العلويين “جميعاً” باعتبارهم أهل النظام. 

هكذا حصلت عمليّات اغتيال طائفية في أحياء حمص، استهدفت علويين أو من اعتُقد أنهم علويون. “المسيحيين ع بيروت، والعلويين ع التابوت” كان شعاراً حاضراً مبكراً، وهو شعار لا يستطيع المرء- وعلى ضوء تطوّر الأحداث لاحقاً- أن يقطع إن كان دُسّ من قِبل النظام أو من الفطرة الثائرة، ولكن بالتأكيد اجتمع الاثنان في النهاية لرسم ملامح المواجهة في مدينة حمص.

السنوات التالية عرفت تنكيلاً وقتلاً مروّعاً وشديداً في الأحياء المنتفضة، وهي أيضاً الأحياء الأفقر في المدينة، ووقع عليها تدمير هائل وشديد الوطأة، بالترافق مع البعد الطائفي لسياسة شارع ضدّ شارع التي اتّبعها نظام الأسد. 

عاش الكثير من سنّة حمص هذه القسوة والتنكيل، القتل والاعتقال والاغتصاب والإذلال، وهنا كان الأمر على امتداد خطوط طائفية شديدة الوضوح لدرجة الفجاجة حقّاً.

صعود الراديكالية الإسلاموية

  تأسلمت الثورة السورية وبسرعة شديدة، وازدادت راديكاليتها الإسلامية أيضاً مع ازدياد عنف المواجهة وقسوتها. والأسلمة، مثل الطائفية، أشياء موجودة بشكل مسبق، وتطبع المسألة السورية حتى قبل الثورة، لكنّ الثورة أعطتها عمقاً وامتداداً وجذرية، لم يكن لها أن تحقّقها دونها. 

وفي النهاية، ومع سقوط الأسد وتولّي “هيئة تحرير الشام” والفصائل المتحالفة معها زمام الأمور في سوريا، بدأت ترتسم ملامح “لحظة فاشية” في البلاد، متمحورة حول الهويّة السنّية.

إشكالية “اللحظة الفاشية”

لا يمكن فهم ما يحصل اليوم في حمص دون أخذ العاملين معاً بعين الاعتبار، ما وقع في حمص من قتل ورعب خلال سنوات الحرب، وأيضاً “اللحظة الفاشية” المؤسّسة على الإسلام السلفي الجهادي والهويّة السنّية، ولا يمكن أيضاً ردّ أيّ من هذين العاملين إلى الآخر واختزالها فيه. 

العديد ممّن يهوّنون من “اللحظة الفاشية”، يحاولون أن يختزلوا الصورة في بعدها الأول، ما حصل من مجازر وقتل مروّع أطلقهما نظام الأسد على السوريين منذ 2011، متجاهلين العنف الضمني بسماته الإبادية في مضمون الصورة، التي يحملها الإسلام الجهادي، أو خطاب “سنّي” شائع.

 في المقابل، يسعى آخرون في مواجهة هذه الفاشية- لا سيّما شرائح واسعة بين العلويين والدروز على إثر ما وقع عليهم خلال الأشهر الماضية- إلى اختزال كلّ ما يحصل في الفاشية، وإنكار ما حصل من عنف مروّع وتطهير عرقي وجرائم حرب خلال السنوات الأربعة عشرة الماضية والبعد الطائفي فيها والتنكّر له، ممّا يعطي ميزة نوعية للجريمة لا يمكن نكرانها، أو وضعها في خانة قمع المنتفضين فقط.

ما يحصل اليوم في سوريا لا يمكن التعامل معه دون النظر في هذين العاملين، وعدم اختزال أحدهما في الآخر. هما عاملان يتمتّعان باستقلال نسبي، وإن تأثّرت شدّتهما بالطبع، بالتفاعل بينهما في سياق الحرب الأهلية.

العدالة الانتقالية كاستراتيجية سياسية

تزداد المعضلة السورية وطأة في ما يتعلّق أيضاً باستراتيجيات تفكيك هذين العاملين والتعامل معها. ففي ما يخصّ عامل العنف والقمع خلال الحرب، فإن العدالة هي الوسيلة الناجعة لتفكيك الحقد الأهلي والضغائن. 

لكنّ مطلب العدالة أهملته السلطة الحالية وقفزت فوقه، بل قامت بتحويل العدالة الانتقالية إلى استراتيجية سياسية لتعزيز سلطتها وتشديد قبضتها. وما يزيد الأمر سوءاً، هو أن هذه السلطة اعتمدت تكتيكات نظام الأسد السابق ذاتها، عبر استخدام شارع ضدّ شارع، جماعة ضدّ جماعة، بدءاً من الفزعات الأهلية المنطلقة من الجوامع في آذار/ مارس الماضي، أو البدو والحورانة والعشائر في مواجهة الدروز، والدعوات الأهلية للتظاهر من أجل الحكومة.

هذه الاستراتيجية تقوم على ورقة القوّة الوحيدة التي تملكها السلطة حالياً، إضافة إلى الإجماع الدولي حولها سياسياً، وهي العصبية السنّية وقدرتها على التعبئة على هذا الأساس في غياب أيّ قدرات واقعية أخرى، فالبلاد مدمّرة، وليس لها بنية تحتية، أو قوّة اقتصادية، أو مالية، أو رأسمال اجتماعي، فعلياً لا تحوز السلطة حقّاً على مصادر للقوّة عدا السلاح والعصبية السنّية لتحتمي بهما في الداخل.

“النظام” لا يساوي الطائفة

يُضاف إلى ذلك “علونة” نظام الأسد السابق بشكل تامّ وحصري، وهو أيضاً ما شهدناه قبل عقود مع نظام صدّام، الذي تمّ حصره في سنّيته. نظام صدّام، ورغم بنائه على نواة سنّية صلبة، لم يكن نظاماً سنّياً بشكل حصري، فالشيعة حضروا في جهازه البيروقراطي- وإلى حدّ ما العسكري والأمني- مثلما حضروا في ذراعه الاقتصادية والمالية.

 كانوا بعثيين وعسكريين وتجّاراً وبيروقراطيين في النظام، والنظام تبنّى علانية لغة وطنية تتجاوز الأهلي وتنكره، وفي هذا، كان نظام الأسد صورة مماثلة عن نظام صدّام. 

المعارضة ضدّ نظام صدّام والمرتكزة على أحزاب شيعية، اعتبرت نظام صدّام نظاماً سنّياً!

 لاحقاً، ومع السقوط، كانت سنّية صدّام مسألة مفيدة جدّاً للجماعات الشيعية التي كانت تعيش تحت ظلّ هذا النظام. تسنين النظام كان تبرئة مباشرة لهم، وبهذا صار نزع البعثية عن الدولة هو نزع للسنّية عنها. 

نجا الشيعة وبشكل تلقائي عبر هذه العمليّة، وقدّموا أنفسهم بوصفهم مجرّد ضحايا. وبهذا، كانت استراتيجية المماهاة بين النظام والسنّة، مسألة مفيدة للشيعة أنفسهم الذين عملوا مع نظام صدّام. 

اليوم، يحصل الأمر ذاته مع نظام الأسد. فالشرائح السنّية التي كانت مع النظام وفي خدمته، من بيروقراطيين وعسكر وتجّار، يحصلون على صكّ براءتهم عبر “العلونة” التامّة لهذا النظام. العلويون فقط هم “حاضنة النظام،” وكونك سنّياً فأنت تلقائياً بريء، براءة لا تتحقّق إلا إذا صار كلّ علوي تلقائياً شبّيحاً!

هناك دوافع ومصالح مختلفة للفاعلين، من تحت أو من فوق، للدفع في اتجاه هذه الخيارات الكارثية، فالموضوع ليس مؤامرة على السوريين، بما فيها مؤامرة من طرف السلطة. امتلاك مكان في النظام الذي يتشكّل، أو حفظ قدر من القوّة والأمان لمن سيكونون خارج السلطة يدفعهم إلى خيارات تبدو انتحارية، لكنّها الأكثر عقلانية ويسراً من وجهة نظر هؤلاء الفاعلين. 

سوريا تبدو مثالاً لحالة أن يختار كلّ فاعل أفضل خياراته، لكنّ المحصّلة تكون الوضعية الأسوأ على مستوى “النظام” نفسه، وهذه مفارقة لا يمكن تجاوزها إلا عبر امتلاك الثقة، التي تسمح للفاعلين بأخذ مخاطرة مبنية على الثقة بشركائهم، وهذا الشرط تحديداً غير متحقّق في سوريا، ولن يتحقّق!

الصورة التي أمامنا لا تدعو للتفاؤل، والخبرات المشرقية، ومنها العراقية، لا تُبشّر بخير!

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
01.12.2025
زمن القراءة: 6 minutes

تمثّل حمص بؤرة شديدة الخصوصية في سوريا لجهة الاصطفاف الطائفي وخطوط النزاع. هي برميل بارود يمكن أن يفجّر البلد بكامله. فحوادث المدينة لم تهدأ منذ أشهر عديدة وأيّ حدث يمكن أن يُشعلها مثلما ظهر أخيراً.

مضى عام على انطلاق عمليّة “ردع العدوان” وسقوط نظام الأسد، وخلال هذا العام جرت مياه كثيرة في سوريا، من الدهشة والأمل بالمستحيل، إلى المجازر والقتل الطائفي ودعوات الإبادة.

وفي الأيام الماضية حصل في حمص ما يشبه “بروفة” مصغّرة لما حصل في الساحل والسويداء، عبر “فزعة” استهدفت أحياء العلويين وأحرقت ممتلكاتهم، ولولا ضبط الوضع في اللحظات الأخيرة عبر الأمن العامّ والوجهاء، لربما شهدنا مذبحة مروّعة في مدينة حمص.

 هذا الهجوم على العلويين دفعهم أخيراً إلى الخروج في مظاهرات في مدن الساحل، بدعوة من الشيخ غزال غزال، وقد نجح خروجهم هذا في كسر حاجز الخوف بشكل نسبي.

تمثّل حمص بؤرة شديدة الخصوصية في سوريا لجهة الاصطفاف الطائفي وخطوط النزاع. هي برميل بارود يمكن أن يفجّر البلد بكامله. فحوادث المدينة لم تهدأ منذ أشهر عديدة، وأيّ حدث يمكن أن يُشعلها مثلما ظهر أخيراً. 

فحمص تشهد طوال هذا الوقت قتلاً مداوماً للعلويين، إهانات واعتداءات بما يشي برغبة في طردهم من المدينة، والخلاص منهم على المستوى الشعبي، الشأن الذي يتجلّى في الشعارات المرفوعة، في حين أن المستوى الرسمي يؤكّد في خطابه على “السلم الأهلي”.

ربما تقدّم حمص مزية مهمّة للنظر في أحوال سوريا عامّة. فكيف لنا أن نفهم ما يحصل هناك؟

 شارع ضدّ شارع!

خلال سنوات الثورة والحرب الأهلية أصاب حمص تدمير هائل، وتحديداً أصاب مناطق وأحياء بعينها، وهي الأحياء التي انتفضت ضدّ نظام الأسد، هذه الأحياء كانت بالطبع أحياء سنّية. 

لكن ومنذ البداية عرفت حمص أيضاً مواجهة أهلية حقيقية. بحسب الشهادات المتوفّرة، وبعضها سمعته مباشرة من أشخاص عاينوها ومنهم علويون، خلال أحداث اعتصام الساعة في السنة الأولى للثورة، قامت الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد، بتعبئة أهلية من الأحياء العلوية في المدينة لتطويق الاعتصام، وحتى خلال فضّه تعمّد عدد من الضبّاط توجيه أوامرهم إلى المجموعات انطلاقاً من أسماء الأحياء التي أتوا منها، لينقضّوا على المعتصمين.

 لم يكتفِ النظام وقتها بهذا الأمر، بل كان يأخذ المعتقلين من الاعتصامات والمظاهرات، بمن فيهم الجرحى، إلى الأحياء العلوية، ويطلب من الأهالي تربيتهم في حفلة من الإهانة والضرب والتنكيل على أيديهم.

 تلاه حصار الأحياء المتمرّدة (السنّية) وتجويعها. شارع ضدّ شارع، أهالٍ ضدّ أهالٍ، ومواجهة على خطوط الانقسام الطائفي في المدينة، هذه كانت سياسة النظام الواعية، التي لم تقتصر نتائجها على استقطاب العلويين وضمان تمترسهم وراءه فحسب، إنما فخّخت المجتمع بشكل كامل.

لم تقتصر التعبئة الطائفية على وجهة واحدة، أيضاً المنتفضون- أو الكثير منهم- رأوا منذ البداية، أن المواجهة مواجهة مع “النظام العلوي”، والتعبير الأخير عنى تلقائياً العلويين “جميعاً” باعتبارهم أهل النظام. 

هكذا حصلت عمليّات اغتيال طائفية في أحياء حمص، استهدفت علويين أو من اعتُقد أنهم علويون. “المسيحيين ع بيروت، والعلويين ع التابوت” كان شعاراً حاضراً مبكراً، وهو شعار لا يستطيع المرء- وعلى ضوء تطوّر الأحداث لاحقاً- أن يقطع إن كان دُسّ من قِبل النظام أو من الفطرة الثائرة، ولكن بالتأكيد اجتمع الاثنان في النهاية لرسم ملامح المواجهة في مدينة حمص.

السنوات التالية عرفت تنكيلاً وقتلاً مروّعاً وشديداً في الأحياء المنتفضة، وهي أيضاً الأحياء الأفقر في المدينة، ووقع عليها تدمير هائل وشديد الوطأة، بالترافق مع البعد الطائفي لسياسة شارع ضدّ شارع التي اتّبعها نظام الأسد. 

عاش الكثير من سنّة حمص هذه القسوة والتنكيل، القتل والاعتقال والاغتصاب والإذلال، وهنا كان الأمر على امتداد خطوط طائفية شديدة الوضوح لدرجة الفجاجة حقّاً.

صعود الراديكالية الإسلاموية

  تأسلمت الثورة السورية وبسرعة شديدة، وازدادت راديكاليتها الإسلامية أيضاً مع ازدياد عنف المواجهة وقسوتها. والأسلمة، مثل الطائفية، أشياء موجودة بشكل مسبق، وتطبع المسألة السورية حتى قبل الثورة، لكنّ الثورة أعطتها عمقاً وامتداداً وجذرية، لم يكن لها أن تحقّقها دونها. 

وفي النهاية، ومع سقوط الأسد وتولّي “هيئة تحرير الشام” والفصائل المتحالفة معها زمام الأمور في سوريا، بدأت ترتسم ملامح “لحظة فاشية” في البلاد، متمحورة حول الهويّة السنّية.

إشكالية “اللحظة الفاشية”

لا يمكن فهم ما يحصل اليوم في حمص دون أخذ العاملين معاً بعين الاعتبار، ما وقع في حمص من قتل ورعب خلال سنوات الحرب، وأيضاً “اللحظة الفاشية” المؤسّسة على الإسلام السلفي الجهادي والهويّة السنّية، ولا يمكن أيضاً ردّ أيّ من هذين العاملين إلى الآخر واختزالها فيه. 

العديد ممّن يهوّنون من “اللحظة الفاشية”، يحاولون أن يختزلوا الصورة في بعدها الأول، ما حصل من مجازر وقتل مروّع أطلقهما نظام الأسد على السوريين منذ 2011، متجاهلين العنف الضمني بسماته الإبادية في مضمون الصورة، التي يحملها الإسلام الجهادي، أو خطاب “سنّي” شائع.

 في المقابل، يسعى آخرون في مواجهة هذه الفاشية- لا سيّما شرائح واسعة بين العلويين والدروز على إثر ما وقع عليهم خلال الأشهر الماضية- إلى اختزال كلّ ما يحصل في الفاشية، وإنكار ما حصل من عنف مروّع وتطهير عرقي وجرائم حرب خلال السنوات الأربعة عشرة الماضية والبعد الطائفي فيها والتنكّر له، ممّا يعطي ميزة نوعية للجريمة لا يمكن نكرانها، أو وضعها في خانة قمع المنتفضين فقط.

ما يحصل اليوم في سوريا لا يمكن التعامل معه دون النظر في هذين العاملين، وعدم اختزال أحدهما في الآخر. هما عاملان يتمتّعان باستقلال نسبي، وإن تأثّرت شدّتهما بالطبع، بالتفاعل بينهما في سياق الحرب الأهلية.

العدالة الانتقالية كاستراتيجية سياسية

تزداد المعضلة السورية وطأة في ما يتعلّق أيضاً باستراتيجيات تفكيك هذين العاملين والتعامل معها. ففي ما يخصّ عامل العنف والقمع خلال الحرب، فإن العدالة هي الوسيلة الناجعة لتفكيك الحقد الأهلي والضغائن. 

لكنّ مطلب العدالة أهملته السلطة الحالية وقفزت فوقه، بل قامت بتحويل العدالة الانتقالية إلى استراتيجية سياسية لتعزيز سلطتها وتشديد قبضتها. وما يزيد الأمر سوءاً، هو أن هذه السلطة اعتمدت تكتيكات نظام الأسد السابق ذاتها، عبر استخدام شارع ضدّ شارع، جماعة ضدّ جماعة، بدءاً من الفزعات الأهلية المنطلقة من الجوامع في آذار/ مارس الماضي، أو البدو والحورانة والعشائر في مواجهة الدروز، والدعوات الأهلية للتظاهر من أجل الحكومة.

هذه الاستراتيجية تقوم على ورقة القوّة الوحيدة التي تملكها السلطة حالياً، إضافة إلى الإجماع الدولي حولها سياسياً، وهي العصبية السنّية وقدرتها على التعبئة على هذا الأساس في غياب أيّ قدرات واقعية أخرى، فالبلاد مدمّرة، وليس لها بنية تحتية، أو قوّة اقتصادية، أو مالية، أو رأسمال اجتماعي، فعلياً لا تحوز السلطة حقّاً على مصادر للقوّة عدا السلاح والعصبية السنّية لتحتمي بهما في الداخل.

“النظام” لا يساوي الطائفة

يُضاف إلى ذلك “علونة” نظام الأسد السابق بشكل تامّ وحصري، وهو أيضاً ما شهدناه قبل عقود مع نظام صدّام، الذي تمّ حصره في سنّيته. نظام صدّام، ورغم بنائه على نواة سنّية صلبة، لم يكن نظاماً سنّياً بشكل حصري، فالشيعة حضروا في جهازه البيروقراطي- وإلى حدّ ما العسكري والأمني- مثلما حضروا في ذراعه الاقتصادية والمالية.

 كانوا بعثيين وعسكريين وتجّاراً وبيروقراطيين في النظام، والنظام تبنّى علانية لغة وطنية تتجاوز الأهلي وتنكره، وفي هذا، كان نظام الأسد صورة مماثلة عن نظام صدّام. 

المعارضة ضدّ نظام صدّام والمرتكزة على أحزاب شيعية، اعتبرت نظام صدّام نظاماً سنّياً!

 لاحقاً، ومع السقوط، كانت سنّية صدّام مسألة مفيدة جدّاً للجماعات الشيعية التي كانت تعيش تحت ظلّ هذا النظام. تسنين النظام كان تبرئة مباشرة لهم، وبهذا صار نزع البعثية عن الدولة هو نزع للسنّية عنها. 

نجا الشيعة وبشكل تلقائي عبر هذه العمليّة، وقدّموا أنفسهم بوصفهم مجرّد ضحايا. وبهذا، كانت استراتيجية المماهاة بين النظام والسنّة، مسألة مفيدة للشيعة أنفسهم الذين عملوا مع نظام صدّام. 

اليوم، يحصل الأمر ذاته مع نظام الأسد. فالشرائح السنّية التي كانت مع النظام وفي خدمته، من بيروقراطيين وعسكر وتجّار، يحصلون على صكّ براءتهم عبر “العلونة” التامّة لهذا النظام. العلويون فقط هم “حاضنة النظام،” وكونك سنّياً فأنت تلقائياً بريء، براءة لا تتحقّق إلا إذا صار كلّ علوي تلقائياً شبّيحاً!

هناك دوافع ومصالح مختلفة للفاعلين، من تحت أو من فوق، للدفع في اتجاه هذه الخيارات الكارثية، فالموضوع ليس مؤامرة على السوريين، بما فيها مؤامرة من طرف السلطة. امتلاك مكان في النظام الذي يتشكّل، أو حفظ قدر من القوّة والأمان لمن سيكونون خارج السلطة يدفعهم إلى خيارات تبدو انتحارية، لكنّها الأكثر عقلانية ويسراً من وجهة نظر هؤلاء الفاعلين. 

سوريا تبدو مثالاً لحالة أن يختار كلّ فاعل أفضل خياراته، لكنّ المحصّلة تكون الوضعية الأسوأ على مستوى “النظام” نفسه، وهذه مفارقة لا يمكن تجاوزها إلا عبر امتلاك الثقة، التي تسمح للفاعلين بأخذ مخاطرة مبنية على الثقة بشركائهم، وهذا الشرط تحديداً غير متحقّق في سوريا، ولن يتحقّق!

الصورة التي أمامنا لا تدعو للتفاؤل، والخبرات المشرقية، ومنها العراقية، لا تُبشّر بخير!