قُتل المتطوع في الدفاع المدني، الشاب محمد غميرة، تحت التعذيب في مخفر الحفة إثر توقيفه بعد بلاغ جنائي بحقه، الخبر ليس الأول بعد سقوط الأسد، لكنه نال حظه من الرواج، هكذا الأمر في “سوريا الجديدة”، على الضحية أن تلجأ الى خوارزميات الترند وانتباه الناشطين لإحراج السلطة، وتنال الاعتراف بأنها ضحية.
اشتعل الغضب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد انتشار خبر الجريمة، وسارعت الداخلية السورية الى إصدار البيانات، والتعهد بتوقيف المسؤولين ومحاسبتهم، وأعلن وزير الداخلية نفسه عن لجنة للتحقيق لكشف الحقيقة خلال 72 ساعة. “العدة” بُسطت فوراً لتدارك الموضوع وتشغيل عجلة المحاسبة، لكن الأبرز، هو الحفاظ على تقاليد الإعلام الرسمي منذ زمن الأسد، الذي يتضح بخروج عمّ القتيل محمد غميرة، على شاشة الإخبارية السورية ليقول لنا بطواعية تامة إن “أحد العناصر تصرّف بشكل فردي، اعتدى عليه، بالضرب بالكف… ما في تعذيب أبداً أبداً…كان كف قوي كتير، سبّبله نزيف بالدماغ”.
هو “كف قوي جداً” إذاً، وجّهه عنصر من وزارة الداخلية في نظارة مخفر، لا في فرع أمن، لشاب مصاب بالناعور، صفعة على الوجه (أحد المقربين من السلطة قال إنها على الرقبة) أنهت حياة شاب سوري. التبريرات التي ساقتها السلطة للجريمة متفاوتة في ابتذالها، وأسلوب التعامل معها لا يختلف عن أسلوب الأسد، الذي أنشأ أيضاً لجنة للتحقيق في مقتل حمزة الخطيب، بل واستقبل بشار الأسد والد حمزة وعمه، وقال والده حينها: “قدّم لنا الرئيس التعازي، واستمع إلى تفاصيل الحادثة، ووعد بتلبية مطالبنا”، لكن لا، لا تجوز المقارنة!
نتجاوز المقارنة، ولتكن محاكاة ساخرة، أو نكتة تشبه تصريح وزير الإعلام السابق، حمزة مصطفى، الذي قال في لقاء مع أحمد فاخوري ما معناه، إن شعار “الإعلام السوري كاذب”، بقي لـ15 عاماً مرفوعاً، ضحك بعدها، وأضاف مازحاً: “ما كنت بعرف أنو حنصير نحن الإعلام السوري”!
كيف يعمل “النظام”؟
عاد “النظام” في سوريا إلى العمل، صحيح أن بشار وماهر الأسد قد حُكم عليهما بالإعدام في دمشق، لكن “النظام” لا ينتهِ بالحكم على رأس النظام بالإعدام غيابياً بتهمة “القتل العمد” و”التعذيب”، فالبنية البيروقراطية والمؤسساتية لم تُفكك؛ والكتلة البشرية المسؤولة عن تطبيق العنف والفساد المؤسساتي موجودة، وبعض الشخصيات الأسدية أُجريت معها “تسويات” لـ”فتح صفحة جديدة”. وهنا المفارقة، فمَن بنى النظام، يعلم عطبه الجوهري، هو لا يعمل إلا بطريقة واحدة فقط، وجاء الحكام الجدد لتشغيل هذه الماكينة بالطريقة الوحيدة الممكنة، عبر دمج أدوات النظام و”الهيئة” تحت ظل “الدولة”، الكيان الجديد المقدّس ذو الأعداء المحيطين به من الداخل والخارج!
لا “تعمل” البنية/ النظام إلا إذا أفرزت الجرائم والظواهر الجرمية ذاتها: مجازر، مسلحون بلا اسم يقتحمون مستشفى، عناصر رسميون يقتلون سوريين تحت التعذيب، اعتقال تعسفي، استيلاء على أملاك…الخ الخ.
“النظام” ليس طائفة، هو تنظيم للمجتمع عبر العنف والبيروقراطية وسلاح “الدولة الرديفة” حسب تعبير زعيم اتحاد الكتاب العرب، وغيره من رجالات “العهد الجديد”، الذين إلى جانب الفصائل الإلكترونية ينزعون السحر والقشعريرة عن المأساة والفاجعة في سبيل “قداسة الدولة” وطهرانية القائمين عليها.
نزع السحر عن المأساة وأثرها المريع والتاريخيّ يتضح عبر تقنيات الاستعراض المعاصرة، وتفتيت الحكاية السورية ومسارح الجريمة إلى “منتجات” ذات شعبية، فالأفرع الأمنية أعيد طلاؤها، وأتاحت السلطة أن يتحول سجن صيدنايا، “المسلخ البشري”، إلى خشبة للتصوير، ومحاكمات المجرمين من نظام الأسد الى مرتع للتيكتوكرية، وتاريخ قمع النظام الأسدي ليس إلا بوسترات وفيديوهات لا متناهية مولدة بالذكاء الاصطناعي. نحن أمام نموذج معاكس للاستقرار الذي من المفترض أن ترسّخه خطوات العدالة وتأريخ الجريمة، نموذج أساسه التشتيت، اقتصاد الانتباه، العُجالة، عدم التنسيق، نموذج يمكن تتبّع كل ما أنتجه عبر قنوات تلغرام.
نحن أمام مستويات عدة من عمل النظام إذاً، الأول إعادة تطبيق العنف واعتباطية ممارسته على أجساد السوريين، والمستوى الثاني خطابي وجمالي: هوية بصرية، طلاء أفرع الأمن، إعادة إنتاج تاريخ سوريا. والثالث هو نفي الضحايا من مركزية المأساة السورية، إذ لا عمل على تعويض ضحايا شركة لافارج، أو حتى جرائم تنظيم داعش وجبهة النصرة، او حتى كشف مصائر ضحايا الأسد نفسه. فقط ورشات عمل، وخطط، ومدونات، وجلسات نحيب، ولا جهود لإعادة الإعمار بل “مشاريع استثمارية كبرى” وملاعب غولف باسم ترامب، صفعات قوية جداً، لا وقت كاف لاستيعابها، أشبه بفيديوهات الأخطاء والعثرات، لا نصدقّ أنها فعلاً حدثت أمام الكاميرا!
أبواب “العدالة” المتنوعة!
أكثر ما يثير الغرابة في سوريا الجديدة، هو “الصفعات” التي يتعرض لها الضحايا السوريون، إذ ما زال أهالي المختفين قسراً يوفّون أبناءهم إن أرادوا بحكم الغائب، بناء على التعميم 22 الصادر عن وزارة عدل الأسد عام 2022، وحين تتم التوفية، لا يؤخذ بالاعتبار أن الضحية قُتل تحت التعذيب، ولو كانت صوره ظاهرة في ملفات قيصر.
والمفارقة الأشدّ، أن الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسراً، لم تحسم مصير أي مختف منذ سقوط النظام، لكن بعد حصولها على “تسجيلات التضامن” خارج مسار تسليم الأدلة التقليدية، حسمت قضيتين، ضحاياهما موجودون في التسجيلات، ونقصد رانيا العباسي وأسرتها وبسام بحرة وابنه سميح، والمتهم بقتلهم هو أمجد يوسف، الذي وفق وزارة الداخلية والاعترافات التي بثّتها، يعدّ المسؤول الوحيد عن قتل “الجميع” في التسجيلات كونه تصرّف بصورة فردية!
المفارقة أن حسم المصير هنا جاء بناءً على تسجيلات فيديو، لا على الجثث أو فحوص الحمض النووي. أي، بكلمات أخرى، أن الصور أصبحت مساراً للتعرّف إلى الضحايا. لكن إذا كانت الصور تصلح مساراً للتعرّف، فماذا عن مصائر مئات الآلاف الذين تمتلك وزارة العدل صور جثثهم وسجلات وفاتهم في سجون النظام ومشافيه العسكرية؟ وماذا عن القتلى الذين وثّقتهم صور قيصر؟ لا إجابة واضحة، ولا مجرم واحد يمكن حصر الجرائم به. والسبب أن جرائم “النظام” بنيوية وبشرية، وليست مجرد جريمة يرتكبها مجرم يظهر في فيديو.
يزداد الأمر غرابة حين نكتشف دروب العدالة المتعددة في سوريا، إذ دعا مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، المحامي رديف مصطفى، الضحايا وذويهم والمتضررين في قضية اللواء المجرم إبراهيم حويجة الى المشاركة في مسار العدالة والمساءلة، وذلك بتقديمهم الشهادات والادعاءات على المتهم لتحقيق العدالة والمحاسبة، وكشف الحقيقة وجبر الضرر”. في الوقت ذاته، أعلنت وزارة العدل عن غرف قضائية متخصصة شرحت آلية عملها بالتالي: “تقدم صاحب الشكوى مباشرة إلى النيابة العامة في العدلية المتخصصة بمسار العدالة الانتقالية”!
وكأن السعي نحو العدالة “جهد فردي” في سوريا، وجريمة الحرب ليست إلا “جريمة جنائيّة” حسب الأحكام الصادرة بحق الأسدين وفق قانون العقوبات السوري، وهذا ما يختزنه مفهوم “الادعاء الشخصي” الذي تصرّ عليه وزارة العدل، فهو لا يجرّم النظام كبنية، بل كأفراد. وتتعطّل الجهود المؤسساتية والحق العام في حال لم يكن المتهم يستحق “إصدارات” و”ريلات”، وهنا مفارقة العدالة الاستعراضيّة، فما لا يقع ضمن الترند وإرضاء المنظمات الدولية لا تتدخل فيه الحكومة ولا هيئاتها.
إقرأوا أيضاً:
لا يجوز التعميم أو المقارنة، تلك هذه فاتحة أي حديث وصكّ براءته؛ لكن تدخل السلطة في “العدالة” يظهر أيضاً ضمن حالات ذات طابع يتركنا أمام الكثير من التساؤلات. ففي إحدى هذه الخالات، عقد وفد من الحكومة السورية “صلحاً عشائرياً” مع “عشيرة البورحمة من قبيلة البكارة الهاشمية في قرية العطالة جنوب محافظة الحسكة، وذلك على خلفية قضية مقتل عدد من الشبان وقعت قبل سنوات”.
الصحافي فايز الدغيم علّق على الموضوع قائلاً: “تعود التفاصيل الى عام 2013 عندما كانت جبهة النصرة موجودة في المنطقة الشرقية، حينها قتلت مجموعة من تنظيم النصرة 9 أفراد من عشيرة البورحمة، وتم التهرب من الحادثة على مر سنوات حتى تم الاعتراف بها أخيراً بعد تدخل وضغط شخصيات كبيرة من البكارة”.
يضيف الدغيم طارحاً مجموعة من الأسئلة، منها: “”دولة” تتصالح مع قبيلة، ووفق القوانين العشائرية لا قانون الدولة، كيف ولماذا؟ الحادثة وقعت سنة 2013، عندما كان الجولاني زعيم جبهة النصرة. ما دوره ومسؤوليته؟ الحادثة وقعت قبل 13 سنة من مجموعة مسلحة، ما شأن “الدولة” لتدفع من خزينتها الدية لذوي المقتولين؟ هل هذا يندرج ضمن مواضيع العدالة الانتقالية أم لا؟”.
ما لا يصفح عنه
كل “الصفعات” السابقة لا تسقط بالتقادم، ولا يُصفح عنها، وسياسة ابتذال حقوق الضحايا وتضييع العدالة هي صفعات لا تقل شدة عن الصفعة التي تلقاها محمد غميرة، إنها تقتل كل احتمال بتجاوز الماضي وإنصاف ضحايا الأسد، وضحايا السلطة نفسها الذين قُتلوا أمام أعين “الجميع”، إعداماً ورمياً من الشرفات، وقتلاً تحت التعذيب. ما لا يصفح عنه لا ينقضي بصور وبيانات، بل يتراكم ويتعاظم في النفوس مع توزّع العنف واعتباطيته.
“كف قويّ جداً” أربك مطبّلي السلطة والمدافعين عنها حد الببغاوية، لبسٌ وحيرة انتهت بأن يقول أحدهم إن سبب الوفاة هو بما معناه “طيارة على الرقبة”، ما يزيد من إذلال الضحايا والسخرية منهم، بينما تطفو بلاغة نظام الأسد فوق كل ما يحدث، إذ تعاد تسمية القتل وأساليب تبريره.
“كفّ قويّ جداً”، ربما تعبير واقعي ومجازي عن حال السوريين اليوم، يصحو إثره البعض من نشوة النصر، ويغرق آخرون أكثر في كرنفال الطبول.
إقرأوا أيضاً:











