في الوقت نفسه، بدأ النزوح اللبناني يتخذ شكلاً مأساوياً. الناس والأهالي يفترشون الطرقات داخل بيروت ومدنها البعيدة، يحملون أوراقهم وأطفالهم، بينما تتسابق بعض نخب السوشال ميديا السورية إلى التعليق والتحليل والشماتة. المشهد ليس غريباً، أصبح جزءاً من اقتصاد للحروب يجذب الجمهور ويبسّط وعيه، إذ تتحول الكارثة إلى مادة خطابية، وكأن وظيفة الذاكرة هنا تفتيت الألم وتوزيعه على الجمهور لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة المتخيّلة، هذا ما شهدناه سابقاً بعد هجمات البايجرز واغتيال حسن نصر الله.
انطلقت موجات نزوح من الضاحية الجنوبية نحو بيروت، والسكان السوريون الذين تعرضوا للتهديد في الأماكن التي يقطنونها، انطلق قسم كبير منهم نحو الحدود السورية لضيق مساحات الإيواء وضعف استجابة الدولة اللبنانية ومقدرتها المحدودة. بدأت تظهر لافتات في المناطق السورية الحدودية تدعو إلى إدخال السوري فقط. السوري فقط منهم الذي كان يعيش في مناطق شيعية ويعمل بها، بل وأيضاً ممن عملوا في كل لبنان من دون أوراق ثبوتية أحياناً، أو ممن صدرت بحقهم أوراق ترحيل من الأمن العام ولم تُنفذ. هذه مفارقة لا يذكرها ولا تهمّ كثراً من كتاب السوشال ميديا أو منظّري الأخلاق الجالسين في سوريا، الذين يتناسون أن مئات آلاف السوريين يعملون في لبنان منذ سنوات من دون أن يؤذيهم أحد.
ولكي يخفف بعض السوريين من وطأة التعاطف مع اللبنانيين الشيعة الذين يدفعون اليوم ثمن بنية سياسية وأمنية متغلغلة منذ ثمانينات القرن الماضي، يتم استدعاء ذاكرة قاسية: مقاطع لمناصرين لحزب الله عبّروا فيها عن الشماتة خلال حصار مضايا وعن تفاصيل مختلفة من الذاكرة السورية – اللبنانية الأليمة. يُستدعى الماضي هنا لا لفهم ما حدث أو تفسيره، بل لتبرير برودة التعاطف أو حتى نزع إنسانية الضحايا.
لكن هذه المقاربة تبسّط المُشكلة إلى حد كبير. فالبنية التي أنتجت حزب الله لم تكن عابرة ولم تُخلق بقرار آني، بل تشكلت عبر عقود طويلة من التحولات السياسية والأمنية والإقليمية. والضحايا الذين يظهرون اليوم في مشاهد النزوح ليسوا بالضرورة صانعي هذه البنية، بل غالباً أول من يدفع ثمنها، وهذا ما نراه الآن.
استدعاء الشماتة القديمة لإنتاج شماتة جديدة لا يخلق فهماً للتاريخ، بل يخلق مناخاً مسموماً يعيد إنتاج دائرة الكراهية نفسها التي عرفنا نتائجها جيداً. فالحروب في المنطقة لا تخلّف ضحايا على الأرض فقط، بل تنتج أيضاً خطاباً قاسياً يبرر موتهم.
ثمة شيء يتكرر اليوم بين السوريين واللبنانيين، وهو صراع صامت على من يملك موقع الضحية الأساسية. هذا الصراع ليس سجالاً عاطفياً، بل محاولة لبناء رؤية كاملة للآخر من موقع الظلم. كل طرف يريد أن يثبت أن جرحه أعمق، وأن تاريخه مع العنف يمنحه سلطة أخلاقية أعلى في الحكم على الحاضر.
الماضي يُستعاد ليحكم على الحاضر والمستقبل معاً. تُستدعى الذاكرة لا لفهم تعقيد ما يحدث، بل لتثبيت حكم أخلاقي جاهز. في هذه اللحظة، تختفي إمكانية رؤية ضحايا آخرين، لأن الاعتراف بألمهم قد يهدد مركزية الألم الخاص بنا. وهكذا تتحول المأساة التي تصيب مجتمعاً آخر إلى مناسبة لتأكيد هوية أخلاقية: نحن الضحية الحقيقية، ونحن من يملك الحق في تفسير ما يحدث.
لكن المأساة السياسية ليست درساً أخلاقياً بسيطاً. حين يُنظر إلى البشر بوصفهم مسؤولين جماعياً عما حصل، يتم اختزالهم إلى أشخاص “يستحقون ما حدث لهم”، هذا الاختزال يلغي لعنة الأنظمة السياسية، حيث يعيش الناس غالباً داخل بنى سياسية وتاريخية لم يختاروها.
بين الغضب وتعطيل التعاطف
كثير من ردود الفعل على الحروب يخلط بين أمرين مختلفين: الغضب المشروع من نظام أو حركة سياسية، وتعطيل التعاطف تجاه معاناة مجتمع كامل. هنا تظهر الحاجة إلى تمييز أخلاقي واضح بين نقد البنية السياسية وبين الاعتراف بإنسانية الضحايا. فالجماعات البشرية لا تُختزل في تنظيماتها السياسية، كما أن الأفراد لا يصبحون مسؤولين عن القرارات التي صاغتها قوى أكبر منهم.
إقرأوا أيضاً:
هذا السلوك معروف في علم النفس الاجتماعي، له وصف ألماني غير موجود بالعربية، وهو schadenfreude، أي الرضا أو الفرح لألم الآخرين، وكأن هناك ميلاً بدائياً لدى البشر للشعور بالارتياح عندما يتعرض منافس أو جماعة منافسة لخسارة. لكن الإفراط في التحريض والشماتة يكشف غالباً عن عجز سياسي عميق. المجتمعات التي تبني خطابها العام على انتظار هزيمة الآخرين نادراً ما تكون قادرة على بناء دولة قوية أو ممارسة سياسة عقلانية أو إنتاج حياة ديمقراطية مستقرة.
الشماتة هنا تصبح بديلاً رمزياً عن العجز السياسي، إذ يتم الاستثمار في الهزائم الأخلاقية للآخرين. ويتحول الخطاب العام إلى ذاكرة غضب أعمى بالمآسي، والمفارقة أن هذا الخطاب يتعايش أحياناً مع سلوك سياسي غير عقلاني أيضاً. الإدارة السورية المؤقتة نفسها لا تقدم نموذجاً مستقراً في إدارة السياسة أو القانون، وتترك جمهورها من دون محاسبة على ممارسات تخالف أبسط مبادئ القانون الدولي، مثل منع نازحي الحرب من دخول البلاد طلباً للأمان. هنا يظهر التناقض بوضوح: خطاب أخلاقي مرتفع تجاه مآسي الآخرين يقابله عجز عن بناء حد أدنى من المعايير القانونية داخل المجال السياسي الخاص بنا.
في أخلاق الضغينة
تقترح الفلسفات الأخلاقية مفهوم “أخلاق الضغينة”.، المقتبس من نيشتة، وهي تلك الأخلاق التي لا تنشأ من القوة أو من القدرة على الفعل، بل من العجز عن الفعل، عندما تعجز جماعة عن الرد المباشر أو عن تغيير الواقع، يتحول غضبها إلى ضغينة مكبوتة تعيد تفسير العالم أخلاقياً.
السوري الذي لا يستطيع أن يقول ببساطة إن الواقع أكبر من قدرته على تغييره قد يقول شيئاً آخر: “نحن أخلاقيون وهم أشرار”. تصبح الشماتة تعويضاً رمزياً عن العجز، وآلية نفسية لتعويض سلسلة طويلة من الإخفاقات اليومية التي نراها في سوريا للنازحين السوريين أنفسهم ولأبناء الخيام الذين تناستهم دولتهم.
لكن المشكلة لا تتوقف هنا. عندما يتحول الغضب السياسي إلى حكم على مجتمع كامل نكون قد انتقلنا من العدالة والمحاسبة إلى العقاب الجماعي، هذه إرادة اسرائيلية بحتة، المجتمع ليس كتلة واحدة، داخله مؤيدون ومعارضون وخائفون وصامتون وأناس يحاولون فقط النجاة. اختزال جماعة كاملة في موقف سياسي واحد يسمح بتبرير القسوة تجاهها ويحوّل الضحايا إلى أشخاص “يستحقون ما يحدث لهم”.
الخطر الحقيقي يظهر هنا، الذاكرة التي كان يفترض أن تخلق حساسية أعلى تجاه الألم يمكن أن تتحول إلى أداة لتبرير القسوة. تجربة النزوح التي عاشها السوريون يمكن أن تصبح أساساً لتعاطف أوسع، لكنها قد تتحول أيضاً إلى خزان للضغينة. وعندما يحدث ذلك لا تعود الذاكرة درساً أخلاقياً، بل تصبح جزءاً من دورة جديدة من القسوة المتبادلة.
خمسون عاماً من حكم الأسد في سوريا، وما يقارب نصف هذا الزمن من نفوذ إيران وحزب الله في لبنان، كانت كافية لكي يتكيّف الناس مع العنف إلى حدّ تحوّله إلى لغة من لغات حياتنا اليومية. لم يعد العنف حدثاً غريباً،لأنه جزء من الذهنية الاجتماعية نفسها، ذهنية تتجه تدريجياً نحو القسوة والاعتياد على الحرب، بل أحياناً نحو الشماتة بها. يفقد العنف طابعه الصادم، ويتحول الحديث عن المأساة إلى كلام عادي، كأنه جزء من مفردات الحياة اليومية ولغة العجز نفسها.
ينسى كثر من الكتاب السوريين مصير السوريين الذين ما زالوا يعيشون في أحياء لبنان ومدنه وأزقّته، يعملون في معاملها ومحاجرها وبساتين الزيتون فيها. هؤلاء السوريون ليسوا فكرة مجردة في خطاب سياسي، بل بشر يعيشون داخل مجتمع آخر أكثر كثافة، ومضطرون مثل اللبنانيين أنفسهم إلى التعايش والتكيف مع واقع معقد، وإبراز العداء للشيعة في سياق الحرب لا يبقى مجرد موقف سياسي أو خطاب أخلاقي. في كثير من الأحيان يتحول إلى شكل من أشكال الحرب الأهلية الرمزية التي قد تنعكس مباشرة على السوريين الموجودين في لبنان، أولئك الذين يعيشون داخل هذا المجتمع ويتحملون تبعات الصراع أكثر مما يتحكمون فيه.












