في معرض مراقبة السياق السوري والشرق الأوسطي الراهن، يدرك الباحث العلمي أنّ الوقت حان للنظر بموضوعيةٍ إلى الفارق البنيوي بين مفهوم “الدولة” وحالة “السلطة البديلة” عن الدولة في السياق المذكور. الدولة هي مجموعة الأجهزة والمؤسسات الحوكمية المولجة بخدمة وإدارة شؤون الانتظام العام، وتطبيق الدساتير والقوانين والتعاقدات المدنية التي اتفق عليها الأفراد والجماعات المكوِّنة لوطنٍ ما، والتي تعاهدوا على أن يصيروا جمهورًا واحدًا على أساسها.
أمّا “السلطة البديلة”، فهي الكيانات والأجسام التي تمتلك قوّة وسُلطة هيمنة ـ عسكرية أو مالية أو عقائدية أو أيديولوجية أو شعبية أو جيوسياسية ـ تتولّى زمام السلطة وإدارة شؤون جمهورٍ معيّن في وطن ما كبديلٍ عن الدولة، ولملء فراغ هذا الغياب.
تتألف السلطة البديلة من أفراد يحملون نفس أسماء وألقاب المناصب والمواقع التي تُناط عادةً بالجهاز البشري المتولّي مسؤوليات مؤسسات الدولة في حال وجود تلك الأخيرة. إلا أنّ أفراد تلك السلطة البديلة لا يتمتعون بالضرورة بالمؤهلات والكفاءات والخبرات والأهلية العلمية والمهنية لتولّي جدول عمل تلك المواقع والمناصب والمسؤوليات. لا تبغي السلطة البديلة إحلال الدولة، ولا تستطيع، أو لا تمتلك القدرة على خلقها وتأسيسها. فخلق الدولة ووجودها يعني إعلان انتفاء سبب وجود السلطة البديلة عنها، وعدم الحاجة الى هذا الوجود بعد الآن.
مفارقة السلطة البديلة!
في ضوء هذا الفرق الماهيوي، حين تمسك سلطة بديلة ما بزمام الحكم في بلدٍ بعينه، فإنّها تتشبّث بتلك السلطة وتمارس كافة أنواع الفساد والقمع والعنف والاضطهاد والترهيب والتطييف والتصنيفية والمحسوبية والعطب الأخلاقي والمهني، كي تحافظ على هذه السلطـة، ولكي تمنع الدولة من التشكل والولادة. فتلك الولادة، كما قلنا، تعني نهاية دورها البديل وانعدامه. ولهذا، تخلق السلطة البديلة بممارساتها المذكورة سياقًا مجتمعيًا وفضاءً بشريًا وحيثياتٍ مادية تُعزّز حجج ومسوغات الحاجة إليها وحتمية استمرار وجودها في الحكم، وتمنع إمكانية خلق دولة أو تشريع السبيل لبنائها من خلال تهيئة بنية تحتية حقيقية لتحقيق ذلك. تصبح السلطة البديلة سلطة دائمة، سلطة أمر واقع، ودولة منحولة مظهرية (pseudo-state) بلا مضمون ولا قواعد دولتية فعلية.
هذا بالضبط ما يمكن للمراقب العلمي أن يرى أنّ هيئة تحرير الشام قد دخلت كي تحققه في سوريا خلال الشهور المنصرمة. ففي عام 2018، أصبحت هيئة تحرير الشام سلطة بديلة حلت محل سلطة الدولة بعد سقوط كافة مقومات ووجود شبه-دولة (semi-state) الأسدية في محافظة إدلب.
تقول المعطيات الموضوعية المتوافرة لدينا إنّ القوى الدولية المعنية بالملف السوري خلقت آنذاك كيان الهيئة كسلطة بديلة لتدير تلك المنطقة الجغرافية، وتمنع الملايين من البشر الذين جاؤوا من أنحاء سوريا كافة من الوصول إلى تركيا ومنها إلى العمق الأوروبي والغربي عمومًا.
تحوّلت الهيئة إلى نموذجٍ مثالي لسلطة بديلة تتكرّس على قاعدة غياب فكرة “الدولة” وحضورها، وليس على قاعدة فكرة “دولة جديدة”. كل المعطيات التي نملكها تشير إلى أنّه لم يكن هناك قرارٌ بخلق “دولة” أو حتى “دويلة” في إدلب، بل قررت الدول الراعية خلق حالة سلطة مهيمنة على الأرض لتتولى السيطرة على المجموع البشري وتهجينه وضبطه والتحكّم به بكل الوسائل العنفية والقمعية والترهيبية والإيديولوجية والدوغمائية والمالية والمصلحية وحتى التعويزية، كي يبقى هذا الخزان البشري تحت السيطرة، ولكي يُستخدم في تجربةٍ لدراسة ممكنات وفرص نجاح تطبيق نموذج استبداد الدولة بجهاز سلطة، واستبدال الحوكمة بجهاز هيمنة، واستبدال منطق الإدارة بعقلية المصلحة والتحاصص وتوزيع المغانم، ومن ثم تعميمها على سوريا برمتها لاحقًا. وقد “نجحت” (بين مزدوجين) تلك التجربة وفق معايير الدول الراعية واستراتيجياتها، وجسدت تطبيقًا عملاتيًا لنظريات مسبقة الصنع عن المشرق.
الـ”لا دولة” في سوريا
مع حلول نهاية عام 2024، أعلنت الدول الراعية لمشروع سوريا الجديد ساعة الصفر لتطبيق تجربة السلطة البديلة على البلد المدمَّر. دخلت هيئة تحرير الشام إلى السياق السوري، وجلس رئيسها على كرسي الحكم في دمشق. ما حدث في الحقيقة كان تطبيقًا عملياتيًا لنموذج السلطة البديلة في إدلب على امتداد الجغرافيا السورية.
لم تأتِ هذه السلطة لتكون بدايةً لخلق دولة جديدة وحقيقية في سوريا، بل جاءت لتكون حالة سلطوية مستدامة وطويلة الأمد، هدفها الأول والأساس هو عدم خلق دولة والحؤول دون نشوء كيان دولتي حقيقي في سوريا على الأقل لخمس سنوات قابلة للتمديد، وربما لنيل الدعم والإذن بالبقاء لخمسين عامًا قادمة كبديل عن خمسين عامًا ماضية؛ لا أحد يعلم.
ما يجعلنا كمراقبين نعتقد أن القرار الجيوسياسي المتعلق بسوريا هو قرار عدم خلق دولة فيها والاستعاضة عن منطق “الدولة” بحالة “سلطة بديلة”، هو طبيعة وماهية الطرف الذي قرّرت الدول المالكة لأسهم سوريا والمشرق أن توكل إليه مسؤولية حكم البلد من بين كافة أطياف المعارضات السورية وأجسامها، والتي، للتذكير، أسستها تلك الدول وموّلها أصدقاؤها في المنطقة أثناء الثورة.
لو كانت تلك الدول المالكة تريد خلق “دولة”، ما كانت لتضع هيئة تحرير الشام وأفرادها في سدة الحكم في سوريا. فالخيار المذكور يعرف فقط كيف يمارس لعبة “السلطة البديلة”، فهذا هو الدور الذي تم تدريبه على ممارسته والقيام به، وهو الخبرة الوحيدة التي يعرف أفراد هذا الخيار ممارستها على الأرض بعدما مارسوها في إدلب.
أي أنّهم يعرفون ممارسة ما أسميته منذ بداية حكم الهيئة في سوريا “مشروع الأدلبة” (idlibification project). وقد عبّر رئيس المرحلة الانتقالية، السيد أحمد الشرع، وبمنتهى الشفافية، عن هذا في الإعلام حين قال مرات عدة (وقد كرر ذلك أخيرًا في كلامه في نيويورك وفي خطابه في إدلب عند عودته من اجتماعات هيئة الأمم المتحدة)، إنّ إدارته تجعل تجربة الحكم في إدلب نموذجَ سوريا الجديدة. أي أنّه أعلن لنا وما زال أن مهمة الهيئة هي تطبيق نموذج “السلطة البديلة” لتحل محل فكرة “الدولة” على الأرض السورية كافة؛ وهذا ما شهدناه ما بين أعوام 2018-2024 في سياق إدلب.
إقرأوا أيضاً:
لم يكن السوريون، برأيي، بحاجة الى أكثر من هذا الصوت المرجعي الأول في المشهد الجديد كي يدركوا أنّ إدلبة سوريا تعني وضعها بشكل ممنهج ومدروس ومتعمد على مسار التحوّل إلى سياق “اللا- دولة” المطلوب لتحقيق وجود “السلطة البديلة”. غير أنّ السوريين في غالبيتهم أبوا أن يصدّقوا ما سمعوا، وتجاهلوه أو خففوا من جديّته وآثاره وجلائه، من باب التمسك بالأمل والتفاؤل والنشوة المفرطة المستدامة حتى الآن بالتخلّص من حكم الأسد وتاريخه الأسود البشع.
أمّا الهيئة وجمهورها، فلم ينتظروا أبدًا؛ بل عملوا منذ اللحظة الأولى لدخولها المشهد السوري العام على خلق سياقٍ وحيثياتٍ تضمن فرض السلطة البديلة وحالتها، وترسيخ دعائم استمرارها وديمومتها بشكل يحول حتمًا دون خلق دولة في سوريا بعد انتهاء ما سُمِّي “المرحلة الانتقالية”. باتت السلطة البديلة اليوم الحاكم المعلن والمُعترف به كأمر واقع، يتعامل العالم معه على أنّه حالة دائمة وليس انتقالية، حالة واقعية محسومة وليس بدائلية.
“قبائل وعشائر”
يتعامل العالم الغربي والعربي مع السلطة البديلة بهذا الشكل، من دون أن -أو حتى قبل أن- تثبت تلك الأخيرة أنّها ماضية نحو تعبيد الطريق لوصول دولة دائمة. كل ممارسات تلك السلطة حتى الآن، وكل ارتكاباتها وفشلها في الإدارة، تقول للمراقب إنّ الطريق الذي يتم تعبيده هو لسلطة بديلة “دائمة” ليس إلا، وليس لدولة دائمة. إلا أنّ صنّاع الهيئة والسلطة البديلة في سوريا يدعمون هذا ويشجعونه ويمنحونه الشرعية والغطاء الدولي.
السبب وراء هذا هو أنّ الباحث الأكاديمي الذي يعمل في العالم الغربي يعرف تمامًا أنّ العقل الاستشراقي السياسي الغربي تحديدًا، ما زال لا يؤمن بأن شعوب منطقتنا تعرف أن تكون أو أن تعيش وفق فكرة أو منظومة “الدولة” (state) أو “الجمهورية” (republica) بالمعنى الأفلاطوني، ولا حتى الفارابي. بل هم تجمعات بشرية، كما وصفها توم باراك، المبعوث الأميركي لسوريا ولبنان، أخيرًا بمفردات استشراق سياسي صريحة بأنها “قبائل” و”عشائر”؛ أي كيانات تحكمها عقلية الولاء وليس القانون، تحكمها الطاعة والخضوع والعصبية، وليس التعاقدات المدنية وفكرة القانون؛ تحكمها الفزعة والنصرة، وليس العدالة والتعايش والتعدد.
قالها باراك أمامنا مفسّرًا بشكل ضمنيّ المنطق الوضعي التفسيري الذي اعتمدته إدارته لدعم استراتيجية تطبيق نموذج “السلطة البديلة” بدلاً من مفهوم “الدولة” في سوريا، ومنها إلى باقي دول الطوق المحيطة بإسرائيل، بحيث تبقى إسرائيل وحدها هي نموذج “الدولة” الفعلي في تلك المنطقة، في حين تُدار شعوب الجوار وكياناتها الجغرافية بسلطات بديلة دائمة تُجدَّد أو تُعدَّل حسب الحاجة، في كل من سوريا ولبنان وفلسطين (الدول التي يفترض أنها تعادي إسرائيل تاريخيًا). إذا نجح نموذج السلطة البديلة في سوريا، وكان تحقيق مشروع “اللادولة” مفيدًا ومثمرًا لمشروع الشرق الأوسط الجديد، فستكون سوريا أول قطعة تسقط في دومينو تطبيق هذا النموذج في لبنان وفلسطين.
وكما يبدو، فإنّ فلسطين والضفة الغربية هي حقل تطبيق التجربة التالي. فقد مُسحت غزة عن الخارطة ومعها “حماس”. اتُّخذ القرار بالتخلص من السلطة البديلة المتمثلة بحماس بشكلٍ نهائي، واستبدالها بتحويل الحكومة الفلسطينية المنتخبة في الضفة الغربية إلى حالة “سلطة بديلة” تحل محل فكرة تأسيس “دولة” فلسطينية. وبهذا، يتم دفن فكرة “دولة فلسطينية” عبر الاستعاضة عنها بسلطة حكم ذاتي صورية على أراضي الضفة وربما غزّة جديدة. وستكون هذه السلطة هي البديل المعترف به من إسرائيل كخيارٍ يحل محل فكرة “الدولة” للفلسطينيين.
إذاً، بعد سوريا تأتي فلسطين ويتبعها لبنان، كما يبدو من المعطيات. فمحاولة التخلص من حزب الله وسلطته البديلة بعدما انتهى دورها وعملها، قد تُقابَل بإصرار تفاوضي براغماتي من إيران يسعى الى تعويم حزب الله من خلال جعله جزءًا من نموذج “سلطة بديلة” جديدة قادمة إلى لبنان؛ أي أنّ مسعى تأسيس “دولة” في لبنان ما زال يخضع أيضًا للتفكيك.
بهذا يكون قتل فكرة “الدولة” في سوريا والاستعاضة عنها بخيار “سلطة بديلة”، قد وضع مشروع الشرق الأوسط الجديد ـ القائم على “إسرائيل وحدها دولة” مقابل كيانات مجاورة تمثل “اللا-دول” ـ على سكة التنفيذ المبرم. ضمن هذا الإطار الجيوسياسي والفلسفي السياسي الناظم، لا يعود ما تلعبه هيئة تحرير الشام من أدوار سوى مسنن واحد ضمن آلةٍ ضخمةٍ كاملةٍ بدأت عجلاتها بالدوران منذ قرار يحيى السنوار وحماس القيام بعمليةٍ هجومٍ انتحارية جعلت غزة محطةً أولى على مسار فناء وتحطيم ممنهجة شاملة.












