في نهاية عام 2025 خرجت تظاهرة في دمشق أمام السفارة الإماراتية، طالب فيها المُحتجون بالإفراج عن معتقلين سوريين في سجون الإمارات. لاحقاً، منتصف عام 2026، خرجت تظاهرة أخرى أمام وزارة الخارجية السوريّة، تطالب بالمعتقلين في سجون العراق المتهمين بالانضمام إلى تنظيم داعش، وبأولئك القابعين في سجون الإمارات بتهم تتعلق بـ”الإرهاب” و”تمويل جبهة النصرة”. يومها قال أحدهم: “سيادة الرئيس أحمد الشرع من فترة راح جاب واحد من الإمارات وجاي، العراق ما يقدر يجيب منها”.
يعدّ موضوع المعتقلين السوريين في الإمارات إحدى أكثر القضايا إثارةً للمفارقات، إذ يشير قرار صادر عام 2014 عن المحكمة الإدارية العليا- إدارة أمن الدولة في الإمارات، اطلعنا في “درج” على نسخة منه، إلى إدانة معتقلين سوريين بتهمة “تمويل الإرهاب”، أشهرهم حينها هو “محمد عصمت محمد شاكر” (36 عاماً)، و سامر محمود غطاس (39 سنة)، المتهمان بـ”الانضمام الى منظمتين إرهابيتين، وهما جبهة النصرة وأحرار الشام، التابعتين لتنظيم القاعدة الإرهابي”.

تضيف لائحة الاتهام في الحكم أن شاكر “أشرف وأدار صفحة على فيسبوك باسم تنسيقية تفتناز” و”جمع ونقل أموالاً بقصد استخدامها في تمويل أعمال إرهابية”، كذلك وُجهت الى غطاس تهم بتمويل الإرهاب، وقررت المحكمة الحكم على شاكر 15 عاماً، وغطاس 3 سنوات.
آنذاك، كانت جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرهما من التشكيلات العسكرية الإسلامية في سوريا مصنّفة كـ”إرهابية” في الإمارات وغيرها من الدول، ويعاقب القانون الإماراتي بوضوح على دعمها أو الترويج لها أو الانضمام إليها.
ثم سقط نظام الأسد!
رُفعت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) عن قوائم الإرهاب في مختلف أنحاء العالم، وأصبحت جزءاً من وزارة الدفاع السورية الجديدة، وتحوّل قادة فصائل الشمال إلى فرق عسكرية، تحت قيادة الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، الذي رُفع أيضاً عن قوائم الإرهاب، وزار الإمارات بعد فرار الأسد، وعاد ومعه في الطائرة الرئاسية إلى دمشق رجل الأعمال مهند المصري، الذي أوقف في الإمارات عام 2019 بتهمة “دعم وتمويل مجموعات إرهابية في سوريا”، وفي العام ذاته وُثّقت نشاطاته داخل السفارة السورية في أبو ظبي في عهد الأسد.
في زيارة جديدة للإمارات، عاد الشرع بالطائرة إلى دمشق، لكن وحيداً هذه المرة، ليتبعه لاحقاً القيادي في جيش الإسلام عصام البويضاني، الذي نفى الناطق باسم العائلة “بشكل قاطع” لعنب بلدي ” الأنباء التي تم تداولها حول عودة البويضاني على متن الطائرة الرئاسية التي أقلت الشرع، مؤكدًا أن عودته ستتم عبر إجراءات وترتيبات مستقلة”.
اعتُقل البويضاني في الإمارات حين حاول مغادرة مطار دبي بعد سقوط النظام بتهمة “الانتماء الى جبهة النصرة”، وقالت أسرته حينها في تصريح أن “التهمة غريبة جداً” لأن عصام “ينتمي الى جيش الإسلام”!.
احتفى مقربون من السلطة بجهود الشرع في إطلاق سراح البويضاني، وكتب مستشاره للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان أن ما حصل سببه “طبيعة الدبلوماسية الهادئة والحثيثة”، لكن، ماذا عن الباقين؟
في هذا التقرير، نتابع قصص ثلاثة من المعتقلين السوريين في الإمارات، صدرت بحقهم أحكام قاسية بتهم تتراوح بين تمويل جماعات إرهابية في سوريا أو الانتماء إليها؛ وهي تهم تبدو إشكالية بأقل تعبير. كان بعض هؤلاء المعتقلين شركاء مهند المصري في الزنزانة، لكنهم لم ينالوا حظّه، وما زالت عائلاتهم حتى اليوم تطالب بالإفراج عنهم، انطلاقاً من أن “الجماعات الإرهابية” التي اتُّهموا بتمويلها لم تعد تُصنَّف كذلك، فيما زار قائد هيئة تحرير الشام، أي أبو محمد الجولاني سابقاً، الإمارات بصفته أحمد الشرع، رئيس سوريا، إلى جانب وزير خارجيته أسعد الشيباني.
ما هو “سجن الوثبة”؟
يقع سجن الوثبة على مسافة 40 كم من أبو ظبي، افتُتح عام 1982، وتصفه الإمارات رسمياً بأنه “منشأة عقابية وإصلاحية”، كما يوصف في الصحف الرسمية بأنه “يطبق شعار (السجن إصلاح وتغيير)، يضم بين جنباته معظم ما يحتاجه النزيل لإصلاح ذاته”. لكن “مركز مناصرة معتقلي الإمارات” يقدم وصفاً أكثر تفصيلاً للسجن ومهاجعه وتوزع السجناء فيه، ويوثق حالات الاعتقال فيه والمعاملة السيئة، إلى جانب بيع المخدرات كالترامادول والكبتاغون، وهذا ما أكده لنا المعتقل الذي أُفرج عنه من هناك في حديثه مع “درج”.
كما يوصي مركز معتقلي الإمارات بـ”وضع إدراة السجن تحت سلطة وزارة العدل بدلاً من الداخلية، وتكليف إدارة مدنية لقيادة السجن، حيث أثبتت الوقائع أن غالبية الانتهاكات يقوم بها ضباط من الشرطة أو عسكريون مكلفون بحراسة السجن”.
“سجن الوثبة” الآن!
لا تزال قضية المعتقلين السوريين مستمرة إلى الآن في سوريا، على رغم مرور أكثر من عام ونصف العام على سقوط النظام، إذ حمل تشكيل مجلس الشعب أملاً للأهالي، علّ أعضاءه يخاطبون الرئيس أحمد الشرع أو وزارة الخارجيّة السورية أو وزارة العدل، أملاً بتكرار سيناريو تسليم السجناء السوريين الذين كانوا في سجن رومية في لبنان إلى الحكومة السورية.
تواصلنا مع بعض الأهالي الذين أخبرونا أنهم يحاولون تنظيم لقاءات مع أعضاء في مجلس الشعب، كما وجهوا عبر صفحة “رابطة أهالي المعتقلين السوريين” مناشدة لحكومة الإمارات في سبيل إطلاق سراح أبنائهم من سجن الوثبة، أولئك الذين لا تواصل معهم الآن إلا عبر اتصالات هاتفية قصيرة من السجن، لا تتجاوز مدتها الدقائق، ناهيك بوجود آخرين في سجن “الصدر”، حيث يقبع الناشط الحقوقي عبدالرحمن محمد النحاس، مؤسس منظمة “إنسان رايتس ووتش” المحكوم بـ10 سنوات، ضمن ما وصفته أسرته لـ”درج” بـ”الموت البطيء”، إذ “تعرض لـ89 حالة حبس انفرادي، وحاول الانتحار”.
اعتمدنا في هذا التقرير على أحكام قضائية صادرة بحق المعتقلين وطلبات استرحام واستئناف، وشهادات أقاربهم وأهلهم، وأخفينا الأسماء والهويات وكل ما قد يشير إلى هؤلاء حرصاً على سلامتهم وسلامة أهاليهم، كما تواصلنا مع أحد المفرج عنهم “د.ر”، الذي وصف لنا طبيعة “سجن الوثبة” حيث يقبع المعتقلون، الصادرة بحقهم أحكام من محكمة أمن الدولة، وقارنّا هذه المعطيات مع تقارير “مركز مناصرة معتقلي الإمارات”.
“خلي أبوك يحكي معي ضروري”
أحد المعتقلين في سجن الوثبة، هو السوري “ر.ل”، وصل إلى الإمارات عام 2009، حيث عمل في محل بيع مواد غذائية ثم شركة، اعتُقل بعد انطلاق الثورة في سوريا بسنوات، والتهمة التي وجهت إليه حسب ما أخبرت أسرته “درج”: “حوالة مالية أرسلها لشخص مقيم في تركيا قيل لـ(ر.ل) أثناء التحقيق إنه على صلة مع المعارضة الإسلامية المسلّحة في سوريا”.
علم أهل “ر.ل” بأنه معتقل حين وصلتهم رسالة إلى أخيه في سوريا عبر واتسآب، مفادها: “خلي أبوك يحكي معي ضروري”، وظلّ ثلاثة أشهر من دون تواصل، قبل أن تعلم الأسرة أنه حكم عام 2020 بالسجن لمدة 15 عاماً، بالتهمة السابقة ذاتها. حاولت أسرته عبر طلب استرحام اطلع عليه “درج” تخفيف الحكم إلى الإبعاد من الإمارات، لكن بدون جدوى.
تواصلت أسرة “ر.ل” مع وزارتَي العدل والخارجية السوريتين بعد سقوط النظام، وطالبت السلطات الإماراتية بترحيله إلى سوريا على الأقل، وقال أحد أقارب المعتقل لـ”درج”:” أخبروني أن مهند المصري هو صديق (ل.ر) معه في ذات العنبر، السيد الرئيس أحمد الشرع أحضر مهند المصري وترك الباقين؟!”.
توفي والد “ر.ل” كمداً على ابنه حسب قريب المعتقل الذي حاورناه، ولا تزال والدته تنتظر، كما أخبرنا عن الاعتصام أمام السفارة الإماراتية احتجاجاً على هذه الأحكام، إلا أن شيئاً يتغير.
مدة الأشهر الثلاثة التي اختفى خلالها “ر.ل” تشير، بحسب “د.ر” المفرج عنه من سجن الوثبة، إلى فترة التحقيق التي سبقت صدور الحكم. يخبرنا “د.ر”: “التعاون التام مع السلطات يجنب صاحبه التعذيب، والمقصود بالتعاون هو الإقرار بالتهم الموجهة إليه من دون نقاش أو مجادلة”. أما في حال الرفض، فأخبرنا “د.ر” عن أساليب الترهيب المتّبعة، التي تصل أحياناً إلى حدّ التعذيب الجسدي.
التهمة: مواليد إدلب!
منذ عام 2016، يتنقل “م.د” بين الإمارات وتركيا، وفي عام 2020 حين كان في الإمارات، قرر التوجه إلى تركيا ليمضي بعض الوقت مع أسرته قبل إغلاق الرحلات الجوية إثر جائحة كورونا، لكن في المطار بالإمارات، احتجز “م.د”، واقتيد إلى التحقيق، ثم أطلق سراحه وحجز جواز سفره.
بعد نحو 10 أيام من مصادرة جواز سفره، تلقى أتصالاً كي يراجع مخفر الشرطة، ظن يومها “م.د” أنه سيستعيد جواز سفره، لكن، نقل إلى مكان آخر، وخضع للتحقيق، وحُكم عليه بـ10 سنوات في السجن.
التهمة حسب أحد أقاربه الذي تابع القضية في الإمارات: “تحويل مبلغ من المال لأشخاص إرهابيين على حدّ زعمهم، لكن ما حوّله كان ديناً عليه، وابن أحد الأشخاص الذين يدعون أنه إرهابي يعمل في الإمارات أيضاً لم يُعتقل!”.
في نص الحكم الصادر عام 2020 الذي اطلع عليه “درج”، اتهم “م.د” بأنه “تحصل على أموال وحولها إلى تنظيمات إرهابية (حركة أحرار الشام وجبهة النصرة)”. وفي عام 2023، قدمت الأسرة طعناً بالحكم، لكنه المحكمة رفضته.
يعمل “م.د” بالتجارة حسب حديث قريبه لـ”درج”، والذي أخبرنا أنه متهم بتحويل مبالغ مالية كبيرة، لكنه حسب قوله:”مجرد تاجر في شركة، وقدم الوثائق المطلوبة لإثبات تعاملاته التجارية”. ويضيف: “فقط لأننا من الشمال السوري نتهم بدعم الإرهاب، أنا أهلي وأقربائي جميعهم يعيشون في إدلب ومصدر دخلنا من الإمارات، فإجباري سيتم تحويل مبالغ إلى الشمال وإلى عائلتي في تركيا”.
يختم قريب “م.د” حديثه مع “درج” :”عندما سقط النظام استبشرنا خيراً، وفي الوقت ذاته راودنا خوف من نسياننا، وها نحن منسيون إلى تاريخ هذه اللحظة”.
أخبرنا “د.ز” المفرج عنه من سجن الوثبة، أن المحاكمات تكون عادةً “صورية”، ما يفسر المفارقات في الاتهامات، ويضيف:”تذهب الى غرفة تحوي شاشة، حيث يلقي عليك القاضي التهم، لا تتجاوز المحاكمة أكثر من ثلاث أو أربع دقائق، ولا ينال كل سجين أكثر من ثلاث جلسات، بين كل جلسة وجلسة شهر أو شهران أو ثلاثة، ثم يحكم عليك بالحكم الذي يُقرر للقاضي مسبقاً، لا ما يجتهده القاضي نفسه”.
يتطابق هذا الوصف مع تقارير هيومان رايتش ووتش عن المحاكمات الجائرة في الإمارات.
مقاتل سابق مع “جبهة النصرة” بدون بيعة!
غادر “س.ح” سوريا واتجه نحو الإمارات للعمل، بعدما قام بتسوية وضعه مع جيش النظام السوري الذي رفض الالتحاق به، وحصل على الإقامة في الإمارات عام 2021. وفي العام التالي، طُلب منه مراجعة قسم الشرطة بسبب “خطأ في الإقامة”، ومنذ ذلك التاريخ خضع للتحقيق لأكثر من عام، ليتبين أنه اعتُقل وحُكم في محكمة أمن الدولة بالسجن لمدة 15 عاماً، حسب طلب الطعن الذي قدمته الأسرة الى المحكمة واطلع “درج” على نسخة منه.
اللافت في قضية “س.ح” أن هناك تهماً عدة موجّهة إليه، الشاهد عليها حسب طلب الطعن، ضابط أمن دولة قام بالتحقيق معه! والتهم هي: “الالتحاق بتنظيم إرهابي-جبهة النصرة في سوريا، ودعوة آخرين للانضمام لجبهة النصرة، وإدارة صفحات على فايسبوك للترويج لأفكار التنظيم”.
حاول محامو “س.ح” الطعن في القرار عبر توظيف بعد قانوني -فقهي مرتبط بـ”غياب مفهوم البيعة المادية”، أي لم يبايع “س.ح” أبو محمد الجولاني بصورة شخصية. لكن اللافت هو تفاصيل التحقيق، إذ كان محط الاتهام “تعليقات وضعها على منشورات لانتصارات الجيش السوري”، وباقي التهم كلها على لسان “الشاهد”، الذي قال إن “س.ح” يقوم بـ”تمويل جبهة النصرة ببضعة آلاف من الدولارات من أجل معدات الحركة والتنقل”، علماً أن هذا الشاهد هو ذاته ضابط أمن الدولة!
“دبلوماسية الاستثناء”
يحاول أهالي المعتقلين مناشدة الحكومة السورية الجديدة وحكومة الإمارات، وقد جهزوا قائمة تضم أكثر من 60 اسماً محكومين في الإمارات. سألنا ياسر شالتي، وهو حقوقي ومحقق متخصص بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، عن الوضع القانوني لهذه الحالات، فأخبرنا أن إطلاق سراح شخصيات معينة لها الوضع القانوني ذاته لسجناء آخرين، نتيجة وساطة سياسية أو عفو خاص أو صفقة دبلوماسية، لا يعني إطلاق سراح جميع المحكومين بالجرم نفسه.

يضيف شالتي: “الوساطة الدبلوماسية هي إجراء استثنائي لشخص بعينه، وهنا السؤال للجهات الرسمية في سوريا والإمارات، بماذا يختلف هذا الشخص الذي أطلق سراحه، عن باقي المحكومين؟ ولماذا أجريت وساطة لمواطن سوري ولم تجرَ لآخر يفترض أنه يتمتع بالحقوق ذاتها؟”.
يرى شالتي أنه إذا كان السبب هو إلغاء القانون الذي أُدين بموجبه المساجين، فإن ذلك يستوجب إخراج جميع المحكومين، لا شخصاً واحداً فقط، موضحاً: “هذا مبدأ المساواة أمام القانون، وينتهك في حال لم يُطبّق على الجميع. أما إذا كان الأمر مرتبطاً فقط بصفقة سياسية-دبلوماسية، فلا يلزم إخراج جميع المحكومين، وهنا تقع المسؤولية على عاتق الدولة التي ينتمي إليها المساجين، وفي هذه الحالة سوريا، إذ يجب عليها أن توضّح ما الفرق بين المواطنين، ليُطلق سراح أحدهم ويُترك الباقون”.
تواصلنا لإعداد هذا التحقيق، مع وزارتي العدل والخارجية في سوريا، ولم يأتنا ردّ، كما تواصلنا مع وزارة الخارجية الإماراتية التي بدورها لم ترد أيضاً.
إقرأوا أيضاً:









