ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سوق المياه السرّي: ما علاقة محطات الوقود بسوق “آل صهريج”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على هدير الصهاريج، تتبّع “درج” مواقع النواعير في العاصمة وضواحيها، ليتبين أن 14 بئراً من أصل 28 من الآبار موجودة في باحات محطات وقود أو بمحاذاتها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

فيما تغطي الثلوج القمم المطلة على بيروت، وتغمر الأمطار شوارعها، لم تتوقف حركة الصهاريج فيها. على هديرها الذي صار جزءاً من ضجيج العاصمة، تتنقل المياه بين الأزقة لتتحول من حق إلى سلعة ضمن”سوق آل صهريج”، وهو سوق للمياه يضم شبكة غير رسمية من أصحاب الصهاريج  وآبار المياه، تتحكم بالتوزيع والأسعار خارج الأطر الرقابية، وهو ما تناولناه في تحقيق سابق لـ “درج”.

نقل المياه بالصهاريج معتمد في بلدان متقدمة ونامية على حد سواء، كإجراء مؤقت في حالات الطوارئ والكوارث. لكن في لبنان، لم يعد هذا الخيار استثناءً، بل تحوّل إلى آلية دائمة لتأمين المياه، تعكس فشل الدولة اللبنانية وانهيار التزاماتها تجاه الحق في المياه.

على هدير الصهاريج، تتبّع “درج” مواقع النواعير في العاصمة وضواحيها، ليتبين أن 14 بئراً من أصل 28 من الآبار موجودة في باحات هذه المحطات أو بمحاذاتها. وتوزّعت هذه الآبار بين بيروت، الحازمية، كفرشيما، جل الديب، النقاش، أنطلياس، سد البوشرية، الجديدة، الدكوانة، وضبية. في حين حذرت دراسات من مخاطر تلوث المياه بمواد كيميائية خطرة ناجمة عن تسرب الوقود، إذ قُدر حجم هذا التسرّب بنحو 1500 لتر في كل محطة خلال عقد من الزمن.

وحملت الصهاريج في غالبيتها عبارة “Water & Petroleum أو Water & Diesel “مياه ونفط/مازوت”. ويسوق أصحاب الصهاريج لـ “خدمة بيع المياه”عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو ملصقات في شوارع العاصمة.

صهريج لبيع المياه شمال العاصمة بيروت

محطات بيع الوقود والمياه

لم تعد محطات الوقود مجرد نقاط لبيع المحروقات، بل تحولت إلى جزء أساسي من سوق المياه السري.  من داخل هذه المحطات، تُستخرج المياه لتعبئة الصهاريج، ومنها يباع الوقود الذي يحركها، فتتكون دائرة ربح مزدوجة تقوم على بيع المياه والوقود معاً. وتشكل محطات الوقود موقعاً لتضارب المصالح، بحيث يتحول عطش العاصمة بيروت إلى محرك اقتصادي يدر أرباحاً متصاعدة كلما طال أمد الأزمة. 

بحسب مسؤول بيئي سابق، “وجود مغسل داخل المحطة قد يشكل غطاءً قانونياً للتجارة بالمياه”. ويتابع: “قد يمتلك صاحب محطة المحروقات بئراً مرخصاً من وزارة الطاقة والمياه بهدف خدمات غسيل السيارات، وبموجب هذا الترخيص يستطيع استخراج المياه، فيقوم بتعبئتها وبيعها”. 

وبحسب وسيط بين وزارة الطاقة ومالكي النواعير يعمل في الاستحصال على تراخيص لحفر الآبار، “تمنح رخص الحفر عبر تقديم طلب إلى وزارة الطاقة والمياه، ويوقعها وزير الطاقة”. وأضاف: “هناك شروط تقنية للاستحصال على الرخص، أبرزها الابتعاد عن آبار الدولة والينابيع، وعدم التأثير على الموارد المائية العامة”. وأشار إلى أنه حتى عام 2019، كانت وزارة الطاقة والمياه تُلزم أصحاب الآبار المرخصة باستخراج “رخصة استثمار”، تفرض عليهم تركيب عدادات لقياس كميات المياه المستخرجة، ودفع ضريبة سنوية تُحتسب على أساس عدد الأمتار المكعبة المسحوبة”. أما الآبار الموجودة داخل محطات الوقود، “فيُحتمل أن تكون حاصلة على رخصة صناعية”، وفقاً لما قاله لـ”درج”. وتابع الوسيط: “حفرنا بئراً قبل إنشاء محطة وقود على أحد العقارات، لكنه لم يكن مخصصاً لبيع المياه، بل لاستخدامه في مغسل السيارات”.

ووفقاً لدراسة أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت عام 2017، على 33 بئراً خاصة، لم تكن أي من الآبار مرخصة لتوزيع المياه المنزلية. وتبين أن 21 بئراً تحمل ترخيصاً زراعياً، و3 تعود الى محطات غسيل السيارات، و2 للاستخدام الصناعي، و6 كانت من دون ترخيص. 

ويتجاوز المشهد حدود الفوضى إلى تجاوز واضح للأطر القانونية. ففي حين يمنع القانون رقم 192/2020 المعدّل لقانون المياه 77/2018 بيع المياه، لم  يُجز المرسوم رقم 5509/ 1994، الذي يحدد الشروط التنظيمية العامة لمحطات توزيع المحروقات السائلة، بيع المياه ضمن نطاق المحطة، إذ لم يرد هذا النشاط صراحةً ضمن لائحة الأعمال المسموح بمزاولتها لكل فئة من فئات المحطات.

     خريطة لبعض الآبار الموجودة داخل محطات الوقود, يمكن مشاهدة الخريطة عبر هذا الرابط , مواقع الآبار التي زارها “درج” 

محطات الوقود: أحد أبرز مصادر تلوث المياه الجوفيّة

بحسب دراسة صادرة عام 2012 عن المعهد الفيدرالي للعلوم الجيولوجية والموارد الطبيعية في ألمانيا (BGR) حول تقييم المخاطر البيئية لمحطات الوقود في حوض نبع جعيتا، فإن أخطر مصادر التلوث التي تهدد النبع الذي يغذي محطة ضبية ومناطق واسعة من بيروت وجبل لبنان، تشمل المحروقات الصادرة عن محطات الوقود، والمولدات الكهربائية، والكسارات، والمباني السكنية، وورش تصليح السيارات. ويشير المعهد إلى أن “استخدام خزانات زيوت أو وقود خارجة عن الخدمة لتخزين المياه يُعد أمراً شائعاً في لبنان، ويشكل خطراً محتملاً لتلوث التربة والمياه الجوفية”.

في هذا السياق، أشارت النائبة في البرلمان اللبناني والأستاذة في العلوم الكيميائية نجاة عون صليبا، في مقابلة مع “درج”، إلى”تلوث خزانات المنازل في منطقة الحمراء في بيروت في كانون الثاني/ يناير الماضي، نتيجة نقل المياه بصهاريج كانت تُستخدم سابقاً لنقل الوقود”.

وحذرت صليبا من إضافة الكلورين إلى خزانات المياه الملوثة بالمحروقات، لأنها تشكل خطراً كبيراً على صحة المواطنين بسبب تفاعل المواد التي يتكون منها المازوت والكلورين، ما ينتج  مواد سرطانية. وشرحت صليبا أن “تنظيف الخزانات من المازوت أمر صعب جداً”، مشيرة إلى أن الطرق التقليدية التي تستعمل عندما يكون هناك تلوث ببكتيريا الإشريشيا كولاي أو E.Coli بما فيها إضافة الكلورين أو غلي المياه أو وضعها تحت حرارة الشمس، لا تكون فعّالة عندما يكون التلوث ناتجاً من الديزل.

وفي ما يخص استخراج الوقود من باحات محطات الوقود أو بمحاذاتها، قالت صليبا إن هناك احتمال تسرب المواد النفطية إلى بئر المياه المحفور داخل أو جانب المحطات، مؤكدةً أن “المياه حق عام ولا يحق استخراجها من باطن الأرض وبيعها عبر الصهاريج”. وتوجهت صليبا بالتعاون مع جمعية المعهد الاقتصادي والاجتماعي الى الحكومة بسؤال طالبة مناقشة “مسألة تجارة صهاريج المياه”، لكنها لم تتلقّ رداً حتى اليوم.

من يملك محطات المياه؟

حتى تاريخ نشر هذا التحقيق، لم يتلقّ “درج” أي رد من وزارة الطاقة والمياه على طلب الحصول على المعلومات المتعلق بالآبار المرخصة وغير المرخّصة، المقدَّم بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 2025 والمسجَّل تحت الرقم 2215/2025.  ولم نتمكن من التأكد من الوضع القانوني للآبار الموجودة داخل محطات الوقود، فيما يلخص أحد العاملين في القطاع الواقع “إذا بدك تحكي قانون، ممنوع تكون المحطات أصلاً موجودة حد البيوت”. وحاول “درج” تقديم طلب حصول على المعلومات إلى وزارة الداخلية والبلديات حول هذه الآبار، إلّا أنّ الوزارة رفضت تسجيل الطلب بحجة أن الجهة المختصة هي وزارة الطاقة والمياه. 

عن تداخل قطاعي المياه والمحروقات، يكتفي أحد العاملين في قطاع النفط بالقول لـ”درج”: “ما هي اسمها وزارة الطاقة والمياه”. وفي هذا السياق، يبرر وجود نواعير للمياه داخل محطات الوقود بالقول: “إجباري كل محطة يكون فيها مي، وإلا كيف بدها تغسِّل سيارات؟”. غير أن هذا “التبرير التقني” لا يتوقف عند تأمين مياه لغسل السيارات، إذ يملك المتحدث نفسه صهاريج لتوزيع المياه. أما عن آلية توزيع المياه، فيختصرها بالقول: “ما في آلية، وما حدا عندو ترخيص، إنت بلبنان”. ويتابع: “إذا إجت الدولة قالتلي شي، بقلها أنا عندي مي لغسل السيارات”. ويضيف: “الدولة ما فيها لا كهرباء ولا مي. نحن عم نلبي محل الدولة. وإذا قررنا نحن، أربع أو خمس شركات كبار، نوقف البيع، بتطلع الصرخة”، علماً أنه يوزع المياه على شركات ومنازل ومستشفيات في العاصمة وضواحيها.

ويلخص أحد أصحاب الصهاريج هذا التداخل بالقول: “نحن هون بلبنان الدولة الوحيدة يلي فيك تعملي فيها يلي بدك ياه. اليوم بتكوني موظفة، بكرا بتشحني باخرة، وبتدفعي ضريبة، وما حدا بيحكي معك”.

وثّق “درج” قيام الصهاريج بتعبئة المياه من نواعير أو آبار موجودة في باحات أو بمحاذاة محطات: يونايتد، كورال، هيبكو-مالابكو، ميدكو، وتوتال. وحاول التواصل مع هذه الشركات للاستفسار عن مسؤوليتها تجاه النواعير أو الآبار الواقعة داخل محطاتها أو بمحاذاتها، وآليات إدارتها، وما إذا كانت مرخّصة أصولًا، إضافة إلى نتائج فحوصات المياه المستخرجة منها وإجراءات الوقاية المعتمدة لمنع التلوث. إلا أنه لم يتلقَّ أي رد حتى تاريخ النشر.

محطة United Petroleum

تأسست شركة يونايتد بتروليوم كومباني ش.م.ل عام 1983 على يد القنصل جوزف طايع. وتشغل منصب رئيسة مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية للشركة إبنته جوسلين جوزف طايع. وبحسب موقعها الإلكتروني، توفّر شركة يونايتد خدمات تزويد الوقود لأكثر من 185 محطة وقود محلياً.

محطة MEDCO 

أُسست شركة ميدكو ش.م.ل عام 1960، وتضم أكثر من 200 محطة موزعة على مختلف المناطق اللبنانية بحسب موقعها الإلكتروني. ويرأس  منصب رئيس مجلس الإدارة  والرئيس التنفيذي رجل الأعمال ريمون شماس، فيما يشغل رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط (APIC) مارون شماس منصب نائب رئيس الشركة. 

محطة MALAPCO

تاريخيًا، كانت المحطة في منطقة جلّ الديب تُعرف باسم “محطة ملّاح”، التي أسسها محبوب وإلياس ملّاح عام 1960. وفي عام 1992 تأسست شركة مالابكو ش.م.ل، التي تمتلك اليوم 19 محطة لبيع الوقود على الأراضي اللبنانية، وفقاً لموقعها الإلكتروني.

محطة HYPCO

تأسست شركة هيبكو ش.م.ل. عام 1965، وتدير أكثر من 100 محطة موزعة على الأراضي اللبنانية. تملكها وتديرها عائلة البساتنة، ويشغل بشير بساتنة منصب رئيس مجلس إدارتها، بحسب موقعها الإلكتروني.

         صهاريج تقوم بتعبئة المياه من جانب محطة وقود 
محطة كورال

تأسست شركة ذي كورال أويل كومباني ليمتد عام 1929. وانتقلت ملكيتها إلى عائلة ألفرد يمّين عام 2016. وتمتلك اليوم أكثر من 200 محطة على الأراضي اللبنانية، بحسب موقعها الإلكتروني.

محطة توتال لبنان 

أُسست شركة توتال إنرجيز للتسويق في لبنان ش.م.ل، عام 1951 وهي تابعة لمجموعة توتال إنرجيز متعددة الطاقة، ولديها أكثر من 180 محطة على الأراضي اللبنانية، بحسب موقعها الإلكتروني.

    صهريج يعبأ مياهاً من جانب محطة وقود

قطرة وقود قد تلوث 300 متر مكعب من المياه 

مع غياب الرقابة والفوضى، تتحول الموارد الطبيعية من حقٍّ ومورد حياة إلى مصدر خطر صحي. فعلى بعد أمتار قليلة من خزانات الوقود، تُباع المياه من دون أي فحص جرثومي أو كيميائي، لتتحول نقاط التعبئة هذه إلى منافذ خفية لتسرب السرطان إلى أجساد المواطنين.

يقول أحد العاملين في قطاع النفط لموقع “درج”: “مستحيل يتسرب البنزين عالمي لأنو الخزان حديد ومعزول. وإذا سرب، بينخرب بيتي قبل ما تتلوث المي”. ويشرح عن آلية التأكد من نظافة المياه بالاستناد إلى فحص الـ TDS Total Dissolved Solids، وهو فحص يُستخدم لقياس تركيز المواد الذائبة في المياه، مثل المعادن والمواد العضوية والأملاح، مشيرًا إلى أن النسبة المسجلة تبلغ نحو 250/ ملغم بالليتر. ووفق دليل منظمة الصحة العالمية، تُصنف مياه الشرب التي تقل نسبة المواد الذائبة فيها عن 300 ملغم/ليتر على أنها “ممتازة من حيث الطعم”، من دون أن يشكل ذلك معياراً للحكم على السلامة الجرثومية أو الكيميائية للمياه وتأثيرها على الصحة العامة.

وبحسب ماركوس هيلبيرت، أستاذ العلوم الصحية البيئية في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة، “يمكن أن يخترق الوقود الخرسانة ليصل إلى التربة والمياه الجوفية، ما يهدد صحة السكان الذين يعتمدون على الآبار كمصدر لمياههم”. وتشير دراسة أجراها هيلبيرت إلى أن “كمية البنزين المتسرب أثناء تعبئة السيارات فقط تُقدر بنحو 1500 لتر في كل محطة خلال عقد من الزمن، وهو ما يعني تعرض السكان لمواد كيميائية سامة، أبرزها البنزين، المعروف بتسببه بسرطانات لدى البشر”. بينما تشير دراسة الـ BGR الى أن قطرة وقود واحدة يمكنها أن تلوث نحو 300 متر مكعب من المياه. 

تُعدّ الخزانات الأرضية للوقود أحد أبرز مصادر تلوث المياه الجوفية، نظراً الى احتوائها على مركبات عضوية سامة ومواد ثقيلة مثل الرصاص، الذي يسبب تلفاً في الدماغ والجهاز العصبي واضطرابات في الكلى والقلب، إضافة إلى تأخر النمو لدى الأطفال وزيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ومع تقدم عمر هذه الخزانات، يزداد احتمال تسرب الوقود منها إلى التربة، فتتلوث المياه الجوفية بمواد كيميائية ضارة تؤثر على الصحة العامة. وغالبًا ما تنتقل هذه المياه الملوثة خارج موقع التسرب، مسببة خطراً على مصادر مياه الشرب والكائنات الحية في البيئة المحيطة.

بينما يوضح أحد أصحاب النواعير الملاصقة لمحطة محروقات لموقع “درج”: “نحن حاصلون على رخصة منذ ثلاثين سنة، وندفع الضرائب وفق كميّة المياه المستخرجة من الناعورة والمسجلة على العدادات التي وضعتها وزارة الطاقة”. وعن احتمال تلوث مياه البئر بالوقود نظراً الى قربها من المحطة، يضيف: “تجري وزارة الطاقة الفحوصات اللازمة للمياه، وقد ورد في أحد تقاريرها أنّ مياهنا صالحة للشرب”. ويختم بالقول: “أكتر من هيك ما عندي معلومات فيدك فيها”. 

الصهاريج على خطى المولدات

بحسب تقرير واقع البيئة في لبنان لعام 2021، فإن مياه الصهاريج هي أكثر مصادر المياه تلوثاً في لبنان.

تواصل “درج” مع وزارة الصحة لسؤالها عما إذا كانت تقوم منفردة أو بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه أو مؤسسات المياه، بفحص مياه الآبار الخاصة أو الصهاريج، إلا أنها اعتبرت أن الملف لدى وزارة الطاقة والمياه. وحاول “درج” التواصل مع مستشارة وزارة الطاقة سوزي الحويك لسؤالها عن خطة الوزارة تجاه الصهاريج وفحص المياه وتنظيم القطاع، إلا إنه لم يتلق رداً حتى تاريخ النشر. 

لكن أثناء مناقشة تقرير شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND) بعنوان “راصد المياه في الوطن العربي”، صرحت مستشارة وزارة الطاقة سوزي الحويك إنه “في إطار إرساء إطار قانوني ينظم عمل الآبار، وافق مجلس الوزراء على المرسوم التطبيقي لقانون المياه 192/2020، والذي أقر نظاماً جديداً لتراخيص الآبار، وسيعمل به فور نشره في الجريدة الرسمية”. وأضافت: “يعتمد هذا النظام على إجراءات دقيقة تشمل آليات متابعة ومراقبة كميات الاستخراج”. 

وأشارت إلى أن “صهاريج المياه تلعب دوراً في سد الفجوة في إمدادات المياه وحاجات المواطنين، والهدف النهائي هو تأمينها عبر أنابيب الدولة. لكن في المرحلة الحالية، ومع صعوبة تنظيم جميع المصادر وحمايتها من التلوث، سيتم إلزام أصحاب الصهاريج بالحصول على تصاريح رسمية”. فبعدما كانت التراخيص تُمنح للاستخدام الزراعي أو السكني فقط، “باتت هناك رخصة لبيع المياه للغير”، وفقاً لحويك. 

 وشددت حويك على أن “الوزارة حريصة على تسوية أوضاع هذا القطاع، من خلال فرض الحصول على رخص قانونية، وإجراء فحوصات دورية، وتقديم نتائجها إلى مؤسسات المياه المتخصصة، بما يتيح مراقبة جودة المياه قبل الترخيص وبعده”. وفي ما يتعلق بالآبار غير الشرعية، أوضحت الحويك “أن معالجتها تتطلب غطاء سياسياً لمواجهتها وتنسيقاً بين وزارات عدة، لا سيما وزارة الداخلية وقوى الأمن، إذ لا تمتلك وزارة الطاقة والمياه وحدها القدرة على رصدها”.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
27.02.2026
زمن القراءة: 10 minutes

على هدير الصهاريج، تتبّع “درج” مواقع النواعير في العاصمة وضواحيها، ليتبين أن 14 بئراً من أصل 28 من الآبار موجودة في باحات محطات وقود أو بمحاذاتها.

فيما تغطي الثلوج القمم المطلة على بيروت، وتغمر الأمطار شوارعها، لم تتوقف حركة الصهاريج فيها. على هديرها الذي صار جزءاً من ضجيج العاصمة، تتنقل المياه بين الأزقة لتتحول من حق إلى سلعة ضمن”سوق آل صهريج”، وهو سوق للمياه يضم شبكة غير رسمية من أصحاب الصهاريج  وآبار المياه، تتحكم بالتوزيع والأسعار خارج الأطر الرقابية، وهو ما تناولناه في تحقيق سابق لـ “درج”.

نقل المياه بالصهاريج معتمد في بلدان متقدمة ونامية على حد سواء، كإجراء مؤقت في حالات الطوارئ والكوارث. لكن في لبنان، لم يعد هذا الخيار استثناءً، بل تحوّل إلى آلية دائمة لتأمين المياه، تعكس فشل الدولة اللبنانية وانهيار التزاماتها تجاه الحق في المياه.

على هدير الصهاريج، تتبّع “درج” مواقع النواعير في العاصمة وضواحيها، ليتبين أن 14 بئراً من أصل 28 من الآبار موجودة في باحات هذه المحطات أو بمحاذاتها. وتوزّعت هذه الآبار بين بيروت، الحازمية، كفرشيما، جل الديب، النقاش، أنطلياس، سد البوشرية، الجديدة، الدكوانة، وضبية. في حين حذرت دراسات من مخاطر تلوث المياه بمواد كيميائية خطرة ناجمة عن تسرب الوقود، إذ قُدر حجم هذا التسرّب بنحو 1500 لتر في كل محطة خلال عقد من الزمن.

وحملت الصهاريج في غالبيتها عبارة “Water & Petroleum أو Water & Diesel “مياه ونفط/مازوت”. ويسوق أصحاب الصهاريج لـ “خدمة بيع المياه”عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو ملصقات في شوارع العاصمة.

صهريج لبيع المياه شمال العاصمة بيروت

محطات بيع الوقود والمياه

لم تعد محطات الوقود مجرد نقاط لبيع المحروقات، بل تحولت إلى جزء أساسي من سوق المياه السري.  من داخل هذه المحطات، تُستخرج المياه لتعبئة الصهاريج، ومنها يباع الوقود الذي يحركها، فتتكون دائرة ربح مزدوجة تقوم على بيع المياه والوقود معاً. وتشكل محطات الوقود موقعاً لتضارب المصالح، بحيث يتحول عطش العاصمة بيروت إلى محرك اقتصادي يدر أرباحاً متصاعدة كلما طال أمد الأزمة. 

بحسب مسؤول بيئي سابق، “وجود مغسل داخل المحطة قد يشكل غطاءً قانونياً للتجارة بالمياه”. ويتابع: “قد يمتلك صاحب محطة المحروقات بئراً مرخصاً من وزارة الطاقة والمياه بهدف خدمات غسيل السيارات، وبموجب هذا الترخيص يستطيع استخراج المياه، فيقوم بتعبئتها وبيعها”. 

وبحسب وسيط بين وزارة الطاقة ومالكي النواعير يعمل في الاستحصال على تراخيص لحفر الآبار، “تمنح رخص الحفر عبر تقديم طلب إلى وزارة الطاقة والمياه، ويوقعها وزير الطاقة”. وأضاف: “هناك شروط تقنية للاستحصال على الرخص، أبرزها الابتعاد عن آبار الدولة والينابيع، وعدم التأثير على الموارد المائية العامة”. وأشار إلى أنه حتى عام 2019، كانت وزارة الطاقة والمياه تُلزم أصحاب الآبار المرخصة باستخراج “رخصة استثمار”، تفرض عليهم تركيب عدادات لقياس كميات المياه المستخرجة، ودفع ضريبة سنوية تُحتسب على أساس عدد الأمتار المكعبة المسحوبة”. أما الآبار الموجودة داخل محطات الوقود، “فيُحتمل أن تكون حاصلة على رخصة صناعية”، وفقاً لما قاله لـ”درج”. وتابع الوسيط: “حفرنا بئراً قبل إنشاء محطة وقود على أحد العقارات، لكنه لم يكن مخصصاً لبيع المياه، بل لاستخدامه في مغسل السيارات”.

ووفقاً لدراسة أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت عام 2017، على 33 بئراً خاصة، لم تكن أي من الآبار مرخصة لتوزيع المياه المنزلية. وتبين أن 21 بئراً تحمل ترخيصاً زراعياً، و3 تعود الى محطات غسيل السيارات، و2 للاستخدام الصناعي، و6 كانت من دون ترخيص. 

ويتجاوز المشهد حدود الفوضى إلى تجاوز واضح للأطر القانونية. ففي حين يمنع القانون رقم 192/2020 المعدّل لقانون المياه 77/2018 بيع المياه، لم  يُجز المرسوم رقم 5509/ 1994، الذي يحدد الشروط التنظيمية العامة لمحطات توزيع المحروقات السائلة، بيع المياه ضمن نطاق المحطة، إذ لم يرد هذا النشاط صراحةً ضمن لائحة الأعمال المسموح بمزاولتها لكل فئة من فئات المحطات.

     خريطة لبعض الآبار الموجودة داخل محطات الوقود, يمكن مشاهدة الخريطة عبر هذا الرابط , مواقع الآبار التي زارها “درج” 

محطات الوقود: أحد أبرز مصادر تلوث المياه الجوفيّة

بحسب دراسة صادرة عام 2012 عن المعهد الفيدرالي للعلوم الجيولوجية والموارد الطبيعية في ألمانيا (BGR) حول تقييم المخاطر البيئية لمحطات الوقود في حوض نبع جعيتا، فإن أخطر مصادر التلوث التي تهدد النبع الذي يغذي محطة ضبية ومناطق واسعة من بيروت وجبل لبنان، تشمل المحروقات الصادرة عن محطات الوقود، والمولدات الكهربائية، والكسارات، والمباني السكنية، وورش تصليح السيارات. ويشير المعهد إلى أن “استخدام خزانات زيوت أو وقود خارجة عن الخدمة لتخزين المياه يُعد أمراً شائعاً في لبنان، ويشكل خطراً محتملاً لتلوث التربة والمياه الجوفية”.

في هذا السياق، أشارت النائبة في البرلمان اللبناني والأستاذة في العلوم الكيميائية نجاة عون صليبا، في مقابلة مع “درج”، إلى”تلوث خزانات المنازل في منطقة الحمراء في بيروت في كانون الثاني/ يناير الماضي، نتيجة نقل المياه بصهاريج كانت تُستخدم سابقاً لنقل الوقود”.

وحذرت صليبا من إضافة الكلورين إلى خزانات المياه الملوثة بالمحروقات، لأنها تشكل خطراً كبيراً على صحة المواطنين بسبب تفاعل المواد التي يتكون منها المازوت والكلورين، ما ينتج  مواد سرطانية. وشرحت صليبا أن “تنظيف الخزانات من المازوت أمر صعب جداً”، مشيرة إلى أن الطرق التقليدية التي تستعمل عندما يكون هناك تلوث ببكتيريا الإشريشيا كولاي أو E.Coli بما فيها إضافة الكلورين أو غلي المياه أو وضعها تحت حرارة الشمس، لا تكون فعّالة عندما يكون التلوث ناتجاً من الديزل.

وفي ما يخص استخراج الوقود من باحات محطات الوقود أو بمحاذاتها، قالت صليبا إن هناك احتمال تسرب المواد النفطية إلى بئر المياه المحفور داخل أو جانب المحطات، مؤكدةً أن “المياه حق عام ولا يحق استخراجها من باطن الأرض وبيعها عبر الصهاريج”. وتوجهت صليبا بالتعاون مع جمعية المعهد الاقتصادي والاجتماعي الى الحكومة بسؤال طالبة مناقشة “مسألة تجارة صهاريج المياه”، لكنها لم تتلقّ رداً حتى اليوم.

من يملك محطات المياه؟

حتى تاريخ نشر هذا التحقيق، لم يتلقّ “درج” أي رد من وزارة الطاقة والمياه على طلب الحصول على المعلومات المتعلق بالآبار المرخصة وغير المرخّصة، المقدَّم بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 2025 والمسجَّل تحت الرقم 2215/2025.  ولم نتمكن من التأكد من الوضع القانوني للآبار الموجودة داخل محطات الوقود، فيما يلخص أحد العاملين في القطاع الواقع “إذا بدك تحكي قانون، ممنوع تكون المحطات أصلاً موجودة حد البيوت”. وحاول “درج” تقديم طلب حصول على المعلومات إلى وزارة الداخلية والبلديات حول هذه الآبار، إلّا أنّ الوزارة رفضت تسجيل الطلب بحجة أن الجهة المختصة هي وزارة الطاقة والمياه. 

عن تداخل قطاعي المياه والمحروقات، يكتفي أحد العاملين في قطاع النفط بالقول لـ”درج”: “ما هي اسمها وزارة الطاقة والمياه”. وفي هذا السياق، يبرر وجود نواعير للمياه داخل محطات الوقود بالقول: “إجباري كل محطة يكون فيها مي، وإلا كيف بدها تغسِّل سيارات؟”. غير أن هذا “التبرير التقني” لا يتوقف عند تأمين مياه لغسل السيارات، إذ يملك المتحدث نفسه صهاريج لتوزيع المياه. أما عن آلية توزيع المياه، فيختصرها بالقول: “ما في آلية، وما حدا عندو ترخيص، إنت بلبنان”. ويتابع: “إذا إجت الدولة قالتلي شي، بقلها أنا عندي مي لغسل السيارات”. ويضيف: “الدولة ما فيها لا كهرباء ولا مي. نحن عم نلبي محل الدولة. وإذا قررنا نحن، أربع أو خمس شركات كبار، نوقف البيع، بتطلع الصرخة”، علماً أنه يوزع المياه على شركات ومنازل ومستشفيات في العاصمة وضواحيها.

ويلخص أحد أصحاب الصهاريج هذا التداخل بالقول: “نحن هون بلبنان الدولة الوحيدة يلي فيك تعملي فيها يلي بدك ياه. اليوم بتكوني موظفة، بكرا بتشحني باخرة، وبتدفعي ضريبة، وما حدا بيحكي معك”.

وثّق “درج” قيام الصهاريج بتعبئة المياه من نواعير أو آبار موجودة في باحات أو بمحاذاة محطات: يونايتد، كورال، هيبكو-مالابكو، ميدكو، وتوتال. وحاول التواصل مع هذه الشركات للاستفسار عن مسؤوليتها تجاه النواعير أو الآبار الواقعة داخل محطاتها أو بمحاذاتها، وآليات إدارتها، وما إذا كانت مرخّصة أصولًا، إضافة إلى نتائج فحوصات المياه المستخرجة منها وإجراءات الوقاية المعتمدة لمنع التلوث. إلا أنه لم يتلقَّ أي رد حتى تاريخ النشر.

محطة United Petroleum

تأسست شركة يونايتد بتروليوم كومباني ش.م.ل عام 1983 على يد القنصل جوزف طايع. وتشغل منصب رئيسة مجلس الإدارة والرئيسة التنفيذية للشركة إبنته جوسلين جوزف طايع. وبحسب موقعها الإلكتروني، توفّر شركة يونايتد خدمات تزويد الوقود لأكثر من 185 محطة وقود محلياً.

محطة MEDCO 

أُسست شركة ميدكو ش.م.ل عام 1960، وتضم أكثر من 200 محطة موزعة على مختلف المناطق اللبنانية بحسب موقعها الإلكتروني. ويرأس  منصب رئيس مجلس الإدارة  والرئيس التنفيذي رجل الأعمال ريمون شماس، فيما يشغل رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط (APIC) مارون شماس منصب نائب رئيس الشركة. 

محطة MALAPCO

تاريخيًا، كانت المحطة في منطقة جلّ الديب تُعرف باسم “محطة ملّاح”، التي أسسها محبوب وإلياس ملّاح عام 1960. وفي عام 1992 تأسست شركة مالابكو ش.م.ل، التي تمتلك اليوم 19 محطة لبيع الوقود على الأراضي اللبنانية، وفقاً لموقعها الإلكتروني.

محطة HYPCO

تأسست شركة هيبكو ش.م.ل. عام 1965، وتدير أكثر من 100 محطة موزعة على الأراضي اللبنانية. تملكها وتديرها عائلة البساتنة، ويشغل بشير بساتنة منصب رئيس مجلس إدارتها، بحسب موقعها الإلكتروني.

         صهاريج تقوم بتعبئة المياه من جانب محطة وقود 
محطة كورال

تأسست شركة ذي كورال أويل كومباني ليمتد عام 1929. وانتقلت ملكيتها إلى عائلة ألفرد يمّين عام 2016. وتمتلك اليوم أكثر من 200 محطة على الأراضي اللبنانية، بحسب موقعها الإلكتروني.

محطة توتال لبنان 

أُسست شركة توتال إنرجيز للتسويق في لبنان ش.م.ل، عام 1951 وهي تابعة لمجموعة توتال إنرجيز متعددة الطاقة، ولديها أكثر من 180 محطة على الأراضي اللبنانية، بحسب موقعها الإلكتروني.

    صهريج يعبأ مياهاً من جانب محطة وقود

قطرة وقود قد تلوث 300 متر مكعب من المياه 

مع غياب الرقابة والفوضى، تتحول الموارد الطبيعية من حقٍّ ومورد حياة إلى مصدر خطر صحي. فعلى بعد أمتار قليلة من خزانات الوقود، تُباع المياه من دون أي فحص جرثومي أو كيميائي، لتتحول نقاط التعبئة هذه إلى منافذ خفية لتسرب السرطان إلى أجساد المواطنين.

يقول أحد العاملين في قطاع النفط لموقع “درج”: “مستحيل يتسرب البنزين عالمي لأنو الخزان حديد ومعزول. وإذا سرب، بينخرب بيتي قبل ما تتلوث المي”. ويشرح عن آلية التأكد من نظافة المياه بالاستناد إلى فحص الـ TDS Total Dissolved Solids، وهو فحص يُستخدم لقياس تركيز المواد الذائبة في المياه، مثل المعادن والمواد العضوية والأملاح، مشيرًا إلى أن النسبة المسجلة تبلغ نحو 250/ ملغم بالليتر. ووفق دليل منظمة الصحة العالمية، تُصنف مياه الشرب التي تقل نسبة المواد الذائبة فيها عن 300 ملغم/ليتر على أنها “ممتازة من حيث الطعم”، من دون أن يشكل ذلك معياراً للحكم على السلامة الجرثومية أو الكيميائية للمياه وتأثيرها على الصحة العامة.

وبحسب ماركوس هيلبيرت، أستاذ العلوم الصحية البيئية في كلية جونز هوبكنز بلومبرغ للصحة العامة، “يمكن أن يخترق الوقود الخرسانة ليصل إلى التربة والمياه الجوفية، ما يهدد صحة السكان الذين يعتمدون على الآبار كمصدر لمياههم”. وتشير دراسة أجراها هيلبيرت إلى أن “كمية البنزين المتسرب أثناء تعبئة السيارات فقط تُقدر بنحو 1500 لتر في كل محطة خلال عقد من الزمن، وهو ما يعني تعرض السكان لمواد كيميائية سامة، أبرزها البنزين، المعروف بتسببه بسرطانات لدى البشر”. بينما تشير دراسة الـ BGR الى أن قطرة وقود واحدة يمكنها أن تلوث نحو 300 متر مكعب من المياه. 

تُعدّ الخزانات الأرضية للوقود أحد أبرز مصادر تلوث المياه الجوفية، نظراً الى احتوائها على مركبات عضوية سامة ومواد ثقيلة مثل الرصاص، الذي يسبب تلفاً في الدماغ والجهاز العصبي واضطرابات في الكلى والقلب، إضافة إلى تأخر النمو لدى الأطفال وزيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ومع تقدم عمر هذه الخزانات، يزداد احتمال تسرب الوقود منها إلى التربة، فتتلوث المياه الجوفية بمواد كيميائية ضارة تؤثر على الصحة العامة. وغالبًا ما تنتقل هذه المياه الملوثة خارج موقع التسرب، مسببة خطراً على مصادر مياه الشرب والكائنات الحية في البيئة المحيطة.

بينما يوضح أحد أصحاب النواعير الملاصقة لمحطة محروقات لموقع “درج”: “نحن حاصلون على رخصة منذ ثلاثين سنة، وندفع الضرائب وفق كميّة المياه المستخرجة من الناعورة والمسجلة على العدادات التي وضعتها وزارة الطاقة”. وعن احتمال تلوث مياه البئر بالوقود نظراً الى قربها من المحطة، يضيف: “تجري وزارة الطاقة الفحوصات اللازمة للمياه، وقد ورد في أحد تقاريرها أنّ مياهنا صالحة للشرب”. ويختم بالقول: “أكتر من هيك ما عندي معلومات فيدك فيها”. 

الصهاريج على خطى المولدات

بحسب تقرير واقع البيئة في لبنان لعام 2021، فإن مياه الصهاريج هي أكثر مصادر المياه تلوثاً في لبنان.

تواصل “درج” مع وزارة الصحة لسؤالها عما إذا كانت تقوم منفردة أو بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه أو مؤسسات المياه، بفحص مياه الآبار الخاصة أو الصهاريج، إلا أنها اعتبرت أن الملف لدى وزارة الطاقة والمياه. وحاول “درج” التواصل مع مستشارة وزارة الطاقة سوزي الحويك لسؤالها عن خطة الوزارة تجاه الصهاريج وفحص المياه وتنظيم القطاع، إلا إنه لم يتلق رداً حتى تاريخ النشر. 

لكن أثناء مناقشة تقرير شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND) بعنوان “راصد المياه في الوطن العربي”، صرحت مستشارة وزارة الطاقة سوزي الحويك إنه “في إطار إرساء إطار قانوني ينظم عمل الآبار، وافق مجلس الوزراء على المرسوم التطبيقي لقانون المياه 192/2020، والذي أقر نظاماً جديداً لتراخيص الآبار، وسيعمل به فور نشره في الجريدة الرسمية”. وأضافت: “يعتمد هذا النظام على إجراءات دقيقة تشمل آليات متابعة ومراقبة كميات الاستخراج”. 

وأشارت إلى أن “صهاريج المياه تلعب دوراً في سد الفجوة في إمدادات المياه وحاجات المواطنين، والهدف النهائي هو تأمينها عبر أنابيب الدولة. لكن في المرحلة الحالية، ومع صعوبة تنظيم جميع المصادر وحمايتها من التلوث، سيتم إلزام أصحاب الصهاريج بالحصول على تصاريح رسمية”. فبعدما كانت التراخيص تُمنح للاستخدام الزراعي أو السكني فقط، “باتت هناك رخصة لبيع المياه للغير”، وفقاً لحويك. 

 وشددت حويك على أن “الوزارة حريصة على تسوية أوضاع هذا القطاع، من خلال فرض الحصول على رخص قانونية، وإجراء فحوصات دورية، وتقديم نتائجها إلى مؤسسات المياه المتخصصة، بما يتيح مراقبة جودة المياه قبل الترخيص وبعده”. وفي ما يتعلق بالآبار غير الشرعية، أوضحت الحويك “أن معالجتها تتطلب غطاء سياسياً لمواجهتها وتنسيقاً بين وزارات عدة، لا سيما وزارة الداخلية وقوى الأمن، إذ لا تمتلك وزارة الطاقة والمياه وحدها القدرة على رصدها”.