مع اقتراب دخول الاتحاد الأوروبي مرحلة التطبيق الكامل لـ”الخطة الجديدة للهجرة واللجوء” اعتبارًا من الشهر السادس من العام الجاري، يتسارع التحوّل في البنية المؤسساتية للإدارة الأوروبية للهجرة نحو تبني سياسات أمنية في إدارة الهجرة. ويُعدّ اعتماد “لوائح العودة” الجديدة، بعد تحالف غير مسبوق بين قوى يمين الوسط واليمين المتطرف، إلى جانب توسّع صلاحيات وآليات الإنفاذ الوطنية، دفعة قوية نحو نموذج أكثر مركزية يتبنى تدخّلًا في أجهزة الدولة الأمنية، ولا يقتصر على الحدود فقط بل يمتد إلى داخل المدن.
في 9 آذار/ مارس، اعتمدت لجنة الحريات المدنية والعدالة والشؤون الداخلية (LIBE) موقفها بشأن اقتراح لائحة الإعادة. وفي تطور مفاجئ للأحداث، لم يكن المُقترح المُعتمد هو الذي قدمه المقرر سابقاً، بل تم تبديله في اللحظات الأخيرة ليصبح حلًا، سُمّي وسطًا، بديلًا قدمته مجموعة حزب الشعب الأوروبي (EPP) ودعمته المجموعات السياسية اليمينية المتطرفة التي تتألف من أحزاب وطنية مثل فيدسز – التحالف المدني المجري، وبديل لألمانيا (AfD)، والتجمع الوطني الفرنسي (RN).
بذلك، يكون حزب الشعب الأوروبي قد خرق ما يعرف بـ “الحاجز الصحي” cordon sanitaire، وهو ممارسة سياسية تهدف إلى استبعاد الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة من أي غالبية سياسية، إذ يُنظر إليها على أنها تشكل تهديدًا للديمقراطية. ولكن هذه المرة جاء التعاون بعدما بقي المشروع التشريعي عالقاً لأشهر عدة، إذ رفض الاشتراكيون الديمقراطيون دعم مفهوم “مراكز العودة” في شكله الحالي، فَنُسج عبر غروب واتسآب جمع حزب الشعب الأوروبي (EPP) مع جماعات اليمين مثل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) لصياغة النص البديل والموافقة عليه.
بشكل عملي، يسمح النص الذي تم التصويت عليه للدول الأعضاء باحتجاز الأطفال والبالغين، وتفكيك الأسر، وإرسال الأشخاص إلى “مراكز العودة” Return Hubs في بلدان لم تطأ أقدامهم أرضها أبداً. وتقوم خمس دول في الاتحاد الأوروبي – ألمانيا وهولندا والنمسا والدنمارك واليونان – بالتعاون بالفعل على خطط لإنشاء مثل هذه المراكز. ويصف المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين هذا النص بأنه مثير للقلق الشديد.
وبالنظر إلى التشدّد والصرامة التي تنص عليها اللائحة، يصعب التفكير بتطبيق هكذا سياسات من دون الحاجة الى اللجوء للعنف من السلطات المسؤولة عن تنفيذها. فلا يمكن الحديث عن ترحيل من دون بحث، ملاحقة، توفيق، احتجاز و إجبار، بمعنى آخر عودة الدولة لصلاحيتها في استخدام العنف. وتتطلب خطوات كهذه قدراً عالياً من الموارد البشرية واللوجستيات. وبما أن اللائحة اعُتمدت في كامل الاتحاد الأوروبي، فإن تطبيقها سيتم على كامل جغرافية الاتحاد الأوروبي.
فرونتيكس تتوسع!
بدأت وكالة الحدود الأوروبية/ فرونتكس بتوسيع نطاق وصولها والرفع من جاهزيتها البشرية واللوجستية. ففي منتصف شهر آذار/ مارس، استضافت فرونتكس الاجتماع السنوي لتخطيط العمليات لعام 2026 (AOPE)، حيث قدمت لمحة عن أنشطتها العملياتية الجديدة المقررة لعام 2027. وتركزت المناقشات على التنسيق العملي وكيفية تخصيص الموارد، بما في ذلك ضباط «القوة الدائمة» ومعداتها، ومدى سرعة إعادة نشرها عند تغير الأولويات، وكيفية دعم التدريب للعمليات الجديدة والقائمة على حد سواء، بالإضافة الى إنشاء ”قوة رد سريع“.
كما كانت العمليات المشتركة موضوعًا رئيسيًا في هذا الاجتماع. وتهدف فرونتكس إلى تنفيذ عملية مشتركة واحدة على الأقل مع كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي كل عام؛ ابتداءً من عام 2026، وسيصل عدد هذه العمليات إلى أكثر من 30 عملية عبر الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وجدير بالذكر أنه في عام 2025 شملت عملياتها في دول البلقان أيام عمل مشتركة مع الأجهزة الرسمية، وأسفرت عن مئات الاعتقالات.
ونظراً إلى أن وكالة الحدود الأوروبية فرونتكس طوّرت «نظام المعلومات والتصاريح الأوروبية للسفر» (ETIAS) بالتعاون مع شركاء الاتحاد الأوروبي، والذي من المقرر إطلاقه في أواخر عام 2026، فإن دورها في الوقت الراهن، بحسب المعطيات، سيقتصر بشكل رئيسي على الحدود الخارجية، ما يعني أن الدول الأوروبية قد تلجأ إلى الاستعانة بأجهزتها الأمنية الداخلية، كالشرطة، لتنفيذ سياسات الترحيل للأفراد من داخل المدن. وعليه، يطرح السؤال نفسه: هل سنشهد في أوروبا نموذج قوة إنفاذ هجرية على غرار هيئة الهجرة والجمارك الأميركية؟
في الواقع، سؤال كهذا هو بطبيعته ناتج من مؤشرات ليست فقط من تعزيز دور فرونتكس بل من هيمنة الخطاب الشعبوي عند اليمين الأوروبي وتأثر بالنموذج الأميركي وما نراه من مبادرات، قرارات، قوانين وخطابات من دول الاتحاد الأوروبي، بشكل فردي أو جماعي، تدفع نحو نموذج أمني على غرار هيئة الهجرة والجمارك الأميركية.
إقرأوا أيضاً:
فعلى سبيل المثال، أعطت دول مثل بلجيكا حالياً الضوء الأخضر لقانون يسمح بمداهمات لأشخاص غير مسجلين في منازلهم أو لدى من يوفر لهم المأوى، وقدمت دول أخرى كالسويد مقترحين لقانونين، الأول يعطي الشرطة أدوات ودوراً أكبر في الترحيل وقرارات الطرد، والثاني يأخذ بالاعتبار نمط حياة المهاجر ودوره في الحياة الاجتماعية لتجديد إقامته. في حين، نشرت فرنسا مسبقاً أكثر من 4000 عنصر أمني لملاحقة الأشخاص الذين لا وثائق لديهم، واليوم يعود الخطاب من اليمين الفرنسي متيمماً بالنموذج الأميركي لإعادة تفعيل خطوة كهذه، ويؤكد أن فرنسا لديها بالفعل نموذج كهذا وكل ما يحتاجه هو قواعد أكثر صرامة و تمويل أكبر.
أما اليونان فقد بادرت، عبر وزارة الهجرة اليونانية، بالتعاون مع الوكالات الأميركية، الى تكثيف عمليات “الإعادة”، إذ عقدت ندوة إعلامية تضمنت عرضاً للتطبيق الرقمي Customs Border Protection Home، الذي تستخدمه السلطات الأميركية في سياق إجراءات الإعادة، والذي يدعم تنظيم عمليات إعادة كريمة وطوعية. وهنا جدير ذكره أن “الإعادة الطوعية” في اليونان تُعرض على الأشخاص بعد توقيفهم واحتجازهم، كما تٌستخدم كوسيلة لإسقاط تهمة “البقاء غير الشرعي” عن المهاجر، والتي تتمثل بعقوبة السجن لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وغرامة لا تقل عن 5000 يورو.
وبمراجعة تاريخية موجزة للعشر سنوات السابقة، نجد أن دول البلقان كما المجر، حملت خطاباً شعبوياً ضد الهجرة، ومارست وتمارس أعمال عنف وقمعاً بوليسياً ضد المهاجرين المارين من أراضيها من دون الاكتراث لحقوق الإنسان وتوصيات الاتحاد الأوروبي. وبحسب تقرير نشرته الـBBC، كانت شرطة الحدود اليونانية جندت “مرتزقة” من المهاجرين المحتجزين في اليونان لدفع غيرهم من المهاجرين الى العودة القسرية إلى تركيا عبر استخدام العنف ضدهم. وآخر هذه الادعاءات يعود الى عام 2025. وإن كانت هذه سياسةً متّبعة من قَبل التحول نحو الأمننة وتصدير مسألة الهجرة غير النظامية إلى الحدود الخارجية، فماذا ينتظر الاتحاد الأوروبي بعدما تمت، نوعاً ما، “شرعنة” ممارسات كهذه بعد اعتماد “لوائح العودة” الجديدة !
ومن المفروض أن يبدأ التفاوض على النص النهائي للوائح خلال المحادثات الثلاثية Trilogues في 22 نيسان/ أبريل. ومع أن المحادثات الثلاثية تستغرق شهورًا في طبيعتها، إلا أن هذه المرة، ونظرًا الى قرب موقف البرلمان من المجلس والمفوضية في الاتحاد الأوروبي، قد تسير المفاوضات بسرعة كبيرة.
ومع تغييرات كهذه، لا تُعبّر المنظمات الحقوقية والإنسانية وحدها عن مخاوفها من أن تشهد أوروبا قوات وممارسات شبيهة بـICE على أراضيها، بل أيضاً قطاعات حيوية شاركت هذه المخاوف. إذ حث أكثر من 1100 من العاملين في مجال الرعاية الصحية من مختلف أنحاء أوروبا أعضاء البرلمان الأوروبي على رفض الإجراءات المقترحة، محذرين من أنها قد تهدد مراكز الصحة والخدمات العامة الأساسية، بما في ذلك المستشفيات، وتحوّلها إلى مواقع لإنفاذ قوانين الهجرة.
في النهاية، تقوم الحكومات اليمينية والمحافظة بالترويج لهذه التحولات الأمنية باعتبارها “ضرورية” لضبط الحدود، وتوزيع الأعباء، ورفع “وتيرة العودة”، وكحاجة أمنية حالية لمواجهة خطر تدفق المتطرفين إلى الاتحاد الأوروبي على أثر الحروب الدائرة في الشرق الأوسط. مضافاً إليها التحول نحو “تجريم” طالبي اللجوء مِمّن هم على الأراضي الأوروبية بشكل غير قانوني وليس فقط اعتبارهم غير قانونيين. فيصبح سؤال ما إذا كانت أوروبا ستشهد نموذج ICE أو لا ليس من المهم الإجابة عنه. فمن الواضح أن أوروبا أمام ردّة فعل قد لا تكون مؤقتة، بل قد تمتد لتؤدي إلى ترسيخ قانوني لآليات دائمة تحمل في نواتها خطر التطرّف البوليسي وتشديد المراقبة.
إقرأوا أيضاً:












