ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سياسات “الترند” في سوريا: ماذا يعني أن يشاهد “الجميع” الفاجعة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

انفجار منصّات السوشال ميديا جعل التعبير عن الألم متاحاً للجميع تقريباً، لكن ضمن بنية اقتصادية وخوارزمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وانفعالاً، أصبح الألم نفسه مورداً يُستثمَر ويُسوَّق، لا مجرّد نداء لرفع الظلم، بصورة ما إن لم تتبادل “ألمك” الشاشات، فهو غير موجود!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أصوات التكبير المرافقة لخروج الطفل عليّ صالح عدي (4 سنوات) من بئر سقط فيه في مدينة القامشلي، بثّت حالة من الفرح في قلوب الكثير من السوريين، الذين تابعوا عمليّة إنقاذه على شاشاتهم.

ضجّت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بقصّة إنقاذ عليّ، تحوّلت لحظات ترقّب خروجه من البئر إلى “ترند” تناقلته الصفحات، واقتُبست كلماته التي قالها لوالده بعد خروجه من البئر مراراً :”وقت ما طلع قلي يابا لا عاد تشدّ عليّ الكبل بحيل لأنك وجعتني”.

خرج عليّ من البئر إذاً، ارتاحت القلوب وامتلأت التعليقات بالتهاني، لكن ما الذي حصل لاحقاً لعليّ؟ والأهم، لِمَ يقع طفل في بئر؟ على من تقع المسؤوليّة؟ الكثير من الأسئلة بلا إجابات، فـ”حكاية” عليّ، انتهت بمجرّد أن انطفأت الكاميرا، وتلاشى أثره من وسائل التواصل الاجتماعي.

حكاية عليّ خضعت لقواعد “اقتصاد الانتباه”، سرقت ثوانيَ منّا وتمّ تداولها وانتشارها، كونها جذّابة، تثير التعاطف، تلبّي الرغبة في قصّة نجاة إنسانية، لتلتقط الخوارزمية الحكاية، وتضخّها عشرات الصفحات الجدّية وغير الجدّية، لتشارك في جذب المتصفّحين، في رهان على “الازدحام” التي ستثيره.

ترتيب استفزاز المشاعر هو ما يحرّك الجمهور، وهو ما تفهمه “الخوارزمية” بدقّة، تلك التي يمكن شراء “الازدحام” لتضخيم قصّة أو تقليصها، قصص بلا سياق، تتشرذم التجربة الإنسانية لتتحوّل إلى “ريل” مكثّف، عاطفي، صادم،  جرعة مدروسة من المشاعر لجذب الانتباه ثم التلاشي.

تواصلت مع والد عليّ الذي روى لي في مكالمة هاتفية عبر تطبيق “واتسآب” القصّة، كيف ذهب عليّ مع جدّيه في زيارة أقاربه في قرية أخرى، خرج عليّ هناك ليلعب، ثم وجد دولاباً كبيراً ، يقول والده: “عليّ بحب دواليب السيارات سبحان الله ما بعرف كيف زاح الدولاب ونزل بالبير”.

اختفى الطفل لساعات وبدأ الجدّان رحلة البحث عنه، أين يمكن أن يذهب طفل صغير في برّية متّسعة الأطراف؟ ليسمعوا صوته قادماً من بئر ويتّصلوا بوالده، الذي كان بين حقول القطن يجني محصولها، بعد الهاتف ترك كلّ ما في يده ليلحق بابنه البكر في باطن الأرض.

انتشر خبر أن علياً في البئر، وهرع سكّان المنطقة ومهجّرون من منطقة سفيرة في حلب ليساعدوا في إخراجه. اتّصال بوزارة الطوارئ دفعها لطلب المساعدة من أورفا في تركيا، فوزارة الطوارئ السورية غير قادرة على إنقاذ طفل في قرية على أطراف الحدود الشمالية في تلّ أبيض الرقّاوية.

 اجتمع الحشد وحضرت المساعدة وبدأ الحفر بالآلات الثقيلة، ليُخرجوا الطفل بعدما خطرت لرجل من سفيرة في حلب، فكرة أن يضعوا كاميرا على رأس الأنبوب الداخل في البئر، الذي استخدمه الأب سابقاً لإنزال الماء وجوّال لم يتمكّن الطفل، على رغم معرفته باستخدامه، من تحريكه، لاحقاً، خرج عليّ من باطن الأرض إلى حضن والده.

بعد خروجه من البئر، تلاشت قصّة عليّ، لكن يخبرنا والده أنه خلال الأسابيع الأولى بعد إنقاذه، كان يستيقظ ليبكي ليلاً، في الوقت ذاته، بقي 3 أيّام عند الطبيب النفسي، وزاره طبيب آخر، مرّتين في المنزل، ليعلن بعدها أن وضعه مستقرّ.

“الترند” أملاً بالنجاة!

لا يتوقّف الانتشار على “فيسبوك” بغرض حثّ الأطراف على المساعدة كما في قصّة عليّ، بل ينسحب أيضاً لحشد الدعم والمساعدة ونشر القضايا، بل وحتى الضغط لتغيير مصير الضحايا. المخطوفات والمفقودات في سوريا نِلن نصيباً كبيراً من هذا الانتشار.

وفي أحد الأمثلة تروي إحدى المخطوفات العائدات في تقرير أعدّته “أسوشيتد برس”: “في اليوم الثالث، قام رجل مُقنّع باغتصابي. وفي وقت لاحق، جاء رجل، كان المسلّحون ينادونه أبو محمّد، وأمرهم بإطلاق سراحي، قائلاً إن خطفي أصبح يلقى اهتماماً كبيراً على وسائل التواصل الاجتماعي”.

محاولات عائلات المخطوفات والمفقودات لا تتوقّف عن جذب الانتباه أو محاولة جمع المعلومات، شقيق عتاب جديد المفقودة منذ 18 أيّار/ مايو 2025،  أعاد قبل أيّام نشر فيديو منشور سابقاً لوالدته مريضة السرطان، بهدف جذب اهتمام الناس ليساعدوها في إيجاد ابنتها المفقودة. 

طلب شقيق عتاب في منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي من يعرف أي معلومة عن شقيقته المفقودة، أن يتواصل معه،  شارحاً ظروف اختفائها وفقدانها علناً.

الأمّ لثلاثة أطفال مفقودة، لم يتواصل مع شقيقها أحد لطلب فدية، أو يقدّم عرضاً ما. رفع معروضاً لاختفائها في المحكمة، وقدّمت له الجهات المختصّة وعوداً بأنهم سيبذلون جهدهم لمعرفة مكانها. 

لا تقول منصّات التواصل الاجتماعي القصّة الكاملة، ولا تحدّثنا عن غصّة الأمّ في الهاتف، وهي تروي لي حالة العجز التي يعانون منها في محاولة معرفة مصير ابنتهم المفقودة.

تختزل المأساة وربما الجريمة هنا، بمحاولة لفت الأنظار، لتحرّك الجهات الرسمية بصورة جدّية، والضغط على “الخاطفين” في حال كنّا أمام حالة خطف، وفضح القصّة بصورة ما، الانصياع لقواعد “التريند” علّها تحلّ مكان السلطة، لكنّنا بالنهاية أمام محتوى استهلاكي، يُنشَر على منصّة ربحية، ما يهمّ نهاية هو “الازدحام”، والمحتوى القادر على مصادرة انتباهنا لثوانٍ.

المأساوي أن محاولات عائلة جديد مخاطبة “الجمهور” و”الخاطفين” المحتملين، لم تفلح، إذ ما زالت ابنتهم مفقودة منذ 18 أيّار/ مايو 2025 ولا خبر عنها، وما زال أخوها يشارك صورها ومنشور والدته على جداره، علّه يصل إلى أحد، أيّ أحد!

خوارزميات الألم

تسعى الخوارزميات التي توظّفها وسائل التواصل الاجتماعي لاختزال التجربة الإنسانية ضمن”محتوى استهلاكي”، قيمته تأتي من شدّة تبادله وانتشاره، ما يحوّل تعاطفنا إلى شأن آني، لا يستمرّ في الزمن.

“نشارك” كي نكون جزءاً من “الجميع”، بصورة أدقّ، ننتمي لا كي نتعاطف، بل كي نعلن التماثل مع باقي “المستهلكين”.

يتلاشى “السياق” و”الحكاية” أمام سطوة “التريند”، واستراتيجيات بناء المحتوى، وتتحوّل المأساة إلى “تفاعلات”، الألم يصبح مادّة للتسويق، نستهلك الألم لا نتعاطف به، نستهلكه في سبيل تأكيد “إنسانيتنا” المؤقّتة أمام اختبار الانتباه المتكرّر على شاشاتنا. 

تستمرّ هذه القصص في الانتشار على السوشيال ميديا كـ “تريندات”، لكن تبقى الحقيقة أن العائلات التي تقف وراء هذه القصص لا تعيش في “التريند”، حياة عائلة عليّ أو عتاب لا تنتهي بعد نهاية الفيديو أو الصورة، بل تستمرّ المعاناة في الحياة اليومية. 

ناهيك بأن “التريند” في سوريا تحوّل إلى سلاح ذي سطوة مزدوجة، إما بيد السلطة، التي تروّج ما تريد، وإما بيد “الضحايا” و”المحتجّين” و”الغاضبين” لمواجهة السلطة والضغط عليها، في ظلّ غياب شكل واضح للتواصل الرسمي، وتعطيل الفاعلية السياسية، فلا قانون ناظم للأحزاب، ولا نقابات منتخبة بشكل حرّ، ما حوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات مواجهة ومجابهة، “السلاح” فيها هو القدرة على جذب الانتباه ولو على حساب “الألم الإنساني”.

انفجار منصّات السوشال ميديا جعل التعبير عن الألم متاحاً للجميع تقريباً، لكن ضمن بنية اقتصادية وخوارزمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وانفعالاً، أصبح الألم نفسه مورداً يُستثمَر ويُسوَّق، لا مجرّد نداء لرفع الظلم، بصورة ما إن لم تتبادل “ألمك” الشاشات، فهو غير موجود!

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
02.01.2026
زمن القراءة: 5 minutes

انفجار منصّات السوشال ميديا جعل التعبير عن الألم متاحاً للجميع تقريباً، لكن ضمن بنية اقتصادية وخوارزمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وانفعالاً، أصبح الألم نفسه مورداً يُستثمَر ويُسوَّق، لا مجرّد نداء لرفع الظلم، بصورة ما إن لم تتبادل “ألمك” الشاشات، فهو غير موجود!

أصوات التكبير المرافقة لخروج الطفل عليّ صالح عدي (4 سنوات) من بئر سقط فيه في مدينة القامشلي، بثّت حالة من الفرح في قلوب الكثير من السوريين، الذين تابعوا عمليّة إنقاذه على شاشاتهم.

ضجّت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بقصّة إنقاذ عليّ، تحوّلت لحظات ترقّب خروجه من البئر إلى “ترند” تناقلته الصفحات، واقتُبست كلماته التي قالها لوالده بعد خروجه من البئر مراراً :”وقت ما طلع قلي يابا لا عاد تشدّ عليّ الكبل بحيل لأنك وجعتني”.

خرج عليّ من البئر إذاً، ارتاحت القلوب وامتلأت التعليقات بالتهاني، لكن ما الذي حصل لاحقاً لعليّ؟ والأهم، لِمَ يقع طفل في بئر؟ على من تقع المسؤوليّة؟ الكثير من الأسئلة بلا إجابات، فـ”حكاية” عليّ، انتهت بمجرّد أن انطفأت الكاميرا، وتلاشى أثره من وسائل التواصل الاجتماعي.

حكاية عليّ خضعت لقواعد “اقتصاد الانتباه”، سرقت ثوانيَ منّا وتمّ تداولها وانتشارها، كونها جذّابة، تثير التعاطف، تلبّي الرغبة في قصّة نجاة إنسانية، لتلتقط الخوارزمية الحكاية، وتضخّها عشرات الصفحات الجدّية وغير الجدّية، لتشارك في جذب المتصفّحين، في رهان على “الازدحام” التي ستثيره.

ترتيب استفزاز المشاعر هو ما يحرّك الجمهور، وهو ما تفهمه “الخوارزمية” بدقّة، تلك التي يمكن شراء “الازدحام” لتضخيم قصّة أو تقليصها، قصص بلا سياق، تتشرذم التجربة الإنسانية لتتحوّل إلى “ريل” مكثّف، عاطفي، صادم،  جرعة مدروسة من المشاعر لجذب الانتباه ثم التلاشي.

تواصلت مع والد عليّ الذي روى لي في مكالمة هاتفية عبر تطبيق “واتسآب” القصّة، كيف ذهب عليّ مع جدّيه في زيارة أقاربه في قرية أخرى، خرج عليّ هناك ليلعب، ثم وجد دولاباً كبيراً ، يقول والده: “عليّ بحب دواليب السيارات سبحان الله ما بعرف كيف زاح الدولاب ونزل بالبير”.

اختفى الطفل لساعات وبدأ الجدّان رحلة البحث عنه، أين يمكن أن يذهب طفل صغير في برّية متّسعة الأطراف؟ ليسمعوا صوته قادماً من بئر ويتّصلوا بوالده، الذي كان بين حقول القطن يجني محصولها، بعد الهاتف ترك كلّ ما في يده ليلحق بابنه البكر في باطن الأرض.

انتشر خبر أن علياً في البئر، وهرع سكّان المنطقة ومهجّرون من منطقة سفيرة في حلب ليساعدوا في إخراجه. اتّصال بوزارة الطوارئ دفعها لطلب المساعدة من أورفا في تركيا، فوزارة الطوارئ السورية غير قادرة على إنقاذ طفل في قرية على أطراف الحدود الشمالية في تلّ أبيض الرقّاوية.

 اجتمع الحشد وحضرت المساعدة وبدأ الحفر بالآلات الثقيلة، ليُخرجوا الطفل بعدما خطرت لرجل من سفيرة في حلب، فكرة أن يضعوا كاميرا على رأس الأنبوب الداخل في البئر، الذي استخدمه الأب سابقاً لإنزال الماء وجوّال لم يتمكّن الطفل، على رغم معرفته باستخدامه، من تحريكه، لاحقاً، خرج عليّ من باطن الأرض إلى حضن والده.

بعد خروجه من البئر، تلاشت قصّة عليّ، لكن يخبرنا والده أنه خلال الأسابيع الأولى بعد إنقاذه، كان يستيقظ ليبكي ليلاً، في الوقت ذاته، بقي 3 أيّام عند الطبيب النفسي، وزاره طبيب آخر، مرّتين في المنزل، ليعلن بعدها أن وضعه مستقرّ.

“الترند” أملاً بالنجاة!

لا يتوقّف الانتشار على “فيسبوك” بغرض حثّ الأطراف على المساعدة كما في قصّة عليّ، بل ينسحب أيضاً لحشد الدعم والمساعدة ونشر القضايا، بل وحتى الضغط لتغيير مصير الضحايا. المخطوفات والمفقودات في سوريا نِلن نصيباً كبيراً من هذا الانتشار.

وفي أحد الأمثلة تروي إحدى المخطوفات العائدات في تقرير أعدّته “أسوشيتد برس”: “في اليوم الثالث، قام رجل مُقنّع باغتصابي. وفي وقت لاحق، جاء رجل، كان المسلّحون ينادونه أبو محمّد، وأمرهم بإطلاق سراحي، قائلاً إن خطفي أصبح يلقى اهتماماً كبيراً على وسائل التواصل الاجتماعي”.

محاولات عائلات المخطوفات والمفقودات لا تتوقّف عن جذب الانتباه أو محاولة جمع المعلومات، شقيق عتاب جديد المفقودة منذ 18 أيّار/ مايو 2025،  أعاد قبل أيّام نشر فيديو منشور سابقاً لوالدته مريضة السرطان، بهدف جذب اهتمام الناس ليساعدوها في إيجاد ابنتها المفقودة. 

طلب شقيق عتاب في منشوره على وسائل التواصل الاجتماعي من يعرف أي معلومة عن شقيقته المفقودة، أن يتواصل معه،  شارحاً ظروف اختفائها وفقدانها علناً.

الأمّ لثلاثة أطفال مفقودة، لم يتواصل مع شقيقها أحد لطلب فدية، أو يقدّم عرضاً ما. رفع معروضاً لاختفائها في المحكمة، وقدّمت له الجهات المختصّة وعوداً بأنهم سيبذلون جهدهم لمعرفة مكانها. 

لا تقول منصّات التواصل الاجتماعي القصّة الكاملة، ولا تحدّثنا عن غصّة الأمّ في الهاتف، وهي تروي لي حالة العجز التي يعانون منها في محاولة معرفة مصير ابنتهم المفقودة.

تختزل المأساة وربما الجريمة هنا، بمحاولة لفت الأنظار، لتحرّك الجهات الرسمية بصورة جدّية، والضغط على “الخاطفين” في حال كنّا أمام حالة خطف، وفضح القصّة بصورة ما، الانصياع لقواعد “التريند” علّها تحلّ مكان السلطة، لكنّنا بالنهاية أمام محتوى استهلاكي، يُنشَر على منصّة ربحية، ما يهمّ نهاية هو “الازدحام”، والمحتوى القادر على مصادرة انتباهنا لثوانٍ.

المأساوي أن محاولات عائلة جديد مخاطبة “الجمهور” و”الخاطفين” المحتملين، لم تفلح، إذ ما زالت ابنتهم مفقودة منذ 18 أيّار/ مايو 2025 ولا خبر عنها، وما زال أخوها يشارك صورها ومنشور والدته على جداره، علّه يصل إلى أحد، أيّ أحد!

خوارزميات الألم

تسعى الخوارزميات التي توظّفها وسائل التواصل الاجتماعي لاختزال التجربة الإنسانية ضمن”محتوى استهلاكي”، قيمته تأتي من شدّة تبادله وانتشاره، ما يحوّل تعاطفنا إلى شأن آني، لا يستمرّ في الزمن.

“نشارك” كي نكون جزءاً من “الجميع”، بصورة أدقّ، ننتمي لا كي نتعاطف، بل كي نعلن التماثل مع باقي “المستهلكين”.

يتلاشى “السياق” و”الحكاية” أمام سطوة “التريند”، واستراتيجيات بناء المحتوى، وتتحوّل المأساة إلى “تفاعلات”، الألم يصبح مادّة للتسويق، نستهلك الألم لا نتعاطف به، نستهلكه في سبيل تأكيد “إنسانيتنا” المؤقّتة أمام اختبار الانتباه المتكرّر على شاشاتنا. 

تستمرّ هذه القصص في الانتشار على السوشيال ميديا كـ “تريندات”، لكن تبقى الحقيقة أن العائلات التي تقف وراء هذه القصص لا تعيش في “التريند”، حياة عائلة عليّ أو عتاب لا تنتهي بعد نهاية الفيديو أو الصورة، بل تستمرّ المعاناة في الحياة اليومية. 

ناهيك بأن “التريند” في سوريا تحوّل إلى سلاح ذي سطوة مزدوجة، إما بيد السلطة، التي تروّج ما تريد، وإما بيد “الضحايا” و”المحتجّين” و”الغاضبين” لمواجهة السلطة والضغط عليها، في ظلّ غياب شكل واضح للتواصل الرسمي، وتعطيل الفاعلية السياسية، فلا قانون ناظم للأحزاب، ولا نقابات منتخبة بشكل حرّ، ما حوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات مواجهة ومجابهة، “السلاح” فيها هو القدرة على جذب الانتباه ولو على حساب “الألم الإنساني”.

انفجار منصّات السوشال ميديا جعل التعبير عن الألم متاحاً للجميع تقريباً، لكن ضمن بنية اقتصادية وخوارزمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وانفعالاً، أصبح الألم نفسه مورداً يُستثمَر ويُسوَّق، لا مجرّد نداء لرفع الظلم، بصورة ما إن لم تتبادل “ألمك” الشاشات، فهو غير موجود!