ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

سيلين غندور بعين نفسها: الرغبة “العمياء” في مخاطبة الجماهير!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الأذى لا يأتي من كسر رواية النازحين مباشرة، إنما من تحديد الشكل الذي تظهر فيه التجربة، ومن إجبار المشاهد على أن يرى النزوح داخل أطر الكاميرا وحدودها. ما يخرج من الإطار يُمحى: الجماعة النازحة، تفاصيل النوم، الطبخ، الركض، الحكي عن القرية، تعاضد الأجساد، الخوف الذي لا يجد لغة. خطورة ما فعلته سيلين أنها تجعل الكارثة شيئاً نمتلكه بسهولة، كأنها قابلة للترتيب والإخراج والشرح السريع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ليست المشكلة أن تختال علينا سيلين غندور، المؤدية اللبنانية التي تنشر مقاطع لنفسها وهي تقول إنها نازحة بسبب الحرب، إلى الخيام الممتدة في بيروت. المشكلة أن الكاميرا تعطينا انطباعاً أصدق من خطابها، فهي لا تلتقط تجربة نزوح واسعة، إنما تكشف أن المشهد المرتب يدور حولها. هي نفسها وكاميرتها تفشلان في تجاوز صورتها.

احتراف سيلين الحقيقي في البعد المركب الذي تحاول صنعه أن تضع أداءها التمثيلي والخطابي في المكان الذي يجذب المتابع المعتاد. ما يكون إنسانياً وقاسياً على البشر يصبح جذاباً حين يدخل في نظام الصورة والترقب. الخوف الذي عرفناه عبر نشرات الأخبار والتقارير المصورة صار عندها مادة عن المكان بعدما اخترقته بسهولة. وما تستطيع الكاميرا أن تكشفه تقصيه سيلين وتُقصله ليكون تجربة تُقصي نفسها فيها بعد أن تنفي حقيقة النزوح وصعوبته. من خلالها لا نرى النزوح وتفاصيله، إنما تفاصيلها داخله، هي أهم من المكان الذي تصوره، وهذه هي المفارقة، أن تكون الكاميرا نفسها من كشفت زيفاً ما وغِشاً.

تظهر بعض الصور والفيديوهات التي تنشرها، غيرها ممن تسميهم رفاقها وجيرانها في الخيم، فتاة تقطع بطاطا، أصوات شبان يحادثونها، وجوه عابرة لا تستقر في الصورة أبداً. لكنها لقطات لا تكفي لصنع تجربة نزوح. هناك ضبط واضح لأن تكون وحيدة في مركز المشهد، أو أن تحاور من لا نراهم، أو تصور نفسها داخل حوار مع أناس يبقون خارج الإطار. لذلك لا يعمل الفيديو وحده، إنما يعمل مع عين تريد أن ترى النزوح في صورة محتملة، مرتبة، قابلة للمشاهدة والتصديق والجذب.

اندرج التصوير الذاتي الحياتي بقوة منذ غزة، مع نازحين ونازحات جعلوا من يومياتهم سرداً مصوراً نراه وننتظره من فرط عجزنا عن معرفة كيف يستطيع البشر العيش تحت الإبادة. في غزة حملت الصور مفاجأة الإنسان الذي يتدمر كل شيء حوله، ويهرب من إبادة تلاحقه، فتجعل ليومياته صلة بالعالم. هناك كان التنازل عن ممكنات الصورة قسرياً، العشوائية، الأحذية، طرق الطبخ، صوت الأمهات، ارتباك الشبان، ضيق المكان، الهرب، الطنانة، والماء الذي يحتاج إلى تنقية. دخل ما لا لزوم له إلى يومياتنا، فعرفنا بمأساة الآخرين، كيف يطبخون وينتظرون وجبات المساعدة، وكيف يبتكرون أشكالاً قليلة للعيش داخل الخراب. هذه اليوميات القهرية جعلت كثيرين منهم أقل قدرة على استغلال أوضاعهم، لأنهم لا يملكون الخروج من شروطها.

أما مع سيلين، فاللقطات تبدو عنها قبل أي شيء آخر. هي تدعي أنها منهم، جزء من مأساتهم من دون أن تعيشها بوصفها اقتلاعاً كاملاً وباستسهال لما اندرج عليه الناس في الحرب. تظهر قدرتها على تحمّل الخيمة ببرود وأناقة، بمكياج جميل وفني، وبسردية خاصة عن الكرامة والصمود والأرض. ذاتها المصنوعة تحتل مركز الصورة، وكل ما يخرج من الإطار أهم منها: العائلة، الخسارة، الارتباك، الخوف، والزمن المعلق.

وحين كشف فعلها نازح حقيقي، حولت وجودها في البيال والخيم إلى صراع عائلي، وإلى حكاية ذات تمردت لتعيش. لم تفاضل بين مأساة النزوح وبين ذاتها، فشتمت مكذبيها، وصنعت من يومياتها حلقة جديدة في مسلسل طويل عن نزوحها الشخصي. المسألة هنا ليست في صورة جميلة داخل خيمة، إنما في النزاع على الصورة: من يملك أن يعطي النزوح معناه: النازح الذي خسر البيت، أم من يدخل إلى الخيمة وفي يده كاميرا وقدرة على تحويل المكان المؤلم إلى حلقات متسلسلة؟

الأذى لا يأتي من كسر رواية النازحين مباشرة، إنما من تحديد الشكل الذي تظهر فيه التجربة، ومن إجبار المشاهد على أن يرى النزوح داخل أطر الكاميرا وحدودها. ما يخرج من الإطار يُمحى: الجماعة النازحة، تفاصيل النوم، الطبخ، الركض، الحكي عن القرية، تعاضد الأجساد، الخوف الذي لا يجد لغة. خطورة ما فعلته سيلين أنها تجعل الكارثة شيئاً نمتلكه بسهولة، كأنها قابلة للترتيب والإخراج والشرح السريع.

الكارثة لا ترتَّب كحلقات، ولا تقاد إلى معنى جاهز، ولا تتحول بسرعة إلى درس في الاحتمال. هناك شيء في الكارثة يبقى خارج اللغة المصنوعة، خارج الصورة، وخارج القدرة على القول. النزوح، حين يكون اقتلاعاً حقيقياً، لا يعطي نفسه دفعة واحدة، ولا يسمح لمن يمر به أن يجعله قصة متماسكة بهذه السرعة. لذلك تبدو المشكلة أعمق من الخيمة نفسها. الخيمة تسحب من منطقة الصمت والفقدان والارتباك والخوف، وتدفع إلى منطقة العرض الجماهيري، حيث يصبح كل شيء متاحاً للعرض، ومرتباً أكثر مما ينبغي.

ما عرفناه مع نازحي الجنوب أن الكارثة تغير شروط السكن، وشروط الإحساس بالمكان، ثم الجسد والهيئة. الفيديوهات الحقيقية تترك الشاهد مرتبكاً، ناقص اللغة، عاجزاً عن تحويل ما حدث إلى مشهد مكتمل. أما مع سيلين فالصورة واثقة، تعرف أين تقف، وأين تضع الوجه، وأين تضع الخيمة، وأين ترفع الشعار. النزوح صار قابلاً للإخراج، والألم صار يملك إضاءة وزاوية ونسقاً وطريقة. ما يزعج أن الكارثة لا تظهر كشيء يكسر الكلام، إنما كشيء يساعد صاحبة الصورة على ضبط الجمهور وجذبه إليها.

نحن لا نعرف من التجربة إلا ظهوراً مباشراً في الخيم، وانتقالاً من خيمة إلى أخرى، بحسب ما تقول. أما النزوح كفقدان للبيت وتعليق للحياة فلا يظهر إلا كخلفية رمزية. حتى في الجانب الأدائي، هناك ما يدعو إلى التوقف: الترتيب، نظافة اليدين والوجه، القدرة على الظهور والخروج والتنقل، الوجود في المصعد والشارع والصفحة الشخصية. هذا كله يذكرنا بأن الخيمة ليست عالمها الوحيد، ولا قدرها النهائي. هي تستطيع أن تدخل إليها وتخرج منها، بينما النازحون الحقيقيون لا يملكون هذا الامتياز.

المشكلة في هذا النوع من السرد أنه يجعل النزوح ممكناً، لأنه لا يعاش بوصفه اقتلاعاً كاملاً. يختزل الذاكرة والعائلة والبيت والمعنى في دقائق قابلة للتصوير. لا يعود النزوح كارثة اجتماعية كاملة، إنما شكلاً أدائياً يرسم، قابلاً للاحتمال والتصوير، وقابلاً لأن يتحول إلى تجربة ذاتية جميلة عن القوة والصبر. شخص معروف يدخل إلى الألم، يرتب علاقته به، يخرج منه بصورة أكثر نقاء، ثم يترك أصحاب الألم الحقيقيين خارج مركز الحكاية.

حاولت سيلين صناعة معنى، فقطعت الحياة وفق حلقات، الأكل، الخيمة، النوم، الدفاع عن الخيمة، ثم التنظير السياسي. حلقات متتالية تجعل النزوح قابلاً للمتابعة لا للفهم والإدراك. الأطفال الغزاويون والفتيان والشبان لم يستخدموا الخيم كي يحبهم الناس، كانوا يحاولون النجاة داخل خراب لا يملكون الخروج منه. أما هي فاستخدمت ضيق الخيمة وتركيز الكاميرا عليها لتخرج إلينا بصورة جاهزة، صورة من يستطيع أن يحول العيش المؤقت بين النازحين إلى سردية شخصية عن الاحتمال.

سيلين ليست شريرة أو كاذبة بالضرورة، ونحن لم نتقصّ خلفها، لكن الشر يكون أحياناً في تحديد الانتباه والإدراك. هناك مشهد لا نريده كاملاً، مشهد نأخذ منه ما يسمح بإنتاج معنى إنساني سريع، ونترك ما لا يحتمل الترتيب أو الوضع في سياق. آراؤها السياسية لا تهم كثيراً هنا، لأن التموضع داخل الخيمة ليس تموضعاً لرسالة بقدر ما هو شكل للظهور وإبراز الذات. الخيمة لا تستعمل لتقول شيئاً عن النازحين، إنما لتصنع موقعاً لصاحبة الصورة داخل آلام غريبة عنها. تعاطفها معهم مغشوش، لأننا نرى وجهها لا فعلاً آخر.

الخطأ هنا أن الصورة تفصل الفعل عن طبقاته،  لا تعود الخيمة مكاناً له تاريخ وسكان وبيوت وخوف وفقد ووقت معطل للأهالي والأطفال… وحين تنفصل الدلالة عن أصحابها، يصير الألم قابلاً للنقل من يد إلى يد، ومن وجه إلى وجه. عندها لن يعود السؤال ماذا صار بالناس؟ إنما كيف ظهرت هذه الإنسانة داخل ما حدث لهم؟ هذا الفرق هو كل المشكلة، النزوح لا يفهم من مظهر الخيمة وحده، ولا من خطاب من يدخل إليها، إنما من شبكة العلاقات التي تحيط بها، من بقي خارج الصورة، من فقد بيته، من لا يتمكن من العودة، من لا يستطيع الخروج، ومن صار مجبراً على رؤية ألمه معروضاً بوجه لا يشبهه.

العنف ليس الضرب وحده، ولا القصف، ولا الطرد من البيت وحده. العنف يبدأ أيضاً حين يطرد الإنسان من السياسة، من القدرة على الكلام، من الفاعلية، ومن السيطرة على شروط حياته. وهناك عنف حديث، هو إبعاد صورة المتألمين نحو صورة مريحة ودرامية وذات خطاب استعلائي. هذا هو الجانب البعيد من السياسة. نحن أمام نظام إبادة يجعل الناس بدون السياسة، بدون القرار، وبدون القدرة على تنظيم حياتهم إلا داخل ما يفرض عليهم. لذلك لا يكون النزوح تجربة فقر أو تعب فحسب، إنما تجربة نزع للقدرة نفسها: ألا تملك بيتك، ولا وقتك، ولا جسدك، ولا صمتك، ولا حتى الصورة التي ستروى عنك.

من هنا يبدأ الالتباس الأخلاقي. الشر لا يأتي من كون الخيمة مكان ألم، إنما من تحويل مكان الألم إلى مكان ممكن للحياة أمام الكاميرا. الألم لا يظهر بما هو انكسار، إنما بما هو قابل للعيش والترتيب، وقادر على منح صاحبة الصورة حضوراً ومعنى. كأن ما حدث للناس يمكن احتماله لو عرفنا كيف نبتسم داخله، كيف نطبخ داخله، كيف ننام داخله، وكيف نحوله إلى حكاية يومية. وهذا أخطر ما في الصورة التي تقدمها سيلين: أنها لا تنكر الألم، إنما تجعله قابلاً للاستهلاك، وتجعل نفسها صورة مغشوشة له.

ليست المشكلة في التضامن مع النازحين، المشكلة حين يصير التضامن مسرحاً للذات، حين لا نقول: انظروا إلى النازحين، إنما نقول: انظروا إلي وأنا أعيش بينهم. عندها لا تعود الخيمة شاهدة على اقتلاع الناس من بيوتهم، إنما تصبح ديكوراً أخلاقياً لصناعة حضور جديد ولافت. هكذا تصير عاطفة المقصيين مادة لصناعة النجومية عبرهم، وفوقهم، وخلالهم.

شركة المهندس العراقية
يونس العميدي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…

الأذى لا يأتي من كسر رواية النازحين مباشرة، إنما من تحديد الشكل الذي تظهر فيه التجربة، ومن إجبار المشاهد على أن يرى النزوح داخل أطر الكاميرا وحدودها. ما يخرج من الإطار يُمحى: الجماعة النازحة، تفاصيل النوم، الطبخ، الركض، الحكي عن القرية، تعاضد الأجساد، الخوف الذي لا يجد لغة. خطورة ما فعلته سيلين أنها تجعل الكارثة شيئاً نمتلكه بسهولة، كأنها قابلة للترتيب والإخراج والشرح السريع.

ليست المشكلة أن تختال علينا سيلين غندور، المؤدية اللبنانية التي تنشر مقاطع لنفسها وهي تقول إنها نازحة بسبب الحرب، إلى الخيام الممتدة في بيروت. المشكلة أن الكاميرا تعطينا انطباعاً أصدق من خطابها، فهي لا تلتقط تجربة نزوح واسعة، إنما تكشف أن المشهد المرتب يدور حولها. هي نفسها وكاميرتها تفشلان في تجاوز صورتها.

احتراف سيلين الحقيقي في البعد المركب الذي تحاول صنعه أن تضع أداءها التمثيلي والخطابي في المكان الذي يجذب المتابع المعتاد. ما يكون إنسانياً وقاسياً على البشر يصبح جذاباً حين يدخل في نظام الصورة والترقب. الخوف الذي عرفناه عبر نشرات الأخبار والتقارير المصورة صار عندها مادة عن المكان بعدما اخترقته بسهولة. وما تستطيع الكاميرا أن تكشفه تقصيه سيلين وتُقصله ليكون تجربة تُقصي نفسها فيها بعد أن تنفي حقيقة النزوح وصعوبته. من خلالها لا نرى النزوح وتفاصيله، إنما تفاصيلها داخله، هي أهم من المكان الذي تصوره، وهذه هي المفارقة، أن تكون الكاميرا نفسها من كشفت زيفاً ما وغِشاً.

تظهر بعض الصور والفيديوهات التي تنشرها، غيرها ممن تسميهم رفاقها وجيرانها في الخيم، فتاة تقطع بطاطا، أصوات شبان يحادثونها، وجوه عابرة لا تستقر في الصورة أبداً. لكنها لقطات لا تكفي لصنع تجربة نزوح. هناك ضبط واضح لأن تكون وحيدة في مركز المشهد، أو أن تحاور من لا نراهم، أو تصور نفسها داخل حوار مع أناس يبقون خارج الإطار. لذلك لا يعمل الفيديو وحده، إنما يعمل مع عين تريد أن ترى النزوح في صورة محتملة، مرتبة، قابلة للمشاهدة والتصديق والجذب.

اندرج التصوير الذاتي الحياتي بقوة منذ غزة، مع نازحين ونازحات جعلوا من يومياتهم سرداً مصوراً نراه وننتظره من فرط عجزنا عن معرفة كيف يستطيع البشر العيش تحت الإبادة. في غزة حملت الصور مفاجأة الإنسان الذي يتدمر كل شيء حوله، ويهرب من إبادة تلاحقه، فتجعل ليومياته صلة بالعالم. هناك كان التنازل عن ممكنات الصورة قسرياً، العشوائية، الأحذية، طرق الطبخ، صوت الأمهات، ارتباك الشبان، ضيق المكان، الهرب، الطنانة، والماء الذي يحتاج إلى تنقية. دخل ما لا لزوم له إلى يومياتنا، فعرفنا بمأساة الآخرين، كيف يطبخون وينتظرون وجبات المساعدة، وكيف يبتكرون أشكالاً قليلة للعيش داخل الخراب. هذه اليوميات القهرية جعلت كثيرين منهم أقل قدرة على استغلال أوضاعهم، لأنهم لا يملكون الخروج من شروطها.

أما مع سيلين، فاللقطات تبدو عنها قبل أي شيء آخر. هي تدعي أنها منهم، جزء من مأساتهم من دون أن تعيشها بوصفها اقتلاعاً كاملاً وباستسهال لما اندرج عليه الناس في الحرب. تظهر قدرتها على تحمّل الخيمة ببرود وأناقة، بمكياج جميل وفني، وبسردية خاصة عن الكرامة والصمود والأرض. ذاتها المصنوعة تحتل مركز الصورة، وكل ما يخرج من الإطار أهم منها: العائلة، الخسارة، الارتباك، الخوف، والزمن المعلق.

وحين كشف فعلها نازح حقيقي، حولت وجودها في البيال والخيم إلى صراع عائلي، وإلى حكاية ذات تمردت لتعيش. لم تفاضل بين مأساة النزوح وبين ذاتها، فشتمت مكذبيها، وصنعت من يومياتها حلقة جديدة في مسلسل طويل عن نزوحها الشخصي. المسألة هنا ليست في صورة جميلة داخل خيمة، إنما في النزاع على الصورة: من يملك أن يعطي النزوح معناه: النازح الذي خسر البيت، أم من يدخل إلى الخيمة وفي يده كاميرا وقدرة على تحويل المكان المؤلم إلى حلقات متسلسلة؟

الأذى لا يأتي من كسر رواية النازحين مباشرة، إنما من تحديد الشكل الذي تظهر فيه التجربة، ومن إجبار المشاهد على أن يرى النزوح داخل أطر الكاميرا وحدودها. ما يخرج من الإطار يُمحى: الجماعة النازحة، تفاصيل النوم، الطبخ، الركض، الحكي عن القرية، تعاضد الأجساد، الخوف الذي لا يجد لغة. خطورة ما فعلته سيلين أنها تجعل الكارثة شيئاً نمتلكه بسهولة، كأنها قابلة للترتيب والإخراج والشرح السريع.

الكارثة لا ترتَّب كحلقات، ولا تقاد إلى معنى جاهز، ولا تتحول بسرعة إلى درس في الاحتمال. هناك شيء في الكارثة يبقى خارج اللغة المصنوعة، خارج الصورة، وخارج القدرة على القول. النزوح، حين يكون اقتلاعاً حقيقياً، لا يعطي نفسه دفعة واحدة، ولا يسمح لمن يمر به أن يجعله قصة متماسكة بهذه السرعة. لذلك تبدو المشكلة أعمق من الخيمة نفسها. الخيمة تسحب من منطقة الصمت والفقدان والارتباك والخوف، وتدفع إلى منطقة العرض الجماهيري، حيث يصبح كل شيء متاحاً للعرض، ومرتباً أكثر مما ينبغي.

ما عرفناه مع نازحي الجنوب أن الكارثة تغير شروط السكن، وشروط الإحساس بالمكان، ثم الجسد والهيئة. الفيديوهات الحقيقية تترك الشاهد مرتبكاً، ناقص اللغة، عاجزاً عن تحويل ما حدث إلى مشهد مكتمل. أما مع سيلين فالصورة واثقة، تعرف أين تقف، وأين تضع الوجه، وأين تضع الخيمة، وأين ترفع الشعار. النزوح صار قابلاً للإخراج، والألم صار يملك إضاءة وزاوية ونسقاً وطريقة. ما يزعج أن الكارثة لا تظهر كشيء يكسر الكلام، إنما كشيء يساعد صاحبة الصورة على ضبط الجمهور وجذبه إليها.

نحن لا نعرف من التجربة إلا ظهوراً مباشراً في الخيم، وانتقالاً من خيمة إلى أخرى، بحسب ما تقول. أما النزوح كفقدان للبيت وتعليق للحياة فلا يظهر إلا كخلفية رمزية. حتى في الجانب الأدائي، هناك ما يدعو إلى التوقف: الترتيب، نظافة اليدين والوجه، القدرة على الظهور والخروج والتنقل، الوجود في المصعد والشارع والصفحة الشخصية. هذا كله يذكرنا بأن الخيمة ليست عالمها الوحيد، ولا قدرها النهائي. هي تستطيع أن تدخل إليها وتخرج منها، بينما النازحون الحقيقيون لا يملكون هذا الامتياز.

المشكلة في هذا النوع من السرد أنه يجعل النزوح ممكناً، لأنه لا يعاش بوصفه اقتلاعاً كاملاً. يختزل الذاكرة والعائلة والبيت والمعنى في دقائق قابلة للتصوير. لا يعود النزوح كارثة اجتماعية كاملة، إنما شكلاً أدائياً يرسم، قابلاً للاحتمال والتصوير، وقابلاً لأن يتحول إلى تجربة ذاتية جميلة عن القوة والصبر. شخص معروف يدخل إلى الألم، يرتب علاقته به، يخرج منه بصورة أكثر نقاء، ثم يترك أصحاب الألم الحقيقيين خارج مركز الحكاية.

حاولت سيلين صناعة معنى، فقطعت الحياة وفق حلقات، الأكل، الخيمة، النوم، الدفاع عن الخيمة، ثم التنظير السياسي. حلقات متتالية تجعل النزوح قابلاً للمتابعة لا للفهم والإدراك. الأطفال الغزاويون والفتيان والشبان لم يستخدموا الخيم كي يحبهم الناس، كانوا يحاولون النجاة داخل خراب لا يملكون الخروج منه. أما هي فاستخدمت ضيق الخيمة وتركيز الكاميرا عليها لتخرج إلينا بصورة جاهزة، صورة من يستطيع أن يحول العيش المؤقت بين النازحين إلى سردية شخصية عن الاحتمال.

سيلين ليست شريرة أو كاذبة بالضرورة، ونحن لم نتقصّ خلفها، لكن الشر يكون أحياناً في تحديد الانتباه والإدراك. هناك مشهد لا نريده كاملاً، مشهد نأخذ منه ما يسمح بإنتاج معنى إنساني سريع، ونترك ما لا يحتمل الترتيب أو الوضع في سياق. آراؤها السياسية لا تهم كثيراً هنا، لأن التموضع داخل الخيمة ليس تموضعاً لرسالة بقدر ما هو شكل للظهور وإبراز الذات. الخيمة لا تستعمل لتقول شيئاً عن النازحين، إنما لتصنع موقعاً لصاحبة الصورة داخل آلام غريبة عنها. تعاطفها معهم مغشوش، لأننا نرى وجهها لا فعلاً آخر.

الخطأ هنا أن الصورة تفصل الفعل عن طبقاته،  لا تعود الخيمة مكاناً له تاريخ وسكان وبيوت وخوف وفقد ووقت معطل للأهالي والأطفال… وحين تنفصل الدلالة عن أصحابها، يصير الألم قابلاً للنقل من يد إلى يد، ومن وجه إلى وجه. عندها لن يعود السؤال ماذا صار بالناس؟ إنما كيف ظهرت هذه الإنسانة داخل ما حدث لهم؟ هذا الفرق هو كل المشكلة، النزوح لا يفهم من مظهر الخيمة وحده، ولا من خطاب من يدخل إليها، إنما من شبكة العلاقات التي تحيط بها، من بقي خارج الصورة، من فقد بيته، من لا يتمكن من العودة، من لا يستطيع الخروج، ومن صار مجبراً على رؤية ألمه معروضاً بوجه لا يشبهه.

العنف ليس الضرب وحده، ولا القصف، ولا الطرد من البيت وحده. العنف يبدأ أيضاً حين يطرد الإنسان من السياسة، من القدرة على الكلام، من الفاعلية، ومن السيطرة على شروط حياته. وهناك عنف حديث، هو إبعاد صورة المتألمين نحو صورة مريحة ودرامية وذات خطاب استعلائي. هذا هو الجانب البعيد من السياسة. نحن أمام نظام إبادة يجعل الناس بدون السياسة، بدون القرار، وبدون القدرة على تنظيم حياتهم إلا داخل ما يفرض عليهم. لذلك لا يكون النزوح تجربة فقر أو تعب فحسب، إنما تجربة نزع للقدرة نفسها: ألا تملك بيتك، ولا وقتك، ولا جسدك، ولا صمتك، ولا حتى الصورة التي ستروى عنك.

من هنا يبدأ الالتباس الأخلاقي. الشر لا يأتي من كون الخيمة مكان ألم، إنما من تحويل مكان الألم إلى مكان ممكن للحياة أمام الكاميرا. الألم لا يظهر بما هو انكسار، إنما بما هو قابل للعيش والترتيب، وقادر على منح صاحبة الصورة حضوراً ومعنى. كأن ما حدث للناس يمكن احتماله لو عرفنا كيف نبتسم داخله، كيف نطبخ داخله، كيف ننام داخله، وكيف نحوله إلى حكاية يومية. وهذا أخطر ما في الصورة التي تقدمها سيلين: أنها لا تنكر الألم، إنما تجعله قابلاً للاستهلاك، وتجعل نفسها صورة مغشوشة له.

ليست المشكلة في التضامن مع النازحين، المشكلة حين يصير التضامن مسرحاً للذات، حين لا نقول: انظروا إلى النازحين، إنما نقول: انظروا إلي وأنا أعيش بينهم. عندها لا تعود الخيمة شاهدة على اقتلاع الناس من بيوتهم، إنما تصبح ديكوراً أخلاقياً لصناعة حضور جديد ولافت. هكذا تصير عاطفة المقصيين مادة لصناعة النجومية عبرهم، وفوقهم، وخلالهم.