ثمة لحظة فارقة في تاريخ كل نظام سلطوي استبدادي عندما يدرك أن القمع المباشر لم يعد كافياً، وأن عليه أن يتعلم لغة خصمه ويعيد توظيفها في خدمة سرديته. هذه اللحظة بالذات هي ما نشهده في مجموعة من الصور والفيديوهات المتداولة من طهران. ويظهر آخرها نساء محجبات بزي عسكري يركبن دراجات نارية، وأخريات بعباءات فوق مركبات وردية وأسلحة مطلية باللون الوردي، مع خطاب يمرر خلاله أن هذه هي “المراة ، الحياة ، الحرية” الحقيقية .
عندما تضع الجمهورية الإسلامية النساء على دراجات نارية كانت، ولا تزال، محرّمة عليهن، في عرض تعبوي، فهي لا تعيد تعريف علاقتها بالنساء جوهرياً، بل تعيد تعريف طريقة عرض هذه العلاقة أمام الكاميرا المحلية والدولية. وتجاهل الفرق بينهما هو بالضبط ما تراهن عليه السلطة في رهانها الدعائي هذا.
ما تقوله الصورة
لا تعادي الأنظمة الأبوية حضور المرأة في الفضاء العمومي من حيث المبدأ المجرّد، حتى تلك الأصولية منها التي تحاول تقليله؛ فهي ترفض الجسد المؤنث في الفضاء العمومي عندما يظهر باعتباره ذاتاً مستقلة تحمل قرارها في داخلها لا في خارجها. وما يثير حفيظة هذه السلطة ليس وجودها، بل وجودها خارج تعريف السلطة لهذا الفضاء وشروط الوجود فيه.
لذلك، من المنطقي تاريخياً أن تُستدعى المرأة في خطاب السلطات الأبوية عندما تكون أم شهيد، أو زوجة مجاهد، أو ابنة ثورة، أو مقاتلة؛ أي عندما تكون جزءاً من شبكة علاقات تحدد هويتها بالنسبة إلى كيان خارجها، رجلاً كان أو دولة أو أيديولوجيا أو مقدساً دينياً، لا بالنسبة إلى نفسها.
المرأة، في هذا الإطار، حاضرة لكن حضورها وظيفي. موجودة في المشهد حتى تُكمله، لا لإعادة تعريفه. وهنا يظهر الفرق بين الذات كمواطنة، والدور كديكور سياسي تعبوي.
وما نراه في العرض الإيراني هو هذا المنطق القديم بعينه يعمل بصورة محدّثة، لغة التمكين والحضور والقوة والمساواة . السلطة تحاول أن تعيد سرديتها التي أربكتها “امرأة، حياة، حرية”، عبر قولبة شعارات الاحتجاجات التي رأت أنها جزء من شيطنة “الغرب لها “. حضور المرأة وصوتها وسلاحها موجودة الآن شريطة أن يكون هذا كله موجهاً نحو ما تريده الدولة ومحاطاً بالحجاب الذي تشترطه.
اللون الوردي في مخيّلة المجتمعات الأبوية التي تطبّق ثنائية جندرية صارمة، ومجتمعات تُعبّأ دينياً وثقافياً وسياسياً على الثنائية الجندرية، يحمل ثقلاً مركّباً؛ فهو اللون المخصّص للأنوثة في ثقافات متعددة، ومنها الأبوية. وعندما تُطلى الأسلحة والمركبات المسلحة بالوردي، فهناك عملية بصرية متشابكة تُجرى تحت الصورة: من ناحية تُضفي على المرأة طابع الحضور الفعّال، ومن ناحية أخرى تمرّر شكلاً من النساء المستساغ الذي ترغب فيه الدولة. وكلتا العمليتين تتعاملان مع الجسد المؤنث باعتباره مادة قابلة للتحوّل والتوظيف وإعادة التشكيل وفق أغراض السلطة وحاجاتها المتغيرة.
المشكلة ليست في وجود امرأة تقاوم استعماراً أو احتلالاً أو إمبريالية، فلدينا ما يكفي في المنطقة من نماذج قاومت بالسلاح وبغيره، لكن الشكل الذي تقدّمه ولاية الفقيه للأنوثة الموظّفة ليس تحرراً؛ بل هو، من زاوية مختلفة، استعمار إضافي لها. فبدلاً من توظيفها في خدمة شرطة الأخلاق وتأديب النساء واعتقالهن في الشوارع، تُوظَّف في خدمة ماكينة الحرب لإضفاء شرعية عليها.
الأداة تتغير جذرياً في شكلها، لكن جوهرها يبقى ثابتاً: تعريف شكل وحضور وطبيعة مشاركة المرأة كقرار تتخذه السلطة نيابة عنها. وما نراه في طهران هو الدولة تؤدي “أنوثة” معينة مصمّمة بعناية: منضبطة، محجّبة، موالية، مسلّحة لصالح السلطة، ومنتجة لخطابها.
هذا الأداء تكرّر أيضاً في محاولة إيران تبييض صورتها أمام شعبها، تحديداً عبر استخدام بلوغرز كنّ قد هربن من إيران مسبقاً، وتوظيف عودتهن ووجودهن في المسيرات الموالية للنظام، لإنتاج نموذج وحيد للأنوثة المقبولة، والإعلان ضمنياً وبصورة قاطعة، عبر الشعار الذي أُعيد قولبته، أن كل ما عداه إما غير مقبول أو غير موجود.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هنا، لأن الإفلات منه سيجعل التحليل أقل أمانة، هو: ماذا عن المرأة التي تشارك في هذا العرض قناعةً؟ تلك التي تؤمن فعلاً بما تفعله، وترى في نفسها مقاتلة لا أداة؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تضعف ما قيل؛ فحتى هذا الإيمان الصادق تشكَّل داخل منظومة تعبويّة لم تختر شروطها. فالموافقة التي تنتجها الهيمنة لا تُبطل الهيمنة، بل هي دليلها الأعمق: أن يعيد المقهور إنتاج قهره باعتباره هوية واختياراً، لأن أفضل أشكال السيطرة هو ذلك الذي يجعل المسيطر عليه يعتقد أنه المبادر.
ولسنوات طويلة أيضاً، بقي حق المرأة في قيادة الدراجة النارية في إيران معلّقاً بين المنع الفعلي والالتباس القانوني المقصود. رجال دين ومحافظون وصفوا هذا الفعل بالتبرّج، وأن رياح الحركة تكشف الجسد وتجعله عرضة للنظر غير المشروع، وأن ذلك ينافي معايير الحشمة التي يريدون احتكار تعريفها. هذه الحجج ليست هامشية؛ فهي تصدر عن عقلية ترى الجسد المؤنث عورة هيكلية تحتاج إلى إدارة وضبط دائمين لا ينتهيان، وأن أي حركة لهذا الجسد غير محصّنة بالرقابة الكافية تشكّل خطراً على النظام الأخلاقي والسياسي معاً.
في هذا الإطار، يصبح ظهور امرأة على دراجة نارية في عرض عسكري حدثاً ذا دلالة وإشكالية في النظام، ما كان عيباً أخلاقياً وسلوكاً يستحق المنع والتأديب في حياة المرأة اليومية أصبح فجأة بطولة وطنية تستحق التصوير والتوزيع عندما انضمت المرأة إلى الخطاب التعبوي للدولة وعندما خدم فعلها مصلحة السلطة، لا الدراجة ولا الجسد ولا الريح والحركة تغيرت. ما تغير هو السياق السياسي الذي يقرأ فيه هذا الفعل، ومعه تغير حكم الدولة على هذا الجسد وعلى حركته بما يخدم أغراضها اللحظية .
السلطة الاستبدادية في إيران وظّفت النساء في مشاهد التعبئة والاستعراض، ليس لأنها تؤمن بحقوقهن الجوهرية أو تسعى إلى تحقيق المساواة، بل لأنها تدرك أن مشاركة النساء في الخطاب الوطني تضفي شرعية أوسع على هذا الخطاب أمام الرأي العام المحلي والدولي، وتربك في الوقت ذاته المعارضين في الداخل والخارج، سواء كانت الحركات النسوية في الداخل، أو الخطاب الصهيو-أميركي والبهلوي الذي وضع حرية المرأة كأحد مبررات الحرب الحالية على إيران.
والمرأة في هذا التوظيف ليست مستفيدة من المشهد أو صانعة له؛ هي فقط أداة من أدواته.
القمع كنظام متكامل… من الشرطة إلى الخوارزمية
لا يكتفي النظام الإيراني بالقمع التقليدي المتمثل في الاعتقال والعنف والغرامات، بل يطوّر في الوقت ذاته منظومة مراقبة شاملة تجمع بين الكاميرات المنتشرة في الأماكن العامة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتمييز الوجوه، وتطبيقات التبليغ المفتوحة أمام المخبرين. وكل هذه المنظومة موجهة في جوهرها نحو رصد الجسد المؤنث والتحقق من امتثاله المستمر بالشكل المطلوب.
إقرأوا أيضاً:
هذا ينتج نوعاً من المجتمع الانضباطي والمُجندر، الذي يركز القمع على جسد المرأة تحديداً بوصفه الحقل الرئيسي للتأديب السياسي. المرأة في هذا النظام تعيش دوماً تحت نظرة مراقبة محتملة، وهذه المراقبة تنتج بذاتها سلوكاً ضبطياً يقوم على المراقبة الذاتية حتى في غياب شرطة الأخلاق الجسدية. فهي تراقب نفسها قبل أن يراقبها الآخرون، وتدير حجابها وحركتها وكلامها ووجودها الرقمي والجسدي وفق معايير فُرضت بالخوف وعزّزها التكرار حتى بدت طبيعية.
كشفت بعثة تقصي الحقائق الأممية أن “خطة نور”، وهي حملة أمنية أطلقتها السلطات الإيرانية في 2024 تحت مسمى مكافحة سوء الحجاب، تعتمد على أنماط متصاعدة من العنف الجسدي ضد النساء بسبب الحجاب، وترتبط بمراقبة رقمية تطاول المجال الخاص في البيوت أيضاً، ولا تقتصر على الفضاء العام. وفي كانون الثاني/ يناير 2026 وثّقت منظمة العفو الدولية أن قطع الإنترنت كان أداة مقصودة لإخفاء الانتهاكات الجسيمة خلال قمع الاحتجاجات التي عُرفت لاحقاً بـ”يناير الدامي”. وهو أيضاً انتهاك حقوقي مستقل بذاته لأنه يمنع التوثيق، ويمكّن الإفلات من العقاب، ويضلل الرواية المضادة.
هذا الترابط بين العنف الجسدي المباشر، والمراقبة الرقمية المستمرة، وقطع الإنترنت، والعزل عن العالم الخارجي، ينتج بنية لا مهرب منها؛ فلا مجال للمرأة أن تفلت من نظرة الدولة في الفضاء العام أو الخاص أو الرقمي. جسدها مراقب بالكاميرات، وحركتها مرصودة بالخوارزميات، وأي محاولة لتوثيق الانتهاك تصطدم بجدار رقمي يعوق وصول روايتها إلى العالم.
وفي هذا السياق يُعرض المشهد الدعائي للنساء المسلحات: الدولة تتيح لنساء مختارات بعناية أن يكنّ مرئيات في العرض العسكري وفق شروطها، بينما تحتفظ بالسلطة الشاملة على مرئية كل النساء الأخريات. أن تكون المرأة مرئية هنا ليس خياراً ذاتياً، بل قرار سياسي تحدد فيه السلطة أي امرأة تُرى، وكيف تُرى، ومتى، وبأي معنى تصل إلى المشاهد.
مهسا أميني والحجاب كرمز للتناقض الجوهري
لا يمكن الحديث عن الحجاب في هذا السياق المركب من دون استحضار اسم مهسا أميني، ليس لأنها مجرد رمز تذكاري مناسب للاستشهاد، بل لأنها تجسّد التناقض الأساسي الذي يصرّ الخطاب الدعائي على إخفائه وطمسه.
أشارت بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى أن وفاة أميني في الحجز كانت نتيجة عنف جسدي مارسته شرطة الأخلاق بحقها بسبب عدم الالتزام بشكل الحجاب المطلوب. الحجاب نفسه الذي يظهر في العرض الدعائي بوصفه شارة تمكين وقوة، هو الحجاب الذي اعتُقلت بسببه شابة وماتت في الحجز في لحظة من لحظات التاريخ القريب. هذا التطابق بين الرمزين، رمز الموت ورمز التمكين، هو ما يكشف الأزمة الرمزية التي تعيشها السلطة الإيرانية منذ 2022.
الحجاب في الخطاب الرسمي الإيراني ليس خياراً دينياً شخصياً أو هوية ثقافية، بل أداة ضبط سياسي للجسد الأنثوي، مدعّمة بمنظومة قانونية وأمنية. وعندما يُفرض بالعنف والاعتقال والغرامات وشرطة الأخلاق وقطع الإنترنت والمراقبة الرقمية وكاميرات الذكاء الاصطناعي، فهو لا يمثل تعبيراً عن هوية، بل علامة إذعان مفروضة تُقاس عليها درجة امتثال المرأة لسلطة الدولة على جسدها. وعندما يُستعرض هذا الحجاب نفسه في مشهد تعبوي بوصفه إشارة الى القوة الوطنية، فإن السلطة تصادر الرمز وتعيد تشكيله قسراً. وهذا هو جوهر العنف الرمزي: أن يقبل المقهور الهيمنة بوصفها طبيعة أو خياراً أو هوية، عبر إخفاء الطابع القسري والإكراهي للعلاقة التي أنتجت هذه الهيمنة وأبقتها. وما يفشل هذه المحاولة الرمزية هو دماء مهسا أميني، التي ليست وحيدة في هذا السجل.
ما لا يستطيع أي عرض محوه
يمكن قراءة هذا العرض بوصفه اعترافاً ضمنياً بهزيمة رمزية عميقة لم تتعافَ منها السلطة. شعار “امرأة، حياة، حرية” هزّ صورة النظام في مخيلة العالم، وأعاد تعريف المرأة الإيرانية في المخيال الجمعي تعريفاً جذرياً: لم تعد محجبة صامتة راضية، بل ذاتاً فاعلة ومقاومة تطالب بحقوقها الجوهرية وتدفع ثمناً باهظاً في سبيلها. هذا التحول الجذري في الصورة العالمية كافٍ وحده لإرباك السلطة، فكان ردها أن تسعى الى استرداد صورة المرأة واحتكار تعريفها من جديد.
لكن هذه المحاولة اليائسة لاسترداد الصورة تفشل حتماً؛ فالنظام يحاول بيع وهم التمكين، لأن التمكين الحقيقي يعني نهايته بالصيغة التي يعمل بها منذ عقود. هو يحتاج المرأة منضبطة ومحجبة بالشكل الذي يقرره، ومطيعة لحدوده، ومعبّأة لحروبه كي يستمر. وعندما تطالب المرأة بأن تكون ذاتاً مستقلة خارج هذه الشروط الصارمة، فإنها تهدد البنية كلها من أساسها. لذلك لا يمكنه منحها هذا الاستقلال الحقيقي؛ يمكنه فقط أن يقدم له محاكاة دعائية.
الوردي على البنادق لا يلطف العنف الممارس على النساء ولا يخفف حدته، بل يؤنسنه بصرياً ويجمله حتى يجعله مستساغاً للاستهلاك العالمي. لكن النساء اللواتي يحملن في ذاكرتهن الحية اسم مهسا أميني، ونساء السجون، ونساء البيوت المغلقة، ونساء الحداد اليومي على من قتلهن العنف، ونساء القوميات المهمشة اللواتي يعشن عنفاً مضاعفاً، والنساء اللواتي يخاطبن إلهاً من شرفة منزل أو قبور أحبائهن أو قطعة ملابس، والنساء اللواتي رأين في الدراجة النارية حرية ورأت فيها الدولة فضيحة ثم رأت فيها لاحقاً بطولة حين احتاجت إلى توظيفها—كل هؤلاء يعرفن، بيقين تجربتهن المعاشة، أن ما خلف الوردي لم يتغير جوهرياً.
وتبقى المعضلة الحقيقية سؤالاً مفتوحاً: إذا كانت السلطة تعترف ضمنياً بهزيمتها الرمزية من خلال هذا العرض، فهل هذا يعني أن الحركة النسوية الإيرانية، على رغم بطئها، انتزعت شيئاً لا يمكن إعادته؟ وما الذي يبقى من مشروع حين تجد السلطة نفسها مضطرة لسرقة شعاراته؟ ربما هذه المفارقة أن يتحول الخصم إلى ناقل لأفكارك رغماً عنه هي أقوى دلالة على أن ثمة شيئاً قد تغير فعلاً، لا في صورة النظام، بل في الصورة التي تملكها المرأة الإيرانية عن نفسها.
وهذه الصورة والمقاومة المتجذرة في الجسد والتجربة والذاكرة الجمعية للنساء الإيرانيات، لا يستطيع أي عرض مهما أحكم إخراجه أن يمحوها أو يحاصرها أو يعيد تعريفها من خارجها.
إقرأوا أيضاً:












