يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

شاذّ أو لوطي أو كوير؟ :عن أوهام إعادة تملّك تصنيفات القتل العربية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إعادة التملّك اللغوي هي عمليّة سوسيو- لسانية وسياسية تقوم بها جماعة موصومة تجاه مفردة كانت تُستخدم تاريخياً كأداة إهانة وقمع ضدها، فتقوم بانتزاعها من سياقها المُهين وإعادة تدويرها بوصفها علامة هويّة إيجابية أو محايدة وحتى فخورة. الممارسة لا تتعلّق بتغيير معنى الكلمة، قدر تعلّقها بفعل مضادّ للهيمنة الرمزية

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في عام 2023، وبسبب غضب مني لواقع استخدام؛ بوعي أو دونه، جزءاً كبيراً من أفراد مجتمع الميم عين+ في العراق، أو على الأقلّ ضمن محيطي الاجتماعي والرقمي حينها، التسميات الشعبوية والشوارعية لوصف أنفسهم واحتقار الآخرين في الوقت ذاته، كتبت “الطعشات” رغم المحدودية التي كتبت المقال فيها، لكن كرفض لكل تلك التسميات الشعبوية والشوارعية التي يصف بها الأفراد أنفسهم؛ رغم دلالتها “الاعتدائية و البيدوفيلية أيضاً”، ليس لكونها احتقارية فقط، متجاوزة اللفظ لتكون أفعالاً وأدوات داخل سياق حيّ مرتبطة بقوّة الوصم والعنف والتأديب وحتى القتل داخل استخداماتها الفعلية. 

بدءاً من “فَرِخ”و”جرو”، الأولى مشتقّة من “فَرَخ” بفتح الراء التي تُستخدَم عادة في جنوب العراق لوصف أطفالهم، اشتقاقاً من فرخ الكلمة نفسها التي تُطلق على صغار الطيور والدواجن، ثم توسّعت استعارياً لتشمل الأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة. ولاحقاً تحوّرت صوتياً ودلالياً من تصنيف عمري شفاهي إلى أداة لوصم الاستتباع الجنسي والجندري ضمن فئة عمرية معيّنة. 

بينما الأخيرة  جرو/جراوي “صغير الكلب”، هي نوع من الإحالة الحيوانية أو Dehumanization التي أيضاً تشير إلى الاستتباع الجنسي والجندري في حالة استخدامها على البالغين، وهو أمر نادر بخروج الأفراد من المعايير الأبوية عن الأدوار الجنسية والجندرية، لتلحق الفرد بناءً على الدور الجنسي أثناء الممارسة ضمن منظومة ترى هذا انزياحاً أو خللاً في معايير الذكورة والفحولة. بينما إطلاق صفة “جرو” كانت على بالغ أو قاصر/ حدث، هي للتجريد من الإنسانية وإلحاقه مجازياً بكيان صغير وخاضع بطبيعته. 

كلمات أخرى مثل “طنطا” التي تُستخدَم عادة مثلما يستخدم العرب اليوم مفردة “ديوث”، لوصف أيّ نوع من الرجال لا يمارس دوره الجندري بالمعيارية الأبوية والسلطة نفسيهما، بينما “ته نته” وهي الكلمة نفسها ولكن بالكردية، تُستخدَم في كل السياقات التي ذكرتها وصولاً إلى مفردة “فرجة” المشتقّة من “فرشاة” بدلالة عدم قدرة الضحيّة؛ هنا تحمل فعل الإيلاج فيكتفي الفاعل “بالتفخيذ”، وأخرى مثل “حلوين” وهي الأشهر، التي إذا ما قارنّاها بكلمات من ثقافات أخرى فهي الأكثر قرباً لـ”الباتشا بازي” أو “بچه بازی” بالفارسية، وهو المصطلح العامّي الأفغاني الذي يشير إلى الاستغلال الجنسي والاتّجار بالأطفال.

 المصطلح لم يتوقّف على الممارسة ذاتها التي تبدأ بخطف الأطفال وشرائهم في أحيان كثيرة، إلى مساحيق التجميل وارتداء ملابس مجندرة على إنها مؤنّثة والرقص وسط محافل الرجال التي تنتهي باعتداء جنسي، لكنّه صار وصفاً للأطفال أيضاً. المفردتان تعملان بالطريقة نفسها كوصف للفرد والفعل الجنسي والدور في الوقت ذاته.

كل هذه الدوال (الاقترانات) تحمل مدلولها الخاصّ معها أيضاً، وتعمل ضمن ما يسمّيه النحوي عبد القاهر الجرجاني (توفّي 471 هـ) النُظُم، أي الكيفية التي تترابط وتتآلف بها الكلمات داخل التركيب لتعكس المعنى العقلي والنفسي وتؤدّي غرض المتكلّم، لكنّها أيضاً كونها كلمات منفردة تكون ضمن نُظُم ضمنية، لا تُنطق كلفظ معجمي معزول في فراغ. هي في حقيقتها جملة محذوفة أو نظم مضمر يستحضره السامع والمتكلّم فور نطقها تماماً مثل الألفاظ العربية الكلاسيكية “لوطي، سحاقية، خنثى، مخنّث وشاذّ الحديثة نسبياً”، التي صارت جزءاً من خطاب إعادة التملّك Re-appropriation، الذي بدأ يظهر بين أفراد من مجتمع الميم عين + في المهجر، الذين يعيشون حالة من الكاريكاتير الاستشراقي الأجوف الباحث عن أصالة مزيّفة متناسين خلالها أن لوطي ليست شتيمة عائمة كما كانت “كوير/Queer”، وأن دلالتها الدينية والفقهية تمتدّ لأربعة عشر قرناً، ولا تزال حتى هذه اللحظة تحمل الدلالة ذاتها عبر استخدامها الحيّ، واستخدامها في أيّ سياق  يستدعي بالضرورة الفقة والعقاب والموت وواقعها المفصولين عنه بين الفتوى والقانون والمجتمع والعائلة المؤدّية جميعها إلى السجن أو/و القتل.

يمتدّ هذا الخلط الوهمي من تبنّي التسميات الشوارعية المحلّية الجارحة والاعتدائية إلى محاولة استيراد المفاهيم وتطويعها في الفضاءات الرقمية وفضاءات المهجر، فمثلما يتحوّل التداول لتلك الألفاظ في الشارع العراقي إلى أدوات عنف وتأديب وملاحقة، تنزلق بوعي طبعاً جماعات في المهجر تؤطّر نفسها كمناضلين لحقوق مجتمع الميم عين + في المنحنى ذاته، عبر محاولة إعادة تملّك الألفاظ العربية الكلاسيكية بمعزل عن ثقلها الواقعي وآليّات اشتغال اللغة ذاتها وسلطتها الاجتماعية والدينية. 

لماذا لوطي ليست مثلي؟ 

يحدَّد تعريف مصطلح لوطي عبر ثلاث مستويات متداخلة، على المستوى اللغوي الكلمة تعني الانتساب إلى النبي لوط وقومه، وإن لم تكن النسبة لغوياً دقيقة، وهناك إشكال في نسبها إلى لوط النبي فقد تناقلتها المعاجم على هذا الشكل بأنه من يعمل عمل قوم لوط. واصطلاحياً كانت محصورة في الطرف الفاعل فقط في العلاقة الشرجية، بينما الطرف الآخر المفعول به كان تحت مسمّيات مختلفة، المأبون الذي يعاني من الأبنة أو المخنّث الذي يفقد دوره الاجتماعي بممارسته الفعل، ممّا يحافظ على التمايز بين الأدوار وعلى المستوى السلوكي لا يُعتبر الشخص لواطياً لمجرّد حمله ميلاً أو شهوة، إنما فقط من يرتكب الفعل المادّي، وهذا يفصلهما جوهرياً عن “مثلي جنسياً” الحديثة التي تشير إلى هويّة ذاتية وميل مستمرّ بغض النظر عن الممارسة . 


لوطي ليست كلمة عائمة في فراغ أيضاً، النظام قسّم الأفراد على أساس الأدوار الجنسية لا على جنس الشريك. أمّا مثلية فتذيب هذه الحدود وتدمج الأدوار تحت مظلّة هويّاتية موحّدة غائبة عن التراث تماماً، لهذا فإن لوطي أداة داخل منظومة عنف متواصل، تتجذّر خطورتها في حمولتها الدينية والفقهية. 

وثّق خالد الرويهب في “ما قبل المثلية الجنسية في العالم العربي والإسلامي“، تباين المذاهب الأربعة والمذهب الإمامي الاثني عشري في تكييف فعل اللواط وتجريم فاعله بعقوبات رادعة. التعزير المخفّف عند الحنفية، الجلد والتغريب أو الرجم بحسب الإحصان عند الشافعية والحنابلة، الرجم المطلق دون تمييز عند المالكية، والقتل عند الإمامية. شروط الإثبات كانت معقّدة اشتراط أربعة شهود عيان برؤية الإيلاج المباشر أو الإقرار الطوعي. هذا التعقيد الإجرائي لم يُضعف من وظيفة اللفظ، فقد رسّخ في الوعي الجمعي ارتباطه حصراً بارتكاب فعل معاقب عليه. 

هذا الارتباط الممتدّ لأربعة عشر قرناً ليس تاريخاً أرشيفياً، الدين في جوهره هو تقليد خطابي حيّ، أي أنه ممارسة مستمرّة يتّصل بها الممارسون المعاصرون بماضي تأسيسي عبر جدل حيّ حول معانيه. كل استخدام للفظ يُعيد تفعيل قصّة لوط والفقه وفتاوى القتل ليتحوّل الماضي التأسيسي إلى سلطة حاضرة تحكم. الفتاوى المعاصرة التي تجيز القتل في إيران واليمن والسعودية ومسوّدة قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي في العراق، التي خفّفتها من الإعدام إلى السجن 15 عاماً ضغوط دولية على العراق باعتراف نوّاب من داخل البرلمان، كلها لا تستند إلى نصّ ميت أو أرشيف ثقافوي. هي مشاركة في جدل حيّ يُعيد ربط الممارسين بقصّة لوط كل مرّة يطلق فيها اللفظ. لا يمكن الحديث عن المفردة بمعزل عن استحضار الفتوى، واستحضار القتل، والتاريخ التأسيسي الذي يمنح اللفظ شحنته الدموية الرمزية، فمنذ لحظة تداوله الأولى لم ينفصل الاسم يوماً عن أصله الإلهي والتأسيسي في قصّة قوم لوط، وما ارتبط بها من عقاب إبادة وهلاك، وهو ما يجعل اللفظ محكوماً بجذر عقائدي ديني ومقدّس لا يُنسى. هذه الجذور التأسيسية تتجدّد باستمرار عبر الفتوى التي تترجم النصّ الديني إلى واقع معاش وإجراء عملي، أي سلطة حيّة تقنّن الإقصاء وتشرعن القتل ومن داخل هذه الفتاوى يخرج القتل كحتمية لا مجرّد انحراف عابر. 

الفرق الحقيقي في معيار التصنيف نفسه لوطي رجل بالغ يمارس دور الفاعل مع غلام لم يكن يُعتبر قد انتهك ذكوريته، أو خرج عن موضوعه الاجتماعي كفاعل. كانت تشير إلى دور محدود وليس إلى توجّه شامل المثلية كمفهوم حديث، بالمقابل تُعرّف الفرد من الذات والهويّة والممارسة والشريك بغضّ النظر عن الدور، كلاهما مثلي بالقدر نفسه، والأهمّ أن لوطي ولدت لتكون داخل نظام فقهي جنائي يصنّفها كجريمة ذات عقوبة محدّدة. الفاعل والمفعول به لم يكونا متساويين في الحكم الشرعي، ولم تكن لديهما هويّة مشتركة، كانا تحت نظام عقاب مختلف، أمّا مثلي جنسياً فعلى العكس، ولد في سياق حقوقي وعلم نفسي. هذه ليست الكلمة نفسها وجدت مكاناً آخر فكلاهما بنيتان معرفيتان مختلفتان تماماً، كل واحدة مرتبطة بنظام سلطة مختلف. 

لم تستخدم مفردة “شاذّ/ شذوذ” لوصف المثليين حتى أربعينيات القرن العشرين، وتتبّع متى تمّ استخدامها أوّل مرّة يحتاج إلى سنوات من التنقيب على المفردة، لكنّ الرويهب في كتابه أشار إلى خلوّ دراسة عمر فروخ لشعر أبي نؤاس التي صدرت أوّل مرّة في عام 1932 من المصطلح، على الرغم من حديث المؤلّف الرافض والمستهجن لموضوع التغزّل بالمذكّر أو العشق اللواطي الذي امتاز به الشاعر، وخلافاً لهذه الدراسة تمّ توظيف المصطلح واعتماده في سلسلة من الدراسات عن الشاعر ذاته، صدرت أواخر أربعينيات القرن العشرين ومطلع الخمسينيات. ما يبدو واضحاً أن مصطلح شذوذ جنسي قد اعتُمد للتعبير عن مفهوم “الانحراف الجنسي/Sexual Deviance” الذي يشمل معه العادة السرّية والممارسات السادو- مازوشية، قبل أن ينحصر في المثلية الجنسية. 

حتى أن استعمال مصطلح جنسي بمعنى Sexual هو أيضاً ابتكار اصطلاحي يعكس المفهوم الغربي الجديد عن الجنسانية. لا يوجد تاريخ لمتى تمّ استعمال شذوذ جنسي للمرّة الأولى بشكل دقيق، لكنّ هذه الترجمة دُمجت تحت مظلّة واحدة، ظواهر كانت متمايزة بين اللواط الفاعل والمفعول به والمخنّث والأبنة، وحوّلت المعصية السلوكية المحرّمة إلى “مرض”و”انحراف” ملازم لهويّة الإنسان وكينونته، وحتى افتراض أن لواطي ترجمتها مثلي أو شاذّ، طمس لدلالة اللفظ التاريخية، كما أن شذوذ جنسي دخلت إلى العربية قبل “مثلية جنسية”، ولم تكن “شاذّ” بطبيعتها  قبل ترجمة المفهوم مرتبطة إطلاقاً بالممارسات الجنسية المثلية. 

لماذا يصرّ المجتمع على “شذوذ”؟

يتجسّد المخيال الاجتماعي كقوّة لا مرئية وجماعية لإنتاج دلالات يخرج منها كل البنى الرمزية والمؤسّساتية الاقتصاد، القانون، المؤسّسة، الدين، وفي حالة العراق القبلية والعشائرية وحتى الطائفية منها. وهو ما يؤسّس “النحن” الجماعية ويحوّل الفرد إلى فرد اجتماعي منتمٍ بالمشاركة في الدلالات المشتركة، أي أن المجتمع يؤسّس نفسه بنفسه من خلال دلالات مخياله. 

شذوذ جنسي أو شاذّ هنا هي رمز وليست لفظاً فقط، يجمع بين صورتين مخياليتين في مكان واحد، صورة الانحراف المرضي القادمة من الطبّ النفسي الأوروبي، وصورة عقاب قوم لوط القديمة المتجذّرة في المخيال الديني الجماعي، في المقابل تحمل “مثلي” صورة منافسة، صورة المماثلة والحقوق والمساواة والإصرار على شذوذ هو رهان على أيّ الرمزين ينظّم إدراك الجماعة/ المجتمع. هل ترى في الظاهرة صورة الجسد المهدّد بالهلاك والعقاب أم صورة الفرد المتساوي الذي يستحقّ مكانته وحقوقه في المجتمع؟ 

الجماعة كما يمكن فهمها عند الفيلسوف اليوناني- الفرنسي كورنيليوس كاستورياديس في “تأسيس المجتمع مخيالياً” لا تُدرك حدودها إلا عندما تواجه ما يخرج عنها. وهذا الحدّ أو الخطّ إن صحّ التعبير لا يُرى من الداخل لكنّه يكون واضحاً لها من الخارج. أي أن دلالة المخيال التي تؤسّس “النحن” لا بما هي عليه، إنما بما هي ليست عليه، جسّدت الدولة العراقية بقوانين حديثة ذلك عبر مرحلتين. الأولى عبر هيئة الإعلام والاتّصالات باستبدال مثلية جنسية بشذوذ جنسي، وأيضاً منع كل من جندر ونوع اجتماعي، ولاحقاً في تعديل قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي في عام 2024، معرّفة الشذوذ على أيّ ممارسة جنسية بين أفراد من الجنس ذاته وتجريم العبور الجندري وكل ما يتّصل بمظاهر التعبير الجنساني، وهو ما أُشير إليه بالتخنّث أو التشبّه بالنساء. 

غير أن شذوذ جنسي بحسب ما استقرّت عليه منذ أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، ليس طرفاً حديثاً منفصماً عن لوطي ذاتها، لكنّه اللفظ الذي أنجز الدمج بين الصورتين، فاستعار من الطبّ النفسي غلافه العلمي ليُعيد إنتاج الشحنة العقابية نفسها التي حملتها لوطي حتى بعد إزالة المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، محتفظاً بها هذه المرّة تحت واجهة تبدو محايدة وعلمية، وهذا يفسّر لماذا لا يدار صراع شذوذ ضد مثلي بوصفه صراعاً حديثاً، فهو استمرار مموّه للصراع الأقدم للوطي وقد أُعيد تدويرها (المفردة) داخل مؤسّسات الدولة والطبّ الحديثين. الإصرار على شذوذ ليس فقط من الدولة العراقية ومن المجتمع العراقي والعربي عامّة، هو ليس عناداً لغوياً، هو في جوهره دفاع عن مخيال مؤسّس تُبقي الجماعة من خلاله الظاهرة داخل إطار المرض القابل للعلاج والعقاب، والعلاج هنا الاغتصابات التصحيحة طبعاً، أو ما يُعرف بعلاجات التحويل، وهو أمر غير مطروح في القانون لكنّه موجود ضمن المجتمع. بينما مثلي تحوّل السؤال من “ماذا يفعل؟ “إلى “من يكون؟”، والكلمة أو اللفظ هنا ليس نافذة على الواقع إنما الواقع الذي ما زال يُبنى. 

ألعاب اللغة من سوسير إلى فيتغنشتاين

لا يمكن تعديل دلالة الألفاظ بالإرادة الفردية الخاصّة، عند فردينان دو سوسير الرابط بين الدالّ الصوتي والمدلول الذهني يظلّ تعسّفياً ومحكوماً بالأطر الاجتماعية والتاريخية الطويلة، حيث اكتسبت مفردة لوطي مثلاً عبر أربعة عشر قرناً، شحنتها الصارمة المرتبطة بالفعل الفقهي المجرّم والحدود الشرعية، غير أن التعسّف الأصلي لا يفسّر وحده استحالة إعادة التملّك، وما يحسم الأمر فعلياً فإن قيمة أيّ دالّ بحسب سوسير تستمدّ من موقعه داخل شبكة العلاقات التي تشكّل اللغة كنسق متزامن، لا من مضمون داخلي ثابت يحمله بمعزل عنها، وهذا يعني أن أيّ محاولة فردانية لتحويل دلالة لوطي تصطدم بعبء أربعة عشر قرناً من الاصطلاح أوّلاً، ثم ببنية النسق كاملة، إذ يستحيل زعزعة قيمة علامة واحدة من دون زعزعة الشبكة التي تربطها بجميع العلامات المجاورة لها. وهي شبكة أو مخيالاً بشكل أدقّ لا يملك الفرد المعزول ولا الجماعة في المهجر سلطة الفصل فيها بمفردها، وعلى العكس قد يُتّهم من يحاول ذلك في أحسن الأحوال بالإسلاموفوبيا، لأن قيمة الدالّ هي من الدين حصراً. 

عندما تتبدّل دلالات الألفاظ عبر التاريخ، يحدث ذلك بحسب سوسير عند مستوى تعاقبي بطيء عبر انزياح تدريجي  في استعمال الجماعة اللغوية بأكملها جيلاً بعد آخر، وليس عن المستوى الآني الذي يحاول فرضه خطاب هويّاتي يريد تعديل قيمته الدلالية بقرار واحد يصدر من خارج الجماعة الناطقة به فعلياً. 

لا يستطيع أيّ متكلّم عزل اللفظ عن نسقه التاريخي ليحوّله تعسّفياً إلى مطابقة للمثلية الجنسية الحديثة، لأن اللغة هي نظام اجتماعي جماعي لا يخضع لأهواء الطارئين، كما أن  المجتمعات في المنطقة العربية لن تتوقّف عن استعمال دلالاتها الدينية، فهي تستغلّ كل فرصة لتذكّر المجتمع ذاته بحدوده عبرها.

الكلمات أيضاً يمكن فهمها عبر مفهوم رأس المال الرمزي الخاصّ ببيير بورديو، فهي في جوهرها ليست أدوات تواصل محايدة تشكّل الكلمات أشكالاً من رأس المال وسلطة إدراكية تصنّف العالم. ينتمي أفراد المهجر إلى حقل ثقافي علماني- ليبرالي تتمتّع فيه المفردات بحصانة قانونية وأمان نسبي، بينما تنتمي المفردات ذاتها في الداخل العراقي إلى حقل ديني وعشائري صارم تحكمه آليّات الردع والعنف المادّي، الكلمات هنا محتكرة من مؤسّسات بعينها، الفقه والعشيرة والدولة، وما يبدو واضحاً أن وهم إعادة التملّك هو نوع من الاسترداد الهويّاتي، لكنّ إسقاط الخطاب الهويّاتي المهجري على الداخل، يتجاهل هذا الفارق بين الحقلين ويتحوّل إلى استشراق ذاتي تمارسه نخبة تنطق باللفظ في إحدى عواصم العالم، وتحوّل معاناة الأجساد المحلّية إلى خلفية رومانسية لصراع لا تدفع ثمنه في موقعها الحالي. 

وما يمارس في هذا، يتجاوز التسامح اللغوي حسن النيّة إلى فرض تصنيف هويّاتي مستعار يخدم جانب منه صورة صاحبة أمام محيطه الغربي أو أمام نفسه، بوصفه مثقّفاً راديكالياً يرفض الوصاية المعرفية ويستعيد جذوره، فيتحوّل لفظ يُعاقب عليه القانون ويُقتل بسببه أناس فعليون  إلى ما يشبه أكسسواراً هويّاتياً، متجاهلاً أن قوّة الكلمة وفاعليتها الحقيقة مستمدّة حصراً من المؤسّسات المحلّية الفاعلة، لا من رغبات أفراد منقطعين عن بيئتهم الحيّة. 

في تحقيقات فلسفية يرى فيلسوف اللغة لودفيغ فيتغنشتاين أن لا وجود لمعاني معزولة في قواميس افتراضية، وأن معنى الكلمة يتحقّق حصراً عبر استخدامها الفعلي داخل سياق حيّ لما يسمّيه “لعبة اللغة”.

 فيتغنشتاين في تحليله لاتّباع القاعدة، يرى أيضاً أن لا أحد يستطيع اتّباع قاعدة ما لمرّة واحدة، أو بمعزل عن الآخرين، وذلك لأن اتّباع القاعدة نفسه هو عادة مؤسّساتية اجتماعية وتراكمية تصحّح نفسها عبر مسارات مشتركة مستمرّة، وليست فعلاً منفرداً يُعلن وينفّذ  فوراً، وعليه فإن إعلان جماعة صغيرة في المهجر أو فرداً  قاعدة استعمال جديدة للفظ لوطي، لا يُنتج قاعدة بالمعنى الذي حدّده فيتغنشتاين، بقدر ما ينتج محاكاة لقاعدة تفتقر إلى الجماعة المرجعية القادرة على تصحيحها، أو على التحقّق من صحّة تطبيقها داخل شكل الحياة الذي نشأت فيه الكلمة أصلاً.  

وعندما يُعزل لفظ لوطي في الفضاءات الأوروبية، ويُعاد نحته ضمن نظريات الكوير الما بعد كولونيالية لمنحه دلالة إيجابية أو تمرّدية، فهذا يقطع الصلة بين الكلمة ووظيفتها الواقعية، وتتحوّل إلى ترف نظري يُمارس خارج شكل الحياة الذي وحده يمنحها معنى قابلاً للتحقّق، غافلة عن أن الشحنة نفسها التي نُحت بها بحرّية في مؤتمر ما أو على وسائل التواصل، ما زالت تُستخدم على بعد آلاف الكيلومترات كأداة سحق وقتل وسجن فعلية لمن لم يغادروا حقلها الأصلي. 

هل نحن بحاجة إلى إعادة التملّك؟

إعادة التملّك اللغوي هي عمليّة سوسيو- لسانية وسياسية تقوم بها جماعة موصومة تجاه مفردة كانت تُستخدم تاريخياً كأداة إهانة وقمع ضدها، فتقوم بانتزاعها من سياقها المُهين وإعادة تدويرها بوصفها علامة هويّة إيجابية أو محايدة وحتى فخورة. الممارسة لا تتعلّق بتغيير معنى الكلمة، قدر تعلّقها بفعل مضادّ للهيمنة الرمزية، أي إعادة توزيع سلطة التسمية الذاتية التي تحتاج شروطاً بنيوية لتحقيقها، من قيام أفراد الجماعة الموصومة أنفسهم بها من موقع قوّة نسبية وتحويلها من توصيف من الخارج إلى تسمية للذات من الداخل، بالإضافة إلى مشروع سياسي ومعرفي كامل يُعيد تشكيل الدلالة.

كلمة كوير/queer تعني حرفياً الغريب، المائل، غير الطبيعي، الشاذّ. استُخدمت كشتيمة ليس ضد المثليين/ ات فقط شملت حتى العملات المزيّفة قبل أن تستقرّ على الأفراد والهويّات- الميول. جوهرها الدلالي الأصلي هو الغرابة والانحراف عن المعيار بشكل مجرّد. إعادة تملّك كوير حدثت بين الشارع والأكاديمية والحركات الاجتماعية بالتوازي، منذ تخلّي الحكومة الأميركية عن ضحايا الإيدز وصولاً إلى مجموعة queer nation ومنشورات queers read this. في الفترة نفسها حدثت ثورة أكاديمية موازية بين تيريزا دي لورينتيس وإيف كوسوفسكي سيدجويك وجوديث بتلر وأسماء كثيرة أخرى حول الجندر، الكلمة لم تعد تعني “مثلي” أو لم تكن تعني مثلي من الأساس وأصبحت موقعاً نقدياً. رفض ثنائيات الجنس والجندر والرغبة ونقد كل من المعيارية الغيرية والمثلية، كوير أصبحت أداة لزعزعة أو تخريب بمعناه البتلري للافتراضات والمعايير، الكلمة بذاتها تجاوزت الجنس والجندر. إعادة تملّكها نجحت لأنها أُرفقت بمشروع نظري كامل حول الوصم، من أنت “شاذّ عن المعيار” إلى المعيار ذاته هو المشكلة. 

أما في المنطقة العربية فلم تتوفّر هذه الموارد الاجتماعية والأكاديمية والتنظيمية وحتى السياسية، ولا حتى الحرّية الأساسية على امتلاكها أصلاً، ومع ذلك لم تتوقّف “الجماعة الكويرية” نفسها عاجزة عن إنتاج لغتها، فقد عملت عبر مفردات تجمعها مظلّة مجتمع الميم عين + مثلي/ة، ثنائي/ة الميل الجنسي، عابر/ة جنسياً- جندرياً، لا جنسي/ة، وحتى كوير وترانس بصيغتيهما الصوتيتين المنقولتين.

 هذه المفردات  مهما بدت منقولة أو غير مكتملة الجذر المحلّي، هي مفاهيمية تُستعمل وتُفكّك داخل النسق المفاهيمي للعلوم الإنسانية لفهم آليّات السلطة والجندر والمؤسّسة، وتستوفي شرطاً أساسياً يغيّر في محاولة استرداد الكلاسيكيات العربية، لأنها تُستعمل فعلاً داخل شكل حياة قائم كأوصاف واقعية وهويّاتية، ويتداولها أفراد مجتمع الميم عين + فيما بينهم/نّ، ويصحّحونها/ يصحّحنها، ويفاوضون على حدودها يوماً بعد يوم، وهو أيضاً الاستعمال الحيّ الذي يمنح الكلمة معناها بحسب فيتغنشتاين، بصرف النظر عن اعتراف الدولة بها أو تجاهلها أو محاولة طمسها وإخفائها.

لا تمثّل مفردات مجتمع الميم عين + محاولة قاصرة تقاس بمدى اقترابها أو ابتعادها عمّا تسمّيه النسوية الما بعد استعمارية/ أوما ناريان “الحُزم الثقافية” لهويّة أصيلة، التي غالباً ما تستند إلى التقاليد الأبوية والسرديات المهيمنة  ممّا يجعل أيّ خروج عنها تخلّياً عن الهويّة، وهو ما يدعو إلى مناقشة هل نعتبر مفردات لوطي، سحاقية،  مخنّث، خنثى، مأبون… أصيلة فقط لأن الاستعمار الإسلامي للمنطقة أو ما يسمّى بالفتوحات للتفخيم استخدمها؟ لكنّي سأكتفي إلى هنا.

 الجماعة اليوم، أي مجتمع الميم عين+ الذين/ اللواتي يفترض أن ينوب عنهم/ نّ هذا الاسترداد، لم يكونوا/ نّ بانتظار تصنيف يُستخرج من نصّ فقهي ليتحدّثوا/ نّ عن أنفسهم/ نّ. مجتمع الميم عين + صُنع بموارد قليلة، مفردات حيّة تخدمه فعلاً في اليومي والمعاش، بينما يظلّ استرداد تصنيفات القتل العربية مقترحاً يُطلق من مسافة على لسان من صارت علاقته بالكلمة علاقة كتابة لا علاقة عيش يومي. 

19.09.2026
زمن القراءة: 13 minutes

إعادة التملّك اللغوي هي عمليّة سوسيو- لسانية وسياسية تقوم بها جماعة موصومة تجاه مفردة كانت تُستخدم تاريخياً كأداة إهانة وقمع ضدها، فتقوم بانتزاعها من سياقها المُهين وإعادة تدويرها بوصفها علامة هويّة إيجابية أو محايدة وحتى فخورة. الممارسة لا تتعلّق بتغيير معنى الكلمة، قدر تعلّقها بفعل مضادّ للهيمنة الرمزية

في عام 2023، وبسبب غضب مني لواقع استخدام؛ بوعي أو دونه، جزءاً كبيراً من أفراد مجتمع الميم عين+ في العراق، أو على الأقلّ ضمن محيطي الاجتماعي والرقمي حينها، التسميات الشعبوية والشوارعية لوصف أنفسهم واحتقار الآخرين في الوقت ذاته، كتبت “الطعشات” رغم المحدودية التي كتبت المقال فيها، لكن كرفض لكل تلك التسميات الشعبوية والشوارعية التي يصف بها الأفراد أنفسهم؛ رغم دلالتها “الاعتدائية و البيدوفيلية أيضاً”، ليس لكونها احتقارية فقط، متجاوزة اللفظ لتكون أفعالاً وأدوات داخل سياق حيّ مرتبطة بقوّة الوصم والعنف والتأديب وحتى القتل داخل استخداماتها الفعلية. 

بدءاً من “فَرِخ”و”جرو”، الأولى مشتقّة من “فَرَخ” بفتح الراء التي تُستخدَم عادة في جنوب العراق لوصف أطفالهم، اشتقاقاً من فرخ الكلمة نفسها التي تُطلق على صغار الطيور والدواجن، ثم توسّعت استعارياً لتشمل الأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة. ولاحقاً تحوّرت صوتياً ودلالياً من تصنيف عمري شفاهي إلى أداة لوصم الاستتباع الجنسي والجندري ضمن فئة عمرية معيّنة. 

بينما الأخيرة  جرو/جراوي “صغير الكلب”، هي نوع من الإحالة الحيوانية أو Dehumanization التي أيضاً تشير إلى الاستتباع الجنسي والجندري في حالة استخدامها على البالغين، وهو أمر نادر بخروج الأفراد من المعايير الأبوية عن الأدوار الجنسية والجندرية، لتلحق الفرد بناءً على الدور الجنسي أثناء الممارسة ضمن منظومة ترى هذا انزياحاً أو خللاً في معايير الذكورة والفحولة. بينما إطلاق صفة “جرو” كانت على بالغ أو قاصر/ حدث، هي للتجريد من الإنسانية وإلحاقه مجازياً بكيان صغير وخاضع بطبيعته. 

كلمات أخرى مثل “طنطا” التي تُستخدَم عادة مثلما يستخدم العرب اليوم مفردة “ديوث”، لوصف أيّ نوع من الرجال لا يمارس دوره الجندري بالمعيارية الأبوية والسلطة نفسيهما، بينما “ته نته” وهي الكلمة نفسها ولكن بالكردية، تُستخدَم في كل السياقات التي ذكرتها وصولاً إلى مفردة “فرجة” المشتقّة من “فرشاة” بدلالة عدم قدرة الضحيّة؛ هنا تحمل فعل الإيلاج فيكتفي الفاعل “بالتفخيذ”، وأخرى مثل “حلوين” وهي الأشهر، التي إذا ما قارنّاها بكلمات من ثقافات أخرى فهي الأكثر قرباً لـ”الباتشا بازي” أو “بچه بازی” بالفارسية، وهو المصطلح العامّي الأفغاني الذي يشير إلى الاستغلال الجنسي والاتّجار بالأطفال.

 المصطلح لم يتوقّف على الممارسة ذاتها التي تبدأ بخطف الأطفال وشرائهم في أحيان كثيرة، إلى مساحيق التجميل وارتداء ملابس مجندرة على إنها مؤنّثة والرقص وسط محافل الرجال التي تنتهي باعتداء جنسي، لكنّه صار وصفاً للأطفال أيضاً. المفردتان تعملان بالطريقة نفسها كوصف للفرد والفعل الجنسي والدور في الوقت ذاته.

كل هذه الدوال (الاقترانات) تحمل مدلولها الخاصّ معها أيضاً، وتعمل ضمن ما يسمّيه النحوي عبد القاهر الجرجاني (توفّي 471 هـ) النُظُم، أي الكيفية التي تترابط وتتآلف بها الكلمات داخل التركيب لتعكس المعنى العقلي والنفسي وتؤدّي غرض المتكلّم، لكنّها أيضاً كونها كلمات منفردة تكون ضمن نُظُم ضمنية، لا تُنطق كلفظ معجمي معزول في فراغ. هي في حقيقتها جملة محذوفة أو نظم مضمر يستحضره السامع والمتكلّم فور نطقها تماماً مثل الألفاظ العربية الكلاسيكية “لوطي، سحاقية، خنثى، مخنّث وشاذّ الحديثة نسبياً”، التي صارت جزءاً من خطاب إعادة التملّك Re-appropriation، الذي بدأ يظهر بين أفراد من مجتمع الميم عين + في المهجر، الذين يعيشون حالة من الكاريكاتير الاستشراقي الأجوف الباحث عن أصالة مزيّفة متناسين خلالها أن لوطي ليست شتيمة عائمة كما كانت “كوير/Queer”، وأن دلالتها الدينية والفقهية تمتدّ لأربعة عشر قرناً، ولا تزال حتى هذه اللحظة تحمل الدلالة ذاتها عبر استخدامها الحيّ، واستخدامها في أيّ سياق  يستدعي بالضرورة الفقة والعقاب والموت وواقعها المفصولين عنه بين الفتوى والقانون والمجتمع والعائلة المؤدّية جميعها إلى السجن أو/و القتل.

يمتدّ هذا الخلط الوهمي من تبنّي التسميات الشوارعية المحلّية الجارحة والاعتدائية إلى محاولة استيراد المفاهيم وتطويعها في الفضاءات الرقمية وفضاءات المهجر، فمثلما يتحوّل التداول لتلك الألفاظ في الشارع العراقي إلى أدوات عنف وتأديب وملاحقة، تنزلق بوعي طبعاً جماعات في المهجر تؤطّر نفسها كمناضلين لحقوق مجتمع الميم عين + في المنحنى ذاته، عبر محاولة إعادة تملّك الألفاظ العربية الكلاسيكية بمعزل عن ثقلها الواقعي وآليّات اشتغال اللغة ذاتها وسلطتها الاجتماعية والدينية. 

لماذا لوطي ليست مثلي؟ 

يحدَّد تعريف مصطلح لوطي عبر ثلاث مستويات متداخلة، على المستوى اللغوي الكلمة تعني الانتساب إلى النبي لوط وقومه، وإن لم تكن النسبة لغوياً دقيقة، وهناك إشكال في نسبها إلى لوط النبي فقد تناقلتها المعاجم على هذا الشكل بأنه من يعمل عمل قوم لوط. واصطلاحياً كانت محصورة في الطرف الفاعل فقط في العلاقة الشرجية، بينما الطرف الآخر المفعول به كان تحت مسمّيات مختلفة، المأبون الذي يعاني من الأبنة أو المخنّث الذي يفقد دوره الاجتماعي بممارسته الفعل، ممّا يحافظ على التمايز بين الأدوار وعلى المستوى السلوكي لا يُعتبر الشخص لواطياً لمجرّد حمله ميلاً أو شهوة، إنما فقط من يرتكب الفعل المادّي، وهذا يفصلهما جوهرياً عن “مثلي جنسياً” الحديثة التي تشير إلى هويّة ذاتية وميل مستمرّ بغض النظر عن الممارسة . 


لوطي ليست كلمة عائمة في فراغ أيضاً، النظام قسّم الأفراد على أساس الأدوار الجنسية لا على جنس الشريك. أمّا مثلية فتذيب هذه الحدود وتدمج الأدوار تحت مظلّة هويّاتية موحّدة غائبة عن التراث تماماً، لهذا فإن لوطي أداة داخل منظومة عنف متواصل، تتجذّر خطورتها في حمولتها الدينية والفقهية. 

وثّق خالد الرويهب في “ما قبل المثلية الجنسية في العالم العربي والإسلامي“، تباين المذاهب الأربعة والمذهب الإمامي الاثني عشري في تكييف فعل اللواط وتجريم فاعله بعقوبات رادعة. التعزير المخفّف عند الحنفية، الجلد والتغريب أو الرجم بحسب الإحصان عند الشافعية والحنابلة، الرجم المطلق دون تمييز عند المالكية، والقتل عند الإمامية. شروط الإثبات كانت معقّدة اشتراط أربعة شهود عيان برؤية الإيلاج المباشر أو الإقرار الطوعي. هذا التعقيد الإجرائي لم يُضعف من وظيفة اللفظ، فقد رسّخ في الوعي الجمعي ارتباطه حصراً بارتكاب فعل معاقب عليه. 

هذا الارتباط الممتدّ لأربعة عشر قرناً ليس تاريخاً أرشيفياً، الدين في جوهره هو تقليد خطابي حيّ، أي أنه ممارسة مستمرّة يتّصل بها الممارسون المعاصرون بماضي تأسيسي عبر جدل حيّ حول معانيه. كل استخدام للفظ يُعيد تفعيل قصّة لوط والفقه وفتاوى القتل ليتحوّل الماضي التأسيسي إلى سلطة حاضرة تحكم. الفتاوى المعاصرة التي تجيز القتل في إيران واليمن والسعودية ومسوّدة قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي في العراق، التي خفّفتها من الإعدام إلى السجن 15 عاماً ضغوط دولية على العراق باعتراف نوّاب من داخل البرلمان، كلها لا تستند إلى نصّ ميت أو أرشيف ثقافوي. هي مشاركة في جدل حيّ يُعيد ربط الممارسين بقصّة لوط كل مرّة يطلق فيها اللفظ. لا يمكن الحديث عن المفردة بمعزل عن استحضار الفتوى، واستحضار القتل، والتاريخ التأسيسي الذي يمنح اللفظ شحنته الدموية الرمزية، فمنذ لحظة تداوله الأولى لم ينفصل الاسم يوماً عن أصله الإلهي والتأسيسي في قصّة قوم لوط، وما ارتبط بها من عقاب إبادة وهلاك، وهو ما يجعل اللفظ محكوماً بجذر عقائدي ديني ومقدّس لا يُنسى. هذه الجذور التأسيسية تتجدّد باستمرار عبر الفتوى التي تترجم النصّ الديني إلى واقع معاش وإجراء عملي، أي سلطة حيّة تقنّن الإقصاء وتشرعن القتل ومن داخل هذه الفتاوى يخرج القتل كحتمية لا مجرّد انحراف عابر. 

الفرق الحقيقي في معيار التصنيف نفسه لوطي رجل بالغ يمارس دور الفاعل مع غلام لم يكن يُعتبر قد انتهك ذكوريته، أو خرج عن موضوعه الاجتماعي كفاعل. كانت تشير إلى دور محدود وليس إلى توجّه شامل المثلية كمفهوم حديث، بالمقابل تُعرّف الفرد من الذات والهويّة والممارسة والشريك بغضّ النظر عن الدور، كلاهما مثلي بالقدر نفسه، والأهمّ أن لوطي ولدت لتكون داخل نظام فقهي جنائي يصنّفها كجريمة ذات عقوبة محدّدة. الفاعل والمفعول به لم يكونا متساويين في الحكم الشرعي، ولم تكن لديهما هويّة مشتركة، كانا تحت نظام عقاب مختلف، أمّا مثلي جنسياً فعلى العكس، ولد في سياق حقوقي وعلم نفسي. هذه ليست الكلمة نفسها وجدت مكاناً آخر فكلاهما بنيتان معرفيتان مختلفتان تماماً، كل واحدة مرتبطة بنظام سلطة مختلف. 

لم تستخدم مفردة “شاذّ/ شذوذ” لوصف المثليين حتى أربعينيات القرن العشرين، وتتبّع متى تمّ استخدامها أوّل مرّة يحتاج إلى سنوات من التنقيب على المفردة، لكنّ الرويهب في كتابه أشار إلى خلوّ دراسة عمر فروخ لشعر أبي نؤاس التي صدرت أوّل مرّة في عام 1932 من المصطلح، على الرغم من حديث المؤلّف الرافض والمستهجن لموضوع التغزّل بالمذكّر أو العشق اللواطي الذي امتاز به الشاعر، وخلافاً لهذه الدراسة تمّ توظيف المصطلح واعتماده في سلسلة من الدراسات عن الشاعر ذاته، صدرت أواخر أربعينيات القرن العشرين ومطلع الخمسينيات. ما يبدو واضحاً أن مصطلح شذوذ جنسي قد اعتُمد للتعبير عن مفهوم “الانحراف الجنسي/Sexual Deviance” الذي يشمل معه العادة السرّية والممارسات السادو- مازوشية، قبل أن ينحصر في المثلية الجنسية. 

حتى أن استعمال مصطلح جنسي بمعنى Sexual هو أيضاً ابتكار اصطلاحي يعكس المفهوم الغربي الجديد عن الجنسانية. لا يوجد تاريخ لمتى تمّ استعمال شذوذ جنسي للمرّة الأولى بشكل دقيق، لكنّ هذه الترجمة دُمجت تحت مظلّة واحدة، ظواهر كانت متمايزة بين اللواط الفاعل والمفعول به والمخنّث والأبنة، وحوّلت المعصية السلوكية المحرّمة إلى “مرض”و”انحراف” ملازم لهويّة الإنسان وكينونته، وحتى افتراض أن لواطي ترجمتها مثلي أو شاذّ، طمس لدلالة اللفظ التاريخية، كما أن شذوذ جنسي دخلت إلى العربية قبل “مثلية جنسية”، ولم تكن “شاذّ” بطبيعتها  قبل ترجمة المفهوم مرتبطة إطلاقاً بالممارسات الجنسية المثلية. 

لماذا يصرّ المجتمع على “شذوذ”؟

يتجسّد المخيال الاجتماعي كقوّة لا مرئية وجماعية لإنتاج دلالات يخرج منها كل البنى الرمزية والمؤسّساتية الاقتصاد، القانون، المؤسّسة، الدين، وفي حالة العراق القبلية والعشائرية وحتى الطائفية منها. وهو ما يؤسّس “النحن” الجماعية ويحوّل الفرد إلى فرد اجتماعي منتمٍ بالمشاركة في الدلالات المشتركة، أي أن المجتمع يؤسّس نفسه بنفسه من خلال دلالات مخياله. 

شذوذ جنسي أو شاذّ هنا هي رمز وليست لفظاً فقط، يجمع بين صورتين مخياليتين في مكان واحد، صورة الانحراف المرضي القادمة من الطبّ النفسي الأوروبي، وصورة عقاب قوم لوط القديمة المتجذّرة في المخيال الديني الجماعي، في المقابل تحمل “مثلي” صورة منافسة، صورة المماثلة والحقوق والمساواة والإصرار على شذوذ هو رهان على أيّ الرمزين ينظّم إدراك الجماعة/ المجتمع. هل ترى في الظاهرة صورة الجسد المهدّد بالهلاك والعقاب أم صورة الفرد المتساوي الذي يستحقّ مكانته وحقوقه في المجتمع؟ 

الجماعة كما يمكن فهمها عند الفيلسوف اليوناني- الفرنسي كورنيليوس كاستورياديس في “تأسيس المجتمع مخيالياً” لا تُدرك حدودها إلا عندما تواجه ما يخرج عنها. وهذا الحدّ أو الخطّ إن صحّ التعبير لا يُرى من الداخل لكنّه يكون واضحاً لها من الخارج. أي أن دلالة المخيال التي تؤسّس “النحن” لا بما هي عليه، إنما بما هي ليست عليه، جسّدت الدولة العراقية بقوانين حديثة ذلك عبر مرحلتين. الأولى عبر هيئة الإعلام والاتّصالات باستبدال مثلية جنسية بشذوذ جنسي، وأيضاً منع كل من جندر ونوع اجتماعي، ولاحقاً في تعديل قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي في عام 2024، معرّفة الشذوذ على أيّ ممارسة جنسية بين أفراد من الجنس ذاته وتجريم العبور الجندري وكل ما يتّصل بمظاهر التعبير الجنساني، وهو ما أُشير إليه بالتخنّث أو التشبّه بالنساء. 

غير أن شذوذ جنسي بحسب ما استقرّت عليه منذ أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، ليس طرفاً حديثاً منفصماً عن لوطي ذاتها، لكنّه اللفظ الذي أنجز الدمج بين الصورتين، فاستعار من الطبّ النفسي غلافه العلمي ليُعيد إنتاج الشحنة العقابية نفسها التي حملتها لوطي حتى بعد إزالة المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، محتفظاً بها هذه المرّة تحت واجهة تبدو محايدة وعلمية، وهذا يفسّر لماذا لا يدار صراع شذوذ ضد مثلي بوصفه صراعاً حديثاً، فهو استمرار مموّه للصراع الأقدم للوطي وقد أُعيد تدويرها (المفردة) داخل مؤسّسات الدولة والطبّ الحديثين. الإصرار على شذوذ ليس فقط من الدولة العراقية ومن المجتمع العراقي والعربي عامّة، هو ليس عناداً لغوياً، هو في جوهره دفاع عن مخيال مؤسّس تُبقي الجماعة من خلاله الظاهرة داخل إطار المرض القابل للعلاج والعقاب، والعلاج هنا الاغتصابات التصحيحة طبعاً، أو ما يُعرف بعلاجات التحويل، وهو أمر غير مطروح في القانون لكنّه موجود ضمن المجتمع. بينما مثلي تحوّل السؤال من “ماذا يفعل؟ “إلى “من يكون؟”، والكلمة أو اللفظ هنا ليس نافذة على الواقع إنما الواقع الذي ما زال يُبنى. 

ألعاب اللغة من سوسير إلى فيتغنشتاين

لا يمكن تعديل دلالة الألفاظ بالإرادة الفردية الخاصّة، عند فردينان دو سوسير الرابط بين الدالّ الصوتي والمدلول الذهني يظلّ تعسّفياً ومحكوماً بالأطر الاجتماعية والتاريخية الطويلة، حيث اكتسبت مفردة لوطي مثلاً عبر أربعة عشر قرناً، شحنتها الصارمة المرتبطة بالفعل الفقهي المجرّم والحدود الشرعية، غير أن التعسّف الأصلي لا يفسّر وحده استحالة إعادة التملّك، وما يحسم الأمر فعلياً فإن قيمة أيّ دالّ بحسب سوسير تستمدّ من موقعه داخل شبكة العلاقات التي تشكّل اللغة كنسق متزامن، لا من مضمون داخلي ثابت يحمله بمعزل عنها، وهذا يعني أن أيّ محاولة فردانية لتحويل دلالة لوطي تصطدم بعبء أربعة عشر قرناً من الاصطلاح أوّلاً، ثم ببنية النسق كاملة، إذ يستحيل زعزعة قيمة علامة واحدة من دون زعزعة الشبكة التي تربطها بجميع العلامات المجاورة لها. وهي شبكة أو مخيالاً بشكل أدقّ لا يملك الفرد المعزول ولا الجماعة في المهجر سلطة الفصل فيها بمفردها، وعلى العكس قد يُتّهم من يحاول ذلك في أحسن الأحوال بالإسلاموفوبيا، لأن قيمة الدالّ هي من الدين حصراً. 

عندما تتبدّل دلالات الألفاظ عبر التاريخ، يحدث ذلك بحسب سوسير عند مستوى تعاقبي بطيء عبر انزياح تدريجي  في استعمال الجماعة اللغوية بأكملها جيلاً بعد آخر، وليس عن المستوى الآني الذي يحاول فرضه خطاب هويّاتي يريد تعديل قيمته الدلالية بقرار واحد يصدر من خارج الجماعة الناطقة به فعلياً. 

لا يستطيع أيّ متكلّم عزل اللفظ عن نسقه التاريخي ليحوّله تعسّفياً إلى مطابقة للمثلية الجنسية الحديثة، لأن اللغة هي نظام اجتماعي جماعي لا يخضع لأهواء الطارئين، كما أن  المجتمعات في المنطقة العربية لن تتوقّف عن استعمال دلالاتها الدينية، فهي تستغلّ كل فرصة لتذكّر المجتمع ذاته بحدوده عبرها.

الكلمات أيضاً يمكن فهمها عبر مفهوم رأس المال الرمزي الخاصّ ببيير بورديو، فهي في جوهرها ليست أدوات تواصل محايدة تشكّل الكلمات أشكالاً من رأس المال وسلطة إدراكية تصنّف العالم. ينتمي أفراد المهجر إلى حقل ثقافي علماني- ليبرالي تتمتّع فيه المفردات بحصانة قانونية وأمان نسبي، بينما تنتمي المفردات ذاتها في الداخل العراقي إلى حقل ديني وعشائري صارم تحكمه آليّات الردع والعنف المادّي، الكلمات هنا محتكرة من مؤسّسات بعينها، الفقه والعشيرة والدولة، وما يبدو واضحاً أن وهم إعادة التملّك هو نوع من الاسترداد الهويّاتي، لكنّ إسقاط الخطاب الهويّاتي المهجري على الداخل، يتجاهل هذا الفارق بين الحقلين ويتحوّل إلى استشراق ذاتي تمارسه نخبة تنطق باللفظ في إحدى عواصم العالم، وتحوّل معاناة الأجساد المحلّية إلى خلفية رومانسية لصراع لا تدفع ثمنه في موقعها الحالي. 

وما يمارس في هذا، يتجاوز التسامح اللغوي حسن النيّة إلى فرض تصنيف هويّاتي مستعار يخدم جانب منه صورة صاحبة أمام محيطه الغربي أو أمام نفسه، بوصفه مثقّفاً راديكالياً يرفض الوصاية المعرفية ويستعيد جذوره، فيتحوّل لفظ يُعاقب عليه القانون ويُقتل بسببه أناس فعليون  إلى ما يشبه أكسسواراً هويّاتياً، متجاهلاً أن قوّة الكلمة وفاعليتها الحقيقة مستمدّة حصراً من المؤسّسات المحلّية الفاعلة، لا من رغبات أفراد منقطعين عن بيئتهم الحيّة. 

في تحقيقات فلسفية يرى فيلسوف اللغة لودفيغ فيتغنشتاين أن لا وجود لمعاني معزولة في قواميس افتراضية، وأن معنى الكلمة يتحقّق حصراً عبر استخدامها الفعلي داخل سياق حيّ لما يسمّيه “لعبة اللغة”.

 فيتغنشتاين في تحليله لاتّباع القاعدة، يرى أيضاً أن لا أحد يستطيع اتّباع قاعدة ما لمرّة واحدة، أو بمعزل عن الآخرين، وذلك لأن اتّباع القاعدة نفسه هو عادة مؤسّساتية اجتماعية وتراكمية تصحّح نفسها عبر مسارات مشتركة مستمرّة، وليست فعلاً منفرداً يُعلن وينفّذ  فوراً، وعليه فإن إعلان جماعة صغيرة في المهجر أو فرداً  قاعدة استعمال جديدة للفظ لوطي، لا يُنتج قاعدة بالمعنى الذي حدّده فيتغنشتاين، بقدر ما ينتج محاكاة لقاعدة تفتقر إلى الجماعة المرجعية القادرة على تصحيحها، أو على التحقّق من صحّة تطبيقها داخل شكل الحياة الذي نشأت فيه الكلمة أصلاً.  

وعندما يُعزل لفظ لوطي في الفضاءات الأوروبية، ويُعاد نحته ضمن نظريات الكوير الما بعد كولونيالية لمنحه دلالة إيجابية أو تمرّدية، فهذا يقطع الصلة بين الكلمة ووظيفتها الواقعية، وتتحوّل إلى ترف نظري يُمارس خارج شكل الحياة الذي وحده يمنحها معنى قابلاً للتحقّق، غافلة عن أن الشحنة نفسها التي نُحت بها بحرّية في مؤتمر ما أو على وسائل التواصل، ما زالت تُستخدم على بعد آلاف الكيلومترات كأداة سحق وقتل وسجن فعلية لمن لم يغادروا حقلها الأصلي. 

هل نحن بحاجة إلى إعادة التملّك؟

إعادة التملّك اللغوي هي عمليّة سوسيو- لسانية وسياسية تقوم بها جماعة موصومة تجاه مفردة كانت تُستخدم تاريخياً كأداة إهانة وقمع ضدها، فتقوم بانتزاعها من سياقها المُهين وإعادة تدويرها بوصفها علامة هويّة إيجابية أو محايدة وحتى فخورة. الممارسة لا تتعلّق بتغيير معنى الكلمة، قدر تعلّقها بفعل مضادّ للهيمنة الرمزية، أي إعادة توزيع سلطة التسمية الذاتية التي تحتاج شروطاً بنيوية لتحقيقها، من قيام أفراد الجماعة الموصومة أنفسهم بها من موقع قوّة نسبية وتحويلها من توصيف من الخارج إلى تسمية للذات من الداخل، بالإضافة إلى مشروع سياسي ومعرفي كامل يُعيد تشكيل الدلالة.

كلمة كوير/queer تعني حرفياً الغريب، المائل، غير الطبيعي، الشاذّ. استُخدمت كشتيمة ليس ضد المثليين/ ات فقط شملت حتى العملات المزيّفة قبل أن تستقرّ على الأفراد والهويّات- الميول. جوهرها الدلالي الأصلي هو الغرابة والانحراف عن المعيار بشكل مجرّد. إعادة تملّك كوير حدثت بين الشارع والأكاديمية والحركات الاجتماعية بالتوازي، منذ تخلّي الحكومة الأميركية عن ضحايا الإيدز وصولاً إلى مجموعة queer nation ومنشورات queers read this. في الفترة نفسها حدثت ثورة أكاديمية موازية بين تيريزا دي لورينتيس وإيف كوسوفسكي سيدجويك وجوديث بتلر وأسماء كثيرة أخرى حول الجندر، الكلمة لم تعد تعني “مثلي” أو لم تكن تعني مثلي من الأساس وأصبحت موقعاً نقدياً. رفض ثنائيات الجنس والجندر والرغبة ونقد كل من المعيارية الغيرية والمثلية، كوير أصبحت أداة لزعزعة أو تخريب بمعناه البتلري للافتراضات والمعايير، الكلمة بذاتها تجاوزت الجنس والجندر. إعادة تملّكها نجحت لأنها أُرفقت بمشروع نظري كامل حول الوصم، من أنت “شاذّ عن المعيار” إلى المعيار ذاته هو المشكلة. 

أما في المنطقة العربية فلم تتوفّر هذه الموارد الاجتماعية والأكاديمية والتنظيمية وحتى السياسية، ولا حتى الحرّية الأساسية على امتلاكها أصلاً، ومع ذلك لم تتوقّف “الجماعة الكويرية” نفسها عاجزة عن إنتاج لغتها، فقد عملت عبر مفردات تجمعها مظلّة مجتمع الميم عين + مثلي/ة، ثنائي/ة الميل الجنسي، عابر/ة جنسياً- جندرياً، لا جنسي/ة، وحتى كوير وترانس بصيغتيهما الصوتيتين المنقولتين.

 هذه المفردات  مهما بدت منقولة أو غير مكتملة الجذر المحلّي، هي مفاهيمية تُستعمل وتُفكّك داخل النسق المفاهيمي للعلوم الإنسانية لفهم آليّات السلطة والجندر والمؤسّسة، وتستوفي شرطاً أساسياً يغيّر في محاولة استرداد الكلاسيكيات العربية، لأنها تُستعمل فعلاً داخل شكل حياة قائم كأوصاف واقعية وهويّاتية، ويتداولها أفراد مجتمع الميم عين + فيما بينهم/نّ، ويصحّحونها/ يصحّحنها، ويفاوضون على حدودها يوماً بعد يوم، وهو أيضاً الاستعمال الحيّ الذي يمنح الكلمة معناها بحسب فيتغنشتاين، بصرف النظر عن اعتراف الدولة بها أو تجاهلها أو محاولة طمسها وإخفائها.

لا تمثّل مفردات مجتمع الميم عين + محاولة قاصرة تقاس بمدى اقترابها أو ابتعادها عمّا تسمّيه النسوية الما بعد استعمارية/ أوما ناريان “الحُزم الثقافية” لهويّة أصيلة، التي غالباً ما تستند إلى التقاليد الأبوية والسرديات المهيمنة  ممّا يجعل أيّ خروج عنها تخلّياً عن الهويّة، وهو ما يدعو إلى مناقشة هل نعتبر مفردات لوطي، سحاقية،  مخنّث، خنثى، مأبون… أصيلة فقط لأن الاستعمار الإسلامي للمنطقة أو ما يسمّى بالفتوحات للتفخيم استخدمها؟ لكنّي سأكتفي إلى هنا.

 الجماعة اليوم، أي مجتمع الميم عين+ الذين/ اللواتي يفترض أن ينوب عنهم/ نّ هذا الاسترداد، لم يكونوا/ نّ بانتظار تصنيف يُستخرج من نصّ فقهي ليتحدّثوا/ نّ عن أنفسهم/ نّ. مجتمع الميم عين + صُنع بموارد قليلة، مفردات حيّة تخدمه فعلاً في اليومي والمعاش، بينما يظلّ استرداد تصنيفات القتل العربية مقترحاً يُطلق من مسافة على لسان من صارت علاقته بالكلمة علاقة كتابة لا علاقة عيش يومي. 

19.09.2026
زمن القراءة: 13 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية