ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

شباب عراقيّون مرتزقة قتال في روسيا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

محمد، قبل رحلته الغامضة، كان يحاول أن يجد مصدر رزق متواضعاً، لكن تلك المحاولة الصغيرة لم تكن تكفي لإنقاذه من واقع ضاغط، ومع ازدياد النزاع الأسري وتهديدات الشكوى، قرر أن يهرب، ليجد نفسه في مسار آخر، يقوده إلى جبهات الحرب الروسية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

محمد رزاق، شاب عراقي (23 عاماً)، خريج الابتدائية من مدينة الصدر في بغداد، ترك أحلامه في العراق مبكراً، بعدما وجد ألا مستقبل واضحٌ في بلدٍ تسيطر عليه البطالة والميليشيات، ويخنقه انسداد الأفق السياسي والاجتماعي. لم يكن أمامه سوى خيار الرحيل، فغادر باحثاً عن حياة أفضل، لكنه وجد نفسه مقاتلاً مرتزقاً في صفوف الجيش الروسي.

بدأت رحلته من البصرة، بداية العام الحالي عبر شركة محلية نشرت إعلاناً للتواصل معها. تواصل محمد مع الشركة، وطُلب منه دفع 500 دولار. أرسل أولاً 100 دولار كدفعة أولى، ثم أتمّ المبلغ بإرسال 400 دولار لاحقاً. بعد 33 يوماً، حصل على تأشيرة سفر عبر شخص على تطبيق “تلغرام”، يحمل اسم “بولينا” وحسابه يُدعى “صديق روسيا”. تلك الشخصة أرسلت له تذاكر السفر، فانطلق من بغداد برفقة صديقه القادم من البصرة.

كان التعامل الأول محترماً، لكن سرعان ما تبدّل كل شيء. فور وصوله، نُقل إلى معسكر تدريب استمر لشهر كامل، هناك، بدأت المعاناة الحقيقية: تدريبات قاسية من الرابعة فجراً حتى العاشرة مساءً، بلا توقف تقريباً. يقول: “تغيّر التعامل والأسلوب، لا توجد حياة هنا، الجميع يستغل الجميع، والجميع يأكل الجميع”.

في هذا المكان، لا وجود للكرامة، بل للعنصرية، لا يخفون احتقارهم له ولرفاقه الأجانب. يكررون عليهم أنهم “جاؤوا بأموالهم، لا مجاناً”. حتى أبسط التفاصيل اليومية تحمل إذلالاً: “عندما أطبخ، يأتي روسي ويسحب المقلاة مني ليطبخ هو، فقط لأني أجنبي مرتزق”.

على رغم ذلك كله، يغري المال بعضهم بالمواصلة، في أول أيام التدريب، يحصل المقاتل على مليوني روبل. والراتب الشهري يبلغ 25 ورقة (25 ألف دولار تقريباً). أمّا الجنسية، فيؤكد محمد أن كثراً من رفاقه حصلوا عليها، بل إن بعضهم جُدِّدت عقودهم تلقائياً بعدما أصبحوا مواطنين روسيين يخضعون للخدمة الإلزامية ثلاث سنوات قابلة للتمديد.

“الشباب يأتون لروسيا على أمل حياة جديدة، لكن الحقيقة أن الموت أقرب من أي شيء”.

على الورق، تبدو الوثائق “رسمية” وتضمن الحقوق، لكن على الأرض، يصف محمد الوضع بأنه “مذلّ ومهين وخطر إلى أقصى حد”، ويضيف: “نسبة الموت 1000 في المئة… نادراً ما يبقى أحد على قيد الحياة، فالأكثرية منا يموتون”.

محمد اليوم يُعتبر رسمياً مواطناً روسياً، لكن قلبه معلّق بالعراق. يتحدث بمرارة عن استحالة العودة: “قانونياً، يحق لي العودة، لكن الدولة الروسية بيدها تغرّمني أو تسجنني أو تعفيني، كل شيء مزاجي، في الوقت نفسه لا يوجد قانون ولا سيادة في العراق، لا أحد رجع إلى العراق”.

يقول إن السبب الرئيس لهجرة الشباب العراقي نحو روسيا هو انعدام الأمل في الداخل: “الحكومة والمليشيات هم السبب الأول والأخير، العراق بلد بلا حقوق، بلا مصانع، بلا قطاع خاص، الوضعية مزرية والشباب يخرجون متشبثين بأمل بسيط بحياة خارج العراق”. ويضيف: “سنين وأنا أعمل في العراق ولم أستطع أن أجمع ما جمعته هنا في شهرين فقط”.

لكن المال لم يجلب له حياة أفضل، فدوام المقاتلين في الجيش الروسي يستمر طوال السنة بلا إجازات. الواجبات تختلف: خمسة أيام، أسبوع، شهر، شهران، ثم تكمل المهمة وتعود لتُكلَّف بمهام جديدة. “بعد عودتي من واجب عسكري، وجّهوني لإصلاح السيارات، وبعدها تصنيع الألغام، لا يعطونك راحة أبداً”.

العقد يمتد لسنة واحدة، لكن إذا كان المقاتل في الجبهة واستلم الجنسية والجواز، يُجدَّد له العقد تلقائياً، يتحوّل المرتزق إلى مواطن روسي ملزم بالخدمة العسكرية. “لا أحد يخرج من هنا سالماً، العقد لا يمكن فسخه”، يقول محمد.

داخل صفوف الجيش الروسي، يوجد أكثر من ألف عراقي، لكن محمد يكشف أن نحو 600 منهم قضوا بالفعل في الجبهات. “الكل هناك”، يضيف، “ولا أحد يعود”.

مع ذلك كله، يبقى في قلبه مكان للعراق: “يعزّ عليّ وطني كثيراً، وإن شاء الله أعود، لكن ليس في هذا الوقت، العودة هنا ليست بيدي، من يدخل الجيش لا يرجع إلا إذا انتهى عقده، أو مات، أو فقد جزءاً من جسده”.

وعلى رغم تورطه العميق، لم يتوقف محمد عن توجيه نداءاته: “دائماً أنصح الشباب العراقيين عبر حساباته الشخصية ألا يفعلوا ما فعلت، الوضع صعب جداً، يتم استعبادنا هنا، لكن في العراق الوضع صعب أيضاً، المستقبل مجهول والحياة مجهولة بالحالتين. الشباب يأتون لروسيا على أمل حياة جديدة، لكن الحقيقة أن الموت أقرب من أي شيء”.

هكذا، وجد محمد رزاق، ابن مدينة الصدر، نفسه محاصراً بين وطن بلا مستقبل وجيش لا يرحم. حلمه بالهروب من البطالة والميليشيات انتهى به مرتزقاً في حرب غريبة، بين حياة تذوب كل يوم، وموت يقترب في أي لحظة.

يتحدث الصحافي والإعلامي رافد الجبوري عن قضية المقاتلين العراقيين في روسيا، ويؤكد أنها ليست جديدة كما قد يظن البعض، بل تعود إلى عام 2023، حين ظهر أول خبر عن مقتل عراقي هناك. في تلك اللحظة، كان من تحدث عن الموضوع علناً هو رئيس مجموعة “فاغنر”، شركة المرتزقة الروسية الشهيرة، يفغيني بريغوجين، الذي ذكر بالاسم أن مقاتلاً عراقياً يُدعى عباس وتوت “قاتل قتال الأبطال”.

قضية عباس وتوت كشفت عن جانب خفي من هذا الملف: فقد كان سجيناً عراقياً لدى روسيا، شأنه شأن كثر من المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا البلاد بهدف العبور نحو دول أوروبية أخرى. هؤلاء، كما يوضح الجبوري، كان يُعرض عليهم القتال في صفوف “فاغنر”، مقابل الإفراج أو مقابل امتيازات. المجموعة لم تكتف بتجنيد السجناء الروس، بل فتحت الباب أمام الأجانب أيضاً، ما جعل العراقيين جزءاً من هذه المنظومة.

لكن مع مرور السنوات، تغيّر المشهد. لم يعد التجنيد حكراً على “فاغنر”، بل أصبح الجيش الروسي نفسه منخرطاً بشكل مباشر في عملية استقطاب المقاتلين، الحاجة الى العدد باتت ملحّة، فالحرب هناك “طاحنة بين الطرفين، والطرفان يحتاجان للقوات”، كما يصف الجبوري. ولأن روسيا لا تريد أن تفرض مزيداً من الضغوط على مواطنيها من ناحية التجنيد، لجأت إلى ملء هذا الفراغ بجنسيات أخرى، ومن بينهم العراقيون.

يأسف الجبوري لهذا الواقع، ويقول: “من المفترض أن لا يحصل مثل هذا الأمر، لأن العراق بلد غني. لكنه يعاني من فقر يقابله زيادة في عدد سكان الشباب. هذه الزيادة يجب أن تكون عنصر قوة كبيرة للدولة والمجتمع، عندما يكون الشباب هو النسبة الكبرى منه”. إلا أن غياب السياسات الاقتصادية والاجتماعية جعل هذه الطاقة تتحول إلى مأساة، حيث يُدفع الشباب العراقيون الى الارتماء في أتون حروب لا تخصّهم.

اليوم، ومع اتساع الحرب، أصبحت القضية تحظى باهتمام واسع بعدما بدأت مقاطع فيديو وحسابات لمقاتلين عراقيين بالظهور على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يقاتلون في روسيا، يروون تفاصيل تجربتهم ويكشفون حجم المأساة. الجبوري يوضح أن هناك “عدداً كبيراً من العراقيين هناك، وأن بين صفوفهم أيضاً عدداً كبيراً من الضحايا”.

لكن مع ذلك كله، لم يثبت حتى الآن وجود علاقة مباشرة لأي من الميليشيات العراقية في هذا الملف. “لا يوجد دور للحكومة إن قُتل أو أُسر أحد العراقيين في الحرب”، يقول الجبوري. وكأن هؤلاء الذين خرجوا من العراق إلى روسيا يقاتلون وحدهم، ويخسرون وحدهم، بلا حماية أو مساءلة.

وقد يُفهم انخراط عراقيين في القتال إلى جانب روسيا دولياً على أنه شكل من أشكال التدخل الرسمي، وهو ما يضع العراق في موقف محرج ويدفع المجتمع الدولي الى التشكيك في حياده.

وفي قصة أخرى، من خلف جدران سجن الحلة الإصلاحي، يخرج صوت كرار عماد عبد الأمير(27 عاماً)، ليحكي لنا قصة شقيقه الأصغر محمد، الذي ابتلعته الحرب الروسية بعدما قادته أزماته العائلية والاجتماعية إلى مصير غامض يختلط فيه الموت بالأسر.

يقول كرار: “أخي اسمه محمد عماد عبد الأمير( 20 سنة)، صار له أربعة أشهر خرج من العراق عن طريق رجل يُدعى (أبو عليو الروسي)، وهو متطوع بالجيش الروسي. منذ ذلك الحين لم نعرف عنه أي خبر، تخرج من الدورة القتالية وقال لي: (أنا راح أصعد هجوم وأخابرك). 

صعد الهجوم لكنه لم يتصل بعدها أبداً، هناك من يقول إنه قُتل، وهناك من يقول إنه أسير، بينما يروي آخرون أن طائرة مسيّرة استهدفته، والآن جثمانه في ثلاجة الموتى،  أهلي حالياً ينتظرون الفيزا للسفر إلى روسيا للبحث عنه”.

محمد لم يكن يفكر يوماً بالقتال في روسيا، حياته في العراق كانت متعثرة، محاصرة بالمشاكل الأسرية والضغوط الاجتماعية. والده، الذي تزوج من امرأتين، تسببت خلافاتهما العائلية والمالية بتفكك البيت، بل وصل الأمر إلى أن الأب يشتكي على أبنائه بالتعاون مع عمه، ما جعل محمد يعيش في خوف دائم من الملاحقة والسجن.

“بعد شكوى والدي وعمي، صار أخي يقول لي: (أنا أخاف من السجن وراح أشرد). كان يقول إنه سيذهب إلى البصرة ليعمل هناك ويبعد نفسه عن المشاكل، لكن (أبو عليو) أقنعه بالسفر إلى روسيا عبر التيك توك من دون علم أحد من العائلة، ومنذ ذلك اليوم، انقطع كل شيء. أربعة أشهر مرّت بلا أي خبر عنه”، يروي كرار.

محمد، قبل رحلته الغامضة، كان يحاول أن يجد مصدر رزق متواضعاً، لكن تلك المحاولة الصغيرة لم تكن تكفي لإنقاذه من واقع ضاغط، ومع ازدياد النزاع الأسري وتهديدات الشكوى، قرر أن يهرب، ليجد نفسه في مسار آخر، يقوده إلى جبهات الحرب الروسية.

كرار يتحدث بألم: “لم أتمكن من التواصل مع أخي الكبير بعدها، إلا برسائل قليلة من روسيا، وكان يخبرني أن (أبو عليو) هو من أخذه إلى هناك، لكن (أبو عليو) هذا، الذي يجند عراقيين للقتال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد يرد على رسائلي، أشوفه يفتح بثوث، ينشر، لكن لما أسأله عن محمد يرفض يجاوبني. يقول إن محمد ابن المسيب مات، لكني ما أصدّق”.

قصة محمد ليست مجرد حكاية فردية، إنها مثال صارخ عن كيف يمكن للفقر والتفكك الأسري والخذلان الاجتماعي أن يدفع شاباً يافعاً إلى طريق لا عودة فيه، لتتحول حياته إلى اسم مجهول في سجلات حرب بعيدة، تنتظر عائلته اليوم إشارة حياة أو شهادة وفاة تنهي عذاب الانتظار.

بلغت نسبة البطالة في العراق لعام 2021: 16.5 في المئة، وفقًا لوزارة التخطيط العراقية.

بطالة الشباب (15–24 سنة): وصلت إلى 36 في المئة، ما يشير إلى تحديات كبيرة في توفير فرص العمل لهذه الفئة العمرية، أما بطالة الإناث فبلغت 28 في المئة، ما يعكس فجوة كبيرة بين الجنسين في سوق العمل، كما بلغ معدل المشاركة في القوى العاملة: 39.5 في المئة، ما يشير إلى أن أكثر من 60 في المئة من الأفراد في سن العمل خارج القوى العاملة.

وعن نسبة الشباب العراقيين المهاجرين، لا توجد إحصاءات دقيقة ومحدثة حول عدد الذين هاجروا خارج البلاد. ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن حوالى 74 في المئة من العراقيين المهاجرين غادروا بسبب تردي الأوضاع المعيشية. وتقدر بعض المصادر أن عدد المهاجرين العراقيين في الخارج يتراوح بين 4 إلى 5 ملايين شخص، وهو ما يعادل حوالى 12 في المئة من إجمالي سكان العراق. 

ظاهرة القتال خارج الحدود بالنسبة الى العراقيين ليست جديدة، بل تعود إلى أكثر من عقد. فمنذ عام 2012، انخرطت فصائل مسلحة شيعية عراقية، مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء ومنظمة بدر، في القتال داخل سوريا إلى جانب النظام بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وبررت هذه الفصائل تدخلها بأنه دفاع عن المراقد الدينية، وفي مقدمها مرقد السيدة زينب، ومنع سقوط النظام السوري.

في المقابل، شاركت جماعات جهادية سنية عراقية في القتال خارج الحدود، إذ انتقل بعض عناصر تنظيم القاعدة في العراق إلى سوريا بعد 2010، ثم جاء تنظيم داعش عام 2013 لينقل آلاف المقاتلين بين العراق وسوريا من دون حواجز تذكر، معلنًا قيام ما أسماه “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. ولم يقتصر وجود المقاتلين العراقيين على سوريا، بل وصلوا أيضًا إلى ليبيا عبر شبكات داعش، حيث شاركوا في معارك هناك.

مع الحرب في أوكرانيا، عادت هذه الظاهرة إلى الواجهة، إذ سُجلت حالات تجنيد عراقيين كمرتزقة للقتال إلى جانب الجيش الروسي عبر وسطاء أو شركات مثل فاغنر سابقًا، وغالبًا ما جاء هؤلاء من مناطق تعاني من الفقر والبطالة، مع توثيق مقتل عدد منهم.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
08.09.2025
زمن القراءة: 8 minutes

محمد، قبل رحلته الغامضة، كان يحاول أن يجد مصدر رزق متواضعاً، لكن تلك المحاولة الصغيرة لم تكن تكفي لإنقاذه من واقع ضاغط، ومع ازدياد النزاع الأسري وتهديدات الشكوى، قرر أن يهرب، ليجد نفسه في مسار آخر، يقوده إلى جبهات الحرب الروسية.

محمد رزاق، شاب عراقي (23 عاماً)، خريج الابتدائية من مدينة الصدر في بغداد، ترك أحلامه في العراق مبكراً، بعدما وجد ألا مستقبل واضحٌ في بلدٍ تسيطر عليه البطالة والميليشيات، ويخنقه انسداد الأفق السياسي والاجتماعي. لم يكن أمامه سوى خيار الرحيل، فغادر باحثاً عن حياة أفضل، لكنه وجد نفسه مقاتلاً مرتزقاً في صفوف الجيش الروسي.

بدأت رحلته من البصرة، بداية العام الحالي عبر شركة محلية نشرت إعلاناً للتواصل معها. تواصل محمد مع الشركة، وطُلب منه دفع 500 دولار. أرسل أولاً 100 دولار كدفعة أولى، ثم أتمّ المبلغ بإرسال 400 دولار لاحقاً. بعد 33 يوماً، حصل على تأشيرة سفر عبر شخص على تطبيق “تلغرام”، يحمل اسم “بولينا” وحسابه يُدعى “صديق روسيا”. تلك الشخصة أرسلت له تذاكر السفر، فانطلق من بغداد برفقة صديقه القادم من البصرة.

كان التعامل الأول محترماً، لكن سرعان ما تبدّل كل شيء. فور وصوله، نُقل إلى معسكر تدريب استمر لشهر كامل، هناك، بدأت المعاناة الحقيقية: تدريبات قاسية من الرابعة فجراً حتى العاشرة مساءً، بلا توقف تقريباً. يقول: “تغيّر التعامل والأسلوب، لا توجد حياة هنا، الجميع يستغل الجميع، والجميع يأكل الجميع”.

في هذا المكان، لا وجود للكرامة، بل للعنصرية، لا يخفون احتقارهم له ولرفاقه الأجانب. يكررون عليهم أنهم “جاؤوا بأموالهم، لا مجاناً”. حتى أبسط التفاصيل اليومية تحمل إذلالاً: “عندما أطبخ، يأتي روسي ويسحب المقلاة مني ليطبخ هو، فقط لأني أجنبي مرتزق”.

على رغم ذلك كله، يغري المال بعضهم بالمواصلة، في أول أيام التدريب، يحصل المقاتل على مليوني روبل. والراتب الشهري يبلغ 25 ورقة (25 ألف دولار تقريباً). أمّا الجنسية، فيؤكد محمد أن كثراً من رفاقه حصلوا عليها، بل إن بعضهم جُدِّدت عقودهم تلقائياً بعدما أصبحوا مواطنين روسيين يخضعون للخدمة الإلزامية ثلاث سنوات قابلة للتمديد.

“الشباب يأتون لروسيا على أمل حياة جديدة، لكن الحقيقة أن الموت أقرب من أي شيء”.

على الورق، تبدو الوثائق “رسمية” وتضمن الحقوق، لكن على الأرض، يصف محمد الوضع بأنه “مذلّ ومهين وخطر إلى أقصى حد”، ويضيف: “نسبة الموت 1000 في المئة… نادراً ما يبقى أحد على قيد الحياة، فالأكثرية منا يموتون”.

محمد اليوم يُعتبر رسمياً مواطناً روسياً، لكن قلبه معلّق بالعراق. يتحدث بمرارة عن استحالة العودة: “قانونياً، يحق لي العودة، لكن الدولة الروسية بيدها تغرّمني أو تسجنني أو تعفيني، كل شيء مزاجي، في الوقت نفسه لا يوجد قانون ولا سيادة في العراق، لا أحد رجع إلى العراق”.

يقول إن السبب الرئيس لهجرة الشباب العراقي نحو روسيا هو انعدام الأمل في الداخل: “الحكومة والمليشيات هم السبب الأول والأخير، العراق بلد بلا حقوق، بلا مصانع، بلا قطاع خاص، الوضعية مزرية والشباب يخرجون متشبثين بأمل بسيط بحياة خارج العراق”. ويضيف: “سنين وأنا أعمل في العراق ولم أستطع أن أجمع ما جمعته هنا في شهرين فقط”.

لكن المال لم يجلب له حياة أفضل، فدوام المقاتلين في الجيش الروسي يستمر طوال السنة بلا إجازات. الواجبات تختلف: خمسة أيام، أسبوع، شهر، شهران، ثم تكمل المهمة وتعود لتُكلَّف بمهام جديدة. “بعد عودتي من واجب عسكري، وجّهوني لإصلاح السيارات، وبعدها تصنيع الألغام، لا يعطونك راحة أبداً”.

العقد يمتد لسنة واحدة، لكن إذا كان المقاتل في الجبهة واستلم الجنسية والجواز، يُجدَّد له العقد تلقائياً، يتحوّل المرتزق إلى مواطن روسي ملزم بالخدمة العسكرية. “لا أحد يخرج من هنا سالماً، العقد لا يمكن فسخه”، يقول محمد.

داخل صفوف الجيش الروسي، يوجد أكثر من ألف عراقي، لكن محمد يكشف أن نحو 600 منهم قضوا بالفعل في الجبهات. “الكل هناك”، يضيف، “ولا أحد يعود”.

مع ذلك كله، يبقى في قلبه مكان للعراق: “يعزّ عليّ وطني كثيراً، وإن شاء الله أعود، لكن ليس في هذا الوقت، العودة هنا ليست بيدي، من يدخل الجيش لا يرجع إلا إذا انتهى عقده، أو مات، أو فقد جزءاً من جسده”.

وعلى رغم تورطه العميق، لم يتوقف محمد عن توجيه نداءاته: “دائماً أنصح الشباب العراقيين عبر حساباته الشخصية ألا يفعلوا ما فعلت، الوضع صعب جداً، يتم استعبادنا هنا، لكن في العراق الوضع صعب أيضاً، المستقبل مجهول والحياة مجهولة بالحالتين. الشباب يأتون لروسيا على أمل حياة جديدة، لكن الحقيقة أن الموت أقرب من أي شيء”.

هكذا، وجد محمد رزاق، ابن مدينة الصدر، نفسه محاصراً بين وطن بلا مستقبل وجيش لا يرحم. حلمه بالهروب من البطالة والميليشيات انتهى به مرتزقاً في حرب غريبة، بين حياة تذوب كل يوم، وموت يقترب في أي لحظة.

يتحدث الصحافي والإعلامي رافد الجبوري عن قضية المقاتلين العراقيين في روسيا، ويؤكد أنها ليست جديدة كما قد يظن البعض، بل تعود إلى عام 2023، حين ظهر أول خبر عن مقتل عراقي هناك. في تلك اللحظة، كان من تحدث عن الموضوع علناً هو رئيس مجموعة “فاغنر”، شركة المرتزقة الروسية الشهيرة، يفغيني بريغوجين، الذي ذكر بالاسم أن مقاتلاً عراقياً يُدعى عباس وتوت “قاتل قتال الأبطال”.

قضية عباس وتوت كشفت عن جانب خفي من هذا الملف: فقد كان سجيناً عراقياً لدى روسيا، شأنه شأن كثر من المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا البلاد بهدف العبور نحو دول أوروبية أخرى. هؤلاء، كما يوضح الجبوري، كان يُعرض عليهم القتال في صفوف “فاغنر”، مقابل الإفراج أو مقابل امتيازات. المجموعة لم تكتف بتجنيد السجناء الروس، بل فتحت الباب أمام الأجانب أيضاً، ما جعل العراقيين جزءاً من هذه المنظومة.

لكن مع مرور السنوات، تغيّر المشهد. لم يعد التجنيد حكراً على “فاغنر”، بل أصبح الجيش الروسي نفسه منخرطاً بشكل مباشر في عملية استقطاب المقاتلين، الحاجة الى العدد باتت ملحّة، فالحرب هناك “طاحنة بين الطرفين، والطرفان يحتاجان للقوات”، كما يصف الجبوري. ولأن روسيا لا تريد أن تفرض مزيداً من الضغوط على مواطنيها من ناحية التجنيد، لجأت إلى ملء هذا الفراغ بجنسيات أخرى، ومن بينهم العراقيون.

يأسف الجبوري لهذا الواقع، ويقول: “من المفترض أن لا يحصل مثل هذا الأمر، لأن العراق بلد غني. لكنه يعاني من فقر يقابله زيادة في عدد سكان الشباب. هذه الزيادة يجب أن تكون عنصر قوة كبيرة للدولة والمجتمع، عندما يكون الشباب هو النسبة الكبرى منه”. إلا أن غياب السياسات الاقتصادية والاجتماعية جعل هذه الطاقة تتحول إلى مأساة، حيث يُدفع الشباب العراقيون الى الارتماء في أتون حروب لا تخصّهم.

اليوم، ومع اتساع الحرب، أصبحت القضية تحظى باهتمام واسع بعدما بدأت مقاطع فيديو وحسابات لمقاتلين عراقيين بالظهور على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يقاتلون في روسيا، يروون تفاصيل تجربتهم ويكشفون حجم المأساة. الجبوري يوضح أن هناك “عدداً كبيراً من العراقيين هناك، وأن بين صفوفهم أيضاً عدداً كبيراً من الضحايا”.

لكن مع ذلك كله، لم يثبت حتى الآن وجود علاقة مباشرة لأي من الميليشيات العراقية في هذا الملف. “لا يوجد دور للحكومة إن قُتل أو أُسر أحد العراقيين في الحرب”، يقول الجبوري. وكأن هؤلاء الذين خرجوا من العراق إلى روسيا يقاتلون وحدهم، ويخسرون وحدهم، بلا حماية أو مساءلة.

وقد يُفهم انخراط عراقيين في القتال إلى جانب روسيا دولياً على أنه شكل من أشكال التدخل الرسمي، وهو ما يضع العراق في موقف محرج ويدفع المجتمع الدولي الى التشكيك في حياده.

وفي قصة أخرى، من خلف جدران سجن الحلة الإصلاحي، يخرج صوت كرار عماد عبد الأمير(27 عاماً)، ليحكي لنا قصة شقيقه الأصغر محمد، الذي ابتلعته الحرب الروسية بعدما قادته أزماته العائلية والاجتماعية إلى مصير غامض يختلط فيه الموت بالأسر.

يقول كرار: “أخي اسمه محمد عماد عبد الأمير( 20 سنة)، صار له أربعة أشهر خرج من العراق عن طريق رجل يُدعى (أبو عليو الروسي)، وهو متطوع بالجيش الروسي. منذ ذلك الحين لم نعرف عنه أي خبر، تخرج من الدورة القتالية وقال لي: (أنا راح أصعد هجوم وأخابرك). 

صعد الهجوم لكنه لم يتصل بعدها أبداً، هناك من يقول إنه قُتل، وهناك من يقول إنه أسير، بينما يروي آخرون أن طائرة مسيّرة استهدفته، والآن جثمانه في ثلاجة الموتى،  أهلي حالياً ينتظرون الفيزا للسفر إلى روسيا للبحث عنه”.

محمد لم يكن يفكر يوماً بالقتال في روسيا، حياته في العراق كانت متعثرة، محاصرة بالمشاكل الأسرية والضغوط الاجتماعية. والده، الذي تزوج من امرأتين، تسببت خلافاتهما العائلية والمالية بتفكك البيت، بل وصل الأمر إلى أن الأب يشتكي على أبنائه بالتعاون مع عمه، ما جعل محمد يعيش في خوف دائم من الملاحقة والسجن.

“بعد شكوى والدي وعمي، صار أخي يقول لي: (أنا أخاف من السجن وراح أشرد). كان يقول إنه سيذهب إلى البصرة ليعمل هناك ويبعد نفسه عن المشاكل، لكن (أبو عليو) أقنعه بالسفر إلى روسيا عبر التيك توك من دون علم أحد من العائلة، ومنذ ذلك اليوم، انقطع كل شيء. أربعة أشهر مرّت بلا أي خبر عنه”، يروي كرار.

محمد، قبل رحلته الغامضة، كان يحاول أن يجد مصدر رزق متواضعاً، لكن تلك المحاولة الصغيرة لم تكن تكفي لإنقاذه من واقع ضاغط، ومع ازدياد النزاع الأسري وتهديدات الشكوى، قرر أن يهرب، ليجد نفسه في مسار آخر، يقوده إلى جبهات الحرب الروسية.

كرار يتحدث بألم: “لم أتمكن من التواصل مع أخي الكبير بعدها، إلا برسائل قليلة من روسيا، وكان يخبرني أن (أبو عليو) هو من أخذه إلى هناك، لكن (أبو عليو) هذا، الذي يجند عراقيين للقتال عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد يرد على رسائلي، أشوفه يفتح بثوث، ينشر، لكن لما أسأله عن محمد يرفض يجاوبني. يقول إن محمد ابن المسيب مات، لكني ما أصدّق”.

قصة محمد ليست مجرد حكاية فردية، إنها مثال صارخ عن كيف يمكن للفقر والتفكك الأسري والخذلان الاجتماعي أن يدفع شاباً يافعاً إلى طريق لا عودة فيه، لتتحول حياته إلى اسم مجهول في سجلات حرب بعيدة، تنتظر عائلته اليوم إشارة حياة أو شهادة وفاة تنهي عذاب الانتظار.

بلغت نسبة البطالة في العراق لعام 2021: 16.5 في المئة، وفقًا لوزارة التخطيط العراقية.

بطالة الشباب (15–24 سنة): وصلت إلى 36 في المئة، ما يشير إلى تحديات كبيرة في توفير فرص العمل لهذه الفئة العمرية، أما بطالة الإناث فبلغت 28 في المئة، ما يعكس فجوة كبيرة بين الجنسين في سوق العمل، كما بلغ معدل المشاركة في القوى العاملة: 39.5 في المئة، ما يشير إلى أن أكثر من 60 في المئة من الأفراد في سن العمل خارج القوى العاملة.

وعن نسبة الشباب العراقيين المهاجرين، لا توجد إحصاءات دقيقة ومحدثة حول عدد الذين هاجروا خارج البلاد. ومع ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن حوالى 74 في المئة من العراقيين المهاجرين غادروا بسبب تردي الأوضاع المعيشية. وتقدر بعض المصادر أن عدد المهاجرين العراقيين في الخارج يتراوح بين 4 إلى 5 ملايين شخص، وهو ما يعادل حوالى 12 في المئة من إجمالي سكان العراق. 

ظاهرة القتال خارج الحدود بالنسبة الى العراقيين ليست جديدة، بل تعود إلى أكثر من عقد. فمنذ عام 2012، انخرطت فصائل مسلحة شيعية عراقية، مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء ومنظمة بدر، في القتال داخل سوريا إلى جانب النظام بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وبررت هذه الفصائل تدخلها بأنه دفاع عن المراقد الدينية، وفي مقدمها مرقد السيدة زينب، ومنع سقوط النظام السوري.

في المقابل، شاركت جماعات جهادية سنية عراقية في القتال خارج الحدود، إذ انتقل بعض عناصر تنظيم القاعدة في العراق إلى سوريا بعد 2010، ثم جاء تنظيم داعش عام 2013 لينقل آلاف المقاتلين بين العراق وسوريا من دون حواجز تذكر، معلنًا قيام ما أسماه “الدولة الإسلامية في العراق والشام”. ولم يقتصر وجود المقاتلين العراقيين على سوريا، بل وصلوا أيضًا إلى ليبيا عبر شبكات داعش، حيث شاركوا في معارك هناك.

مع الحرب في أوكرانيا، عادت هذه الظاهرة إلى الواجهة، إذ سُجلت حالات تجنيد عراقيين كمرتزقة للقتال إلى جانب الجيش الروسي عبر وسطاء أو شركات مثل فاغنر سابقًا، وغالبًا ما جاء هؤلاء من مناطق تعاني من الفقر والبطالة، مع توثيق مقتل عدد منهم.