يقوم مفهوم أغاني “الدِس”، على مهاجمة صورة الخصم واسمه وأصله وكلّ ما يدّعي تمثيله. و”الدِس” هو نمط هجائي في موسيقى الراب، يوجّه النقد والسخرية والإهانات إلى فنّان آخر، وغالباً ما يعتمد على المبالغة والاستفزاز والتفاخر بالذات انطلاقاً من الكلمة الانجليزية disrespect.
لكن حين وجّه المغنّي الفلسطيني شبجديد (عدي عبّاس)، أغنيته إلى مغنٍ فلسطيني معروف آخر هو سانت ليفانت (مروان عبد الحميد)، تجاوزت المواجهة حدود المنافسة الفنّية، وتحوّلت إلى محاكمة علنية لمن يحقّ له أن يتكلّم باسم فلسطين، وللصورة التي ينبغي أن يظهر بها الفلسطيني أمام العالم.
شبجديد مغنّي راب فلسطيني من كفر عقب، يقيم في رام الله، وتشكّلت صورته الفنّية داخل المشهد الفلسطيني المحلّي. أمّا سانت ليفانت فوُلد في القدس، وقضى جزءاً من طفولته في غزّة، ثم انتقل إلى عمّان فالولايات المتّحدة، وبنى حضوره الفنّي مستخدماً العربية والإنجليزية والفرنسية.
يضيء اختلاف المسارين الجغرافيين والفنّيين جانباً من طبيعة الصراع بينهما. فشبجديد بأغنيته الموجّهة ضد سانت ليفانت يهاجم أحد أشكال الهويّة الفلسطينية المتعدّدة، ويصوّر النموذج الذي يقدّمه خصمه بوصفه استعراضياً وغير “أصيل”. وهنا تظهر فكرة تتجاوز صورة الفنّانين الاثنين نحو المقصود بالفلسطيني الحقيقي، بعد أكثر من 75 عاماً من الاحتلال واللجوء والشتات وتعدّد الجنسيات والأوراق الرسمية واللغات والتجارب.
ولا تتوقّف المعركة عند الهويّة. فلكي يهين شبجديد خصمه، يستدعي أسماء نساء ويجعل التعامل معهن أو الظهور إلى جانبهن، دليلاً على الابتذال والضعف ونقص “الرجولة”.
ويظهر ذلك جليّاً عندما يقول شبجديد مخاطباً سانت ليفانت: “تركيزك على موضوع النسوان بالذات لا مش بابلو سان ليفان، ليش اسمك هيك، ليش نص شمال، ليش متصير سان نسوان؟”.
هنا تصبح النساء مرّة أخرى أدوات في صراع بين رجلين، ويتحوّل الوجود حول هؤلاء النساء إلى تهمة.
تكشف هذه المواجهة ثلاث طبقات متداخلة، فيها صراع على تعريف الفلسطيني “الحقيقي”، وجدل حول تحويل فلسطين إلى صورة أو علامة ثقافية قابلة للتسويق، ومنافسة ذكورية تُستخدم فيها النساء لإسقاط الخصم.
ما دخل “النسوان” في الصراع؟
في هجومه على سانت ليفانت، يستدعي شبجديد اسمَي هيفاء وهبي وميا خليفة، ويربطهما بصورة خصمه وبما يعتبره خلطاً بين فلسطين وثقافة المشاهير والإثارة والاستعراض.
تعاون سانت ليفانت فنّياً مع هيفاء وهبي، كما ارتبط اسمه في الفضاء الإعلامي وثقافة المشاهير بميا خليفة. لكنّ شبجديد بدلاً من مناقشة مضمون العمل الفنّي أو طبيعة هذا الظهور، يكتفي بالوصم الاجتماعي المرتبط بالمرأتين ومهنتيهما.
هيفاء وهبي مغنّية صنعت مسيرتها داخل صناعة تقوم جزئياً على الاستعراض وصناعة الصورة، فيما عملت ميا خليفة سابقاً في أفلام للبالغين، ولا تزال صورتها العامّة محكومة إلى حدّ بعيد بهذه المرحلة من حياتها.
لكن بغضّ النظر عن تقييم مسيرتيهما أو الصناعات التي عملتا فيها، لا تصبح أي منهما مادّة مشروعة لإهانة رجل آخر. المشكلة لا تكمن في ذكر اسم امرأتين فحسب، إنما في استثمار وإعادة إنتاج العار الاجتماعي الملصق بهما لإسقاط الخصم.
إذ تُستدعى المرأتان في السجال كعلامتين جاهزتين على الابتذال والرغبة الجنسية والعار، ويُفترض أن ينتقل هذا “العار” إلى الرجل الذي يقف إلى جانبهما.
في هذا السياق، يشير الكاتب وباحث الدكتوراه في دراسات الإعلام سنين نخلة إلى أهمّية قراءة الجندر والأدوار الاجتماعية في المشادّة بين شبجديد وسانت ليفانت. إذ يرى في ثقافة البوب مساحة تُصاغ فيه معايير “الرجولة” و”الأنوثة”، وتُعاد مناقشتها وتثبيتها على إيقاع الموسيقى.
بحسب نخلة، لا يكتسب اتّهام سانت ليفانت بالابتذال معناه إلا بالاعتماد على الصورة التي صنعتها السلطة الأبوية عن ميا خليفة وهيفاء وهبي. فقد تحوّلت المرأتان في المخيال العامّ إلى موضوعين للرغبة والاستهلاك، ثم عوقبتا اجتماعياً بسبب الصورة نفسها التي صنعتها الصناعات والجماهير عنهما.
ويبيّن نخلة أنه قد يكون من المشروع نقد أيّ عمل فنّي يشيّئ النساء، سواء صدر عن سانت ليفانت أو غيره. لكنّ نقد التشييء يحتاج إلى تحليل الكلمات والصور والعلاقات التي يقدّمها العمل، أما الاكتفاء بذكر اسم امرأة موصومة اجتماعياً بوصفه إهانة، فيُعيد إنتاج التشييء نفسه بدلاً من مواجهته.
كما يشرح نخلة أن صورة الرجل الذي يقدمها سانت ليفانت كل مرّة في أغانيه المصوّرة تقوم على نموذج مألوف: رجل يحافظ على انتمائه إلى الحيّ وذاكرته الشعبية (فلسطين)، لكنّه يثبت “رجولته” بقدرته على تجاوز طبقته، والسفر، والإنفاق، وإغداق الهدايا على المرأة. وبذلك، يُعاد تغليف الأدوار الأبوية في هذه الأغاني كخيال رومانسي وطموح يناسب ثقافة المنصّات.
هكذا تُستخدم امرأتان مرّة أخرى، كأداتين في شجار بين رجلين، من دون أن تكون تجربتاهما أو مواقفهما أو أعمالهما هي موضوع النقاش!
الهويّات الاستعراضية
ينتقد شبجديد ما يعتبره نزعة استعراضية في نموذج سانت ليفانت، مستحضراً استخدام رموز مثل البطيخة والكوفية والشعارات السياسية، وكأنها أصبحت وسائل مختصرة لإثبات حبّ فلسطين أمام الجمهور.
هذا الاتّهام بـ”الاستعراضية” يتشكّل في ضوء قول شبجديد إن فلسطين تتحوّل لدى خصمه إلى هويّة بصرية واستهلاكية، فهي رموز قابلة للعرض في الحفلات، وإثارة الإعجاب على المنصّات، والوصول إلى جمهور عالمي، من دون أن يكون واضحاً، وفق منطقه، ما تحمله هذه الرموز من موقف أخلاقي أو سياسي فعلي من الاحتلال.
لكنّ استخدام الرموز الفلسطينية داخل الثقافة الشعبية قد يُقرأ فعلًا بوصفه اختزالاً تجارياً للهويّة، وقد يُقرأ أيضاً بوصفه وسيلة لتعريف جمهور أوسع بالقضيّة الفلسطينية وإبقاء رموزها حاضرة في المساحات الفنّية والإعلامية.
وهنا علينا التفكّر بالرمز نفسه وعلاقته بالسياق عندما يُحال إلى واقع الفلسطينيين وحقوقهم، لينفصل عنه ويصبح ربّما، مجرّد صورة جذّابة. حينها تُصبح المكانة الهويّاتية لفلسطين واقعة بين مسارين: مساحة للتضامن معها، أو علامة شخصية تزيد حضور الفنّان وقابليته للتسويق.
ولا تغيب المنافسة الذكورية عن هذا الصراع. يخاطب شبجديد سانت ليفانت بلغة تهديدية وأبوية، ويضع نفسه في موقع الرجل القادر على إحضار خصمه ومحاسبته وتعريفه بنفسه وبفلسطين. لتصبح فلسطين في ظل هذه المقاربة الذكورية، محلاً لصراع رمزي بين جسدَي رجلين وصوتيهما واسميهما وفحولتهما.
وإذا كانت المعركة تدور حول مَن يمثّل فلسطين على نحو أكثر “أصالة”، فأين تظهر النساء في هذه المنافسة؟
يظهرن ببساطة وصفهن كمادّة جاهزة لإهانة الرجل الآخر، لا بوصفهن صاحبات رأي أو تجارب أو أعمال فنّية. ومن هنا يصف شبجديد خصمه بعبارة “سانت نسوان”، مستعملاً علاقة الرجل بالنساء أو “الركض وراءهن”، وما يفترض أنه نقص في فحولة سانت ليفانت، ووسيلةً لنزع الشرعية عنه.
عن أيّ هويّة فلسطينية نبحث؟
لا توجد تجربة فلسطينية واحدة يمكن اختصارها في نموذج ثابت. هناك فلسطينيو الداخل، وفلسطينيو الضفّة الغربية وغزّة والقدس، واللاجئون في لبنان وسوريا والأردن، وفلسطينيون يحملون جنسيات متعدّدة، وآخرون لا يملكون أوراقاً رسمية أصلاً.
تختلف علاقتهم باللغة والمكان والذاكرة والاحتلال واللجوء والاندماج والمقاومة. كما تختلف الصور التي يفرضها الآخرون عليهم، أي الفلسطيني بوصفه عدوّاً، أو ضحيّة تستحقّ الشفقة، أو مادّة للنشاطية الرقمية، أو حمّالاً دائماً للشعارات، أو رمزاً سياسياً يُطلب منه أن يؤدّي دوراً محدّداً كي يُعترف بشرعية قضيّته.
أمام هذا الطيف من التجارب، يبدو البحث عن نموذج واحد لـ”الفلسطيني الحقيقي” محاولةً لمصادرة أشكال فلسطينية أخرى. وإذا كان شبجديد يرفض النموذج الذي يمثّله سانت ليفانت في الشتات، فقد يغفل أنه هو أيضاً يمارس أداء معيّناً للهويّة الفلسطينية، من خلال اللهجة والموسيقى والملابس واللغة الخشنة وصورة الفنّان القريب من الأرض والشارع.
سؤال الأصالة الذي يطرحه شبجديد يتجاوز الشخصيّة الفنّية أو “البيرسونا”، نحو محاكمة هويّة خصمه نفسها. لكنّ البحث عن أصل ثابت ونقيّ للهويّة لا يقود عادة إلا إلى صور نمطية تُقصي كل من لا يطابقها.
ويصعب رسم حدّ فاصل بين الشخصيّة التي يصنعها الفنّان على المسرح وبين الهويّة التي يقول إنه يمثّلها. فالهويّات ليست ثابتة، خصوصاً في حالة شعب عاش الاحتلال والتهجير واللجوء وتوزّع أفراده على بلدان ولغات وطبقات اجتماعية متعدّدة.
نحن أيضاً أمام تعبير فنّي له قواعده. فـ”الدِس” في الراب يقوم أساساً على المبالغة والاستفزاز والإهانة وبناء صورة متضخّمة عن الذات. لذلك يبقى السؤال مشروعاً: هل نحاكم نصّ شبجديد وفق قواعد المنافسة داخل الراب، أم بوصفه خطاباً عامّاً عن الهويّة الفلسطينية والجندر؟
لا توجد إجابة واحدة. لكنّ وجود قواعد فنّية تقوم على الاستفزاز لا يعفي مضمونها من النقد، ولا سيّما حين تتحوّل أجساد النساء إلى موضع للتعيير والذمّ، بدلاً من مناقشة الفكرة أو العمل الفنّي نفسه.
إشكاليات “النموذج”
وسط تشابك الهويّات واختلاف السياقات، يمكن طرح سؤال آخر: متى تحوّلت فلسطين إلى تمثيل جماليّ قابل لبيع الهويّات؟
هناك فلسطين بوصفها أرضاً واحتلالاً ولجوءاً وذاكرة ويوميات ولهجات وطبقات اجتماعية متعدّدة، وهناك أيضاً فلسطين بوصفها مجموعة من الصور والرموز العالمية القابلة للتداول مثل الكوفية، والبطيخة، والعلم، والوشم، والعبارات السياسية، والشعارات التي تتكرّر في الحفلات وعلى الملابس والحسابات الشخصية وتطبيقات المواعدة.
مثلاً، ارتداء الكوفية في حفلة راقصة، أو وضع وشم للبطيخة، أو تحويل الكوفية إلى فستان أو لباس سباحة، أو كتابة عبارة سياسية في الملفّ الشخصي، قد يكون تعبيراً عن تضامن “ما”، وقد يصبح أيضاً ممارسة هويّاتية جماليّة منفصلة عن مضمونها السياسي.
ربما أسهمت هذه الرموز في تعريف قطاعات أوسع من الجمهور العالمي بالقضيّة الفلسطينية، وربما تحوّلت، في حالات أخرى، إلى “منتج للتضامن” يمكن استهلاكه وبيعه من دون الانخراط في أسئلة الحقوق والاحتلال والمحاسبة.
كما أن التعبير عن الهويّة الفلسطينية في الأسواق الثقافية الغربية ليس مسألة بسيطة. فالفنّان الفلسطيني يتحرّك في سياقات سياسية وإعلامية شديدة الحساسية، تُستخدم فيها أحياناً تهمة معاداة السامية لتقييد خطاب ينتقد إسرائيل، ويُطلَب منه في الوقت نفسه أن يقدّم هويّة قابلة للفهم والتلقّي والتسويق.
ضمن هذه التجاذبات يظهر نموذج سانت ليفانت، الذي يمزج العربية بالإنجليزية والفرنسية، ويقدّم فلسطين من داخل موسيقى البوب العالمية وثقافة المشاهير.
هل يبدو هذا النموذج أكثر راحة لبعض الأسواق الأوروبية والأميركية؟ ربما. وهل أسهم في تعريف جمهور جديد بفلسطين؟ يصعب إنكار أن حضوره أتاح للقضيّة ورموزها الوصول إلى مساحات وجماهير جديدة.
لكنّ السؤال المهني والسياسي ليس ما إذا كانت الكوفية في حفلة راقصة تستطيع أن توقف الحرب أو تعوّض أماً فقدت أولادها فهذه مقارنة غير ممكنة أصلاً. السؤال هو ما إذا كان هذا الاستخدام يربط الرموز الفلسطينية بواقع الحقوق والاحتلال، أم يفصلها عنه ويحوّلها إلى خلفية جمالية فقط.
كما أن ترديد شتيمة ضد إسرائيل في حفلة لا يغيّر، بحدّ ذاته، خطط الحكومة الإسرائيلية أو يوقف قتل الفلسطينيين. لكنّه قد يحمل أيضاً معنى سياسياً لجمهور مُنع طويلاً من التعبير، أو يسهم في كسر الصمت في صناعة ثقافية تتجنّب غالباً الحديث عن فلسطين. لكنّه لا يعفيها في الوقت نفسه عن سؤال “الابتذال” وتكرار الصورة لتصنع مجرّد رمز منزوع السياسيّة.
المسألة إذاً ليست مفاضلة سهلة بين “فلسطيني حقيقي” و”فلسطيني مستعرض”، هي سؤال عن الخطّ الفاصل بين التعبير السياسي الصادق، والأداء الفنّي، والتسويق، والربح، وقدرة السوق على ابتلاع القضايا وتحويلها إلى علامات قابلة للاستهلاك.
الرهان على الربح؟
قد يبدو تحويل الهويّة إلى استعراض وإنتاج صورة جمالية من الموت وأشكاله مقاربة مبتذلة أو مستفزّة لمن يعيشون ويعشن تحت الاحتلال والقصف. لكنّ هذا النقد لا ينبغي أن يتحوّل بدوره إلى فرض نموذج وحيد على الفلسطينيين.
فبعض الجمهور يفضّل “الفلسطيني الميت” أو “الضحيّة المثالية”، على الفلسطيني الذي يرقص أو يغنّي أو ينجح تجارياً أو يندمج في مجتمع آخر، مع الحفاظ على هويّته أو إعادة تعريفها أو حتى الابتعاد عنها.
لكل جمهور صورة فلسطينية تريحه. هناك من يريد الفلسطيني الغاضب، ومن يريده الضحيّة الصامتة، ومن يفضّل الناشط الذي يكرّر الشعارات، ومن يتقبّل الفنّان الفلسطيني شرط أن يبقى فنّه مرتبطاً بالمأساة، ومن يرفض عليه الفرح أو الرقص أو الحديث عن الحبّ والجسد والحياة اليومية.
نُسقط على الفلسطيني “وهم الهويّة الواحدة”، ونطالبه بأن يؤدّيها مراراً كي نطمئنّ إلى أنها لم تختفِ، وربما نخشى الزوال والمحو إلى درجة نُغرق معها الهويّة الفلسطينية في الابتذال أحياناً، وفي القداسة أحياناً أخرى.
تخفي هذه الأحكام خوفاً أعمق من الاعتراف بأن عقود الاحتلال والتهجير والشتات أنتجت تجارب فلسطينية متعدّدة، لا فلسطينياً واحداً ولا هويّة واحدة.
ومن هذا الخوف يأتي نفور بعضنا من النموذج الذي يمثّله سانت ليفانت، أو انجذابنا إلى صورة شبجديد، أو العكس. نختار الفلسطيني الذي يناسب توجّهاتنا، وربما الذي يستطيع أن يبيع أكثر ملابس وملصقات وحفلات ووشوماً، أو جمعيّات وتبرّعات وشعارات وحضوراً في فضاء النشاط السياسي والأخلاقي.
هذه كلها تتحرّك داخل سوق واسع يستطيع تحويل الموت الفلسطيني نفسه إلى محتوى وصورة ومكانة وربح. لكنّ وجود السوق لا يعني أن كل تعبير فنّي عن فلسطين متاجر بها، كما لا يعني أن رفع الشعارات يُعفي الفنّان من السؤال عن طريقة استخدامه للقضيّة.
إعادة إنتاج أدوار “الفحولة”!
يظهر تشكيك خطاب شبجديد في “رجولة” سانت ليفانت بوضوح من خلال تصوير اهتمامه بالنساء أو تعاونه معهن أو شخصيّته “الرقيقة” بوصفها تذلّلاً ونقصاً في “الرجولة”.
تختصر عبارة “سانت نسوان” هذه الآليّة، حيث يصبح القرب من النساء تهمة، وتتحوّل مكانة النساء نفسهن إلى مرتبة أدنى يخشى الرجل أن يُنسب إليها.
لم يغب هذا المعنى عن الجمهور. ففي التعليقات على الأغنية، سخر متابعون من سانت ليفانت بوصفه شخصاً رقيقاً أو عاطفياً أو غير قادر على الردّ بالعنف والصراخ، وربط بعضهم ردّه المحتمل بأغانٍ لمغنّيات أو بتصرّفات تُصنَّف اجتماعياً على أنها “أنثوية”.
الإشكالية تكمن في احتقار النساء واعتبار الصوت العالي والتهديد والقسوة علامات على الفحولة، مقابل التعامل مع الرقّة والعاطفة والعمل مع النساء بوصفها أدلّة على الضعف.
نحن أمام شكل من أشكال الاستعراض المرتبط بالراب حيث يتشاجر رجلان داخل سياق فنّي، ولكل منهما خلفية مختلفة وصورة سياسية وفنّية خاصّة عن فلسطين. لكنّ اللافت أن النساء لم يظهرن إلا بوصفهن جزءاً من الإكسسوار الاستعراضي، وشأناً هامشياً ووسيلة للذمّ داخل عالم من “الديكة” المتناحرة.
من يمتلك حقّ الحكم على الآخر؟
لسنا في موقع المفاضلة بين من قدّم أكثر لـ”القضيّة الفلسطينية” من بين جميع الأسماء الواردة، نساءً ورجالاً. كما لا يفيد فتح باب تبادل الاتّهامات بشأن من هو أكثر وطنية أو صدقاً أو قرباً من فلسطين.
ولا يمكن تجاهل اختلاف الامتيازات والمواقع الجغرافية وموازين القوى بين الأشخاص الواردين في هذا السجال. فالقرب من فلسطين أو البعد عنها، والإقامة تحت الاحتلال أو في الشتات، والقدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية، كلها عوامل تؤثّر في تجربة الفنّان وفي الطريقة التي يتلقّى بها الجمهور عمله.
وبينما يتنافس الرجال على امتلاك الصوت الفلسطيني الأكثر “أصالة”، تبقى النساء أقصر طريق يسلكه بعضهم لإهانة بعض.
إقرأوا أيضاً:









