كثيرون يقعون في فخ التبسيط الخبيث عند محاولة إسقاط المفاهيم الدينية من ثقافة على أخرى، ولعل أبرز تجليات هذا التزييف هو المقارنة الشائعة والمجحفة التي تعقدها، بخبث، بعض الأطراف بين منصب بابا الفاتيكان، كمرجعية روحية للكاثوليك في العالم، ومنصب “الولي الفقيه” في النظام الإيراني.
هذه المقارنة لا تفتقر إلى الدقة اللاهوتية والتاريخية فحسب، بل تصطدم بالواقع والممارسة الفعلية لكل من المنصبين في العصر الحديث. يتجلى هذا التباين بوضوح في مواقف الحبر الأعظم الحالي، البابا ليون، الذي يقف بجرأة وشجاعة في وجه آلات الحرب والدمار، رافعاً صوته عالياً بلا خوف حتى ضد قادة الدول الكبرى، بمن في ذلك رئيس بلده الأصلي، الولايات المتحدة الأميركية، منتقداً سياسات دونالد ترامب ومتحملاً هجومه المرتد والقاسي.
في القضية الفلسطينية، يقف البابا موقفاً أخلاقياً خالصاً، فينتقد إسرائيل ويطالب بسلام عادل ومستدام يستند إلى حل الدولتين ويكفل للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، من دون أن يحول عذاباتهم إلى وقود لأجندة سياسية أو توسعية خاصة به.
هذا السلوك الأخلاقي يدفعنا الى تفكيك تلك المقارنة الساذجة والنظر في الفوارق الجوهرية بين المرجعيتين. فلم يسجل التاريخ الحديث أن بابا الفاتيكان موّل ميليشيا مسلحة، أو أنشأ أذرعاً عسكرية عابرة للحدود لزعزعة استقرار الدول وتفكيك نسيجها الاجتماعي. الفاتيكان لا يملك جيوشاً سوى الحرس السويسري التقليدي المعني بحماية البابا، في حين تقوم عقيدة ولاية الفقيه على فكرة تصدير الثورة باستخدام القوة المسلحة وتأسيس شبكات من الميليشيات الطائفية والجيوش الموازية في دول الجوار، ما أغرق المنطقة في أتون حروب أهلية وصراعات لا تنتهي.
وينسحب هذا التباين على العلاقة مع الداخل، فالبابا لا يقمع شعباً ولا يملك سلطة بوليسية تسجن المعارضين أو تفرض نمط حياة قسرياً بالترهيب، بينما تمنح السلطة المطلقة للولي الفقيه الحق في قمع الداخل بيد من حديد، واعتبار معارضة النظام معارضة للمقدس نفسه، تنتهي غالباً بأحكام تبدأ بالسجن وتصل الى إعدام المعارضين.
لعب بعض البابوات أدواراً سياسية في التاريخ الحديث، كما حدث مع البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان القوة المحركة التي ساهمت في تقويض أركان الاتحاد السوفياتي ومنظومته الشيوعية في أوروبا الشرقية. طبعاً حدث ذلك من دون أن يرسل سلاحاً أو يحرض على العنف. ببساطة، زار مسقط رأسه بولندا وأشعل ثورة بيضاء من الوعي الروحي، فخلال زيارته الشهيرة تلك عام 1979، أطلق شعاره التاريخي “لا تخافوا”، وهو ما كسر حاجز الخوف لدى الملايين وأحيا فيهم روح المقاومة. هذا الإلهام الروحي منح دفعة قوية لحركة “تضامن” العمالية المناهضة للشيوعية، وشجّع على قيام ثورة سلمية قائمة على الوعي والحرية، ما أدى في النهاية إلى تفكك الكتلة الشرقية من دون إراقة دماء.
إقرأوا أيضاً:
حتى في الفترات الأكثر تعقيداً، مثل مرحلة الحرب العالمية الثانية وعصر النازية التي عاصرها البابا بيوس الثاني عشر وأثير حوله لغط طويل اتهمه بالسكوت، وعلى الرغم من أن صمت الفاتيكان العلني إبان تلك الحقبة لا يزال يثير جدلاً تاريخياً وأكاديمياً واسعاً يرى فيه البعض قصوراً أخلاقياً وسياسياً، فإن دراسات ومراجع حديثة قدمت قراءة مغايرة، ومنها ما وثقه المؤرخ والقانوني الأميركي رونالد ريتشلاك في كتابه “هتلر، الحرب، والبابا”، ناجحاً في تجاوز مشاعر الغضب والانفعال ليكشف النقاب عن الحقيقة بشأن بيوس الثاني عشر. فهو لم يكتفِ بتفنيد الاتهامات الموجهة ضد البابا فحسب، بل وثّق للمرة الأولى كيف أن حملات التشويه ضده كانت تجد جذورها في حملة شيوعية سوفياتية استهدفت النيل من مصداقيته، وبالتالي من مصداقية الكنيسة ككل. وأثبت في كتابه أن سياسة الفاتيكان لم تكن نابعة من تعاطف مع النازية بل من واقعية ديبلوماسية صارمة لحماية الأبرياء، إذ فتح الفاتيكان الكنائس والأديرة بتوجيهات سرية من البابا لإيواء آلاف اليهود والمعارضين وتخبئتهم لإنقاذهم من معسكرات الموت، مفضلاً العمل الميداني الصامت على الخطابات الرنانة التي كانت ستدفع هتلر الى اجتياح الفاتيكان وإبادة من فيه.
بطبيعة الحال، هذا السرد التاريخي لا يعفي مؤسسة الفاتيكان كلياً من مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية المروعة المتعلقة بالقرون الوسطى، أو تلك المعاصرة المتعلقة بالفضائح الجنسية وتهم البيدوفيليا التي لاحقت الكثير من الأساقفة ورجال الدين عبر العقود الماضية. غير أن الفارق الجوهري والساطع هنا يكمن في طريقة التعامل مع الجريمة، ففي الفاتيكان باتت تُعتبر هذه الممارسات جرائم وفضائح مدانة، وقد خرج بابوات لتقديم اعتذارات علنية رسمية وتعديل القوانين الكنسية لرفع الحصانة عن المتورطين وتسليمهم للعدالة المدنية، معترفين بأن ما حدث هو انحراف بشري جسيم يناقض تعاليم الإنجيل، ومع أن هذا الأمر لا يكفي لإيفاء الضحايا حقهم وإحقاق العدالة، إلا أن مثله لا يحدث أبداً في المقلب الآخر.
فلا نجد عند مؤسسة ولاية الفقيه أي قراءة نقدية، للكثير من فتاوى المؤسس روح الله الخميني، خصوصاً تلك الواردة في كتابه الفقهي “تحرير الوسيلة” في مجلده الثاني ضمن “كتاب النكاح”، والتي تنصّ على جواز الاستمتاع الجنسي بالطفلة الرضيعة عبر ما يُعرف بـ”التفخيذ”، معتبراً في نصه الواضح أن سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ لا بأس بها حتى في الرضيعة! كما لا نجد أي اعتراف او اعتذار عن ارتكابات الثورة الدموية بحق اليساريين والعلمانيين، وحتى الإصلاحيين في مراحل متقدمة.
أما محاولات البعض اختزال المرجعيات الشيعية كلها في نموذج ولاية الفقيه، فهي تمثّل ذروة الإجحاف، فالشيعية التقليدية التي تمثلها تاريخياً مرجعية النجف الأشرف في العراق، وتحديداً مدرسة آية الله السيستاني، هي التي تصح مقارنتها بمرجعية الفاتيكان، لكونها ترفض الانخراط المباشر في السلطة السياسية التنفيذية أو إقامة دولة ثيوقراطية تحكم بالحق الإلهي، وتتدخل كصمام أمان أخلاقي وإنساني في الأوقات الحرجة لحقن الدماء وحماية السلم الأهلي من دون السعي الى إقامة إمبراطورية عسكرية.
ثم هل سبق لأحد أن رأى بابا الفاتيكان يحمل رشاشاً أثناء الصلاة، كما كان يفعل المرشد السابق علي خامنئي في صلوات الجمعة، كما لو أنه في حالة جهاد وحرب دائمة، وكأنه لا يشبع من الحروب والدماء؟
وعليه، فإن القول بأن الفاتيكان يشبه نظام ولاية الفقيه هو محاولة دوافعها مكشوفة لشرعنة الاستبداد الديني السياسي، وشتان بين مؤسسة روحية بشرية تخطئ وتصيب لكنها تنحاز في جوهرها المعاصر الى السلم وصوت الضمير وتعتذر عن ارتكابات أعضائها وتقرأ النص المقدس بنقدية وتراجع تاريخها الدموي وتتبرأ منه، وبين أيديولوجية سياسية عسكرية مقفلة من الداخل، تقمع شعوبها، وتصدّر ثورتها الأسلامية عبر ميليشيات ومرتزقة تستخدمها أوراقاً تلعبها على طاولات المفاوضات والقمار الإقليمي بشعوب المنطقة، ولا تزال تصرّ بلا تردد او إعادة تفكير، على الاستمرار في النهج الدموي نفسه.
إقرأوا أيضاً:












