لم يعد التغيّر المناخي في الجنوب السوري مجرّد ظاهرة طبيعية، بل أزمة بيئية واجتماعية متصاعدة، تتجلّى بوضوح في محافظة السويداء: البساتين التي كانت تحيط بالقرى اختفت، والأشجار التي شكّلت مدخلاً للأرياف تحوّلت إلى جذوع يابسة.
تستحضر ذاكرة أهالي المنطقة صوراً أكثر خصوبة من اليوم، تتكثّف كلما عادوا في الزمن، تقول أمّ علي وهي تعرض صوراً قديمة لأرض منزلها: “هي أرضنا قبل 25 سنة، كان الخضار مغطّي المكان”، تُظهر لقطات لا تتطابق مع المشهد الحالي بعد أن فقد ملامحه الخضراء.
أمام التدهور البيئي المتسارع، ومع انحسار المساحات الزراعية وتراجع الموارد المائية، يرصد هذا التقرير أبرز التحوّلات كما يرويها أهالي السويداء.
الأشجار… من البساتين إلى المدفئة
أمّ علي سيّدة ستّينية من ريف السويداء الشرقي، تروي سنواتها مع الأرض: “من صغري كنت أطلع مع بيي نفلح ونزرع ونحصد، كان الخير طايف علينا”، أرضها التي كانت تضمّ 15 دونماً من أشجار التفاح والمشمش والعنب والدرّاق، لم تُبقِ لها سنوات الجفاف سوى بضع زيتونات حول البيت، تقول: “الأرض جفّت من تحتنا، شجرنا مات من العطش… إذا بقي الوضع هيك الناس رح ترحل من هالمناطق”.
في وقت سابق، استيقظت على صوت المنشار لتجد أولادها يحطبون الأشجار، تصف المشهد كما لو أنها ترى سنوات عمرها تُقطع، تقول: “ما باليد حيلة، ما عد قدرنا نسقي الشجر ولا نأمن مازوت، رح نضطر نتدفّى عليهن بالشتا”، يضيف ابنها علي: “معظم أهالي الضيعة قرروا يحطبوا أشجارهم، خلال شهر واحد قطعوا أكثر من 2000 شجرة”.
تهديد زراعي متصاعد ونسب إنتاج متدنية
تُعتبر الزراعة المصدر الأساسي لدخل سكّان السويداء، مستفيدين من المناخ المعتدل والتربة البركانية الخصبة، لكنّ سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة راكمت طبقات من التراب الجافّ، وجعلت التربة البعلية غير قادرة على الإنتاج إلا بظروف خاصّة تعتمد على مياه الأمطار والآبار.
خلال السنوات الخمسة الأخيرة، تفاقمت الأزمة مع تسجيل أدنى معدّلات للهطول المطري، أما سدود المحافظة، البالغ عددها نحو 18 سداً، التي تغذّي القرى بالزراعة ورعي المواشي واصطياد السمك، فأصبحت على وشك الجفاف الكامل.
كشف مدير الزراعة المهندس مالك الحلبي، أن نسبة سقوط الأمطار هذا العام بلغت 30% فقط من معدّلاتها المعتادة، وهو تراجع حادّ يؤدي إلى انهيار شبه كامل في منظومة الإنتاج الزراعي.
القمح تراجع من 13 ألف طن إلى أقل من ألفي طن، والحمّص المزروع على 25 ألف هكتار سجّل إنتاجاً صفرياً، فيما انخفض إنتاج الشعير المزروع على 23 ألف هكتار بشكل كبير، كما تراجع إنتاج التفاح والكرمة والزيتون بنسبة تقارب 80% مقارنة بالسنوات الماضية، إذ تحصل هذه المحاصيل على أقلّ من نصف احتياجاتها من السقاية، وسط انتشار الآفات الزراعية كحفّار الساق وارتفاع أسعار المبيدات، إضافة إلى غلاء أسعار البذور والأسمدة، وانهيار أسعار المحاصيل مقارنة بتكلفة إنتاجها، وزادت أزمة الوقود من معاناة المزارعين، إذ شلّت آلات الحرث، وحوّلت مواسم البقوليات إلى مواسم خاسرة، إلى جانب تراجع إنتاج الزيتون، أكبر المحاصيل المتضرّرة، بقيت مواسم كاملة بلا قطاف في القرى المدمّرة إضافة إلى السيطرة على معامل العصر فيها.
الصراعات السياسية تُفاقم أزمة المياه
تعتمد المنطقة الجنوبية على المياه الجوفية والأمطار ووسائل الريّ الحديثة التي انتشرت مطلع الألفينات، لكنّ تصدّع البنى التحتية، ورفع الدعم عنها خلال سنوات الأزمة، وغياب خدمات الصيانة، جعل هذه المنظومة خارج الخدمة.
يقول عاطف وهو موظّف في مؤسّسة المياه في السويداء: “الحرب انعكست سلباً على المزارعين، انقطاع الكهرباء المستمرّ أثر على عمل المضخّات، وضعف الإمدادات المادّية ترك عشرات الآبار بلا إصلاح”، فالتضييق الإداري بعد موقف السويداء من نظام الأسد، أبقى الآبار معطّلة حتى اليوم، رغم أنها المصدر الأساسي للشرب والزراعة”.
إقرأوا أيضاً:
نتج عن ذلك انحسار مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وموت بساتين كاملة، وتراجع الأمن الغذائي في المحافظة، في ضغط مزدوج لصالح سياسي واقتصادي.
وتعمّقت الأزمة بعد الهجوم على السويداء في تمّوز/ يوليو الماضي، حيث تمّ اقتحام نحو 35 قرية، والاستحواذ على قرابة مئة بئر خرجت عن سيطرة الأهالي، وسُجلت عمليّات تدمير وتخريب لآبار أساسية مثل آبار الثعلة ورضيمة ولاهثة، إضافة إلى تدمير مركز البحوث الزراعية وسرقة وثائقه.
تعدّيات بشرية وكوارث طبيعية
يُذكر أنه خلال السنوات الماضية، ونتيجة نقص الوقود والفراغ الأمني في السويداء، انتشرت ظاهرة التحطيب الجائر، حيث امتهن كثيرون قطع أشجار السنديان والأحراج الطبيعية لبيعها في الأسواق، ما أدّى إلى استنزاف المساحات البريّة وتحوّلها إلى بقع جرداء.
في الوقت نفسه، تسبّبت الهزّات الأرضية والارتدادات التي شهدتها المنطقة مؤخّراً، بشروخ في الخزّانات الأرضية التي يعتمد عليها سكّان القرى المعزولة لتخزين المياه، يقول مطيع وهو فلاح من شهبا: “ترميم هذه الخزّانات يتطلّب ملأها بالمياه لكشف أماكن التسرّب، وهو ما يعيق إصلاحها، ودفع الأهالي للاعتماد على صهاريج مكلفة، يصل سعر النقلة الواحدة إلى 250 ألف ليرة سورية في حال توفّرها”.
النباتات البرّية كغذاء بديل
لم يقتصر أثر تغيّر المناخ على الزراعة المنظّمة، بل طال النباتات البرّية التي شكّلت لعقود غذاء بديلاً وطقساً اجتماعياً في الأرياف، الحقول التي امتلأت سابقاً بجامعي الخبيزة والدردار والكزبرة، باتت شبه خالية بسبب الجفاف والرعي الجائر.
تعتبر هذه النباتات مكوّناً رئيسياً في غذاء الكثير من العائلات، بسبب ارتفاع أسعار اللحوم، ما جعل البعض يصف حياته بأنها “نباتية قسراً”، يقول طالب: “مواسم الربيع كانت مصدر رزق لعائلتي… نجمع النباتات من الحقول ونبيعها في شهبا والسويداء، وأحياناً نوردها نحو دمشق، لكن من 3 سنين ما عد طلعت هي الأنواع مثل قبل”.
الثروة الحيوانية في ظلّ الجفاف
امتدّ أثر التغيّر المناخي ليطاول الثروة الحيوانية التي يعتمد عليها كثير من السكّان، إذ أدّى تراجع الإنتاج الزراعي وقلّة الإنبات البرّي إلى صعوبة تأمين غذاء المواشي، فيما ضاعف ارتفاع أسعار الأعلاف من معاناة المربّين، فاضطرّ كثيرون إلى بيع قطعانهم بخسارة كبيرة.
يقول ماهر هو فلاح من قرية الهيت: “بعد ارتفاع سعر طن التبن من مليون ونصف إلى أربعة ملايين، اضطريت بيع الحلال، بعشرة أيام خسرت تعب سنين. كان سعر الراس أربعة ملايين، وبعته بـ 800 ألف”، كما خسر ثلاثة مواسم زراعية متتالية على مساحة 1000 دونم، واضطرّ لسداد القروض الزراعية من بيع المواشي.
ومن القرية نفسها، يروي تيسير خسارته في تربية الدواجن قائلاً: “الأزمة الأخيرة وانقطاع العلف والماء خسّروني أكثر من 150 مليون، فتحت أبواب المدجنة وصرت وزّع الطيور للناس مجاناً خلال الحصار”.
أما أيسر وهو راعٍ من قرية البثينة، فيقول: “بسبب الجفاف تراجع عدد المواشي من 340 رأس إلى 60 خلال سنة، عم نواجه عجز بتوفير الأكل، وإناث المواشي غير قادرة على الإنجاب بسبب الهزال وضعف صحتها”.
وفي السياق ذاته، يوضح مدين وهو طبيب بيطري: “عادةً نستخدم منشّطات لتحريض الأمّهات على التلقيح، لكنّها غير مضمونة وقد تؤدّي إلى نفوقها أحياناً”.
الأرياف: بين الانحسار والهجرة
يبرز أثر التغيّر المناخي بشكل أوضح عند الفئات الأضعف دخلاً، إذ يدفعها إلى خيارات قسرية مثل بيع الأراضي أو المواشي، أو اللجوء إلى تحطيب البساتين لتأمين احتياجاتها.
يعني تراجع الثروة النباتية والحيوانية خسارة مباشرة في رأس المال، وينعكس سلباً على السوق المحلّي من خلال نقص موادّ التموين ومنتجات الألبان واللحوم وارتفاع أسعارها، كما أن البيع بخسارة كبيرة يُضعف قدرة الأسر على إعادة الاستثمار، ويدفع بعضها إلى الخروج نهائياً من قطاع التربية.
ومع تراكم هذه الأزمات، شهدت أرياف السويداء هجرة متزايدة نحو المدن أو المغترب، حيث ترك الأهالي أراضيهم بعد أن فقدت قدرتها على الإنتاج، وانتقلوا إلى أعمال بديلة في التجارة والخدمات.
يقول معتزّ وهو مزارع ومربٍ منذ عشرة أعوام: “أراضينا ما عاد أنتجت، قبل سنة بعت كل شي بالضيعة وانتقلت لمدينة السويداء، وأسست شغل تجاري صغير”.
هذه التحوّلات لا تُقرأ بوصفها نتائج ظرفية وفردية، ويُخشى أن تتحوّل إلى مسار يعيد تشكيل هويّة الأرياف، حيث يتراجع الطابع الزراعي لصالح أنماط معيشية بديلة.
تكشف أزمة السويداء اليوم أن تغيّر المناخ في سوريا لم يعد شأناً بيئياً فحسب، بل أصبح عاملاً يعيد صياغة البنية الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية للمجتمعات الريفية، ومع استمرار الجفاف وتقلّص الموارد، يبقى مستقبل الزراعة والثروة الحيوانية مهدّداً، ويستدعي حلولاً أكثر استدامة تعيد للأرض قدرتها على الإنتاج وللسكّان إمكان البقاء.
إقرأوا أيضاً:













