في الرابع من أيّار/ مايو 2025، تحت قبة البرلمان المصري في القاهرة، وقف النوّاب واحداً تلو الآخر، معبّرين بأجسادهم عن موافقتهم النهائية على قانون تنظيم إصدار الفتوى الشرعية. لم يكن مشهداً عادياً، بل كان لحظة فارقة في مسيرة العلاقة المتوتّرة بين الدين والدولة في مصر المعاصرة. اللحظة التي قرّر فيها المشرّع المصري أن يضع حداً لما وصفه البعض بـ”فوضى الفتاوى”، التي استشرت خلال العقود الأخيرة في الفضاءات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ساد الصمت لوهلة قبل تصفيق متقطّع. على المنصّة، جلس وكيل الأزهر بملامح محايدة تُخفي خلفها انتصاراً مؤسّسياً بعد معركة استمرت أشهراً، حول من يملك حقّ الإفتاء في أكبر دولة عربية. بينما جلس وزير الأوقاف في زاوية أخرى من القاعة، يستسلم لواقع خسر فيه جزءاً من سلطته التاريخية، لصالح المؤسّسة الأزهرية العريقة.
جذور الأزمة: عندما أصبحت الفتوى سلعة إعلامية
“الإثارة بدل الإنارة”، هكذا وصف الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق، الحالة التي وصلت إليها الفتوى في مصر خلال السنوات الأخيرة. فقد تحوّلت الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للفتاوى المتضاربة والمثيرة للجدل، حيث تصدّر البعض للفتوى من دون مؤهّلات علمية.
الأرقام وحدها تكشف حجم الظاهرة. خلال العام 2024 وحده، أصدرت دار الإفتاء المصرية مليوناً و422 ألف فتوى، شكّلت فتاوى الأسرة 67% من إجماليها. هذا الرقم الهائل يعكس حجم الحاجة المجتمعية إلى الإرشاد الديني، لكنّه في الوقت نفسه يُثير تساؤلات حول الفتاوى التي تصدر من خارج المؤسّسات الرسمية، من دون ضوابط علمية أو منهجية.
في مصر التي تحوي 151 ألف مسجد وزاوية موزّعة على المحافظات المختلفة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء، أصبح من الصعب ضبط الخطاب الديني المتدفّق عبر المنابر المتعدّدة. وقد أشار التقرير الصادر عن البرلمان المصري إلى أن “انتشار ظاهرة فوضى الفتاوى عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، من دون سند فقهي، أو شرعي، أثار خلافات واسعة وجدلاً كبيراً بين المواطنين”.
وفي بعض الحالات، تجاوزت المشكلة حدود الجدل النظري، لتصل إلى ما هو أخطر، حيث أشار الدكتور أيمن أبو العلا عضو مجلس النواب، إلى أن بعض الفتاوى وصلت إلى حدّ التحريض على “الجهاد والقتل”. في هذا السياق، لم يعد إصدار قانون ينظّم الفتاوى مجرّد خيار، بل أصبح “مطلباً وطنياً ودينياً لا غنى عنه، صوناً للدين، وحفاظاً على أمن المجتمع، وصيانة لوحدة الوطن”، بحسب ما جاء في تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الشؤون الدينية والأوقاف ومكتب لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية.
سياق تنظيم الخطاب الديني في مصر
لا يمكن فهم قانون تنظيم الفتوى، بمعزل عن سياق تاريخي أوسع لمحاولات الدولة المصرية السيطرة على الخطاب الديني منذ عدّة سنوات. فمشروع القانون الجديد ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من التدخّلات الرسمية لضبط الخطاب الديني وتوجيهه.
في أيلول/ سبتمبر 2016، قضت محكمة القضاء الإداري بتأييد قرار وزير الأوقاف رقم 215 لسنة 2016، بشأن توحيد خطبة الجمعة في المساجد المصرية. وقد جاء في حيثيات الحكم أن “الخطبة الموحّدة من المصالح المعتبرة، وضرورة لتوحيد مصر والبلاد العربية والإسلامية لمواجهة الفكر المنحرف عن صحيح الدين”، وأكّدت المحكمة على أن “المسجد لذكر الله وإرشاد الناس ووعظهم، وليس مصدراً للتحزّب والاختلاف الفكري والمذهبي”.
في تلك الفترة، قال وزير الأوقاف إن “جميع أئمّة الوزارة وافقوا على تطبيق الخطبة المكتوبة”، لكنّ صحافيين ومراقبين رأوا في هذه الخطوة محاولة للسيطرة على المنابر الدينية، بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في عام 2013.
وفي آب/ أغسطس 2016، أصدر البرلمان المصري قانوناً لبناء الكنائس وترميمها، يحدّد إجراءات بناء دور العبادة للمسيحيين وشروطها، وقد نصّ القانون على أن “تكون مساحة الكنيسة المطلوب ترخيص بنائها وملحق الكنيسة، على نحو يتناسب مع عدد مواطني الطائفة المسيحية في المنطقة التي تقام فيها وحاجتهم، مع مراعاة معدّلات النموّ السكّاني.
هذا السياق التاريخي، يكشف عن اتّجاه عامّ نحو تنظيم المجال الديني بشكل أكثر إحكاماً من قِبل الدولة، وهو ما وجد تعبيره الأخير في قانون تنظيم الفتوى.
لم يكن مسار إقرار قانون تنظيم الفتوى سهلاً، إذ شهد خلافات حادّة بين مؤسّستين دينيتين كبيرتين: الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف. وقد تجلّى هذا الخلاف في اعتراض الأزهر على ما ورد في المادّة الثالثة من مشروع القانون، بمنح لجنة في وزارة الأوقاف حقّ الإفتاء.
الدكتور محمد سعد الضويني وكيل الأزهر، تساءل خلال مناقشات القانون، عن سبب عدم منح أبناء الأزهر حقّ الإفتاء، “بالرغم من أن الأزهر يضمّ قطاعات متعدّدة، من بينها قطاع المعاهد الأزهرية الذي يشمل 170 ألف مدرس، منهم 50 ألفاً على الأقلّ من خرّيجي كليّة الشريعة والقانون”، وشدّد على “ضرورة أن تكون الفتوى تحت إشراف الأزهر ودار الإفتاء فقط”، وبرّر الأزهر موقفه بأهميّة إسناد مسؤولية الفتوى إلى الجهات المؤهّلة قانونياً ودستورياً، تجنّباً لأي تداخل في الاختصاصات بين المؤسّسات المعنّية.
في المقابل، دافع الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف المصري، عن النصّ المقترح في مشروع القانون، قائلاً إن “العاملين في وزارة الأوقاف هم من أبناء الأزهر”، وأضاف: “نحن لا نقول إن كلّ من يعمل في وزارة الأوقاف يجوز له الإفتاء، بل يجب أن يجتاز برامج التدريب والتأهيل التي تضعها دار الإفتاء المصرية، وفقاً لشروط يحدّدها الأزهر الشريف”.
وفي النهاية، انتصرت رؤية الأزهر، إذ استجاب البرلمان لمطالب المؤسّسة العريقة، ولم يمنح لجان وزارة الأوقاف سلطة إصدار الفتاوى.
القانون الجديد: خريطة الإفتاء المصرّحة
يتألف قانون تنظيم إصدار الفتوى الشرعية من 13 مادة، بعد إضافة 3 موادّ مستحدثة اقترحها الأزهر الشريف، ويرسم القانون حدوداً واضحة بين مفهومين رئيسيين: الفتوى الشرعية والإرشاد الديني.
الفتوى الشرعية وفقاً للقانون، هي “إبداء الحكم الشرعي في فتوى شرعية عامّة أو خاصّة”، وتنقسم إلى نوعين: الفتوى الشرعية العامّة، وهي “إبداء الحكم الشرعي في شأن عامّ متعلّق بالنوازل التي تؤثّر على المجتمع في مختلف المجالات”، والفتوى الشرعية الخاصّة، وهي “إبداء الحكم الشرعي في شأن خاصّ متعلّق بمسائل الأفراد في أمر مسؤول عنه شرعاً وتوضيحه للسائل”.
أما الإرشاد الديني، فيعرّفه القانون بأنه “استخدام الأحكام والقيم والمفاهيم الدينية والخُلقية، في توجيه سلوك المجتمع والأفراد وتوعيتهم بها، ووقايتهم من الأفكار المنحرفة والمفاهيم الخاطئة، تمسكاً بالثوابت الإسلامية”.
نصّت المادّة الثالثة من القانون على حصر الفتوى الشرعية العامّة في ثلاث جهات فقط: هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، ومجمّع البحوث الإسلامية، ودار الإفتاء المصرية.
أما الفتوى الشرعية الخاصّة، فيختصّ بها، إضافة إلى الجهات الثلاثة السابقة، مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، واللجان المشتركة التي يتمّ إنشاؤها، وأئمّة الأوقاف المؤهّلون وفق شروط محدّدة.
وضع القانون شروطاً صارمة لمن يتصدّرون لإصدار الفتوى الشرعية، منها: ألا تقلّ السنّ عن 30 سنة، أن يكون من خرّيجي إحدى الكليّات الشرعية في جامعة الأزهر الشريف، ألا يكون قد سبق الحكم عليه بعقوبة تأديبية، أن يكون معروفاً بحسن السمعة والتقوى، أن يكون له إنتاج علمي بارز في الدراسات الإسلامية، وأن يجتاز برامج التدريب والتأهيل التي تعدّها هيئة كبار العلماء.
في حال تعارض الفتاوى الشرعية، ينصّ القانون على ترجيح رأي هيئة كبار العلماء في الأزهر، مما يؤكّد الدور المرجعي للأزهر في المسائل الدينية.
تقييد الحرّيات أم تنظيم الخطاب؟
رغم الإيجابيات التي يراها مؤيّدو القانون، فإنه أثار عدداً من التخوّفات والانتقادات، من بينها التضييق على التعدّدية الفقهية
فثمّة تخوّف من أن يؤدّي تنظيم الفتوى الخاصّة إلى حصر غير معلن، يحدّ من اجتهاد العلماء، ويقيّد المساحات الرحبة التي عُرفت بها المدرسة الأزهرية. فالمنهج الأزهري العريق قام على الفقه المقارن، والاختلاف، والانفتاح على المذاهب، لا الحصر على رأي أو مذهب واحد. وقد درّس الأزهر الفقه على المذاهب الأربعة، ورأى في التعدّدية رحمة وسعة، لا تناقضاً ولا اضطراباً. وكذلك القلق من تسييس الفتوى، فصدور هذا القانون مرتبط بتطوّرات إقليمية، مثل الحرب في قطاع غزّة وتولّي إسلاميين متشدّدين الحكم في سوريا، حيث ظهرت فتاوى للجهاد في غزّة من كيانات غير معترف بها في مصر. لذلك، قد تكون مصر ترغب في منع أي فتاوى قد تزيد من الاستقطاب المجتمعي، بالإضافة إلى مواجهة أي أفكار متطرّفة من التيّارات الإسلامية.
أشار الدكتور أيمن أبو العلا إلى أن تطبيق القانون قد يستغرق وقتاً، خاصّة مع انتشار الشيوخ غير المختصّين في ظلّ صعوبة مركزية إصدارها، بسبب انتشار شيوخ في المساجد الطرفية وفي مدن صغيرة، حيث يتوجّه المواطنون إليهم مباشرة للحصول على الفتاوى.
وفي بلد يضمّ أكثر من 151 ألف مسجد وزاوية، مع قلّة نسبية في عدد الأئمّة المؤهّلين رسمياً – إذ تشير البيانات إلى وجود نحو 65 ألف إمام فقط تابعاً لوزارة الأوقاف في عام 2024 – يصبح من الصعب ضمان التزام جميع من يقدّمون الإرشاد الديني بالقانون الجديد.
مستقبل الخطاب الديني في مصر
منذ أن تحوّل “المحتسب” في أسواق بغداد القديمة إلى “شيخ الإسلام” العثماني، ثم إلى “لجنة كبار العلماء”، أو “هيئة الأمر بالمعروف” المعاصرة، ظلّ هاجس الدولة العربية هو احتكار الكلمة الشرعية بوصفها امتيازاً سيادياً، لا يقلّ أهمية عن سكّ العملة أو صكّ الحدود؛ ففي القرن السادس عشر رفع العثمانيون منصب “شيخ الإسلام” إلى مرتبة قاضي القضاة، مانحينَ إيّاه سلطة التصديق على الفرمانات، وتعيين القضاة في ولايات تمتدّ من تبريز إلى الجزائر، ليغدو أوّل نموذجٍ “فيدرالي” لشرطة الفتوى تحت مظلّة إمبراطورية مركزية تُنتج التشريع كما تُصدر الضرائب، ومع تفكّك السلطنة وولادة الدول القُطرية، واصلت الأنظمة الاستبدال التدريجي لسلطة الفقيه الحرّ، بجهاز بيروقراطي يخضع لرقابة الأمن والموازنة العامّة: في السعودية تأسّست في عام 1940 “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، التي امتلكت حتى 2016 صلاحيات الاعتقال الميداني، قبل أن تُراجَع سلطاتها تحت ضغط إصلاحات وليّ العهد، لتبقى مثالاً صارخاً على التحوّل مما يُشبه “الشرطة الدينية الإيمانية” إلى “شرطة رمزية” يقتصر دورها على الإبلاغ لا التنفيذ.
وفى المغرب صاغ مرسوم 8 نيسان/ أبريل 1981 “المجلس العلمي الأعلى”، بديلاً عن المفتين الأفراد، معلناً احتكار المؤسّسة الملكيّة – بصفة الحاكم أميراً للمؤمنين – سلطة الإفتاء الجماعي وتكريس مركزية روحية تعكس بنية الملكيّة ذاتها، في مقابل الحركات السلفية، وفي الأردن جرَّد “قانون الإفتاء 2006” المفتي العامّ من طابعه الشخصي، وحوّله إلى جهاز دولة يُعيَّن بمرسوم ملكي، ويعمل وفق جدول رواتب حكومية، واضعاً سلَّم ترقية وظيفية للمفتين، يربط الترخيص بسنٍّ وخبرة ودورات تدريبية، تشبه مسار القضاة المدنيين، أما الإمارات فذهبت أبعد حين أقرّ مجلسها الوطني في 2024، مشروع قانون يفرض غرامة تصل إلى مئتي ألف درهم، على من يصدر فتوى خارج مظلّة “مجلس الإمارات للإفتاء”، مستنسخةً النموذج الأوروبي لتنظيم مهنة الطب أو المحاماة، ومُحوّلةً القول فى الدين إلى ممارسة مقيَّدة ببوليصة تأمين ضدّ “أخطاء المهنة”.
هنا يطفو السؤال: هل تُجسِّد هذه القوانين نموذج ما بعد- فقهي لـ”حوكمة الضمير”، حيث تتحوّل الفتوى من خطاب نصّي إلى “بنية تحتية تنظيمية”، تشبه تنظيم الكهرباء والمياه كما يقترح فوكو فى تحليله للطاقة الحيوية للسلطة، أم أنها، كما يرى هابرماس، إعادة تدجين للمجال العمومي الديني بإخضاعه للمنطق الأداتي للدولة الحديثة؟
الإجابة تكمن فى المفارقة؛ فكلما تشدّد القانون في تجريم الإفتاء الحرّ، انتعشت المنابر العابرة للحدود على “يوتيوب” و”تلغرام”، وكلما توسّع المذهب الرسمي سعت الحركات الحركية إلى “ابتكار شعائرية بديلة”، تحتمي بفقه الأقلّية أو النزعة الأممية. بعبارة أخرى، فإن شرطة الفتوى العربية تعيش أزمةَ حداثة مضاعفة: حداثة تقنية تجعل الكلمة تنفلت إلى الفضاء الرقمي بلا جواز سفر، وحداثة سياسية تربط شرعية الدولة بقدرتها على ضبط خطاب بُنِي أصلاً على اجتهاد مُتحرّر؛ وما بينهما يتموضع القانون المصري الجديد، كحلقةٍ أخيرة فى سلسلة إقليمية تُعيد تعريف “المعصية” بوصفها مخالفة إدارية قابلة للغرامة، لا انحرافاً عقائدياً يستدعي حدّ الردّة، فتتحوّل الفتوى من نصّ مؤسّس على الفقه، إلى وثيقةٍ خاضعة لمعايير الحوكمة والشفافية، وكأنها تقريرُ شركة مُدرجة فى البورصة، بينما يبقى الرهان الأعمق على إصلاح حقل المعرفة نفسه قبل تشييد أسواره.
فالجدل الأكبر الذي أثاره القانون، لا يدور حول مدى احتياج المصريين إلى ملايين الفتاوى، أو جدوى سؤال “الشيخ” عن حكم استخدام العقل في البحث العلمي، أو تزويج الطفلة ابنة 10 أعوام، أو ضرب الزوجة بقلم رصاص، مقارنة بحاجتهم مثلاً إلى التعليم والعمل والتفكير النقدي والأفكار الابتكارية والعلاج والانفتاح على العالم وغيرها.
هذا الجدل يطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل الخطاب الديني في مصر، وما إذا كان تنظيم الفتوى بقانون سيساهم فعلاً في تجديد هذا الخطاب وتطويره ليتلاءم مع متطلّبات العصر، أم أنه سيكون مجرّد إجراء شكلي لا يمسّ جوهر المشكلة.
إن الحلم بخطاب ديني معاصر، قادر على الاستجابة لتحدّيات العصر وأسئلته، يتجاوز مجرّد تنظيم الفتوى بقانون، إنه يتطلّب إصلاحاً شاملاً للمنظومة التعليمية في المؤسّسات الدينية، وتطويراً لمناهج البحث والاجتهاد، وانفتاحاً على العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة.
كما يتطلّب إعادة النظر في العلاقة بين الدين والدولة، وفي حدود تدخّل الدولة في الشأن الديني. فالتوازن الدقيق بين حماية المجتمع من الفتاوى المتطرّفة من جهة، والحفاظ على حرّية البحث والاجتهاد من جهة أخرى، هو التحدّي الحقيقي الذي يواجه المجتمع المصري اليوم.
وبينما تنتظر مصر صدور اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الفتوى، والبدء في تطبيقه على أرض الواقع، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة هذا القانون على تحقيق التوازن المنشود بين تنظيم الفتوى وحرّية الاجتهاد، وبين سلطة الدولة وحرّية الفكر الديني. وربما كان أبلغ تعبير عن هذه المعضلة، هو ذلك التوتّر الذي ظهر في قاعة البرلمان المصري بين مؤسّستي الأزهر والأوقاف، الذي يعكس في جوهره صراعاً أعمق حول من يملك حقّ تفسير النصّ الديني، في عصر تتداخل فيه السلطات وتتشابك فيه المصالح.
بين القانون والتجديد
قانون تنظيم الفتوى، وبغضّ النظر عن المآخذ التي يمكن أن تؤخَذ عليه، فإنه يعكس اعترافاً رسمياً بوجود أزمة في هذا الخطاب، وهو في حدّ ذاته أمر إيجابي.
لكنّ مواجهة الأزمة الحقيقية للخطاب الديني تتطلّب أكثر من مجرّد تنظيم قانوني لعملية الإفتاء، إنها تتطلّب تجديداً حقيقياً في الفكر الديني نفسه، وإصلاحاً جذرياً للمنظومة التعليمية الدينية، وفتح أبواب الاجتهاد على مصراعيها أمام العقول النيّرة.
والتحدّي الأكبر الذي يواجه المجتمع المصري اليوم، هو كيفية تحقيق التوازن الدقيق بين حماية المجتمع من الفتاوى المتطرّفة من جهة، والحفاظ على حرّية البحث والاجتهاد من جهة أخرى، وهو توازن لن يتحقّق بمجرّد سنّ قانون، بل يتطلّب تغييراً ثقافياً وفكرياً عميقاً، يبدأ من المدرسة والجامعة والمسجد، ويمتدّ إلى مختلف مناحي الحياة.










