ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

شظايا على المذبح… كنائس السودان في مرمى نيران طرفي الصراع 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يكشف هذا التحقيق مسؤولية طرفي الصراع في السودان عن أضرار واعتداءات لحقت بعدد من الكنائس، ويُرجّح مسؤولية كل طرف في عدد من الحالات المحددة، كما يسلّط الضوء على أفعال قد ترقى -وفق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية- إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]


حامد فتحي

أربعة رجال يحملون تابوتاً رمزياً، أمامهم مجموعة من الشمامسة بأزيائهم الذهبية، يتقدمهم شخص يحمل صليباً، ومن خلف التابوت مجموعة من النسوة ينشدن “ختاماً يا رب، رحمتك علينا”، وصوت قرع الناقوس يملأ المكان. مشهد وثقه مقطع فيديو لاحتفال رعية كنيسة سيدة البشارة للروم الملكيين الكاثوليك بجمعة الآلام، في العاصمة السودانية الخرطوم، في 15 نيسان/أبريل 2022، قبل نحو عام من اندلاع الحرب في البلاد.

خلال أكثر من عامين، هما عمر الحرب في الخرطوم، خلت الكنيسة من المؤمنين، الذين تعود أصولهم إلى هجرات من سوريا، ورجح التحقيق احتلالها من قبل محسوبين على قوات الدعم السريع، بعد تحليل زمني وجغرافي للوضع الميداني، مدعوماً بصور أقمار صناعية، ومقطع فيديو صُور بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على القصر الجمهوري ومحيطه شمالي مدينة الخرطوم، حيث تبعد الكنيسة عنه نحو 750 متراً.

على الواجهة الشمالية لسور مجمع الكنيسة المطل على شارع البرلمان، رصدنا حاجزاً أمنياً. وعلى الواجهة الجنوبية في شارع الجمهورية، وثقنا حاجزاً آخر يبعد عنها نحو 25 متراً، وكلاهما وُضعا خلال سيطرة الدعم السريع على المنطقة. أما في فنائها، حددنا عدة أسِرّة وشواهد لإقامة أفراد، أما داخل صحن الكنيسة، حددنا صندوقاً، رجح متخصص في الهندسة التفجيرية وعلوم المقذوفات، قام بتحليل عدد من الأدلة التي جُمعت، أنه مُعَدّ لأغراض عسكرية.

تعرضت الكنيسة لأضرار منها: إقامة مَن رجحنا أنهم محسوبون على قوات الدعم السريع، أحد الطرفين المتحاربين في السودان، داخل الكنيسة. ورصدنا فيها تدنيساً للمذبح، وأسِرّة، وصندوقاً يرجح أنه يحتوي أغراضاً عسكرية، وتضرراً في جدار جانبي.

تتخذ الكنيسة موقعاً إستراتيجياً بين القصر الجمهوري والقيادة العامة للجيش، التي كانت تحت حصار الدعم السريع معظم فترات الحرب، ما دفع عدد من المحسوبين على الدعم السريع إلى اتخاذها مقراً لهم.

أرسلنا جزءاً من الأدلة التي جمعناها لعدد 16 كنيسة إلى مختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل (HRL at YSPH)، تتضمن صوراً ومقاطع فيديو، بالإضافة إلى السياق الزمني والجغرافي لكل حالة. قام فريق المختبر بفحص الأدلة، وجمع وتحليل العديد من صور الأقمار الصناعية من ماكسار (Maxar Technologies) لكل كنيسة، وزودنا بتحليل لكل حالة. جدير بالذكر أنّ المختبر يتابع عن كثب الأزمة الإنسانية في السودان، وأصدر مؤخراً تحليلاً يتضمن إنذاراً بشأن تردي الأوضاع الإنسانية في مدينة الفاشر شمال السودان.

إجمالاً، وثّق التحقيق أضراراً طالت 23 كنيسة وديراً واحداً، يتبعون غالبية الطوائف المسيحية، منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023 وحتى استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم. ورصد التحقيق عدة أنماط للأضرار؛ توزعت بين الاقتحام والتخريب، وذخائر متفجرة، واستغلال المنشآت، والحرائق، ووقوع اشتباكات داخلها، وتدنيس المقابر الملحقة بها.

ومن خلال تحليل صور حطام مقذوفين اثنين، والعديد من الصور لآثار القصف، جُمعت من 12 كنيسة وديراً، بالاستعانة بمتخصص في الهندسة التفجيرية وعلوم المقذوفات، اشترط عدم الكشف عن اسمه، تم تأكيد إصابة ثماني كنائس بصواريخ “جو – أرض”، أُطلقت بعضها من طائرات مسيرة، فيما تضررت كنائس أخرى من مقذوفات لم نتمكن من تحديد نوعها بدقة.

ووفق التحليل الزمني والجغرافي للاشتباكات، فمن المرجح بدرجة كبيرة مسؤولية الجيش عن قصف دير “الأنبا أنطونيوس والأنبا موسى الأسود” في الحاج يوسف بمحلية شرق النيل. كما يرجح مسؤولية الدعم السريع عن قصف جمعية وكنيسة “راهبات جمعية الساليزيان الكاثوليكية الإيطالية” جنوبي الخرطوم، لمرة واحدة على الأقل.

وتتحمل قوات الدعم السريع المسؤولية عن تعرض 13 كنيسة، بما فيها من منشآت وحدائق، للاستغلال والاقتحام؛ إذ وقعت تلك الاعتداءات خلال سيطرة القوات على المناطق الموجودة بها هذه الكنائس، ورجحت الأدلة إقامة جنود، أو موالين لهذه القوات، داخل باحات سبع كنائس على الأقل.

ووقع قتال بين قوات الدعم السريع والجيش داخل ساحتي كنيستين على الأقل؛ هما كنيسة “الشهيد العظيم مارمينا” في حي المظاهر، وكنيسة “مريم العذراء الحبل الطاهر بلا دنس”، وكلتاهما في أم درمان القديمة.

“عايزين الخزنة بتاعت القسيس الكبير”

يطلعنا ماركو ميلانوفيتش، أستاذ القانون الدولي العام في كلية القانون بجامعة ريدينغ، ومدير مجموعة أبحاث “القانون العالمي في ريدينغ” (GLAR)، على المسؤولية القانونية لأطراف الصراع، وفق القوانين الدولية ذات الصلة، وقد عرضنا عليه نماذج من الاعتداءات التي وثقناها، من مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية، فأكد أنها ترقى لجريمة حرب.

يقول: “يُعدّ توجيه هجمات متعمدة ضد مبانٍ مخصصة للأغراض الدينية، شريطة ألا تُصنّف أهدافاً عسكرية، جريمة حرب بموجب المادة 8 (2) (هـ) (رابعاً) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقد نجحت إحدى هذه القضايا فيما يتعلق بدولة مالي”.

في سابقة من نوعها، أدانت المحكمة الجنائية الدولية، عام 2016، أحمد الفقي المهدي، بتهمة تدمير مواقع دينية وتاريخية في تمبكتو في مالي، وحكمت عليه بالسجن تسع سنوات، خُفّضت لاحقاً إلى سبع سنوات.

وعلى الرغم من اختلاف السياق عن الحرب في السودان، فإنّ وجه المقارنة بين الواقعتين يتمثل في أن استغلال الكنائس وإلحاق أضرار بها؛ مثل تدنيس وتخريب مكوناتها الدينية، مشابه لما أُدين المهدي به. ولا تزال الدوافع حول الانتهاكات التي وقعت للكنائس في حالة السودان أقل وضوحاً من حالة المهدي، الذي ارتبط بجماعات محسوبة على تنظيم القاعدة، وكذا ما يتعلق بطبيعة المباني المستهدفة في البلدين.

ويضيف ميلانوفيتش أنّ القانون الدولي الإنساني يحمي أماكن العبادة، شأنها شأن جميع الأعيان المدنية الأخرى؛ لذا يجب أن تظل بمنأى عن الهجمات، مشيراً إلى إمكانية فقدان هذه الحصانة، لا سيّما إذا استخدمها العدو وأصبحت أهدافاً عسكرية، مستدركاً أنّ أماكن العبادة تُعدّ عموماً ممتلكات ثقافية؛ وبالتالي تتمتع بحماية مشددة، ما يعني ضرورة الحذر والانتباه عند القيام بعمليات عسكرية، حتى لو استخدمها العدو.

ويوضح بأنّ هذه الحماية لا تنطبق على ملحقات الكنائس أو الكنائس كلها، بل “تلك التي تُعدّ بالغة الأهمية وتُشكل في جوهرها جزءاً من التراث الثقافي لجميع الشعوب”، ومع هذا يشدد على أنّ “هذه الأعيان لا تزال مدنية، وهي محمية بصفتها هذه”.

المطرانية أشهر حالة تعرضت لأضرار، بعد هجوم من قوة مسلحة أول الحرب، أسفر عن إصابات بين خمسة أفراد من رجال الدين والخدم والرعية. ثم تعرضت لأضرار نتيجة الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع لاحقاً.

كان هجوم قوة مسلحة على مقر مطرانية أم درمان للأقباط الأرثوذكس (كاتدرائية “السيدة العذراء مريم” وكنيسة “الشهيد العظيم مار جرجس”) مساء يوم 13 أيار/مايو 2023، من أشد الاعتداءات التي طالت الكنائس.

وفي حديثه لنا، اتّهم الكاهن بالمطرانية أرسانيوس أبو سيف -الذي أُصيب بالرصاص في ساقه أثناء اعتداء المهاجمين- الدعم السريع بإلحاق الضرر بالكنيسة.

تقاطعت هذه الشهادة مع رواية اثنين آخرين ممن شهدوا الهجوم -بحسب حديثهما لوسائل إعلام- وهما المعلم سيفين ناجي، مرتل كنيسة “مار جرجس” الذي أُصيب برصاصة في ساقه على حد قوله، ونبيل أشعياء الذي يعمل قرابني في كنيسة “أبانوب الثورة”.

خلال هذا الهجوم، وثّقنا تخريباً كبيراً طال مكاتب الكنيسة، وتدنيس تمثال المسيح، وإلقاء صليب على الأرض. حدث الاعتداء في الشهر الأول للحرب، في وقت كانت قوات الدعم السريع تؤكد سيطرتها على 90 في المئة من مدن العاصمة الثلاث؛ ومنها أم درمان، حيث تقع المطرانية.

مرة ثانية، تعرضت الكنيسة ومقر المطرانية لاعتداء بغرض النهب في 23 أيار/مايو 2023، بحسب شهادات وثقها تقرير منظمة العفو الدولية، وكان رجال الدين قد أخلوها عقب الهجوم الأول، كما غادر غالبية المواطنين الأقباط حي المسالمة، وفق حديث الكاهن أرسانيوس.

بعد استعادة الجيش للحي، وثقنا تعرض الكنيسة لأضرار كبيرة نتيجة الاشتباكات، في الفترة بين آب/أغسطس 2023 وكانون الثاني/يناير 2024 تقريباً؛ منها إصابة بصاروخ “جو – أرض” في منارة الكنيسة، وفق تحليل الخبير. كما رصدنا آثار عشرات طلقات الرصاص على جدران المطرانية والكنيسة.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
28.08.2025
زمن القراءة: 5 minutes

يكشف هذا التحقيق مسؤولية طرفي الصراع في السودان عن أضرار واعتداءات لحقت بعدد من الكنائس، ويُرجّح مسؤولية كل طرف في عدد من الحالات المحددة، كما يسلّط الضوء على أفعال قد ترقى -وفق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية- إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.


حامد فتحي

أربعة رجال يحملون تابوتاً رمزياً، أمامهم مجموعة من الشمامسة بأزيائهم الذهبية، يتقدمهم شخص يحمل صليباً، ومن خلف التابوت مجموعة من النسوة ينشدن “ختاماً يا رب، رحمتك علينا”، وصوت قرع الناقوس يملأ المكان. مشهد وثقه مقطع فيديو لاحتفال رعية كنيسة سيدة البشارة للروم الملكيين الكاثوليك بجمعة الآلام، في العاصمة السودانية الخرطوم، في 15 نيسان/أبريل 2022، قبل نحو عام من اندلاع الحرب في البلاد.

خلال أكثر من عامين، هما عمر الحرب في الخرطوم، خلت الكنيسة من المؤمنين، الذين تعود أصولهم إلى هجرات من سوريا، ورجح التحقيق احتلالها من قبل محسوبين على قوات الدعم السريع، بعد تحليل زمني وجغرافي للوضع الميداني، مدعوماً بصور أقمار صناعية، ومقطع فيديو صُور بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على القصر الجمهوري ومحيطه شمالي مدينة الخرطوم، حيث تبعد الكنيسة عنه نحو 750 متراً.

على الواجهة الشمالية لسور مجمع الكنيسة المطل على شارع البرلمان، رصدنا حاجزاً أمنياً. وعلى الواجهة الجنوبية في شارع الجمهورية، وثقنا حاجزاً آخر يبعد عنها نحو 25 متراً، وكلاهما وُضعا خلال سيطرة الدعم السريع على المنطقة. أما في فنائها، حددنا عدة أسِرّة وشواهد لإقامة أفراد، أما داخل صحن الكنيسة، حددنا صندوقاً، رجح متخصص في الهندسة التفجيرية وعلوم المقذوفات، قام بتحليل عدد من الأدلة التي جُمعت، أنه مُعَدّ لأغراض عسكرية.

تعرضت الكنيسة لأضرار منها: إقامة مَن رجحنا أنهم محسوبون على قوات الدعم السريع، أحد الطرفين المتحاربين في السودان، داخل الكنيسة. ورصدنا فيها تدنيساً للمذبح، وأسِرّة، وصندوقاً يرجح أنه يحتوي أغراضاً عسكرية، وتضرراً في جدار جانبي.

تتخذ الكنيسة موقعاً إستراتيجياً بين القصر الجمهوري والقيادة العامة للجيش، التي كانت تحت حصار الدعم السريع معظم فترات الحرب، ما دفع عدد من المحسوبين على الدعم السريع إلى اتخاذها مقراً لهم.

أرسلنا جزءاً من الأدلة التي جمعناها لعدد 16 كنيسة إلى مختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل (HRL at YSPH)، تتضمن صوراً ومقاطع فيديو، بالإضافة إلى السياق الزمني والجغرافي لكل حالة. قام فريق المختبر بفحص الأدلة، وجمع وتحليل العديد من صور الأقمار الصناعية من ماكسار (Maxar Technologies) لكل كنيسة، وزودنا بتحليل لكل حالة. جدير بالذكر أنّ المختبر يتابع عن كثب الأزمة الإنسانية في السودان، وأصدر مؤخراً تحليلاً يتضمن إنذاراً بشأن تردي الأوضاع الإنسانية في مدينة الفاشر شمال السودان.

إجمالاً، وثّق التحقيق أضراراً طالت 23 كنيسة وديراً واحداً، يتبعون غالبية الطوائف المسيحية، منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023 وحتى استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم. ورصد التحقيق عدة أنماط للأضرار؛ توزعت بين الاقتحام والتخريب، وذخائر متفجرة، واستغلال المنشآت، والحرائق، ووقوع اشتباكات داخلها، وتدنيس المقابر الملحقة بها.

ومن خلال تحليل صور حطام مقذوفين اثنين، والعديد من الصور لآثار القصف، جُمعت من 12 كنيسة وديراً، بالاستعانة بمتخصص في الهندسة التفجيرية وعلوم المقذوفات، اشترط عدم الكشف عن اسمه، تم تأكيد إصابة ثماني كنائس بصواريخ “جو – أرض”، أُطلقت بعضها من طائرات مسيرة، فيما تضررت كنائس أخرى من مقذوفات لم نتمكن من تحديد نوعها بدقة.

ووفق التحليل الزمني والجغرافي للاشتباكات، فمن المرجح بدرجة كبيرة مسؤولية الجيش عن قصف دير “الأنبا أنطونيوس والأنبا موسى الأسود” في الحاج يوسف بمحلية شرق النيل. كما يرجح مسؤولية الدعم السريع عن قصف جمعية وكنيسة “راهبات جمعية الساليزيان الكاثوليكية الإيطالية” جنوبي الخرطوم، لمرة واحدة على الأقل.

وتتحمل قوات الدعم السريع المسؤولية عن تعرض 13 كنيسة، بما فيها من منشآت وحدائق، للاستغلال والاقتحام؛ إذ وقعت تلك الاعتداءات خلال سيطرة القوات على المناطق الموجودة بها هذه الكنائس، ورجحت الأدلة إقامة جنود، أو موالين لهذه القوات، داخل باحات سبع كنائس على الأقل.

ووقع قتال بين قوات الدعم السريع والجيش داخل ساحتي كنيستين على الأقل؛ هما كنيسة “الشهيد العظيم مارمينا” في حي المظاهر، وكنيسة “مريم العذراء الحبل الطاهر بلا دنس”، وكلتاهما في أم درمان القديمة.

“عايزين الخزنة بتاعت القسيس الكبير”

يطلعنا ماركو ميلانوفيتش، أستاذ القانون الدولي العام في كلية القانون بجامعة ريدينغ، ومدير مجموعة أبحاث “القانون العالمي في ريدينغ” (GLAR)، على المسؤولية القانونية لأطراف الصراع، وفق القوانين الدولية ذات الصلة، وقد عرضنا عليه نماذج من الاعتداءات التي وثقناها، من مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية، فأكد أنها ترقى لجريمة حرب.

يقول: “يُعدّ توجيه هجمات متعمدة ضد مبانٍ مخصصة للأغراض الدينية، شريطة ألا تُصنّف أهدافاً عسكرية، جريمة حرب بموجب المادة 8 (2) (هـ) (رابعاً) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقد نجحت إحدى هذه القضايا فيما يتعلق بدولة مالي”.

في سابقة من نوعها، أدانت المحكمة الجنائية الدولية، عام 2016، أحمد الفقي المهدي، بتهمة تدمير مواقع دينية وتاريخية في تمبكتو في مالي، وحكمت عليه بالسجن تسع سنوات، خُفّضت لاحقاً إلى سبع سنوات.

وعلى الرغم من اختلاف السياق عن الحرب في السودان، فإنّ وجه المقارنة بين الواقعتين يتمثل في أن استغلال الكنائس وإلحاق أضرار بها؛ مثل تدنيس وتخريب مكوناتها الدينية، مشابه لما أُدين المهدي به. ولا تزال الدوافع حول الانتهاكات التي وقعت للكنائس في حالة السودان أقل وضوحاً من حالة المهدي، الذي ارتبط بجماعات محسوبة على تنظيم القاعدة، وكذا ما يتعلق بطبيعة المباني المستهدفة في البلدين.

ويضيف ميلانوفيتش أنّ القانون الدولي الإنساني يحمي أماكن العبادة، شأنها شأن جميع الأعيان المدنية الأخرى؛ لذا يجب أن تظل بمنأى عن الهجمات، مشيراً إلى إمكانية فقدان هذه الحصانة، لا سيّما إذا استخدمها العدو وأصبحت أهدافاً عسكرية، مستدركاً أنّ أماكن العبادة تُعدّ عموماً ممتلكات ثقافية؛ وبالتالي تتمتع بحماية مشددة، ما يعني ضرورة الحذر والانتباه عند القيام بعمليات عسكرية، حتى لو استخدمها العدو.

ويوضح بأنّ هذه الحماية لا تنطبق على ملحقات الكنائس أو الكنائس كلها، بل “تلك التي تُعدّ بالغة الأهمية وتُشكل في جوهرها جزءاً من التراث الثقافي لجميع الشعوب”، ومع هذا يشدد على أنّ “هذه الأعيان لا تزال مدنية، وهي محمية بصفتها هذه”.

المطرانية أشهر حالة تعرضت لأضرار، بعد هجوم من قوة مسلحة أول الحرب، أسفر عن إصابات بين خمسة أفراد من رجال الدين والخدم والرعية. ثم تعرضت لأضرار نتيجة الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع لاحقاً.

كان هجوم قوة مسلحة على مقر مطرانية أم درمان للأقباط الأرثوذكس (كاتدرائية “السيدة العذراء مريم” وكنيسة “الشهيد العظيم مار جرجس”) مساء يوم 13 أيار/مايو 2023، من أشد الاعتداءات التي طالت الكنائس.

وفي حديثه لنا، اتّهم الكاهن بالمطرانية أرسانيوس أبو سيف -الذي أُصيب بالرصاص في ساقه أثناء اعتداء المهاجمين- الدعم السريع بإلحاق الضرر بالكنيسة.

تقاطعت هذه الشهادة مع رواية اثنين آخرين ممن شهدوا الهجوم -بحسب حديثهما لوسائل إعلام- وهما المعلم سيفين ناجي، مرتل كنيسة “مار جرجس” الذي أُصيب برصاصة في ساقه على حد قوله، ونبيل أشعياء الذي يعمل قرابني في كنيسة “أبانوب الثورة”.

خلال هذا الهجوم، وثّقنا تخريباً كبيراً طال مكاتب الكنيسة، وتدنيس تمثال المسيح، وإلقاء صليب على الأرض. حدث الاعتداء في الشهر الأول للحرب، في وقت كانت قوات الدعم السريع تؤكد سيطرتها على 90 في المئة من مدن العاصمة الثلاث؛ ومنها أم درمان، حيث تقع المطرانية.

مرة ثانية، تعرضت الكنيسة ومقر المطرانية لاعتداء بغرض النهب في 23 أيار/مايو 2023، بحسب شهادات وثقها تقرير منظمة العفو الدولية، وكان رجال الدين قد أخلوها عقب الهجوم الأول، كما غادر غالبية المواطنين الأقباط حي المسالمة، وفق حديث الكاهن أرسانيوس.

بعد استعادة الجيش للحي، وثقنا تعرض الكنيسة لأضرار كبيرة نتيجة الاشتباكات، في الفترة بين آب/أغسطس 2023 وكانون الثاني/يناير 2024 تقريباً؛ منها إصابة بصاروخ “جو – أرض” في منارة الكنيسة، وفق تحليل الخبير. كما رصدنا آثار عشرات طلقات الرصاص على جدران المطرانية والكنيسة.

28.08.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية