ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

شعارات و”عواطف” عوضاً عن السياسة في سوريا!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نظام الأسد لم يذكر الديمقراطية إلا ليشجبها ويعدها منتجاً غربياً، وإجراءاتها طويلة ومعطلة. والشرع لا يذكرها أبداً. في الحالتين، لا يوجد أي خيال جدي للمؤسسة الديمقراطية، بل ميل واضح إلى الشكل الاجتماعي الأسهل: الولاء للشخص، والاحتماء بالدين، والطاعة، والتعامل مع وجهاء، وأحياناً مع زعران بعد تحويلهم إلى وجهاء.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يبدو واضحاً أن سوريا مقبلة على صراع طويل، وقد لا يكون صراعاً بالمعنى المباشر فقط، بل زمناً طويلاً من العجز عن إنتاج سياسة فعلية. والمنطقة نفسها لم تعد تثمر في ثوراتها وحروبها أي نزوع جدي نحو التقدمية أو نحو إنتاج مواطن حر، ولا حتى نحو تحسين شرط العدالة. 

يتصاعد، أكثر من أي شيء آخر، حضور شعارات إسلامية تطغى في مواجهة  المطالب الخاصة بالحقوق الفردية والعامة، بل حتى تلك التي تنادي بسيادة القانون  والحقوق الدستورية، تكاد كل مشكلة تُدحض أو يُتعامل معها عبر شعار إسلامي كعبارة “نريد حريّة إسلاميّة”!، شعارات لا تعكس سياسة فعلية بمعنى الانتظام داخل مؤسسات الدولة وتسيير شؤون الناس وضبط مطالبهم داخل أحزاب تمثيلية، بل كتعويض عن غياب السياسة والقدرة على التغيير.

الشعار كبديل للسياسة

الشعار في ظل غياب أشكال التنظيم النقابي والبرلماني والحزبي، يبدو بديلاً مجرداً عن السياسة نفسها. لا برنامج فيه، ولا تصور للمجتمع، ولا كلام عن المؤسسات أو الحقوق أو المصالح، بل قفزة مباشرة إلى الشحنة الرمزية والعاطفية. وحين يصير الشعار بهذه الدرجة من التجريد كـ”قائدنا للأبد سيدنا محمد”، يغدو من الصعب فهم انعكاسه المادي: ماذا يعني في القانون، في العدالة، في الإدارة، في الاقتصاد، في تمثيل الناس، وفي حماية المختلف؟ عندها لا يعود الرمز فاتحة لتحرير المجال العام، بل ستاراً كبيراً على فراغه. 

طغيان الشعارات الدينية ليس مجرد فقر في السياسة، بل يكشف طبيعة “الحكم” نفسها، فمردِّد الشعار لا يفكر في الناس كمجتمع، بل ككتلة معنوية. لا يرى البطالة والقانون والتمثيل والإدارة والعدالة والمؤسسات، بل يرى جماعة ينبغي ردها إلى أصل متخيل. وهنا بالضبط تفشل السياسة. 

المشكلة ليست فقط أنه خطاب ديني، بل أنه يتعامل مع الدين أو الأمة أو التراث كجوهر سابق على التاريخ، كحقيقة صافية جاهزة، لا كمادة تاريخية يجب أن تدخل في عمل عقلاني وسياسي. إنه يمنح الناس كلمات كبرى عن الحق والفتح والطهر والهوية ومركزية النبي وشعار لا إله إلا الله، لكنه يعجز عن تحويلها إلى أشكال عيش مستقرة وعادلة. وحين يعجز، لا يعترف بعجزه، بل يطلب من الناس مزيداً من التصديق والإيمان والصبر، وأن يقبلوا قهرهم رمزياً، كأن نقص السياسة يمكن تعويضه بزيادة الشحنة العقائدية. ولهذا، يملك فائضاً لغوياً وعجزاً عملياً نراه كل يوم.

“الغريزة” عوضاً عن المؤسسة

السلطة هنا لا تفشل فقط في بناء المؤسسة، ولو بدا شكل المؤسسات مقبولاً، بل الأخطر أنها تستثمر في ضمور المؤسسات نفسها. أي أن ضعف المؤسسة ليس مجرد نقص تلاحظه السلطة، بل قد يكون شرطاً لعملها. فكلما ضعفت القاعدة العامة المجردة والمحايدة والمتفق عليها، زادت قيمة الوسيط والزعيم والوجيه والشيخ والمسلح والشاب المنفلت والجماعة الجاهزة للتعبئة. وهذا لا ينتج ضموراً مؤسسياً فقط، بل ضموراً أخلاقياً أيضاً. 

الاندفاع والغريزة وسطوة القوة باتت كلها أقرب إلى القبول العام من أي تصور منظم للعدل أو للمسؤولية. خطاب السلطة نفسه يميل إلى استيعاب الغريزة أكثر مما يميل إلى تهذيبها أو اعتبارها خطراً. 

وما كان في سابق الماضي الجهادي يظهر بوصفه انتحاراً أو تضحية أو فداء، صار قابلاً لأن يستعاد داخل شحنة عاطفية إعلامية وشبابية منفلتة، يمكن توجيهها بسهولة نحو العنف أو التعبئة أو التخويف. يكفي أن تنظر إلى المجال العام: ناشط يشتم ويكفر أمام الكاميرا، وآخر يسخر من النساء، وثالث يحول المعترضين على الحقوق المدنية إلى سكرجية وفاسدين، وخطاب يتفاخر بقوة بني أمية، كأن التاريخ لم يعد مادة للفهم بل مستودعاً للهيبة والغلبة. حين تغيب الدولة وتضعف القاعدة العامة، لا تبقى الغلبة مجرد وهم رمزي، بل تستعيد مكانتها الاجتماعية ويبدأ المجتمع بالظهور كما تشكله القوة، وكما تعلم طيلة خمسين عاماً.

الخوف كضابط للسلوك العام

إن يفلت الخوف من الانضباط العام، لا يُطلق الفوضى والحرب فقط، بل يعيد تنظيم السلوك نفسه. العنف في سوريا اليوم ليس مجرد انفلات، بل صار مبادرة عقلانية داخل خراب عام. يضرب الفرد أو الجماعة لا لأنهما يريدان الأذى فقط، بل لأن المناخ نفسه يقول إن من لا يسبق يُسبَق، ومن لا يُخِف يُخَف منه، ومن لا يُظهر القوة يصير عرضة للإهانة أو السحق.

هكذا تصير الغريزة طريقةً في الاحتماء، ويغدو الخوف مبرراً دائماً للمبادرة بالأذى. 

ومشاهد الشبان المهاجمين لمظاهرة الحقوق المدنية، تشي بذلك جيداً: خوف يهاجم الأضعف، ويبالغ في إظهار القوة لأنه لا يملك طمأنينة فعلية.

السلطة السورية، بماضيها وأغانيها وطبيعة تفكيرها وتعبيراتها، لا تبقى محصورة في رأسها السياسي أو في جهازها الأمني فقط، بل تتسرب إلى الذوات نفسها، إلى الشخصية اليومية، إلى الطريقة التي يتخيل بها الناس القوة والمجتمع وأنفسهم. لا يعود الأمر مجرد قهر مفروض من فوق، بل يصير استدخالاً للقهر نفسه. 

اجترار لغة ماضية

الذات السورية لا تستدخل فقط لغة السلطة القديمة، بل صارت تستدخل أيضاً آليات جبهة النصرة نفسها، أناشيدها، قاموسها الشرعي، تصوّرها للطهر، طريقتها في توزيع الخير والشر، الشكل النشط اجتماعياً وأخلاقياً عبر شخصيات تدعو الى الدين، سيارات تدعو إلى الصلاة، وتمييز المؤمن الصحيح من الجماعة المنحرفة، والمطيع من المشتبه به وبدينه. وحتى النقد الموجه إلى الحداثة أو إلى الدولة أو إلى الكحول، لا يظهر دائماً بوصفه تعبيراً نابعاً من خبرة اجتماعية سورية مستقلة، بل كثيراً ما يتسرب بوصفه جزءاً من خطاب إسلامي جاهز، تشكل أصلاً في معارضة نظام الأسد ثم تمدد خارج حدوده وآثاره.  

لا يعود نقد الأسد منفصلاً عن اللغة التي صاغها خصومه الإسلاميون، بل يبدأ، أحياناً، باستعارة مفرداتها وأحكامها ومعاييرها، إلى حد أن ما يبدو اعتراضاً شعبياً عاماً يغدو، في عمقه، إعادة تداول لخطاب ليس خطاب الناس بقدر ما هو خطاب الإسلاميين، وقد صار مألوفاً ومتسرباً إلى المجال العام. الناس يومياً يفتتنون بمعايير الصلابة والطاعة والقوة، ويتبنّون صورة مشوّهة عن العقل والدولة وحتى عن الحداثة، كأن الذات المقهورة لا تجد طريقة لتماسكها إلا في تقليد قهر الإسلاميين، وجروحهم. تتصاعد المكانة على أي شعور آخر نحو العدل وتأسيس الذات الحرة والمطالبة بالحقوق.

المسلم الملتزم عوضاً عن المواطن الصالح

يتكلم الخطاب الديني والجماعاتي بلغة الطهر والهوية والفتح، لكنه في العمق لا يفعل سوى إعادة إنتاج صورة مأزومة عن السيطرة والانضباط والذكورة.  لا يعود الدين تراثاً حياً أو خبرة روحية مفتوحة، بل يصير قناعاً لذات جريحة تبحث عن صورة أكبر وأكثر تماسكاً وأكثر تعالياً من واقعها الفعلي. والقسوة لا تعود وسيلة، بل قيمة. الصلابة، نبذ الضعف، تمجيد الفعل الخشن، والريبة من كل ما يبدو متسامحاً أو هشاً، كلها تتحول إلى أخلاق يومية. عندها لا يعود العنف، ولا الشعار الديني المجرد، مجرد رد فعل، بل يصيران طريقة الجماعة في إثبات نفسها. كأن السياسة لم تعد بحثاً عن قانون ومصلحة وعدالة، بل مسرحاً دائماً لإظهار القوة، ولإقناع الذات بأنها ما زالت متماسكة بعد كل هذا الخوف والإذلال. 

والضمور المؤسسي لا يقل خطورة. حل أي مشكلة لا يمر عبر القانون ولا عبر الإدارة ولا عبر جهاز عام محايد، بل عبر الوجهاء والعشائر وشبكات النفوذ. النظام نفسه وجه سلطته الاجتماعية والدينية في ما سُمي “غزوة السويداء”، وكأن السلطة حين تعجز عن إنتاج مؤسسة، تستعير من خارج بنيتها بعداً عشائرياً إضافياً. حتى “الغزوة بالموتورات” على السقيلبية تبدو كأنها تأتي من تراث الحارات وأشبه بمشهد من مسلسل “باب الحارة”، والانفعال الأهلي أكثر مما تأتي من منطق دولة.

المشكلة أن إصلاح هذا الجانب المؤسسي الضامر ليس أمراً سهلاً. الأفراد الخارجون من خبرة قمع طويلة، والمحكومون من سلاسل جهادية حاولت تقنين عملها، لا يتعاملون بسهولة مع المؤسسات الحديثة، لأن الأخيرة تفترض ثقة بالإجراءات، وصبراً على البطء، وقبولاً بالحياد، وإيماناً بأن القاعدة أهم من الشخص. وهذا كله ضعيف جداً في سوريا. 

نظام الأسد لم يذكر الديمقراطية إلا ليشجبها ويعدها منتجاً غربياً، وإجراءاتها طويلة ومعطلة. والشرع لا يذكرها أبداً. في الحالتين، لا يوجد أي خيال جدي للمؤسسة الديمقراطية، بل ميل واضح إلى الشكل الاجتماعي الأسهل: الولاء للشخص، والاحتماء بالدين، والطاعة، والتعامل مع وجهاء، وأحياناً مع زعران بعد تحويلهم إلى وجهاء. 

نموذج مدينة “السقيلبية” وما حصل فيه مقيت ها هنا. لذلك قد “يكره” السوري المؤسسة القمعية، لكنه لا ينتقل بالضرورة إلى “حب” المؤسسة الدستورية، بل ينتقل أحياناً فقط من جهاز مخيف إلى قائد مطمئن. وفهم الإسلام السياسي لا يكون فقط كنقد لأفكاره، بل بوصفه فشلاً في الارتقاء من التنظيم الائتلافي البدائي إلى الدولة الأخلاقية، ومن الولاء الوجداني العاطفي إلى الحرية المؤسسية.

 فهو لا يدرب الناس على العيش داخل قانون عام، بل يعيد جمعهم داخل جماعة مشحونة أخلاقياً، تبحث عن الطاعة أكثر مما تبحث عن المواطنة. ويمكن رصد هذا الانحطاط لا عبر الانطباع العام فقط، بل عبر أنماط متكررة، شتم الطوائف والأقليات، والتحريض عليها بلغة تقترب من الإبادة، والدعوة إلى الانتقام تحت التهديد، والسخرية من النساء السافرات، وتحقير أي متظاهر أو خطاب يعارض السلطة، والسخرية من مقدسات الآخرين. 

قد تبدو هذه حوادث متفرقة، لكنها في حقيقتها مؤشرات إلى بنية سماح يتوسع فيها المسموح من الإذلال والتهديد كلما تعلق الأمر بفئات أضعف أو بخصوم السلطة. ستزداد الشعارات هذا واضح، لكن كيف يتغير الواقع؟

01.04.2026
زمن القراءة: 6 minutes

نظام الأسد لم يذكر الديمقراطية إلا ليشجبها ويعدها منتجاً غربياً، وإجراءاتها طويلة ومعطلة. والشرع لا يذكرها أبداً. في الحالتين، لا يوجد أي خيال جدي للمؤسسة الديمقراطية، بل ميل واضح إلى الشكل الاجتماعي الأسهل: الولاء للشخص، والاحتماء بالدين، والطاعة، والتعامل مع وجهاء، وأحياناً مع زعران بعد تحويلهم إلى وجهاء.

يبدو واضحاً أن سوريا مقبلة على صراع طويل، وقد لا يكون صراعاً بالمعنى المباشر فقط، بل زمناً طويلاً من العجز عن إنتاج سياسة فعلية. والمنطقة نفسها لم تعد تثمر في ثوراتها وحروبها أي نزوع جدي نحو التقدمية أو نحو إنتاج مواطن حر، ولا حتى نحو تحسين شرط العدالة. 

يتصاعد، أكثر من أي شيء آخر، حضور شعارات إسلامية تطغى في مواجهة  المطالب الخاصة بالحقوق الفردية والعامة، بل حتى تلك التي تنادي بسيادة القانون  والحقوق الدستورية، تكاد كل مشكلة تُدحض أو يُتعامل معها عبر شعار إسلامي كعبارة “نريد حريّة إسلاميّة”!، شعارات لا تعكس سياسة فعلية بمعنى الانتظام داخل مؤسسات الدولة وتسيير شؤون الناس وضبط مطالبهم داخل أحزاب تمثيلية، بل كتعويض عن غياب السياسة والقدرة على التغيير.

الشعار كبديل للسياسة

الشعار في ظل غياب أشكال التنظيم النقابي والبرلماني والحزبي، يبدو بديلاً مجرداً عن السياسة نفسها. لا برنامج فيه، ولا تصور للمجتمع، ولا كلام عن المؤسسات أو الحقوق أو المصالح، بل قفزة مباشرة إلى الشحنة الرمزية والعاطفية. وحين يصير الشعار بهذه الدرجة من التجريد كـ”قائدنا للأبد سيدنا محمد”، يغدو من الصعب فهم انعكاسه المادي: ماذا يعني في القانون، في العدالة، في الإدارة، في الاقتصاد، في تمثيل الناس، وفي حماية المختلف؟ عندها لا يعود الرمز فاتحة لتحرير المجال العام، بل ستاراً كبيراً على فراغه. 

طغيان الشعارات الدينية ليس مجرد فقر في السياسة، بل يكشف طبيعة “الحكم” نفسها، فمردِّد الشعار لا يفكر في الناس كمجتمع، بل ككتلة معنوية. لا يرى البطالة والقانون والتمثيل والإدارة والعدالة والمؤسسات، بل يرى جماعة ينبغي ردها إلى أصل متخيل. وهنا بالضبط تفشل السياسة. 

المشكلة ليست فقط أنه خطاب ديني، بل أنه يتعامل مع الدين أو الأمة أو التراث كجوهر سابق على التاريخ، كحقيقة صافية جاهزة، لا كمادة تاريخية يجب أن تدخل في عمل عقلاني وسياسي. إنه يمنح الناس كلمات كبرى عن الحق والفتح والطهر والهوية ومركزية النبي وشعار لا إله إلا الله، لكنه يعجز عن تحويلها إلى أشكال عيش مستقرة وعادلة. وحين يعجز، لا يعترف بعجزه، بل يطلب من الناس مزيداً من التصديق والإيمان والصبر، وأن يقبلوا قهرهم رمزياً، كأن نقص السياسة يمكن تعويضه بزيادة الشحنة العقائدية. ولهذا، يملك فائضاً لغوياً وعجزاً عملياً نراه كل يوم.

“الغريزة” عوضاً عن المؤسسة

السلطة هنا لا تفشل فقط في بناء المؤسسة، ولو بدا شكل المؤسسات مقبولاً، بل الأخطر أنها تستثمر في ضمور المؤسسات نفسها. أي أن ضعف المؤسسة ليس مجرد نقص تلاحظه السلطة، بل قد يكون شرطاً لعملها. فكلما ضعفت القاعدة العامة المجردة والمحايدة والمتفق عليها، زادت قيمة الوسيط والزعيم والوجيه والشيخ والمسلح والشاب المنفلت والجماعة الجاهزة للتعبئة. وهذا لا ينتج ضموراً مؤسسياً فقط، بل ضموراً أخلاقياً أيضاً. 

الاندفاع والغريزة وسطوة القوة باتت كلها أقرب إلى القبول العام من أي تصور منظم للعدل أو للمسؤولية. خطاب السلطة نفسه يميل إلى استيعاب الغريزة أكثر مما يميل إلى تهذيبها أو اعتبارها خطراً. 

وما كان في سابق الماضي الجهادي يظهر بوصفه انتحاراً أو تضحية أو فداء، صار قابلاً لأن يستعاد داخل شحنة عاطفية إعلامية وشبابية منفلتة، يمكن توجيهها بسهولة نحو العنف أو التعبئة أو التخويف. يكفي أن تنظر إلى المجال العام: ناشط يشتم ويكفر أمام الكاميرا، وآخر يسخر من النساء، وثالث يحول المعترضين على الحقوق المدنية إلى سكرجية وفاسدين، وخطاب يتفاخر بقوة بني أمية، كأن التاريخ لم يعد مادة للفهم بل مستودعاً للهيبة والغلبة. حين تغيب الدولة وتضعف القاعدة العامة، لا تبقى الغلبة مجرد وهم رمزي، بل تستعيد مكانتها الاجتماعية ويبدأ المجتمع بالظهور كما تشكله القوة، وكما تعلم طيلة خمسين عاماً.

الخوف كضابط للسلوك العام

إن يفلت الخوف من الانضباط العام، لا يُطلق الفوضى والحرب فقط، بل يعيد تنظيم السلوك نفسه. العنف في سوريا اليوم ليس مجرد انفلات، بل صار مبادرة عقلانية داخل خراب عام. يضرب الفرد أو الجماعة لا لأنهما يريدان الأذى فقط، بل لأن المناخ نفسه يقول إن من لا يسبق يُسبَق، ومن لا يُخِف يُخَف منه، ومن لا يُظهر القوة يصير عرضة للإهانة أو السحق.

هكذا تصير الغريزة طريقةً في الاحتماء، ويغدو الخوف مبرراً دائماً للمبادرة بالأذى. 

ومشاهد الشبان المهاجمين لمظاهرة الحقوق المدنية، تشي بذلك جيداً: خوف يهاجم الأضعف، ويبالغ في إظهار القوة لأنه لا يملك طمأنينة فعلية.

السلطة السورية، بماضيها وأغانيها وطبيعة تفكيرها وتعبيراتها، لا تبقى محصورة في رأسها السياسي أو في جهازها الأمني فقط، بل تتسرب إلى الذوات نفسها، إلى الشخصية اليومية، إلى الطريقة التي يتخيل بها الناس القوة والمجتمع وأنفسهم. لا يعود الأمر مجرد قهر مفروض من فوق، بل يصير استدخالاً للقهر نفسه. 

اجترار لغة ماضية

الذات السورية لا تستدخل فقط لغة السلطة القديمة، بل صارت تستدخل أيضاً آليات جبهة النصرة نفسها، أناشيدها، قاموسها الشرعي، تصوّرها للطهر، طريقتها في توزيع الخير والشر، الشكل النشط اجتماعياً وأخلاقياً عبر شخصيات تدعو الى الدين، سيارات تدعو إلى الصلاة، وتمييز المؤمن الصحيح من الجماعة المنحرفة، والمطيع من المشتبه به وبدينه. وحتى النقد الموجه إلى الحداثة أو إلى الدولة أو إلى الكحول، لا يظهر دائماً بوصفه تعبيراً نابعاً من خبرة اجتماعية سورية مستقلة، بل كثيراً ما يتسرب بوصفه جزءاً من خطاب إسلامي جاهز، تشكل أصلاً في معارضة نظام الأسد ثم تمدد خارج حدوده وآثاره.  

لا يعود نقد الأسد منفصلاً عن اللغة التي صاغها خصومه الإسلاميون، بل يبدأ، أحياناً، باستعارة مفرداتها وأحكامها ومعاييرها، إلى حد أن ما يبدو اعتراضاً شعبياً عاماً يغدو، في عمقه، إعادة تداول لخطاب ليس خطاب الناس بقدر ما هو خطاب الإسلاميين، وقد صار مألوفاً ومتسرباً إلى المجال العام. الناس يومياً يفتتنون بمعايير الصلابة والطاعة والقوة، ويتبنّون صورة مشوّهة عن العقل والدولة وحتى عن الحداثة، كأن الذات المقهورة لا تجد طريقة لتماسكها إلا في تقليد قهر الإسلاميين، وجروحهم. تتصاعد المكانة على أي شعور آخر نحو العدل وتأسيس الذات الحرة والمطالبة بالحقوق.

المسلم الملتزم عوضاً عن المواطن الصالح

يتكلم الخطاب الديني والجماعاتي بلغة الطهر والهوية والفتح، لكنه في العمق لا يفعل سوى إعادة إنتاج صورة مأزومة عن السيطرة والانضباط والذكورة.  لا يعود الدين تراثاً حياً أو خبرة روحية مفتوحة، بل يصير قناعاً لذات جريحة تبحث عن صورة أكبر وأكثر تماسكاً وأكثر تعالياً من واقعها الفعلي. والقسوة لا تعود وسيلة، بل قيمة. الصلابة، نبذ الضعف، تمجيد الفعل الخشن، والريبة من كل ما يبدو متسامحاً أو هشاً، كلها تتحول إلى أخلاق يومية. عندها لا يعود العنف، ولا الشعار الديني المجرد، مجرد رد فعل، بل يصيران طريقة الجماعة في إثبات نفسها. كأن السياسة لم تعد بحثاً عن قانون ومصلحة وعدالة، بل مسرحاً دائماً لإظهار القوة، ولإقناع الذات بأنها ما زالت متماسكة بعد كل هذا الخوف والإذلال. 

والضمور المؤسسي لا يقل خطورة. حل أي مشكلة لا يمر عبر القانون ولا عبر الإدارة ولا عبر جهاز عام محايد، بل عبر الوجهاء والعشائر وشبكات النفوذ. النظام نفسه وجه سلطته الاجتماعية والدينية في ما سُمي “غزوة السويداء”، وكأن السلطة حين تعجز عن إنتاج مؤسسة، تستعير من خارج بنيتها بعداً عشائرياً إضافياً. حتى “الغزوة بالموتورات” على السقيلبية تبدو كأنها تأتي من تراث الحارات وأشبه بمشهد من مسلسل “باب الحارة”، والانفعال الأهلي أكثر مما تأتي من منطق دولة.

المشكلة أن إصلاح هذا الجانب المؤسسي الضامر ليس أمراً سهلاً. الأفراد الخارجون من خبرة قمع طويلة، والمحكومون من سلاسل جهادية حاولت تقنين عملها، لا يتعاملون بسهولة مع المؤسسات الحديثة، لأن الأخيرة تفترض ثقة بالإجراءات، وصبراً على البطء، وقبولاً بالحياد، وإيماناً بأن القاعدة أهم من الشخص. وهذا كله ضعيف جداً في سوريا. 

نظام الأسد لم يذكر الديمقراطية إلا ليشجبها ويعدها منتجاً غربياً، وإجراءاتها طويلة ومعطلة. والشرع لا يذكرها أبداً. في الحالتين، لا يوجد أي خيال جدي للمؤسسة الديمقراطية، بل ميل واضح إلى الشكل الاجتماعي الأسهل: الولاء للشخص، والاحتماء بالدين، والطاعة، والتعامل مع وجهاء، وأحياناً مع زعران بعد تحويلهم إلى وجهاء. 

نموذج مدينة “السقيلبية” وما حصل فيه مقيت ها هنا. لذلك قد “يكره” السوري المؤسسة القمعية، لكنه لا ينتقل بالضرورة إلى “حب” المؤسسة الدستورية، بل ينتقل أحياناً فقط من جهاز مخيف إلى قائد مطمئن. وفهم الإسلام السياسي لا يكون فقط كنقد لأفكاره، بل بوصفه فشلاً في الارتقاء من التنظيم الائتلافي البدائي إلى الدولة الأخلاقية، ومن الولاء الوجداني العاطفي إلى الحرية المؤسسية.

 فهو لا يدرب الناس على العيش داخل قانون عام، بل يعيد جمعهم داخل جماعة مشحونة أخلاقياً، تبحث عن الطاعة أكثر مما تبحث عن المواطنة. ويمكن رصد هذا الانحطاط لا عبر الانطباع العام فقط، بل عبر أنماط متكررة، شتم الطوائف والأقليات، والتحريض عليها بلغة تقترب من الإبادة، والدعوة إلى الانتقام تحت التهديد، والسخرية من النساء السافرات، وتحقير أي متظاهر أو خطاب يعارض السلطة، والسخرية من مقدسات الآخرين. 

قد تبدو هذه حوادث متفرقة، لكنها في حقيقتها مؤشرات إلى بنية سماح يتوسع فيها المسموح من الإذلال والتهديد كلما تعلق الأمر بفئات أضعف أو بخصوم السلطة. ستزداد الشعارات هذا واضح، لكن كيف يتغير الواقع؟