وبرغم تمسكهم الشديد بعدم المغادرة، أبدى العديد منهم تخوفه من تدهور الأوضاع واحتمال حدوث اقتتال داخلي، خصوصاً عقب اغتيال الأمين العام ل”حزب الله” حسن نصر الله، وما قد ينتج عنه من تداعيات قد يستحيل معها البقاء في لبنان.
ميدانياً، تم رصد حركة نزوح كثيفة للعمال المصريين من مناطق الجنوب، باتجاه منطقة الدورة قرب بيروت، التي تتمركز فيها جالية مصرية كبيرة، فيما يدور الحديث عن سقوط قتيل مصري من محافظة كفر الشيخ، ولكن لم يصدر بيان رسمي يؤكد ذلك.
التحركات الرسمية
من جانبها، طالبت وزارة الخارجية المصرية بتجنب السفر إلى لبنان، ودعت مواطنيها المقيمين في لبنان إلى الابتعاد عن مناطق التوتر، وحثتهم على اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر والالتزام بتعليمات السلطات اللبنانية المختصة، والبقاء على تواصل مستمر مع السفارة المصرية في بيروت.
فيما قامت السفارة المصرية في بيروت بنشر تنويه للمصريين المقيمين في لبنان بضرورة التواصل مع السفارة على أرقام خاصة تم تعميمها، وبحسب ما قاله زكي محمد وهو صحافي مصري يعيش في لبنان، فإن السفارة تقوم بجمع بيانات مواطنيها من خلال الاتصال، وهو ما حدث معه، مع حثهم على التواصل في حال حدوث أي طارئ أو تهديد شخصي.
وفي الوقت الذي أكد فيه مصريون مقيمون في لبنان لـ”درج” سقوط قتيل مصري في الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان، أكد السفير المصري في بيروت علاء موسى أن “الجالية المصرية فى لبنان بخير، ولم يتم تسجيل إصابات أو وفيات فى ظل التصعيد العسكرى الراهن”، مشيراً إلى أن “السفارة تنسق مع المصريين المقيمين في لبنان من أجل توجيههم وإرشادهم فى حال تطورت الأمور إلى أبعد من ذلك”.
وأوضح السفير المصري فى تصريحات رسمية للصحافة المصرية، أن “التحذير الصادر عن وزارة الخارجية جاء فى إطار الحرص على متابعة أوضاع المصريين ورعايتهم وتقديم العون اللازم لهم، فى ظل الظروف الصعبة والحرجة التى يمر بها لبنان”.
قتيل وشعور نكسة 67
وخلال جولة “درج” في منطقة الدورة عقب إعلان مقتل الأمين العام للحزب، أعرب الشاب المصري حسن مصطفى الذي يعمل في محطة وقود، عن شعوره بالخوف والإحباط الشديد، وقال: “حاولت قبل هذا تخيل شعور المصريين في نكسة 1967، وفشلت، ولكني الآن أدركت هذا الشعور، فما يتم من جرائم من الجيش الإسرائيلي وسط صمت دولي، هو ما حدث معنا بالضبط في تلك الفترة”.
كما عبر مصطفى عن تخوفه من إندلاع اقتتال داخلي، وقال تعليقاً على ردة فعل الشارع إثر مقتل نصر الله: “المشهد مرعب، وأخشى بالفعل حدوث اقتتال داخلي في ظل حالة الاستقطاب التي يعيشها لبنان قبل بدء الحرب الحالية، وكذلك في ظل وجود جالية سورية عبر القليل منهم عن شماتته بمقتل نصر الله، لما كان له من دور في الحرب السورية، لكن برغم كل هذا نحن باقون في لبنان”.
وقال إن “عدداً من الذين نزحوا من الجنوب تحدثوا عن مقتل شاب مصري من محافظة كفر الشيخ”، موضحاً أن “هناك حالة تضامن وتكافل داخلية بين أبناء الجالية مع المصريين الهاربين من الجنوب، حيث تم توفير السكن والطعام لهم لحين توفير فرص عمل لهم”.
مش هرجع مصر
“مش هرجع مصر”… هذا ما قاله خالد محمد ل “درج”، وهو مصري في العقد الثالث من العمر، كان يعمل في محطة وقود في مدينة جنوبية، ونزح بعد 24 ساعة من بدء القصف الإسرائيلي على الجنوب، ووصل إلى الدورة محتمياً بأبناء الجالية، وبجهود أبناء القاهرة الذين قدموا له المساعدة، وأضاف محمد “بصراحة لا أستطيع العودة إلى مصر، فكل يوم تشتكي أسرتي من تدهور المعيشة هناك، والغلاء الذي طال كل شيء، ومهما كانت ظروف الحرب هنا فهي أهون من المذلة والكسرة في مصر”.
الحرب آخر المعاناة… تكلفة الهروب من مصر
والحرب أهون معاناة بالنسبة إلى خالد محمد وآلاف غيره من المصريين، الذين اضطروا إلى الهروب من جحيم الحياة في مصر في ظل الأزمة الاقتصادية وغلاء المعيشة، إزاء معاناة من نوع آخر تنتظرهم ساعة قدومهم إلى لبنان، حيث يكتشفون أنه تم التلاعب بهم واستغلال حاجاتهم، من قبل مكاتب وهمية مختصة بجلب العمالة، ودفعوا لحسابها مبلغ 2000 أو 3000 دولار، ولكنهم لم يجدوا عملاً ولا كفيلاً ولا مكتباً يتابع شؤونهم. حوادث تتكرر بسبب غياب الدولة في لبنان، وكنتيجة للأزمة السياسية والاقتصادية التي يمر بها لبنان منذ عدة سنوات.
“تخيل أنني طبيب صيدلي وأعمل في محل خضار”… هكذا بدأ الصيدلي حسين؛ الذي رفض ذكر اسمه الحقيقي، حديثه عن المعاناة التي تعرض لها في لبنان، وقال: “البداية كانت مع إعلان شاهدته على السوشيال ميديا، يتحدث عن فرص عمل لصيادلة في لبنان، وبالفعل دفعت مبلغ 2000 دولار للشخص الذي قال إنه يمثل شركة في لبنان، ولكن عند قدومي منذ 3 سنوات، أخذ الكفيل اللبناني جواز السفر الخاص بي واختفى”.
يذكر حسين في حديثه مع “درج” كيف تحول من صيدلي إلى بائع خضار، ويقول: “للأسف وجدت نفسي ضائعاً هنا، وليس معي جواز سفر، ولكن فكرة السفر إلى لبنان شائعة في المحلة، مكان نشأتى في مصر، وتواصلت مع أصدقاء في مصر، وأحضروا لي أرقام معارف في بيروت، وفي ظل صعوبة العمل كصيدلي مع اشتراطات الشهادات ومعادلتها، وأمور أخرى، اضطررت إلى العمل في محل خضار، ولكن براتب أفضل من عملي في مصر، ومع الوقت أصبح لدي محلان، وتركت مهنة الصيدلة نهائياً”.
إقرأوا أيضاً:
40 ألف رسمي وأضعاف الرقم غير شرعي
ونتيجة لطبيعة العمالة غير الشرعية في لبنان، لا يوجد تقدير رسمي لأعداد المصريين المقيمين على أراضيه، ولكن التعداد الرسمي، وفقا للبيانات التي خرجت مع انتخابات رئاسة الجمهورية المصرية بداية هذا العام، قدرت عدد الجالية المصرية بـ40 ألف مصري.
ولكن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن عدد المصريين غير الشرعيين أضعاف هذا الرقم، خصوصاً أن المصريين لا يحتاجون إلى تأشيرة مسبقة من أجل السفر إلى لبنان، إذ يستطيع أي مصري الحضور ويحصل في المطار على تأشيرة سياحية لا تكلفه سوى 10 دولارات، وتكون لمدة شهر مع فترة سماح تبلغ شهرين، وذلك وفقاً لما رصدته “درج” في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت.
وبحسب مصدر في الأمن العام اللبناني، فإنه من المعتاد أن يبقى “الأجانب” بعد انتهاء صلاحية التأشيرة وفترة السماح، ويعرف هذا التدبير بـ”كسر الفيزا”، ثم يقوم المخالف بتسديد غرامة محددة ساعة سفره، وأسف المصدر لأنه “لا يوجد في الفترة الحالية رقابة داخلية على الإقامات، نظراً للظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها لبنان”.
هنا “الدورة” الشاهدة على آلام المصريين
خلال جولة “درج” داخل منطقة الدورة، وجدنا مقهى معروفاً بـاسم “قهوة المصريين”، وتحدثنا مع شاب مصري اسمه فهد، وهو اسمه المستعار، وسألناه عن الشركات التي تقوم بإحضار المصريين إلى لبنان، فأجاب بلهجة تحذيرية: “لا تتحدث عن هذا علناً هنا حتى لا يقوم أحد بإيذائك”، وتحركنا معاً إلى مكان بعيد عن المقهى، وبدأ بكشف تفاصيل معاناة المصريين واستغلال ظروفهم المعيشة القاسية في مصر وإحضارهم إلى لبنان.
وكشف فهد لـ”درج” أن “هناك أشخاصاً، معظمهم مصريون، هم من يديرون عمليات الاحتيال على الشبان المصريين، ولكن ذلك بالطبع بمشاركة لبنانيين، حيث يحتاج العامل إلى كفيل”.
وقال: “البداية تكون عبر إعلانات على السوشيال ميديا في المناطق التي ينتشر فيها سفر المصريين إلى لبنان، وتتركز في المحلة والمنصورة، إضافة إلى أماكن أخرى أيضاً، ويتم الاتفاق على تسفير الشاب مقابل مبلغ مالي يترواح من 2000 إلى 3500 دولار، وفور وصوله إلى هنا يقوم الكفيل بسحب جواز سفره وتركه من دون أدنى مسؤولية قانونية، وبالطبع لا أحد يحاسب أحد في ظل غياب الدولة في لبنان”.
وتابع: “سبوبة إحضار مصري مقابل المال منتشرة بين المصريين هنا، وفي الكثير منها تكون لأعمال حقيقية، حيث يستغل المصري الذي يبني هنا علاقاته لإيجاد فرصة عمل، ويقوم بإحضار أقاربه وبلدياته للعمل، ويحصل على عمولته المالية، وتقريباً غالبية من قدموا للعمل بلبنان في الفترة الأخيرة جاءوا بالطريقة نفسها، وكانت دوافع من يحضر هو العمل هنا ولو بـ300 دولار فقط، وهي أفضل من البطالة في مصر، أو عمل السخرة مقابل 5 أو 6 دولارات، حتى لو دفع 2000 دولار لمن يستقدمه”.
مصريون يعانون من كوارث سجون لبنان
تجربة سيد حسن كانت مريرة، وهو يعمل الآن في محطة وقود، يقول حسن: “للأسف كنت واحداً ممن تعرضوا للنصب عند حضوري إلى لبنان، ولكن أزمتي الأكبر كانت عند القبض عليّ بسبب خناقة في الشارع لم أكن طرفاً فيها، وطبعاً لم يكن معي جواز سفري، ورغم تأكد عناصر الأمن أنني لم أكن طرفاً في الخناقة، إلا أنهم رفضوا إخراجي من السجن، وبقيت فيه أكثر من 6 أشهر، وكنت شاهداً على معاناة المئات من المصريين داخل السجون بدون أية أحكام قضائية”.
ويوضح حسن لـ”درج”، أن “الشائع بين المساجين المغتربين في لبنان أن الأمم المتحدة تدفع تكاليف معيشة المساجين الأجانب، وهو أمر مرتبط بالأساس بالأزمة السورية، وهو دعم مقابل عدم ترحيلهم إلى بلدهم، ولكن تلك الأموال كانت دافعاً لعدة جهات أمنية في لبنان للإبقاء على المحتجزين بدون أي سند قانوني، ولولا أنني أرسلت رسالة إلى أقاربي في لبنان عبر أحد الجنود مقابل المال، لكنت مكثت أكثر من ذلك، وهم من قاموا بالضغط على السفارة والسلطات، حتى تم إخلاء سبيلي وترحيلي إلى مصر، ثم عدت بعد ذلك عبر التأشيرة السياحية وبدأت العمل مجدداً”.
نحن نتعامل مع مليشيات وليس دولة
وعن تكرار تلك الأزمات، يقول مصدر داخل السفارة المصرية في بيروت لـ”درج”، إن “الأزمة الكبرى التي نعاني منها هنا، أنه لا يوجد إحصاء رسمي لعدد المصريين في لبنان لأن كثيراً منهم يدخلون البلاد عن طريق مهربين، أو يدخلون بفيزا سياحية ثم يكسرونها ويبدأون بالعمل، وهو ما يعرضهم للنصب أو السرقة أو أزمات مع الكفلاء الذين استقدموهم، ولذلك لا تظهر هذه الأزمات مع المصريين الذين يعملون بشكل قانوني ومن خلال إقامات سارية وكفالات، وهؤلاء يحصلون من وزارة العمل على إذن عمل رسمي، مما يسهل عملية إحصائهم”.
ويضيف المصدر أن “السفارة تتلقى الشكاوى يومياً، وتقوم بالتواصل الرسمي مع وزارة العمل والأمن العام اللبناني، وتتم المساعدة في حل تلك المشاكل مع هذه الجهات، وهناك مستشارة عمالية تعمل على تصحيح الأوضاع بتوفير الكفالات وإنهاء حالات الخلسة وحل المشاكل مع الكفلاء، وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى المصريين، خاصة وأن غالبية المصريين في لبنان من عمال الدرجة الثالثة وغير المتعلمين أو متوسطي التعليم”.
لكن المصدر يشير إلى صعوبات مرافقة للعمل، ويقول: “للأسف نحن هناك في بلد ليس مستقر سياسياً، في الحقيقة نحن نتعامل مع ممثلي مليشيات وليس مع دولة، فكل منطقة في لبنان لها قوانينها الخاصة، ولا توجد سطوة للحكومة على كافة الأراضي، وهذا يزيد من صعوبة التواصل وحل الأزمات”.
العيشة عزوبية مع دنو المعاش المتفاقم
“كلمة المعاش هو المصطلح الدارج في لبنان للراتب الشهري، وقد أصبحت قيمته الشرائية أزمة جديدة خلال الفترة الحالية، تضاف إلى أزمة تعنت الكفلاء الذين يحتجزون وثائق سفر العمال خلال فترة الكفالة بشكل غير قانوني”، هذا ما قاله تامر خليل، الذي يعمل في لبنان منذ 20 عاماً، وقد سافر إليه فور انتهاء دراسته الجامعية في مصر.
ويوضح تامر لـ”درج” أن “أزمة انخفاض الرواتب التي يحصل عليها المصريين بدأت تتفاقم بعد أزمة 2019، حيث أصبحت تتراوح ما بين 250 إلى 350 دولاراً في الشهر، وذلك لأن أغلب اللبنانيين يتقاضون رواتبهم الآن بالليرة وأصبحوا ينافسون المصريين في الوظائف، التي كانت شبه مقتصرة عليهم، وأصبح اللبناني يقبل بأجور منخفضة مقارنة بالسابق، أما عن غلاء الأسعار فهو أمر يعاني منه جميع المقيمين في بلد يعاني مشاكل اقتصادية بالغة”.
ويذكر تامر أن “أغلب المصريين هنا يعيشون بدون أسرهم، وهم مضطرون للإقامة بأعداد كبيرة في شقة واحدة لتوفير المال، ويسافرون من حين لآخر إلى أسرهم في مصر، كما أن كثيراً من الشبان غير المتزوجين يقيمون علاقات مع عاملات أفريقيات يقمن في منطقة الدورة وغيرها من مناطق تجمع المغتربين، مثل منطقة صبرا وشاتيلا”.
ولكن عن سر تحمل تلك الظروف الصعبة في بلد غريب، يقول الشاب المصري: “للأسف رغم كل ما سمعته عن مآسي هذا البلد، إلا أن المصري يفضل السفر إليه هرباً من ظروف مصر الصعبة، فعلى الأقل يستطيع العامل هنا، أن يوفر تكاليف أسرته في مصر وتكاليف معيشته هنا، وذلك في ظل فرق سعر العملة، أما غير المتزوجين فبإمكانهم توفير مبالغ من المال لأهاليهم، لا يمكن أن يوفروها وهم في مصر”.
وختم تامر حديثه بمثل مصري شهير، يعبر فيه عن حال المصريين في بلدهم وتحمل الغربة رغم قسوتها، فقال: “قالوا إيه إللي رماك على المر، قال إللي أمر منه”، وأكد أنه “لو بدأت حرب هنا، فنحن لن نغادر لبنان. أنا عاصرت كل الحروب، وأفضل أن أبقى في بلد يعاني من حرب وظروف صعبة، على أن أحس بالعجز في بلدي”.











