إنها ليست الشكوى الأولى التي يتمّ التقدّم بها في فرنسا ضد الجيش الإسرائيلي من قِبل لبنانيين، لكنّها تختلف في شكلها، ونوعاً ما في مضمونها، عمّا سبقها.
في 23 أيلول/ سبتمبر 2026، تقدّم رجل أعمال مزدوج الجنسية (لبناني – فرنسي) بشكوى ضد مجهول، متّهماً الجيش الإسرائيلي باقتلاع 600 شجرة زيتون من جذورها من أرض عائلته في زوطر الشرقية الواقعة جنوبي لبنان، مع الاشتباه بنقلها إلى داخل إسرائيل، وفقاً لبيان صادر عن محامي المدّعي، وذكر البيان أن العائلة تزرع الأرض منذ 250 عاماً، ويصل عمر بعض الأشجار إلى 500 عام.
مضمون الشكوى هو السرقة والتدمير والإضرار بالممتلكات المدنية، ما يُعدّ جريمة حرب، وأضاف البيان: “يندرج هذا الفعل ضمن سياق أوسع من تدمير إسرائيل قرى في جنوب لبنان”، موضحاً أن غاية المدّعي؛ وهو بالمناسبة ليس عضواً في “حزب الله” ولا مناصراً له، هي “تحديد المسؤولين وملاحقتهم”.
صاحب الشكوى الذي لم يكشف عن هويّته، لم يرغب أيضاً في الإدلاء بأي تصريح صحافي كي يبقى التركيز منصبّاً على مضمون شكواه، لكنّ أحد المصادر المطلعة على الملفّ قال لموقع “درج” إن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن أشجار الزيتون كانت في مكانها بتاريخ 29 حزيران/ يونيو 2026، أي بعد يومين على توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وأضاف أن اختفاء الأشجار رُصد في 20 تمّوز/ يوليو 2026.
علاوة على ذلك، أشار البيان إلى تدمير منزل صاحب الشكوى في غارة إسرائيلية قبل ساعات من وقف لإطلاق النار في نيسان/ أبريل 2026.
بعيداً عن نطاق انتشار الجيش الإسرائيلي وتوقيته في المنطقة المذكورة، تشير المعلومات المتوفّرة عن الشكوى إلى وجود أساس قانوني يسمح بالتقدّم بها.
تقرير منظّمة العفو الدولية الصادر في 26 آب/ أغسطس 2025، بعنوان “لا مكان نعود إليه”، أشار إلى تعمّد القوّات الإسرائيلية تدمير الممتلكات المدنية والثقافية (منازل، مساجد، مقابر، طرقات، حدائق، ملاعب كرة قدم) وإلحاق الضرر بها خلال تحرّكها في جنوب لبنان، ما يشكّل جرائم حرب وانتهاكاً للقانون الدولي الإنساني في ظلّ غياب “ضرورة عسكرية قهرية”.
اقتلاع أشجار الزيتون الـ 600 الذي تمّ بعد توقيع اتفاق الإطار، بحسب المصدر، يضع العمليّة في خانة “التدمير خارج إطار الهجمات”، ووفقاً لمنظّمة العفو الدولية، عند تنفيذ أحد الأطراف عملاً قتالياً خارج سياق الأعمال القتالية (أي قبل بدء القتال أو بعد توقّفه) يحظر القانون الدولي الإنساني تدمير ممتلكات الخصم (إحراق، هدم إلحاق ضرر…) إلا في حالة الضرورة العسكرية القهرية حصراً. بعبارة أخرى، الضرورة العسكرية البسيطة غير كافية في سياق مماثل.
منظّمة العفو الدولية أوضحت أن الضرورة العسكرية القهرية، بحسب الاجتهاد القانوني الدولي، هي “التدابير التي لا غنى عنها لضمان نهايات الحرب… حيث لا يكون أمام المرتكب أيّ خيار آخر في هذا الصدد… وأيّ ميزة عسكرية تُرجى من خلال تدمير الممتلكات ينبغي أن تكون مؤكّدة، ولا يمكن بأيّ حال أن تكون غير محدّدة أو محتملة”.
بعبارة أخرى، تفرض الضرورة العسكرية القهرية مستوى عالياً جداً من التبرير لتدمير الممتلكات المدنية، بحيث يكون التدمير إلزامياً وملحّاً والوسيلة الوحيدة المتاحة لتحقيق هدف عسكري، مع تقييم كل حالة على حدة، وترى المنظّمة أن هذا المبدأ لا يبرّر “التدمير الواسع النطاق للممتلكات المدنية”، لا بدّ إذاً من اتساق “بين حجم تدمير الممتلكات المدنية وطبيعة الهدف العسكري”.
إقرأوا أيضاً:
في الواقع يستند هذا الاجتهاد إلى جملة من النصوص القانونية الدولية، كالمادّة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على أيّ قوة احتلال تدمير ممتلكات عقارية أو منقولة، سواء كانت مملوكة لأفراد (بصفتهم الفردية أو الجماعية) أو للدولة، أو لهيئات عامّة أخرى، أو لمنظّمات اجتماعية أو تعاونية، إلا إذا اقتضت العمليّات العسكرية ذلك حتماً. فيما صنّفت المادّة 147 التدمير الواسع النطاق للممتلكات والاستيلاء عليها بطريقة غير مشروعة وتعسفية ودون مبرر عسكري، في خانة الانتهاكات الجسيمة. أمّا المادّة 49 من الاتفاقية ذاتها، فنصّت على وجوب إعادة الأشخاص الذين تمّ إجلاؤهم إلى ديارهم بمجرّد توقّف الأعمال العدائية في المنطقة المعنية.
وعلى اعتبار أن منظّمة العفو الدولية سبق أن رصدت حالات من التدمير في جنوب لبنان في غياب أيّ ضرورة عسكرية قهرية، ستسعى التحقيقات إلى تبيان الفترة الزمنية التي مكثت فيها القوّات الإسرائيلية في زوطر الشرقية، وما إذا كان اقتلاع الأشجار ونقلها المحتمل حصلا خلال الهجوم أم خارج هذا السياق، إلى جانب تحديد المعطيات الميدانية (الهدف العسكري، حجم التدمير، سلوك القوّات…) للتأكّد ممّا إذا كانت هناك ضرورة عسكرية قهرية استوجبت الفعل موضوع الشكوى.
وفي حال انتفاء هذا المبرّر العسكري القهري، فإن بعداً آخر سيضاف إلى الملفّ على نحو يجعله يتعدّى اقتلاع أشجار الزيتون ونقلها المحتمل، ليشمل القضاء على مقوّمات عودة سكّان زوطر الشرقية من خلال الإضرار بأحد مواردهم.
بعيداً عن المسار القضائي ومدّته الزمنية، وعن غياب معلومات إضافية عن الملفّ، يبقى أنه ما كان بوسع صاحب هذه الشكوى التقدّم بها أمام القضاء الفرنسي لولا توفّر عنصرين اثنين: تضرّره المباشر من عمليّة اقتلاع أشجار الزيتون و/أو تدمير المنزل بصفته أحد المالكين، إلى جانب حمله الجنسية الفرنسية.
الشكاوى التي تمّ التقدّم بها حتى اللحظة أمام القضاء الفرنسي على خلفية الحرب في جنوب لبنان، استندت إلى مبدأ الشخصية السلبية الوارد في المادّة 7-113 من القانون الجنائي الفرنسي، التي تنصّ على إمكانية تطبيق نصوص القانون المذكور حتى على الجرائم التي وقعت خارج الأراضي الفرنسية، بشرط أن تحمل الضحيّة الجنسية الفرنسية لحظة وقوع الجريمة، وبغضّ النظر عن جنسية الجاني.
بعبارة أخرى، ملاحقة الجهات الإسرائيلية أمام القضاء الفرنسي تتمّ حتى الساعة على يد ضحايا من مزدوجي الجنسية (لبنانيين – فرنسيين).
في المقابل لم يتمّ حتى الآن التقدّم بشكوى أمام الجهات الفرنسية المختصّة استناداً إلى مبدأ الشخصية الإيجابية (المادّة 6-113 من القانون الجنائي الفرنسي)، أي للادّعاء على عسكري إسرائيلي مزدوج الجنسية توفّرت معطيات تشير إلى ارتكابه جرائم في جنوب لبنان؛ وهي خطوة أقدمت عليها عدّة منظّمات حقوقية دولية وفلسطينية، إذ تقدّمت بشكويين ضد ثلاثة جنود من مزدوجي الجنسية (فرنسيين – إسرائيليين)، على خلفية تورّطهم المحتمل في ارتكاب جرائم خلال الحرب على قطاع غزّة.
وفي السياق ذاته، تجدر الإشارة إلى أن القوانين الفرنسية ما تزال تقيّد مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مبدأ يتيح للمحاكم والجهات القضائية الوطنية التحقيق مع أشخاص ومحاكمتهم بتهم ارتكاب جرائم خطيرة (إبادة، جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية)، بغضّ النظر عن مكان وقوعها أو جنسية الجناة والضحايا.
لكنّ المادّة 11-689 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي اشترطت لتفعيل الولاية القضائية العالمية في جرائم الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أن يكون المدّعى عليه مقيماً بصورة اعتيادية على الأراضي الفرنسية، وهو ما يحدّ من سبل ملاحقة الجيش الإسرائيلي أمام القضاء الفرنسي.












