
تقبع عائلة رنا الصياح في العراء لليوم الخامس على التوالي، بين مئات السوريين الفارين من الحرب الإسرائيلية على لبنان، على بعد أمتار قليلة من أقاربها في منطقة جرابلس شرق حلب، بانتظار موافقة متزعمي الجيش الوطني للدخول إلى مناطق سيطرته، التي من المفروض أن تكون لكل السوريين من دون تمييز بين مقيم ومهجر.
يقول عبد المعين الصياح: “منذ 4 أيام، انقطع الاتصال بابنة عمي رنا وأطفالها الثلاثة أكبرهم بعمر الـ 11 عاماً، وآخر ما عرفته عنهم وصولهم إلى منطقة متوسطة بين سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” من جهة، والجيش الوطني من جهة أخرى.
هم في منطقة لا توجد فيها أي خدمات أو بناء أو طعام، وبصريح العبارة يفترشون الأرض ويلتحفون السماء بانتظار موافقة السلطات على دخولهم إلى منطقة جرابلس.
مئات العائلات غالبيتها من النساء والأطفال حالها كحال عائلة رنا الصياح، فرت من لبنان جراء الحرب التي تشنها إسرائيل، واستقرت بها الحال بالقرب من معبر عون الدادات، الواقع بين مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” والجيش الوطني”، حيث توفيت امرأة بسبب ظروف الانتظار الطويل غير الإنسانية، وبعد رحلة نزوح طويلة ملأى بالمتاعب في مناطق سيطرة النظام.
الفرار من منطقة نزاع إلى أخرى
اختارت العائلات العالقة على معبر عون الدادات، مناطق الشمال السوري للاستقرار فيها بعد فرارها من الحرب في لبنان، كون غالبيتها تنحدر من مناطق شمال غربي سوريا، ففضّل بعضها الابتعاد عن مناطق سيطرة النظام وآلته الأمنية، فيما يطمح البعض الآخر لاستكمال طريقه نحو تركيا ومن ثم أوروبا، بحسب جولة لمراسل “درج” على عدد من أقارب العائلات الذين ينتظرون وصولهم منذ أيام عدة على الجهة الأخرى من المعبر.
تنتظر عائلة عايش العدنان في محافظة إدلب وصول ابنها وعائلته بفارغ الصبر، بحسب ما وصف شقيقه في اتصال مع “درج”، إذ لم تلتقِ العائلة بابنها منذ 9 سنوات، ومنذ اشتداد الحرب في جنوب لبنان كانت أم عايش يومياً تُجري اتصالات مطولة مع ابنها وعائلته للاطمئنان عليهم، وعلى رغم من تعرض محافظة إدلب للقصف بشكل شبه يومي من قوات النظام وسقوط ضحايا ومصابين، إلا أن خوف الأم على ابنها وعائلته في لبنان، أنساها خوفها من قصف قوات النظام مدينتها المتواصل منذ سنوات.
يؤكد شقيق عايش أن عدداً من الأشخاص المتنفّذين في فصائل الجيش الوطني عرضوا عليه دفع مبلغ 100 دولار لكل شخص من عائلة شقيقه، مقابل السماح لهم بالعبور والخروج من نقطة التوقيف، إلا أن شقيق عايش لم يدفع بسبب عدم تمكنه من تأمين مبلغ 600 دولار، وعند تهديده الشخص الذي عرض عليه ذلك، ردّ الأخير: “إنت الخسران”.
التقى مراسل “درج” بعدد من أقارب النازحين، وأكدوا الرواية ذاتها، وبعضهم قال إن متنفذين عرضوا عليه مبالغ بين 100- 200 دولار، لإخراج أقاربه من النقطة العالقين فيها.
من يتحكّم بالمعبر
تتطابق 5 إفادات حصل عليها مراسل “درج” من شخصيات عسكرية في المعارضة السورية وأخرى مدنية نافذة في منطقة جرابلس قرب معبر عون الدادات، تفيد بأن المتحكم الأول بمرور الأشخاص بين مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” من جهة والجيش الوطني من جهة أخرى، شخص يُدعى زكوري (زكريا الموسى) ينحدر من قرية عون الدادات، الذي جند العشرات من أبناء القرية لمساعدته في ابتزاز العابرين على الجهتين، أي من مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” باتجاه مناطق الجيش الوطني وبالعكس.
يتحكم أيضاً زكوري بالقوافل التجارية على المعبر، ويفرض إتاوات على التجار والسيارات، واتهمته أطراف عدة بالوقوف وراء احتجاز العائلات الفارّة من الحرب في لبنان والراغبة في دخول شمال غربي سوريا، وبات يفرض عليها إتاوات للسماح لها بالوصول إلى معبر الجيش الوطني.
ويتهم الناشط الحقوقي عارف الشيخ كلاً من “قوات سوريا الديمقراطية” والجيش الوطني بـ”تسهيل عمل المدعو زكوري، وإعطائه حرية الحركة وممارسة الابتزاز والانتهاكات بحق العائلات المحتجزة بين نقطتي السيطرة”، موضحاً أن “طرفي السيطرة مستفيدان مالياً منه، وإلا لما تجرأ على احتجاز العائلات وابتزازها مالياً”.
يعود تاريخ تحكّم زكوري بهذه المنطقة إلى أكثر من عامين، ليصير اسمه صلة وصل بين “قوات سوريا الديمقراطية” والجيش الوطني. وبحسب شهادات أشخاص سبق أن مروا من منطقة سيطرة زكوري، فإن الأخير والعاملين معه يطلقون ألفاظاً نابية وخادشة للحياء بحق سائقي السيارات والمسافرين سواء كانوا رجالاً أو نساء، بهدف بث الرعب والحصول على الإتاوات تحت التخويف والتهديد.
في السابع من الشهر الجاري، أعلنت الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني، إغلاق معبر عون الدادات على رغم وصول مئات الأشخاص الفارّين من لبنان، تحت ذريعة تصرفات عناصر حزب “العمال الكردستاني” غير الأخلاقية مع القادمين من مناطق سيطرة الحزب ومناطق سيطرة النظام.

بعد ساعات تراجعت الشرطة العسكرية عن البيان وأعادت فتح المعبر، وسمحت لحالات قليلة بدخول المعبر ممن لديهم أوضاع صحية سيئة، ليعلن الدفاع المدني السوري إسعاف حالات عدة، بينهم امرأة حديثة الولادة مع طفلتها وعدد من ذوي الاحتياجات الخاصة .
في الثالث من الشهر الجاري، سمح الجيش الوطني بدخول 2000 شخص إلى مناطق سيطرته معظمهم عائلات قادمة من لبنان، وفي حديث مع أحد الواصلين من هناك والمقيم حالياً في محافظة إدلب، أخبرنا عن مساحة تتوسط مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” ومناطق سيطرة الجيش الوطني، مساحة تزيد عن 5 كم مربع، تُسمى ساحة زكوري، تخلو من أي بناء أو جدار ولا يوجد فيها لا طعام ولا ماء.
يُدير الساحة رجال يعملون باسم المعلم زكوري بحسب وصفهم، وجميعهم مسلحون، وقد وجهوا إلينا ألفاظاً بذيئة، وضغطوا على الكثير من المدنيين في الساحة لدفع مبالغ تتراوح بين 100-200 دولار أميركي، للسماح لهم بالعبور تجاه مناطق الجيش الوطني، ولم يقدموا لنا أي شيء سوى السباب والشتائم، وضربوا بعض الشبان.

زكوري ليس الوحيد الذي عرقل دخول السوريين إلى مناطق شمال غربي البلاد، حيث أكدت جهات عدة صدور أوامر تركية بعدم السماح لدخول النازحين عبر معبر عون الدادات، إلا بأوامر تركية، على الرغم من مضي أيام طويلة على تجمّع المئات منهم في الساحة.
يقول (خ.ص) العامل في إحدى المنظمات الإنسانية في منطقة جرابلس، قدّمنا عدداً من طلبات للدخول إلى نقطة تجمع الفارّين من الحرب، بقصد مدهم بمياه الشرب والطعام، إلا أن جميع طلباتنا قوبلت بالرفض، وما زلنا ننتظر قرب المعبر نحاول الوصول إلى التجمع لكن من دون أي نتيجة. والمفارقة العجيبة أن القسم التجاري من المعبر قيد العمل، والسيارات تخرج وتدخل إلى المعبر، فيما يقبع مئات الأشخاص بلا صوت، ومن دون رعاية أو طعام وشراب منذ أيام تحت أشعة الشمس وبرودة الليل.
إقرأوا أيضاً:









