أثار ظهور الشاب عرفان حيدر، وهو جندي سابق فرّ من الجيش السوري، في فيديو وهو يحرق بطاقة التسوية التي منحته إياها الحكومة السورية الجديدة، عاصفة من الغضب والتخوين تجاوزت حدود النقد المشروع لتصل إلى التهديد المباشر بالقتل، والاتهام بأنه من “فلول النظام”، و”ناكر للجميل” و”أيتام الأسد” وغيرها من الاتهامات التي تطاول كثيرين مثله اليوم.
فتح الفيديو باباً واسعاً في النقاش العام حول معنى العدالة وشكل الدولة، ومكانة الفرد في مرحلة ما بعد الأسد، فيما دفعت الاتهامات الشاب الى تسجيل فيديو ثانٍ يشرح فيه تاريخه الثوري ومواقفه وأسباب سخطه، مؤكداً أنه كان من المشاركين في الثورة، وأن نظام الأسد اعتقله مراراً، وسِيق إلى الجيش الإلزامي في 2017، قبل أن يهرب بعد شهرين، ويُمنح بطاقة التسوية، التي باتت بحد ذاتها تهمة على الحواجز الأمنية ومصدر قلق لحامليها، لأنهم جميعاً يصنّفون تحت خانة “فلول النظام”.
بدا حيدر في الفيديو مرتبكاً وكأنه يقدم نفسه الى محكمة غير مرئية، ينتظر منها حكماً بالبراءة، عبر “تزكية” من أحد وجوه الثورة، أو من حساب واسع التأثير في مواقع التواصل، لعله يخرج نفسه من دائرة الخيانة إلى دائرة القبول.
إشكالية “السيرة الثورية”
ما تعكسه هذه القصة ليس خللاً فردياً، بل هو اختلال في بنية مفهوم العدالة، فحين لا يكون القانون هو الفيصل، وتُصبح الحماية مشروطة بـ”سيرتك الثورية” أو بشهادة حسن سلوك من أحد المؤثرين، يختفي مفهوم الدولة لصالح بنية اجتماعية تعيد إنتاج أدوات النظام السابق ذاته، بل وتستعير من آلياته طريقة الحكم والتخوين والمحاسبة.
قصة حيدر ليست الوحيدة، بل واحدة من قصص كثيرة انتشرت في الآونة الأخيرة، تتشابه في أن أبطالها لجأوا إلى مواقع التواصل للحصول على الدعم والتزكية من “مرموقي الثورة”، كي ينالوا الرضى ويثبتوا براءتهم من تهم افتراضية.
هذه الوقائع المتكررة، وإن اختلفت تفاصيلها، تحيل إلى سؤال جوهري: هل العدالة تمنح، أم تحمي؟ وهل المواطنة حق ثابت، أم امتياز مشروط؟ وهل تحوّلت الثورة التي خرجت من أجل الحرية والكرامة، إلى فزاعة أخرى لا تقل قسوة عن النظام، لكنها ترتدي قناعاً مختلفاً، يتم عبرها محاكمة الأفراد على أخلاقيتهم الثورية، وهو شيء غير قابل للقياس أصلاً، من الأفراد الذين يصبحون المرجعية لذلك السلوك، فيما تغيب الدولة كسلطة، عن محاسبة المجرمين الحقيقيين.
خلال موجة التحريض والتخوين التي تعرض لها حيدر، لم تكتفِ بعض الجهات المحسوبة على الثورة بالصمت، بل ساهمت في تأجيج موجات التخوين، وكرست بشكل غير مباشر فكرة أن المواطن لا يستحق الحماية إلا إذا حاز تزكيةً من “ثائر موثوق”، أو صفحة تضمن أنه “من الجماعة”، وهنا يصبح القضاء مسلوباً من موقعه ويستعار من الشارع، وتنفذ الأحكام بناء على مزاج الجمهور، لا على قانون مكتوب أو محكمة مستقلّة.
أرشيف البراء والإدانة
في ظل هذه الذهنية، تختفي الدولة وتذوب معايير العدالة ويتحول الأفراد إلى ملفات مفتوحة أمام الجميع، ومن حق أي أحد أن يحاسِب، وأن يُدين، وأن يصدر حكماً، طالما امتلك جمهوراً يصفّق، أو ذاكرة أرشيفية تنتقي مواقف سياسية قديمة، وتستخدمها كدليل على البراءة أو الجريمة.
يقود ذلك ناشطون و”صحافيون” كانوا يمارسون السلوك ذاته حتى قبل سقوط النظام، لكن ذلك كان يمر من دون جدل لأن سلوكهم كان يستهدف شخصيات إعلامية وعامة مرتبطة بنظام الأسد، من فنانين ورجال أعمال ورياضيين، وغيرهم، ما جعله سلوكاً مقبولاً كـ”جهد صحافي” لكشف دعاية النظام السوري وقوته الناعمة.
العدالة في تعريفها الأساسي يمكن رؤيتها كمفهوم قانوني لحماية الضعيف من تسلّط الأقوى، اقتصادياً وسياسياً. ويمكن عبر العدالة الحقيقية كشف المخطئ من المحق، وعدم تجريم أشخاص لمجرد أنهم مختلفون عن السائد، لأن ذلك لا يعني أنهم مجرمون. لكنّ مفهوماً مشوهاً للعدالة يمارس اليوم في سوريا، فمن يعبر عن الغضب يحاسَب، ومن يعترض على سلطة الأمر الواقع يهدَّد ومن لم يصفّق يطالب بتبرير ماضيه.
ويظهر ذلك كيف أن إسقاط النظام لم يؤدِّ إلى تغيير حقيقي في سوريا، بقدر ما يحيل إلى شعور بتغيير شكلي تغيرت فيه الطائفة الحاكمة وأزياء المسؤولين وأسماؤهم، لا أكثر.
إقرأوا أيضاً:
“النيل من هيبة الدولة”!
ترافق سلوك التخوين والاعتقال الذي طاول حيدر، مع استخدام متكرر لتهمة فضفاضة باتت مألوفة في الخطاب الرسمي، وهي “النيل من هيبة الدولة”. وعلى رغم غياب تعريف قانوني واضح لها، فإنها تُستخدم منذ عقود لتجريم أي تعبير غير مرغوب فيه.
وعند الرجوع إلى قانون العقوبات القديم، لا تظهر هذه العبارة حرفياً فيه، لكنها تظهر من خلال مواد مثل “وهن نفسية الأمة” أو “نشر أخبار كاذبة من شأنها أن تنال من سلامة الدولة”. وتترك صلاحية تفسير هذه التهم للأجهزة الأمنية قبل القضاء، من دون أي معايير دقيقة، ما يجعلها تهماً مطّاطة تلاحق أي فرد في أي لحظة.
واستُخدمت التهمة في أنظمة سلطوية أخرى، ففي مصر يحاكَم المعارضون بسبب منشورات في “فايسبوك”، وفي تركيا، طاولت التهمة كتاباً حائزين جائزة “نوبل”. أما في روسيا فأصبح انتقاد الدولة أو الجيش جريمة إلكترونية، وفي إيران، يُسجن الصحافيون بتهمة “إهانة النظام”، وجميع هذه الأنظمة تشترك في غياب الديموقراطية، واستغلال مفهوم الهيبة كذريعة لقمع النقد والمحاسبة.
هنا، يبرز سؤال أخير: ما قيمة الدولة إن كانت لا تحمي المواطن، بل تحمي سرديتها فقط؟ ما معنى التحرير إن كان المواطن ما زال بحاجة الى وساطة أو توصية أو تزكية كي لا يسجن أو يخون أو يهدد؟ وما الفرق بين صورة معتقل يحاط برجال أمن يرتدون نظارات شمسية لإرهابه، وصورة اعتقال مشابهة تتم اليوم في ظل سلطة تدعي أنها ولدت من رحم الثورة؟
هل يُحاكم “الجميع”؟
بعد سقوط النظام النازي في ألمانيا عام 1945، وُضع المجتمع الألماني تحت مجهر المساءلة، لكن العدالة لم تكن عمياء أو جماعية، فعلى رغم حجم الجرائم التي ارتُكبت، لم يعامل كل من خدم في جيش هتلر على أنه مجرم، بل كان ثمة تمييز واضح بين من قاد ودبر ومن نُفذت باسمه الأوامر. أما الجنود ممن جُندوا إجبارياً وخاضوا المعارك خوفاً أو جهلاً أو قسراً، فلم تلاحقهم محاكم نورنبرغ، ولم تُجرَ بحقهم محاكمات شعبية أو تصفيات معنوية، بل تم التعامل معهم على أنهم ضحايا بنيويون لمنظومة جريمة كبرى، وأن العدالة تبدأ من الرأس لا من الأطراف.
في المقابل، نجد اليوم في الحالة السورية ميلاً مقلقاً الى مطاردة الجنود المنتمين إلى جيش النظام السابق، بغض النظر عن ظروفهم الفردية أو موقعهم أو حجم مسؤوليتهم، علماً أن كثيرين ممن خدموا في الجيش إبان حكم الأسد، لم يفعلوا ذلك عن قناعة بل لأن النظام فرض عليهم الخدمة الإلزامية، التي تصفها منظمة “هيومن رايتس ووتش” بأنها ترتقي الى مصاف جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
وبعض أولئك المجنّدين أُخذوا من الشوارع على الحواجز الأمنية، أو اعتُقلوا لأنهم تخلّفوا عن الخدمة، أو زُجوا مباشرة إلى الجبهات من دون تدريب، وبعضهم الآخر حاول الهرب ولم ينج، وآخرون تعرضوا لعنف داخلي في الجيش ذاته. وعلى رغم ذلك، يُعامل هؤلاء بعد سقوط النظام، كما لو كانوا مجرمين، لا ناجين، خصوصاً إذا لم تكن هناك دلائل دامغة تثبت مشاركتهم في ارتكاب مجازر بحق السوريين.
والأسوأ من ذلك كله أن أفراداً من قادة الجيش والميليشيات الداعمة له، ممن توجد أدلة على مشاركتهم في انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، بما في ذلك “مجزرة التضامن” عام 2013، ما زالوا أحراراً ويعملون مع السلطة الجديدة نفسها، مثل فادي صقر قائد ميليشيا “الدفاع الوطني”.
مسافة شاسعة بين المذنب والمتّهم
فهمت التجربة الألمانية أن الدولة لا تُبنى بإعادة إنتاج الجلاد، بل بالفصل بين من قاد الجريمة ومن وُضع فيها رغماً عنه، وأن العدالة لا تتحقق إذا استُخدمت كأداة انتقام أعمى لا كطريقة لتصنيف المواطنين بناء على مواقفهم الثورية مثلاً. وتبدو التجربة السورية ككل بعد سقوط نظام الأسد، وكأنها تفرض توجهاً شعبياً وإعلامياً وحتى أمنياً لتعميم الإدانة، واعتبار كل من خدم في مؤسسات النظام، بما في ذلك الجيش، شريكاً في الجريمة، ولو لم يُثبت عليه شيء.
وفيما يُترك رجال أعمال وقيادات أمنية وممولو الحرب من دون مساءلة، يحاسب مجند فقير لأنه لم يستطع دفع بدل الخدمة الإلزامية، أو لأنه لم يمتلك وثيقة سفر ليهرب، أو لأنه خاف على عائلته من التعرض للأذى والملاحقة الأمنية، وهذا الخلل في البوصلة الأخلاقية والقانونية، لا يقدم العدالة بل يورث ظلماً بأدوات جديدة.
وهنا، تزداد أزمة الثقة بالعدالة في صفوف السوريين، خصوصاً أولئك الذين صدقوا أن الثورة ستكون بداية لدولة مختلفة. لكن حين تتحول العدالة إلى أداة انتقائية، يُحاسَب فيها الأضعف، ويُعفى فيها الأقوى، يشعر الناس أن النظام لم يسقط فعلياً، بل غيّر نبرته فقط. وتصبح الثورة نفسها، بدلاً من كونها مشروعاً جماعياً للتحرر، مادة لتنازع السرديات وصراعاً على تعريف من هو الثائر الحقيقي، ومن له حق كتابة التاريخ.
وكلما احتكرت نخبة صغيرة هذا الحق، كلما اقترب المشروع برمته من منطق الإقصاء الذي يفترض أن الثورة خرجت ضده أصلاً. وفي جو كهذا، تنمو عدالة ثورية مسكونة بالغضب، لكنها غير قادرة على بناء مؤسسات أو إنشاء دولة حديثة.
والمطلوب اليوم ليس تصفية حسابات، بل تأسيس مفهوم جديد للعدالة التي لا تخضع للمواقف ولا للولاءات ولا لحجم الأرشيف الثوري، عبر قضاء مستقل، ومؤسسات تحفظ الحقوق والحريات الفردية والكرامة الإنسانية.
إقرأوا أيضاً:











