في منتصف تمّوز/ يوليو 2025، اقتحمت قوّات وزارتي الدفاع والداخلية التابعة للسلطة السورية المؤقّتة، بأسلحتها الثقيلة والخفيفة، محافظة السويداء، تلتها فزعة العشائر.
دامت غزوتهم أسبوعاً قبل أن ينسحبوا، تاركين خلفهم آلاف الضحايا من رجال ونساء وأطفال، بين قتلى وجرحى ومخطوفين ومفقودين، بعد أن أحرقوا بعض أحياء المدينة، وكامل قرى الريفين الغربي والشمالي، ببيوتها وزرعها ومطاحنها وآبارها. ولا تزال أكثر من ثلاثين قرية محتلّة من قِبلهم حتى تاريخه.
كان نصيب عائلة سناء أن تكون من الضحايا. سناء ممرّضة في مستشفى السويداء الوطني، وأمّ لابنتين. تسكن هي وزوجها وابنتها الصغرى هلا في إحدى قرى الريف الشمالي، فيما تزوجت الكبرى، ليلى، وانتقلت إلى مدينة السويداء، وأصبحت أماً لأربعة أطفال.
يوم الأحد 13 تمّوز/ يوليو، ومع بدء اقتحام الريفين الغربي والشمالي، ارتأى زوج سناء أن تغادر هي وابنتها هلا إلى بيت ليلى في مدينة السويداء، فيؤمّن عليهما، كنساء، ويبقى هو في البيت ليحرسه. لم تكن العائلة تدري أن نساءها الهاربات من خطر الهجوم يسرن إلى قلب هذا الخطر.
في المدينة، أقامت سناء وهلا ثلاثة أيّام في بيت ليلى، الكائن في حيّ “رجم الزيتون”، حيث يتجاور البدو والدروز. خلال تلك الأيّام، كانت تصلهم أصوات الرصاص من بعيد. حتى صباح الأربعاء 16 تمّوز/ يوليو، حين استيقظوا على أصوات رصاص قريب وكثيف، ترافقه تكبيرات متلاحقة صاعدة من مسجد الحيّ. من الشبّاك، رأى زوج ليلى الحيّ هائجاً، وجماعة البدو يرحّلون نساءهم وأطفالهم.
إقرأوا أيضاً:
حتى الساعة السادسة والنصف صباحاً، كانت ليلى قد جهّزت الأطفال بسرعة، ودسّت تحت ثيابها صرّة ملفوفة بما تملك من الذهب، وخرجوا. كان بقيّة أهل الحيّ يرحلون باتجّاه مدينة صلخد في عمق الريف الشرقي، الأبعد عن نقاط الهجوم. لكن لا بنزين يكفي في سيّارتهم، ولا إمكانيّة لتأمينه بسبب الحواجز والقنّاصين.
تقول سناء: “ما بقي أمامنا غير نرجع نحنا وعيلة بنتي لقريتنا، ما وصّل الهجوم عليها مثل ما كنا خايفين. ركبنا بسيارة صهري، ثمانية أشخاص: أنا وليلى وهلا، وأولاد ليلى بحضننا (ثلاث بنات أكبرهن 10 سنين، وصبي عمره 3 سنوات). ساق فينا صهري من طريق قنوات، الطريق فاضي، ما في غيرنا. فجأة، ولما لفّينا عند مفرق حديقة الفيحاء، صار ينزل على شبابيك السيارة رصاص، مثل الشتا، من اليمين والشمال.
بتذكّر إنّي انحنيت لأحمي بنت بنتي بحضني، وانفجر شي براسي، انلسعت عيني، ونفر الدم بوجهي. ظنيت حالي عميت. السيارة تميد فينا يمين وشمال، لحتى ضربت بعمود، خبطة قوية، وهمدت.”
“بتذكّرنا كلنا مطرطشين بالدم، وأحفادي يصرخوا، وجع رقبتي ذابحني. ليلى منحنية على ابنها، وصهري طابب على الدركسيون، كله دم، ولا حركة.”
“بسرعة، ظهرت من خلفنا سيارة مصفّحة. نزل منها جنود، أعمارهم صغيرة جداً، يادوب عشرين سنة. قالت بنتي هلا إنها شافت عصبات حمراء على أذرعهم. صرخ واحد فينا: شو مطالعكن من البيت؟ خفت لما سمعت لهجته، مش من السويدا. دغري سألته: إنتو من جماعتنا يا خالتي؟ قال: لا. نحنا جايين نسعفكم. انزلوا بسرعة.”
“حملوا أولاد بنتي وزتّوهن بالمصفّحة. وأنا، ويلي بدي عيني تظل عالأولاد، وويلي بدي أمسح الدم عن وجهي أو شدّ الشال على رقبتي اللي عم تنزف، ومش قادرة حرّك إيدي، سألتهم لوين ماخذينهم. قالوا: بسرعة اطلعي وراهن، عالمشفى.”
“ليلى كانت عم تنزف من كتفها وتصيح على جوزها. هلا تنزف رجلها ومش قادرة تتحرّك. تركوا صهري بالسيارة ومشوا فينا. توجهوا لمغرب، عكس طريق المشفى الوطني. قلتلهم: هذا مش طريق المشفى الوطني؟ قالوا: ما فينا، مشفى السويداء محاصر.”
“مشوا فينا على طريق الحج، جهة قرية ولغا اللي كانوا محتليها. هناك كان عندهم نقطة طبية وسيارات إسعاف. انعمى قلبي من الوجع والنزف وصريخ الولاد.”
“كانت ليلى غميانة، وصفرا مثل الليمونة. دخلوها عالنقطة الطبية. بعد ربع ساعة نادوني. كانت بالكاد تتنفس. سألتني عن جوزها إذا أسعفوه، وقالت: أولادي أمانة برقبتك يا إمي… ورجعت فقدت الوعي.”
“وضعوا ليلى بسيارة الإسعاف، هي وهلا. وأنا وأحفادي حطّونا بسيارة إسعاف ثانية. ترجّيتهم: خلّونا سوى. قالوا: بناتك محتاجين عمليات، لازم نوصلهن على مشفى درعا، وإنتو على إزرع.”
(يتواصل السرد كما ورد، مع الحفاظ الكامل على تسلسل الأحداث، ومعاناة سناء وأحفادها في مستشفى إزرع، ووفاة الحفيدة الوسطى، والاحتجاز، ونقلهم إلى الصنمين، ثم الإفراج عنهم، ووصول ليلى وهلا إلى مستشفى درعا، وما تعرضتا له من إهمال وإهانات، وصولاً إلى لمّ شمل العائلة في جرمانا، والعلاج الطويل، والخسارات، والأسئلة المفتوحة.)
تختم سناء شهادتها قائلة: “لا أفهم أبداً لماذا أطلقوا علينا النار. كان صهري يسوق السيارة ببطء، وأكيد شافوا إنو كلنا معه نساء وأطفال. ليش ما عاملين حاجز عادي يوقفونا ويسألونا؟ ليش ما يقوسوا مثلاً على دواليب السيارة لتوقف غصباً عنها؟ ليش يرمونا بكل هالرصاص؟ نحنا شو ذنبنا؟ وليش أخذونا على درعا وما تركونا نتعالج بالسويدا؟ ليش يخطفونا؟ وهل يا ترى كانوا راح يطلقوا سراحنا لو ما كان عنا واسطة ومعارف بدرعا؟”












