يختلف سياق المواطنة وإعادة الإعمار بين مناطق البقاع والجنوب، تبعاً لاختلاف الوضع الراهن وطبيعة النفوذ السياسي والعسكري لـ”حزب الله” و”حركة أمل” في كل منطقة. ففي حين رسّخ الجنوب بعد الحرب، سردية تقوم على المقاومة وإعادة الإعمار ضمن علاقة ثلاثية (الدولة–الحزب–الناس)، بقي البقاع خارج هذا الإطار.
يعاني البقاع تاريخياً من تهميش اقتصادي وبنيوي مع غياب بدائل حقيقية عن التهريب وزراعة الحشيش ودور الشبكات المحلية، ما يجعل البحث عن “عقد اجتماعي جديد” بين الدولة وسكان المنطقة سؤالاً قائماً، خصوصاً بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وتقلّص دور حزب الله العسكري، وطرح ملف “حصر السلاح بيد الدولة”. وهنا يبرز السؤال: كيف سيصوغ أبناء البقاع شكل علاقتهم بالدولة؟ وما البديل عن المنظومات القائمة؟
الحشيش والأحزاب… بدائل عن الدولة والخدمات
لبناء هذا السؤال لا بد من فهم العلاقة التاريخية بين العشائر في البقاع والدولة والأحزاب. يشرح المهندس راشد حمادة، ابن السياسي الراحل صبري حمادة، أن “العشائرية هي أول سمة مجتمعية اتخذها الفرد في المنطقة كي يحافظ على هويته، مع تفضيل القيمة الشخصية على الفردية المنتجة، وتفضيل الأخلاق والعلاقات على البنية الإنتاجية”. وفق حمادة، تعمل العشائر كـ”مؤسسة اجتماعية” تؤمّن الخدمات والأمن والوساطة حين تغيب الدولة، وتتحول إلى شريك للدولة حين تؤمّن الأخيرة الخدمات وتُشعر الناس بالاعتبار والكرامة. وعندما تفشل الدولة في ذلك، يعود الفرد إلى منظومات الانتماء الأخرى، سواء طائفية أو حزبية أو عشائرية.
استمر التهميش الاقتصادي للبقاع لعقود، فشكّل فراغاً استثمرته الأحزاب السياسية كبديل عن الدولة، إلى جانب اقتصاد زراعة الحشيش. وكانت إحدى المحاولات الجدية لربط البقاع بالدولة عبر الراحل صبري حمادة في عهد الرئيس فؤاد شهاب عام 1962، حين تم الترويج لزراعة الحشيش بضغط على المجتمع الدولي لتأمين تمويل للتنمية. نتج من ذلك «المشروع الأخضر» الممول أميركياً، والذي ساهم في تنشيط القطاع الزراعي وإعادة إعمار الريف، ما أنتج عقداً اجتماعياً جديداً بين أبناء العشائر والدولة ومفهوم المواطنة. لكن هذا العقد انهار تدريجياً مع الحرب الأهلية، ثم عاد المشروع في التسعينات في مرحلة الإعمار قبل أن يغيب كلياً مع نقص التمويل، لتعود زراعة الحشيش وانهيار العقد، وتدخل المنطقة في مرحلة تفكك عشائري وسياسي، بدءاً من نفوذ حافظ الأسد وصولاً إلى ثنائي “حزب الله” و”أمل”، عبر استبدال الزعامات العشائرية التاريخية بزعامات مرتبطة بالمال والسلاح والولاء الديني–الحزبي.
تشير دراسة منشورة في Journal of Illicit Economies and Development إلى أن عائدات تجارة المخدرات في لبنان بين السبعينات و1990 قُدّرت بين 500 مليون دولار و6 مليارات دولار سنوياً، ما يؤكد الدور المركزي لهذه التجارة في منطقة فقيرة ومهمّشة. ومع عجز الدولة المستمر عن تقديم بدائل، لجأت السلطات في بعض الأحيان إلى سياسة مزدوجة: إتلاف المحاصيل تحت ضغط دولي من جهة، والقبول الضمني باستمرار الإتجار باعتباره “تعويضاً” عن التهميش من جهة أخرى. وقد زاد هذا الأمر من الشرخ بين الدولة والمزارعين، ووسّع شبكات التهريب، وأعطى اقتصاد الحشيش وظيفة “اجتماعية–معيشية” لا مجرد وظيفته غير القانونية.
يرى الشيخ نافذ جعفر، وهو واحد من الزعامات المحلية، في حديث لـ«درج»، أن تجربة فؤاد شهاب “كانت الأنجح في ربط العشائر بالدولة”، إذ إن هذه المناطق كانت محرومة من الخدمات والبنى الأساسية، فتم تأمين مشاريع اقتصادية وخدمات لهم، ما أنتج “عقداً اجتماعياً خدماتياً”. ويضيف أنّ الحاجة هي التي دفعت أبناء القرى إلى زراعة الحشيش وتسويقه، ولو كانت هناك بدائل اقتصادية وتنموية لكان بالإمكان تجنّب ذلك. وبحسب جعفر، فإن تشريع زراعة القنّب الهندي لأغراض طبية يشكّل خطوة مهمة، لكنّه غير كافٍ، ويتطلب الأمر “حضور الدولة ورعايتها وتحقيق الأمن وإصدار عفو عام عن المطلوبين غير المتورطين بالقتل لدمجهم من جديد، وفتح باب التطوع في مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة لا الوساطة”.
فقدان الدولة… وصعود اقتصاد الظل
منذ استقلال لبنان عام 1943، شكّلت زراعة الحشيش والأفيون في سهل البقاع الشمالي نشاطاً اقتصادياً غير شرعي، شاركت فيه شبكات محلية تشمل مزارعين وتجاراً ووكلاء، ضمن اقتصاد ظل يوازي غياب الدولة.
تشير دراسة لمعهد كارنيغي بعنوان “التجار المزدوجون: لبنان ومخاطر الإتجار بالكبتاغون”، إلى أن تجارة الكبتاغون تطورت بعد الحرب السورية 2011، مع دخول تجار جدد من خارج العشائر التقليدية، يمتلكون علاقات سياسية وطائفية، وحققوا أرباحاً ضخمة بفعل انخفاض تكلفة الإنتاج وارتفاع الطلب في الخليج، ما جعلهم جزءاً من اقتصاد الحرب والاقتصاد السياسي المحلي. كما أدّى انهيار النظام المالي اللبناني عام 2019 والعقوبات الدولية على سوريا إلى تعميق هذه التجارة، في ظل احتكار “أمل” و”حزب الله” التمثيل السياسي الشيعي في البقاع، وتركيز الحزب على معالجة مطالب العشائر الكبرى بدل تطوير الاقتصاد السياسي المحلي. هذا الأمر صعّب على الدولة كبح تجارة المخدرات، مع احتمال زيادة الإنتاج مستقبلاً بسبب استمرار الطلب ووجود البنية الإنتاجية في لبنان، بحسب الدراسة.
إقرأوا أيضاً:
يرى راشد حمادة أنّ “الاقتصاد الأسود لم يكن السبب في انهيار الاقتصاد اللبناني”، محمّلاً سياسات رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري الاقتصادية في التسعينات مسؤولية تدمير القطاعات المنتجة. ويعتبر أنّ ضرر التهريب الأكبر “اجتماعي وأمني” أكثر منه اقتصادي، ويقترح التمييز بين تهريب السلع الاستهلاكية الذي يخفض الأسعار، وبين تهريب المخدرات والسلاح الذي يخلخل البنية الاجتماعية والأمنية. ويضيف أنّ الزعامات الشيعية قبل صعود الأحزاب الحديثة كانت أكثر ارتباطاً بمفهوم الدولة (مثل كامل الأسعد وصبري حمادة)، إلى أن تغيّر المشهد بفعل التمويل الإيراني وتفكّك الطبقات العشائرية والدينية، ما أدى إلى تراجع النزعة العربية–العلمانية لحساب نفوذ ديني–سياسي مرتبط بإيران.
على رغم ذلك، يرى حمادة أنّ حلول إعادة بناء العقد الاجتماعي لا تزال ممكنة، عبر “دولة قوية حاضرة أمنياً واقتصادياً”، وتنمية زراعية وصناعية حديثة ودعم المواشي والحبوب، ما قد يوفر ما قيمته نحو 4 مليارات دولار سنوياً. بالنسبة الى حمادة، لا حلّ للبنان سوى “عقد اجتماعي جديد يتألف من دولة مدنية وقانون يحمي الفرد لا الزعامات، وصولاً الى تحالف وطني جامع وبيان للعشائر يعلنون فيه نبذ كل تاجر مخدرات…”.
العودة إلى الدولة… أم تثبيت البديل الحزبي؟
في المقابل، يعتبر رئيس بلدية الشربين المهندس خضر ناصر الدين، “ألا داعي لعقد اجتماعي جديد، بل العودة إلى الولاء للوطن عبر التربية”، وأن وجود الأحزاب طبيعي طالما تعمل ضمن الدولة، معتبراً أنّ المشكلة الأساسية في “غياب الدولة والخدمات”، وأنّ أبناء هذه المناطق جزء من الدولة، إذ يشكّلون نحو 60–70 في المئة من القوى العسكرية. لكن ناصرالدين يشير إلى أن الدولة دفعت شباب المنطقة نحو الانخراط في أعمال خارجة عن القانون مع غياب الخدمات، فيما الحدود الشرقية اليوم “مضبوطة بالكامل تقريباً” باستثناء حالات قليلة كما يقول.
تضاعف هذا التهميش الذي يعيشه البقاع مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عام 2024، ومع هجمات حدودية للجيش السوري في آذار/مارس 2025، التي أدت إلى تهجير سكان يملكون أراضيَ حدودية، من دون تعويضات أو معالجة تعليمية واجتماعية. يشرح ناصر الدين أن المساعدات الدولية كانت “آنية وغير فعّالة”، وأنّ جيلاً كاملاً بقي خارج المدارس، فيما بقيت الخسائر بلا تغطية مالية.
الاقتصاد السياسي البديل ونزع السلاح
لا تقتصر تجارة الكبتاغون على أبناء المناطق وبعض العشائر، بل توظّف لبنانيين وسوريين، وتداخلت مع السياسة، مع سعي الحزبين الشيعيين إلى الدفع باتجاه عفو عام يشمل مئات المسجونين بقضايا مخدرات حتى 2020، من دون أن يرى العفو النور. ويرى “حزب الله” في ذلك فرصة لتعزيز الدعم الشعبي بعد الخسائر التي لحقت بالمناطق الشيعية بسبب الصراع. هذا ما يؤكده أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة لوزان جوزيف ضاهر، صاحب كتاب “الاقتصاد السياسي لحزب الله”، معتبرًا أنّ تجارة المخدرات شكّلت بديلاً اقتصادياً، مستشهداً بتصريح وزير الزراعة السابق حسين الحاج حسن عام 2011–2012 عن عدم وجود بديل عن زراعة الحشيش. ويرى ضاهر أنّ انخراط حزب الله في تجارة المخدرات كان جزءاً من اقتصاد الحرب بالتنسيق مع النظام السوري، بهدف تنويع مصادر التمويل خارج الدعم الإيراني، خصوصاً أنّ شبكته المدنية والعسكرية تضم أكثر من 100 ألف شخص.
بعد وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، برزت شروط أميركية تطالب الحكومة اللبنانية ببدء جدول زمني لـ”حصر السلاح بيد الدولة”، ما شكّل هاجساً داخل البيئة الشيعية، خصوصاً في البقاع، حيث ارتبط السلاح بالحماية الذاتية في ظل غياب الدولة. وعلى رغم الطمأنة السياسية من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بقي السؤال قائماً: ماذا بعد السلاح؟ ومن يضمن الأمن؟ ومن يضمن العيش؟
يرى ضاهر أنّ “نزع السلاح” ليس مسألة عسكرية أو تقنية، بل “اجتماعية–اقتصادية” تتعلق بتوازن القوى داخل لبنان وبغياب البدائل الاقتصادية. وقدّرت الوكالات الإنسانية أن الأعمال العدائية الأخيرة أثّرت على 1.2 مليون مواطن، وأنّ حاجات إعادة الإعمار تقارب الـ3.4 مليار دولار، فيما بلغت التعهدات نحو 750 مليون دولار فقط.
يقترح ضاهر في دراسة بالتعاون مع Friedrich-Ebert-Stiftung نموذجين للسيادة:
(1) سيادة من فوق عبر احتكار السلاح وضبط الحدود والسياسة الخارجية، لكن هذا يصطدم بدولة ضعيفة اقتصادياً.
(2) سيادة من الأسفل عبر التنمية والخدمات والتمثيل السياسي والحياد الاستراتيجي، إضافة إلى إصلاح النظام الطائفي وقانون انتخابي علماني واستقلال القضاء ومكافحة الفساد.
العقد الاجتماعي المؤجل
يقف البقاع اليوم أمام سؤال لم يُحسم: هل تكون عودته إلى الدولة عبر الأمن، أم الاقتصاد، أم الخدمات، أم عبر صياغة عقد اجتماعي جديد يدمج العشائر والدولة والأحزاب ضمن اقتصاد رسمي وتنمية شاملة؟ وإذا كانت الأحزاب ملأت فراغ الدولة خلال عقود، فإن نزع السلاح يعيد فتح السؤال من جديد: من يضمن الأمن؟ ومن يضمن العيش؟ وما البديل عن اقتصاد ظل تشكّل على حدود دولة منهكة؟
على رغم اختلاف المقاربات بين حمادة وناصر الدين وضاهر، إلا أنّ القاسم المشترك بينها هو الإقرار بأنّ البقاع يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات وتنمية، وأنّ أي نقاش حول نزع السلاح لا يمكن فصله عن الاقتصاد والمعيشة والحدود. فبدون بدائل حقيقية، يبقى العقد الاجتماعي مع الدولة مؤجلاً، ويبقى البحث عن “هوية جديدة” للشيعية السياسية في البقاع مفتوحاً على احتمالات متعددة.
إقرأوا أيضاً:












