ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

شَعر النساء كأداة مقاومة سياسيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يُفرض الحجاب دائماً عبر قانون مكتوب، بل عبر شبكة ضغوط ناعمة، كخطاب إعلامي يشيطن النساء غير المحجّبات، تعليقات مسيئة في الفضاء العام، تحريض رقمي، أو تحميل النساء مسؤولية “الاستقرار الاجتماعي”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في المجتمعات التي تُحكم بالقوة، لا يُراقَب فقط ما يُقال في العلن، بل كيف يظهر الجسد في الشارع، في الدائرة الرسمية، وحتى في المرآة صباحًا. في هذه السياقات، لا يُستهدف الجسد الأنثوي لأنه هشّ فقط، بل لأنه شديد الرمزية أيضًا، ولأنه قادر على تقويض السلطة من دون أن ينطق. هكذا، تتحوّل التفاصيل المرتبطة بالنساء، ومنها الشَّعر، إلى ساحات صراع صامتة بين الفرد والنظام.

لا يمكن اختزال الشَّعر كمجرّد عنصر من عناصر المظهر، بل يمتد ليكون مساحة تتقاطع فيها السياسة مع الأخلاق، والسلطة مع الهوية. ما يُسمح به أو يُمنع في شكل الشَّعر، أو طوله، أو حضوره في الفضاء العام، يكشف طبيعة النظام القائم أكثر مما يكشف طبيعة النساء أنفسهن. فحين تعجز السلطة عن السيطرة الكاملة على المجتمع، تلجأ إلى إدارة الرموز، وتبدأ من الجسد باعتباره أوضحها وأيسرها تطويعًا.

في هذا الإطار، يصبح كل قرار يتعلّق بالشَّعر، في ظل نظام قمعي، فاتحًا لسؤال أعمق عمّن يملك حق الاختيار، ومَن يضع حدود المسموح. من هنا، لا يمكن فهم الموقف من الشَّعر بوصفه مسألة شخصية فقط، بل كجزء من معركة أوسع على السيادة، والحرية، ومعنى الخضوع نفسه.

الشَّعر كفعل عصيان أو تمرّد

في السياقات القمعية، لا يكون العصيان دائمًا صاخبًا أو منظّمًا، ولا يحتاج إلى لافتات أو هتافات. أحيانًا، يبدأ التمرّد من الجسد نفسه، من تفصيل يبدو هامشيًا لكنه مشحون بالمعنى، كالشَّعر. فكونه مرئيًا، ويوميًا، ولا يمكن فصله عن الجسد، يتحوّل إلى مساحة اختبار مستمرّة بين ما تفرضه السلطة وما تختاره المرأة. حين يُطلب من النساء ضبط شعرهن، كتغطيته أو تهذيبه أو إخضاعه لمعايير “المقبول”، يصبح أي خروج عن هذه القواعد تمرّدًا، حتى لو لم يُعلَن على أنه كذلك.

الشَّعر بطبيعته يقاوم الانضباط؛ إذ ينمو بلا إذن، ويتغيّر، ويرفض الثبات. ولهذا تسعى الأنظمة القمعية إلى إخضاعه بوصفه جزءًا من مشروع أوسع للسيطرة على الجسد. لكن في اللحظة التي تقرّر فيها المرأة أن تفعل ما تريده بشعرها، تحدث قطيعة صغيرة مع منطق الطاعة. هذه القطيعة، وإن بدت فردية، تحمل في طيّاتها معنى التمرّد، لأنها تنزع عن السلطة قدرتها على تعريف الجسد ومعاقبته رمزيًا.

قصّ الشَّعر، على وجه الخصوص، يحمل حمولة تاريخية ثقيلة؛ فما استُخدم طويلًا كعقوبة أو أداة إذلال، يتحوّل حين يتمّ بإرادة المرأة إلى فعل استعادة وسيادة. الجسد الذي كان ميدانًا للعقاب يصبح أداة لإعادة كتابة المعنى. أمّا ترك الشَّعر على طبيعته، من دون تهذيب قسري أو تكيّف مع الذوق السائد، فهو شكل آخر من العصيان الهادئ، يرفض الامتثال اليومي الذي تقوم عليه الأنظمة القمعية.

في هذا المعنى، لا يكون الشَّعر رمزًا جماليًا بقدر ما هو ممارسة سياسية متكرّرة؛ تمرّد لا يعلن نفسه بالضرورة، لكنه يتراكم مع كل قرار صغير، ومع كل رفض لإخضاع الجسد لمنطق السيطرة. هكذا، يصبح الشَّعر فعلًا من أفعال العصيان الممكنة حين تُغلَق باقي مساحات الاعتراض.

سوريا في المرحلة الانتقاليّة: الجسد كمساحة لإعادة إنتاج القمع

في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، لم يختفِ منطق السيطرة على أجساد النساء، بل تغيّر شكله وخطابه. فبدلًا من القمع الأمني المباشر، بدأت تظهر دعوات متزايدة إلى “الاحتشام” و”الالتزام بالقيم الدينية”، غالبًا تحت غطاء أخلاقي أو ديني أو مجتمعي. هذه الدعوات، التي تُقدَّم بوصفها نصائح أو مطالب لحماية المجتمع، تستهدف في جوهرها جسد النساء باعتباره المؤشّر الأكثر وضوحًا على الانضباط أو الخروج عن الجماعة.

في هذا السياق، لا يُفرض الحجاب دائمًا عبر قانون مكتوب، بل عبر شبكة من الضغوط الناعمة، كخطاب إعلامي يشيطن النساء غير المحجّبات، وتعليقات مسيئة في الفضاء العام، وتحريض رقمي، أو تحميل النساء مسؤولية «الاستقرار الاجتماعي». فمثلًا، بعد مجازر الساحل السوري التي ارتكبها عناصر تابعون للحكومة الانتقالية بحق العلويين، اتجهت كثيرات من النساء العلويات إلى ارتداء الحجاب خوفًا من الاضطهاد أو استمرارية العنف. هكذا، يتحوّل الشَّعر إلى أداة سيطرة وفرز رمزي بين مَن تُعدّ “مقبولة” في المرحلة الجديدة، ومَن تُصنَّف كعنصر تهديد أو استفزاز، وكأن جسد المرأة هو الميدان الذي يجب أن تُستعاد عبره الأخلاق والنظام بعد سنوات من العنف والانهيار.

يتجلّى هذا المنطق أيضًا في قرارات إدارية مباشرة، مثل التعميم الصادر أخيرًا عن محافظ اللاذقية، والذي يقضي بمنع الموظفات من وضع المكياج داخل مؤسسات الدولة. وعلى رغم تقديم القرار بوصفه “تنظيمًا للمظهر الوظيفي”، إلا أنه يكشف عن نزعة واضحة إلى ضبط الجسد الأنثوي عبر السلطة الإدارية، واختبار حدود الطاعة أولًا على النساء. فالمكياج هنا لا يُنظر إليه كخيار شخصي، بل كتهديد رمزي يجب كبحه، ما يعيد إنتاج الفكرة ذاتها التي تفترض أن جسد المرأة مساحة جاهزة للتقويم والضبط باسم الأخلاق أو النظام العام. وهو المنطق نفسه الذي يُدار به الشَّعر، باعتباره أكثر عناصر الجسد وضوحًا وقابلية للرقابة إلى جانب الوجه.

الأخطر في هذا التحوّل أنه يُقدَّم بوصفه قطيعة مع الماضي، فيما هو في الواقع استمرار لمنطق قديم، متمثّل باستخدام جسد النساء لإعادة تثبيت السلطة. ما تغيّر هو الفاعل والخطاب، لا البنية. فبدلًا من النظام الأمني المخابراتي، تظهر سلطات اجتماعية ودينية وإعلامية تُعيد رسم حدود المسموح، وتختبرها أولًا على شَعر النساء وأجسادهن.

في مواجهة هذا الواقع، يصبح أي قرار تتخذه المرأة بشأن مظهرها، سواء كشف شعرها أو وضع المكياج، فعلًا سياسيًا بامتياز، يرفض أن يكون الجسد أداة لإعادة إنتاج القمع في لحظة يُفترض أنها لحظة تحرّر.

حين يصبح الشَّعر فعل تضامن نسوي عابر للحدود

في السنوات الأخيرة، تحوّل الشَّعر من رمز فردي للمقاومة إلى لغة تضامن نسوي عابرة للحدود، خصوصًا بعد مقتل الشابة مهسا أميني في إيران. حين قصّت نساء من جميع أنحاء العالم شعرهن علنًا في الشوارع وأمام الكاميرات، لم يكن الفعل تعبيرًا عن حداد أو تضامن فحسب، بل إعلانًا جماعيًا عن رفض منطق السيطرة الذي يجعل من جسد المرأة ساحة للعقاب السياسي. قصّ الشَّعر، في هذه الحملات، لم يكن محاولة لمشاركة الألم بقدر ما كان تفكيكًا لمعناه؛ أي إن ما استُخدم تاريخيًا كأداة إذلال أُعيد توظيفه كفعل مقاومة وتحدٍّ.

أخيراً، ومع انتشار صور لضفيرة مقصوصة من شعر مقاتلة كردية سورية، يحملها رجل ويتباهى بالفعل بوصفه انتصارًا عليها، ظهرت موجة جديدة من التضامن عبر تضفير النساء شعرهن ونشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي كفعل مضاد. الضفيرة، التي طالما ارتبطت بالضبط والبراءة المفروضة، تحوّلت هنا إلى رمز استعادة ورفض. لم تعد علامة خضوع، بل إعلان انحياز لجسد استُهدف بوصفه غنيمة رمزية. في مواجهة التباهي بقصّ الضفيرة، جاء التضامن عبر مضاعفتها وحمايتها، وإعادة تحميلها معنى معاكسًا يحتفي بالكرامة بدل الإذلال، وبالذاكرة بدل المحو.

ما يجمع بين قصّ الشَّعر وتضفيره في هذين السياقين ليس الشكل، بل الفكرة المتمثّلة في استخدام الجسد كوسيط سياسي حين تُغلَق باقي القنوات. هذه الأفعال لا توحّد التجارب ولا تختزلها، لكنها تكشف تشابه آليات القمع التي تستهدف النساء أينما كنّ، وتؤكد أن السيطرة على الجسد الأنثوي لغة سلطوية عالمية يمكن مواجهتها بلغة رمزية مضادّة. هكذا، يصبح الشَّعر أداة تضامن حيّة، لا تعبر الحدود الجغرافية فقط، بل تكسر عزلة النساء، وتحوّل الفعل الفردي إلى موقف جماعي ضد العنف والتجريد والتفاخر بالإيذاء.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
12.02.2026
زمن القراءة: 5 minutes

لا يُفرض الحجاب دائماً عبر قانون مكتوب، بل عبر شبكة ضغوط ناعمة، كخطاب إعلامي يشيطن النساء غير المحجّبات، تعليقات مسيئة في الفضاء العام، تحريض رقمي، أو تحميل النساء مسؤولية “الاستقرار الاجتماعي”.

في المجتمعات التي تُحكم بالقوة، لا يُراقَب فقط ما يُقال في العلن، بل كيف يظهر الجسد في الشارع، في الدائرة الرسمية، وحتى في المرآة صباحًا. في هذه السياقات، لا يُستهدف الجسد الأنثوي لأنه هشّ فقط، بل لأنه شديد الرمزية أيضًا، ولأنه قادر على تقويض السلطة من دون أن ينطق. هكذا، تتحوّل التفاصيل المرتبطة بالنساء، ومنها الشَّعر، إلى ساحات صراع صامتة بين الفرد والنظام.

لا يمكن اختزال الشَّعر كمجرّد عنصر من عناصر المظهر، بل يمتد ليكون مساحة تتقاطع فيها السياسة مع الأخلاق، والسلطة مع الهوية. ما يُسمح به أو يُمنع في شكل الشَّعر، أو طوله، أو حضوره في الفضاء العام، يكشف طبيعة النظام القائم أكثر مما يكشف طبيعة النساء أنفسهن. فحين تعجز السلطة عن السيطرة الكاملة على المجتمع، تلجأ إلى إدارة الرموز، وتبدأ من الجسد باعتباره أوضحها وأيسرها تطويعًا.

في هذا الإطار، يصبح كل قرار يتعلّق بالشَّعر، في ظل نظام قمعي، فاتحًا لسؤال أعمق عمّن يملك حق الاختيار، ومَن يضع حدود المسموح. من هنا، لا يمكن فهم الموقف من الشَّعر بوصفه مسألة شخصية فقط، بل كجزء من معركة أوسع على السيادة، والحرية، ومعنى الخضوع نفسه.

الشَّعر كفعل عصيان أو تمرّد

في السياقات القمعية، لا يكون العصيان دائمًا صاخبًا أو منظّمًا، ولا يحتاج إلى لافتات أو هتافات. أحيانًا، يبدأ التمرّد من الجسد نفسه، من تفصيل يبدو هامشيًا لكنه مشحون بالمعنى، كالشَّعر. فكونه مرئيًا، ويوميًا، ولا يمكن فصله عن الجسد، يتحوّل إلى مساحة اختبار مستمرّة بين ما تفرضه السلطة وما تختاره المرأة. حين يُطلب من النساء ضبط شعرهن، كتغطيته أو تهذيبه أو إخضاعه لمعايير “المقبول”، يصبح أي خروج عن هذه القواعد تمرّدًا، حتى لو لم يُعلَن على أنه كذلك.

الشَّعر بطبيعته يقاوم الانضباط؛ إذ ينمو بلا إذن، ويتغيّر، ويرفض الثبات. ولهذا تسعى الأنظمة القمعية إلى إخضاعه بوصفه جزءًا من مشروع أوسع للسيطرة على الجسد. لكن في اللحظة التي تقرّر فيها المرأة أن تفعل ما تريده بشعرها، تحدث قطيعة صغيرة مع منطق الطاعة. هذه القطيعة، وإن بدت فردية، تحمل في طيّاتها معنى التمرّد، لأنها تنزع عن السلطة قدرتها على تعريف الجسد ومعاقبته رمزيًا.

قصّ الشَّعر، على وجه الخصوص، يحمل حمولة تاريخية ثقيلة؛ فما استُخدم طويلًا كعقوبة أو أداة إذلال، يتحوّل حين يتمّ بإرادة المرأة إلى فعل استعادة وسيادة. الجسد الذي كان ميدانًا للعقاب يصبح أداة لإعادة كتابة المعنى. أمّا ترك الشَّعر على طبيعته، من دون تهذيب قسري أو تكيّف مع الذوق السائد، فهو شكل آخر من العصيان الهادئ، يرفض الامتثال اليومي الذي تقوم عليه الأنظمة القمعية.

في هذا المعنى، لا يكون الشَّعر رمزًا جماليًا بقدر ما هو ممارسة سياسية متكرّرة؛ تمرّد لا يعلن نفسه بالضرورة، لكنه يتراكم مع كل قرار صغير، ومع كل رفض لإخضاع الجسد لمنطق السيطرة. هكذا، يصبح الشَّعر فعلًا من أفعال العصيان الممكنة حين تُغلَق باقي مساحات الاعتراض.

سوريا في المرحلة الانتقاليّة: الجسد كمساحة لإعادة إنتاج القمع

في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، لم يختفِ منطق السيطرة على أجساد النساء، بل تغيّر شكله وخطابه. فبدلًا من القمع الأمني المباشر، بدأت تظهر دعوات متزايدة إلى “الاحتشام” و”الالتزام بالقيم الدينية”، غالبًا تحت غطاء أخلاقي أو ديني أو مجتمعي. هذه الدعوات، التي تُقدَّم بوصفها نصائح أو مطالب لحماية المجتمع، تستهدف في جوهرها جسد النساء باعتباره المؤشّر الأكثر وضوحًا على الانضباط أو الخروج عن الجماعة.

في هذا السياق، لا يُفرض الحجاب دائمًا عبر قانون مكتوب، بل عبر شبكة من الضغوط الناعمة، كخطاب إعلامي يشيطن النساء غير المحجّبات، وتعليقات مسيئة في الفضاء العام، وتحريض رقمي، أو تحميل النساء مسؤولية «الاستقرار الاجتماعي». فمثلًا، بعد مجازر الساحل السوري التي ارتكبها عناصر تابعون للحكومة الانتقالية بحق العلويين، اتجهت كثيرات من النساء العلويات إلى ارتداء الحجاب خوفًا من الاضطهاد أو استمرارية العنف. هكذا، يتحوّل الشَّعر إلى أداة سيطرة وفرز رمزي بين مَن تُعدّ “مقبولة” في المرحلة الجديدة، ومَن تُصنَّف كعنصر تهديد أو استفزاز، وكأن جسد المرأة هو الميدان الذي يجب أن تُستعاد عبره الأخلاق والنظام بعد سنوات من العنف والانهيار.

يتجلّى هذا المنطق أيضًا في قرارات إدارية مباشرة، مثل التعميم الصادر أخيرًا عن محافظ اللاذقية، والذي يقضي بمنع الموظفات من وضع المكياج داخل مؤسسات الدولة. وعلى رغم تقديم القرار بوصفه “تنظيمًا للمظهر الوظيفي”، إلا أنه يكشف عن نزعة واضحة إلى ضبط الجسد الأنثوي عبر السلطة الإدارية، واختبار حدود الطاعة أولًا على النساء. فالمكياج هنا لا يُنظر إليه كخيار شخصي، بل كتهديد رمزي يجب كبحه، ما يعيد إنتاج الفكرة ذاتها التي تفترض أن جسد المرأة مساحة جاهزة للتقويم والضبط باسم الأخلاق أو النظام العام. وهو المنطق نفسه الذي يُدار به الشَّعر، باعتباره أكثر عناصر الجسد وضوحًا وقابلية للرقابة إلى جانب الوجه.

الأخطر في هذا التحوّل أنه يُقدَّم بوصفه قطيعة مع الماضي، فيما هو في الواقع استمرار لمنطق قديم، متمثّل باستخدام جسد النساء لإعادة تثبيت السلطة. ما تغيّر هو الفاعل والخطاب، لا البنية. فبدلًا من النظام الأمني المخابراتي، تظهر سلطات اجتماعية ودينية وإعلامية تُعيد رسم حدود المسموح، وتختبرها أولًا على شَعر النساء وأجسادهن.

في مواجهة هذا الواقع، يصبح أي قرار تتخذه المرأة بشأن مظهرها، سواء كشف شعرها أو وضع المكياج، فعلًا سياسيًا بامتياز، يرفض أن يكون الجسد أداة لإعادة إنتاج القمع في لحظة يُفترض أنها لحظة تحرّر.

حين يصبح الشَّعر فعل تضامن نسوي عابر للحدود

في السنوات الأخيرة، تحوّل الشَّعر من رمز فردي للمقاومة إلى لغة تضامن نسوي عابرة للحدود، خصوصًا بعد مقتل الشابة مهسا أميني في إيران. حين قصّت نساء من جميع أنحاء العالم شعرهن علنًا في الشوارع وأمام الكاميرات، لم يكن الفعل تعبيرًا عن حداد أو تضامن فحسب، بل إعلانًا جماعيًا عن رفض منطق السيطرة الذي يجعل من جسد المرأة ساحة للعقاب السياسي. قصّ الشَّعر، في هذه الحملات، لم يكن محاولة لمشاركة الألم بقدر ما كان تفكيكًا لمعناه؛ أي إن ما استُخدم تاريخيًا كأداة إذلال أُعيد توظيفه كفعل مقاومة وتحدٍّ.

أخيراً، ومع انتشار صور لضفيرة مقصوصة من شعر مقاتلة كردية سورية، يحملها رجل ويتباهى بالفعل بوصفه انتصارًا عليها، ظهرت موجة جديدة من التضامن عبر تضفير النساء شعرهن ونشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي كفعل مضاد. الضفيرة، التي طالما ارتبطت بالضبط والبراءة المفروضة، تحوّلت هنا إلى رمز استعادة ورفض. لم تعد علامة خضوع، بل إعلان انحياز لجسد استُهدف بوصفه غنيمة رمزية. في مواجهة التباهي بقصّ الضفيرة، جاء التضامن عبر مضاعفتها وحمايتها، وإعادة تحميلها معنى معاكسًا يحتفي بالكرامة بدل الإذلال، وبالذاكرة بدل المحو.

ما يجمع بين قصّ الشَّعر وتضفيره في هذين السياقين ليس الشكل، بل الفكرة المتمثّلة في استخدام الجسد كوسيط سياسي حين تُغلَق باقي القنوات. هذه الأفعال لا توحّد التجارب ولا تختزلها، لكنها تكشف تشابه آليات القمع التي تستهدف النساء أينما كنّ، وتؤكد أن السيطرة على الجسد الأنثوي لغة سلطوية عالمية يمكن مواجهتها بلغة رمزية مضادّة. هكذا، يصبح الشَّعر أداة تضامن حيّة، لا تعبر الحدود الجغرافية فقط، بل تكسر عزلة النساء، وتحوّل الفعل الفردي إلى موقف جماعي ضد العنف والتجريد والتفاخر بالإيذاء.