زغاريد وفرق دبكة على الهواء مباشرةً فوق مقاطع فيديو لقرى الجنوب المدمّرة. صراخ يصّم الآذان ومشاهد درامية في برنامج يقال إنه بُني على أسس المناظرة. كاميرات تقتحم صالات السينما لملاحقة الناس وتصويرهم في وضعيات خاصة، وتهاجم فئات مهمّشة. برامج تستدعي أشخاصًا في حالات هشاشة نفسية إلى البث المباشر، وتحوّل انهيارهم إلى مادة للنقاش. مذيعون ومراسلون يقتربون من الضيوف جسديًا لانتزاع اعتراف أو دمعة أو لحظة صدمة قابلة للاقتطاع والنشر. تقارير تُبثّ تحت عنوان “الدفاع عن الناس”، بينما تكشف وجوههم، وأسماءهم، وأماكنهم، وتتركهم مكشوفين أمام مجتمع كامل.
في مكانٍ ما، بين الشاشة والخوارزمية، يبدو أنّ كثيراً من الإعلام اللبناني تجاوز تغطية الواقع، وأصبح يُنتج فرجته الخاصة. ما نشهده اليوم لا يشبه كثيرًا ما يُفترض أنه أخلاقيات مهن حيث تعلو المصلحة العامة، وحماية الفئات الهشّة، وضرورة “تقليل الضرر”، واحترام الخصوصية، والحصول على موافقة واعية ومستنيرة قبل التصوير أو النشر.
الخوارزميات لا تملك أخلاقيات
الخوارزميات ليست فقط أدوات تقنية تنظم ما نراه على هواتفنا، هي تؤثر بشكل مباشر على طريقة إنتاج الإعلام نفسه. اليوم، تعرف المؤسسات الإعلامية أنّ المحتوى الذي يثير الغضب، أو الصدمة، أو الفضول السريع، يملك فرصًا أكبر للانتشار. لذلك، تُنتج مواد كثيرة لإرضاء منطق المنصات: كيف يمكن إبقاء المشاهد لأطول وقت ممكن؟ كيف يمكن دفعه الى التعليق والمشاركة وإعادة النشر؟
في هذا السياق، تغيّر شكل الخبر نفسه. العنوان يجب أن يكون أكثر صدمة، والمشهد أكثر استفزازًا، والإيقاع أسرع، والانفعال أعلى. حتى القضايا الإنسانية باتت تُقدَّم أحيانًا بطريقة قابلة للاستهلاك السريع، لأن الخوارزمية تكافئ ما يجذب الانتباه فورًا، لا ما يحتاج إلى وقت وتأمل وسياق.
مع الخوارزميات، تغيّر شكل الإعلام اللبناني بشكل واضح، وفي لحظة الحرب كالتي يعيشها جنوب لبنان بات أكثر حدة. الكاميرا تتحرك أبعد من توثيق الحدث أو نقل المعلومة، هي تحدّق في الواقع التراجيديّ بحثاً عن “اللحظة الفيروسية”: لحظة الانهيار، الصراخ، البكاء، المواجهة، أو الإذلال العلني. صار المطلوب من المادة الإعلامية أن تكون قابلة للاقتطاع والمشاركة السريعة، لا أن تكون دقيقة أو متوازنة أو حتى آمنة لمن يظهرون فيها.
هذا التحول يظهر حتى في طريقة تغطية الحوادث اليومية. اقتحام خصوصيات الناس، مطاردة الأفراد في الشارع، تحويل الفئات المهمّشة إلى مادة للسخرية أو الشفقة، كلها أصبحت جزءًا من مشهد إعلامي يزداد التصاقًا بمنطق المنصات الرقمية.
المشكلة تكمن في الأسلوب الذي يُبنى به المشهد الإعلامي. فالكاميرا اليوم لا تدخل غالبًا لتوثيق الواقع بقدر ما تدخل لصناعة لحظة درامية قابلة للاستهلاك. يُدفع الضيف أحيانًا إلى إعادة رواية ألمه مراراً للحصول على رد فعل “أقوى”، وتُستخدم الموسيقى التصعيدية، واللقطات القريبة، والأسئلة الضاغطة، لصناعة توتر عاطفي يخدم نسب المشاهدة أكثر مما يخدم الحقيقة أو المصلحة العامة. وفي ظل هذا التحول، أصبح الخط الفاصل بين الصحافة والتلصص أكثر هشاشة. فبدل أن تسأل بعض المؤسسات الإعلامية: “هل يفيد نشر هذه التفاصيل الناس؟”، بات السؤال أحيانًا: “هل ستثير هذه اللقطة التفاعل؟”. هكذا تتحول المعاناة الإنسانية إلى محتوى يومي سريع الاستهلاك، وتصبح الكرامة تفصيلًا ثانويًا أمام إغراء الوصول والانتشار.
إقرأوا أيضاً:
“تكتكة” التلفزيون اللبناني
تيك توك، التطبيق المثير للجدل، أصبح يؤثر على شكل التلفزيون نفسه. الإيقاع السريع، الموسيقى التصاعدية، العناوين الصادمة، الأداء الانفعالي، المبالغة في ردود الفعل، كلها عناصر انتقلت من المنصات إلى الشاشات. حتى البرامج الحوارية باتت تُنتَج أحيانًا كما لو أنها سلسلة مقاطع قصيرة بانتظار اللحظة التي ستتحول إلى “ترند”. لم يعد الهدف دائمًا الفهم أو التحليل، بل إثارة أكبر قدر ممكن من التفاعل. وفي هذا السياق، تحوّل المذيع من محاور أو ناقل للحدث إلى جزء من العرض نفسه. الأداء المرتفع، السخرية، المواجهات الحادة، وحتى الاستعراض الجسدي داخل الحلقة، أصبحت أدوات جذب بصري في معركة المشاهدات اليومية.
لكن اللافت في هذا المشهد أنّ هذه المواد لا تظهر بالمصادفة، ولا يمرّ بثّها عبر شخص واحد فقط. فقبل أن تصل الحلقة إلى الهواء، تمرّ عبر سلسلة طويلة من المنتجين، والمعدين، والمخرجين، والمحررين، وإدارات الأخبار، والمسؤولين داخل المؤسسة الإعلامية. ومع ذلك، نادرًا ما يبدو أنّ هناك من يقول: “لا”. لا أحد يتوقف ليسأل إن كانت هذه المادة مهينة، أو استغلالية، أو قد تعرّض شخصًا للخطر، أو تساهم في التطبيع مع الإذلال العلني باعتباره شكلًا مشروعًا من أشكال الترفيه الإعلامي.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: حين يصبح المحتوى الاستفزازي جزءًا طبيعيًا من آلية العمل داخل المؤسسة نفسها، وهنا لا نتحدث عن تجاوز فردي من مذيع أو مراسل، هناك ثقافة إنتاج كاملة، تُكافئ الصدمة وتعتبرها نجاحًا مهنيًا، لذ يصبح “الترند” معيارًا ضمنيًا للجودة، ويُقاس نجاح الحلقة بحجم الضجة التي أحدثتها، لا بمدى احترامها الناس أو التزامها بالأخلاقيات المهنية.
في هذه البيئة، تتراجع وظيفة الصحافي تدريجيًا لصالح منطق “صانع المحتوى”. ويصبح السؤال داخل كثير من غرف الأخبار: كيف نصنع مادة تجذب الانتباه فورًا؟ لا: كيف ننتج مادة دقيقة، عادلة، ومسؤولة؟ وهكذا، تتحول المؤسسات الإعلامية شيئًا فشيئًا إلى امتداد للمنصات الرقمية، لا إلى مساحة قادرة على مساءلتها أو مقاومة منطقها.
هل ما زالت نظريات الإعلام صالحة؟
عند النظر إلى جزء كبير من المشهد الإعلامي اللبناني اليوم، تبدو نظريات العمل الإعلامي أحيانًا وكأنها تنتمي إلى عالم منفصل تمامًا عن التطبيق. فبدل أن تعمل بعض المؤسسات وفق منطق “المصلحة العامة”، أصبحت تعمل أكثر فأكثر وفق منطق “اقتصاد الانتباه”، حيث تُقاس قيمة المادة بحجم التفاعل الذي تحققه، لا بمدى دقتها أو عدالتها أو أثرها على الأشخاص الذين يظهرون فيها.
حتى نظرية “حارس البوابة” الإعلامية، التي تفترض وجود سلسلة من المحررين والمسؤولين القادرين على فلترة المحتوى واتخاذ قرارات أخلاقية قبل النشر، تبدو اليوم مهزوزة أمام ضغط السرعة والمنصات. فالكثير من المواد التي تُبثّ على الهواء أو تُنشر عبر المنصات تمرّ عبر عشرات الأشخاص داخل المؤسسة الإعلامية، من دون أن يتوقف أحد ليسأل: هل يجب أصلًا نشر هذا المشهد؟ هل يخدم الصالح العام؟ أم أنّه مجرد محتوى صادم قابل للانتشار؟
في المقابل، يبدو أنّ نظرية “الاستخدامات والإشباعات” اكتسبت حضورًا أكبر في الممارسة الإعلامية الحالية، لكن بشكل مشوّه أحيانًا. فبدل محاولة فهم احتياجات الجمهور المعرفية أو السياسية، بات بعض المؤسسات يتعامل مع الجمهور بوصفه مستهلكًا للصدمة والانفعال السريع. وهكذا، يتحول الخبر إلى منتج ترفيهي، وتصبح الإثارة وسيلة أساسية للحفاظ على انتباه المشاهد داخل سوق إعلامي مزدحم ومأزوم اقتصاديًا.
حتى مفهوم “وضع الأجندة” تغيّر بدوره. فبدل أن يحدد الإعلام القضايا العامة الأكثر أهمية للنقاش المجتمعي، أصبحت الخوارزميات والترندات تؤثر بشكل متزايد على ما يُغطّى وكيف يُغطّى. ما يفرض نفسه اليوم ليس دائمًا ما هو الأهم، بل ما هو الأكثر قابلية للمشاركة والتفاعل.
ما يُمارَس على أرض الواقع يضع كثرًا من الصحافيين الشباب أمام معضلة حقيقية. فالمؤسسات التي تطلب منهم الالتزام بالأخلاقيات داخل قاعات التدريب، هي نفسها التي قد تكافئ لاحقًا المحتوى الأكثر صدمة وانتشارًا. وهنا، لا تعود الأزمة مجرد أزمة أفراد، بل أزمة بنية إعلامية كاملة فقدت تدريجيًا قدرتها على الفصل بين الصحافة بوصفها خدمة عامة، والمحتوى بوصفه سلعة تُباع داخل اقتصاد المشاهدات.
اقتصاد الانتباه لا أخلاقيات الصحافة
لا يمكن فصل هذا التحول عن الأزمة الاقتصادية التي ضربت الإعلام اللبناني. مع انهيار التمويل التقليدي، أصبحت المشاهدات والتفاعل عملة أساسية للبقاء. وفي ظل المنافسة الشرسة بين المنصات والشاشات، صار الاستعراض أقل كلفة من التحقيقات المعمقة، والانفعال أسرع من التحليل، والفضيحة أكثر قابلية للبيع من النقاش الهادئ.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بالأزمة الاقتصادية والاستقطاب السياسي، بل تمتد إلى تآكل الحدود بين الصحافة والترفيه. لم يعد واضحًا أحيانًا أين تنتهي التغطية الإعلامية وأين يبدأ العرض المسرحي. تُقدَّم المآسي البشرية كفقرات ترفيهية، ويُختزل الناس إلى “حالات” قابلة للاستهلاك السريع ضمن دورة لا تنتهي من المحتوى اليومي.
من يحمي الناس حين تصبح التعرية هي الخبر؟
السؤال اليوم يتعلق بمعنى الإعلام نفسه، ماذا يحدث حين تصبح الكرامة الإنسانية أقل أهمية من الـ reach؟ ماذا يحدث حين تتحول القضايا الإنسانية إلى مادة للفرجة؟ وهل يمكن أصلًا الحديث عن “صحافة” حين يصبح الهدف الأساسي هو انتزاع أكبر قدر ممكن من الانتباه، مهما كانت الكلفة الأخلاقية؟ ربما لم تعد الأزمة الأساسية في الإعلام اللبناني هي غياب المهنية فقط، بل تآكل الفكرة نفسها: فكرة أنّ الصحافة ليست مجرد صناعة محتوى، بل ممارسة أخلاقية أيضًا.
في عالم سريع تحكمه الخوارزميات والمشاهدات والمنافسة اليومية، قد يكون من السهل على أي مؤسسة إعلامية، أو حتى على أي صحافي، أن يقع داخل هذا الفخ. فالجميع يعمل تحت ضغط السرعة، والترند، والرغبة المستمرة في البقاء حاضرًا داخل دورة لا تنتهي من المحتوى. لكن هنا تحديدًا تبدأ المسؤولية الحقيقية. لأن وظيفة الإعلام لا تُختبر حين يكون الالتزام بالأخلاقيات سهلًا، بل حين يصبح تجاوزها مغريًا ومربحًا وقادرًا على تحقيق الانتشار.
ليست الكرامة الإنسانية شعارًا يُرفع داخل الاستوديوهات، هي ممارسة تبدأ من لحظة تشغيل الكاميرا والإعداد وكتابة الـscript نفسها. أحيانًا، تكون المسؤولية الحقيقية في معرفة متى يجب التوقف عن التصوير، ومتى يصبح الصمت أكثر أخلاقية من البث المباشر، ومتى تكون حماية الإنسان أهم من أي سبق صحافي، وأي ترند، وأي نسبة مشاهدة.
إقرأوا أيضاً:












