إنه يوم التضامن مع صحافيي غزة!
علينا إذًا أن نُباشر أمرًا لم نعتده نحن الصحافيين، الذين لم نُميّز يومًا بين الضحية وبين أنفسنا. القول إننا نتضامن مع أنفسنا ليس صحيحًا. لسنا صحافيين يتضامنون مع صحافيين، بل نحن نرفع الصوت من أجل زملاء قرر الجيش الإسرائيلي قتلهم، ونجح للأسف. القصة واضحة تمامًا: الصحافيون في غزة هدف مباشر لنيران الجيش الإسرائيلي. إنهم ليسوا “خسائر جانبية”، بل هم، إلى جانب المدنيين، في قلب المهمة الإبادية.
خلال الأشهر الأخيرة من مأساة غزة، عندما انتقلنا من الكتابة عن جريمة حرب إلى الكتابة عن حرب إبادة، بدأنا نطلب من زملائنا هناك أن يكتبوا عن أنفسهم. كتب محمد عن طفلته التي أصيبت بالقصف، وكتب فتحي عن تقنيات مقاومة الجوع عبر الملح، وكتب مصطفى عن ابنه الذي قُتل في وسط القطاع.
إنهم صحافيونا الذين لم تعد بينهم وبين القصة مسافة. صاروا هم القصة. خيمة الصحافيين قُصفت مراراً، وسقط عشرات من الزملاء في استهداف مباشر. فآلة الإبادة قررت أن الصحافيين الفلسطينيين جزء من أهدافها، لأنهم وحدهم مَن يتولون نقل وقائع الجريمة. في غزة لا صحافيين سوى هؤلاء المراسلين المحليين. الصحافة الدولية ممنوعة من الدخول، والمهمة التي حددتها الحكومة الإسرائيلية لجيشها تقتضي ألا يُعاين العالم الجريمة. وإذا كانت المهمة تقتضي التعتيم، فهي تقتضي أيضًا قتل الصحافيين الغزيين، كي لا نرى ما يحدث.
لكن، ماذا يسعنا أن نفعل حيال قصة القتل المعلن للصحافيين في قطاع غزة؟ هل يكفي أن نغطي شاشاتنا برداء أسود؟ قصصهم صارت جزءًا من حركة غرف أخبارنا. نصل في الصباح إلى المكتب ونبدأ بتقصّي أخبارهم: إلى أين انتقل محمد أبو شحمة بعائلته بعدما طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء رفح؟ كيف تدبّر مصطفى إبراهيم أمره مع نصف المنزل المتبقي في مدينة غزة؟
هل علينا أن نشعر بالذنب حيال ما يصيب زملاءنا هناك؟ نعم، هذا أقل ما يجب أن نشعر به. القول إننا عاجزون عن الإتيان بما يساعدهم لا يُجيب عن سؤال المأساة التي نُعاينها على مدار الساعة. يجب أن نفعل شيئًا. لم يعد مجديًا أن ننقل ما يحصل، فالخبر يصل إلى حيث يجب أن يصل قبل أن نكتبه. مشهد طوابير الجوعى، والجندي الذي يُسدّد ويقتل، لا يحتاج إلى أن نضيف إليه شيئًا. علينا أن نجري انعطافة في عملنا: أن نكتب قصة الجندي الذي يطلق النار على الجوعى. يجب أن يعرف العالم من هو هذا الجندي، ولماذا وافق على تنفيذ المهمة، وأي قصة سيرويها لأطفاله عندما يعود إلى بيته. علينا أن نصوّر وجوههم، عسانا بذلك نجد من يعود ليبحث عنهم هناك، حيث يعيشون، ويسألهم عمّا فعلوا ويُحاسبهم. فما يحدث في القطاع لم يعد شأنًا عامًا فقط، بل هو أيضًا خيار أفراد قرروا المشاركة في ارتكاب الإبادة.
الضحايا لهم قصصهم الخاصة التي تم تقطيعها، والمرتكبون أيضًا لهم قصصهم.
لسنا أكثر من غرف أخبار أرهقها الحدث. لكن، ماذا عنكم؟ وأنتم تلاحقون إنذارات الإخلاء من رفح إلى المواصي، ومن خان يونس إلى غزة المدينة. اليوم ليس يومكم أنتم، إنه يومنا جميعًا، يوم الصحافيين الغزيين الذين صاروا هم القصة.
إقرأوا أيضاً:












