بعد السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، انداح الحدث الذي تفجّر في غزّة، ليُحدث موجة من التغيّرات امتدّت على مساحة غزّة وفلسطين والشرق الأوسط، ثم تجاوزت ذلك كلّه لتبدّل المشهد السياسي والإعلامي حول العالم، حتى وصلت إلى عمق الساحة الأميركية وحركتها السياسية.
كان الزلزال كفيلاً بهزّ أركان الحزبين الرئيسيين في الولايات المتّحدة، الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، وشقّ بنية كلّ منهما من الداخل.
وإن كنّا نشهد بدايات الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، عقب انتخاب أوّل عمدة مسلم متضامن مع فلسطين في مدينة نيويورك، وهو ما قد يشكّل ملامح حركة سياسية جديدة تنبع من رحم الحزب في المستقبل القريب، فإن الانقسام داخل اليمين الأميركي، لا سيّما في حركة MAGA، بدا أكثر وضوحاً، والمفاجآت كانت أوسع. هذا الشرخ تجلّى بوضوح خلال مؤتمر AmericaFest 2025.
فما الذي حدث في مؤتمر اليمين الأميركي؟
AmericaFest 2025 هو مؤتمر سنوي يميني يُعقد تقليدياً في مدينة فينكس في أريزونا، وتقيمه منظّمة Turning Point USA، المعروفة اختصاراً بـ(TPUSA)، وهي منظّمة أميركية غير ربحية أسّسها في عام 2012 الناشط اليميني تشارلي كيرك، بهدف الترويج للسياسات المحافظة بين الشباب في المدارس والجامعات والفضاء العامّ. وخلال السنوات التالية، تحوّلت هذه المؤسّسة إلى واحدة من أكثر أدوات التأثير الناعمة فاعلية لدى الجمهوريين، وكانت من العوامل التي أسهمت في وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2016.
النسخة الأخيرة من المؤتمر كانت الأولى بعد اغتيال المؤسّس تشارلي كيرك، أثناء اجتماع عامّ في جامعة يوتاه، وهو ما أحدث صدمة كبيرة داخل الحركة وبين صفوف اليمين السياسي الأميركي عموماً، فتحوّل المؤتمر من مساحة للعزاء والتكريم إلى ما يشبه السيرك الجمهوري، بعدما خرج عن هدفه ليصبح ساحة لمحاكمات علنية بين رموز اليمين الإعلامية والسياسية.
ففي الوقت الذي سعت فيه إيريكا كيرك، أرملة المؤسّس، إلى لعب دور الوسيط، كان الواقع على المنصّة مختلفاً تماماً: الإعلامي الصهيوني المؤيّد لإسرائيل بن شابيرو وجّه انتقادات لاذعة لعدّة أطراف، لتردّ عليه الإعلامية ميغان كيلي، قبل أن تهدأ الساحة، فيخرج تاكر كارلسون، ابن مؤسّسة “فوكس” الإعلامية، بخطاب مغاير تماماً. ومن جانبه، صقَر اليمين ستيف بانون صعّد الهجوم أكثر، فيما بقي أثر كلّ من كاندس أوينز ونيك فوينتس حاضراً بقوّة رغم غيابهما عن القاعة.
وسأعود لاحقاً إلى تفصيل تحوّلات هذه الشخصيّات ومواقفها.
عند هذه النقطة، يبرز سؤال محوري: كيف وصلنا إلى هنا؟ وما علاقة السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر بكلّ ذلك؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من العودة قليلاً إلى الوراء لوضع بعض النقاط على الحروف. فقد وقع هذا التحوّل في لحظة شديدة الخصوصية في سياق الإعلام العالمي، حيث بدا أن رأس المال السياسي بات يهيمن بشكل شبه مطلق على الخطاب، لا سيّما في الإعلام الأميركي.
ففي البداية، سيطر رأس المال السياسي على غالبية المشهد الإعلامي في الولايات المتّحدة، وهو ما يعود جزئياً إلى قانون الاتّصالات الذي أُقرّ في عهد الرئيس بيل كلينتون في عام 1996. تلاه تصاعد نفوذ المال السياسي في الفضاء العامّ، خصوصاً بعد قرار المحكمة العليا في قضية Citizens United في عام 2010، الذي أتاح الإنفاق المستقلّ وغير المحدود من جهات خارج الحملات الانتخابية، ما أثار تساؤلات جدّية حول حال الديمقراطية في الولايات المتّحدة.
مع تزايد الإنفاق الخارجي وازدهار ظاهرة “المال الأسود” من جهات لا تُفصح عن مموّليها، تعاظم تأثير الإعلان السياسي والرسائل المموّلة في تشكيل الأجندة الإعلامية، ولم يقتصر الأمر على الإعلانات، بل شمل أيضاً الضغط على وسائل الإعلام لتبنّي خطابات أكثر حدّة.
في هذا السياق، ومع تصاعد دور شبكات التواصل الاجتماعي، واندماج الإعلام التقليدي في الاستقطاب السياسي المموّل، وازدياد التذمّر من سياسات المنصّات، برزت “ثقافة الإلغاء” (Cancel Culture) كآليّة مقاومة أّولاً، ثم كأداة للمحاسبة والعقاب الاجتماعي السريع.
ثقافة الإلغاء هي ممارسة اجتماعية جماعية تهدف إلى سحب الشرعية والدعم عن شخص أو جهة، بسبب قول أو فعل يُعدّ مسيئاً أو غير مقبول، عبر الضغط العلني والمقاطعة في الفضاءين الرقمي والعامّ. وقد انتشر هذا المصطلح بشكل واسع في أواخر العقد الماضي، ثم أصبح جزءاً من المعجم السياسي والإعلامي في أوائل هذا العقد، ليشكّل أحد خطوط التماس الواضحة بين اليسار واليمين الأميركيين.
ورغم تحفظي الكبير على منطق الإقصاء أو ثقافة الإلغاء، إلا أنني أرى فيها واحدة من آخر خطوط المواجهة مع التيّار اليميني. وإزاء هذا، عمد اليمين إلى تبنّي استراتيجية تركّز على موضوعات الهويّة ضمن هذا النقاش، عبر التكرار والتأطير الأخلاقي، لتسيطر على مساحة كبيرة من التغطية الإعلامية والجدل العامّ.
بهذه الطريقة، تزاحمت هذه القضايا مع ملفّات أكثر تعقيداً كالاقتصاد، والرعاية الصحّية، وتفاقم التفاوت الاجتماعي، ليجري استخدامها كأدوات تعبئة انتخابية، تستقطب القواعد وتحرف الانتباه نحو صراعات رمزية. وهكذا، سقط اليسار والديمقراطيون في الفخّ.
في هذه الأجواء، بدأ صعود المنصّات الإعلامية غير التقليدية، التي هاجر إليها كلّ من رفضوا الانضواء تحت ثقافة الإلغاء. وربما كان الإعلامي البريطاني بيرس مورغان أوّل من التقط هذا التحوّل، من خلال إطلاق منصّته “Uncensored”، التي سنشهد مآلات تحوّلاتها بعد السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر.
تحضّر اليمين للمشهد الإعلامي ما بعد التلفاز
استشعر السياسيون، ومن يقف خلفهم، حجم التهديد المقبل، فسارعت مؤسّسات عدّة إلى تأسيس منصّات بديلة للإعلام التقليدي، لعلّ أبرزها “The Daily Wire”، التي ارتبطت بأحد أخطر المؤثّرين الصهاينة في اليمين الأميركي، بنيامين آرون شابيرو، المعروف باسم بن شابيرو. تولّت هذه المنصّة توجيه الدفّة الإعلامية: ماذا يُقال؟ وما حدود القول؟ وكيف يُقال؟
استقطبت المنصّة، سواء بشكل مباشر أو عبر الشراكات والظهور المتبادل، عدداً من الإعلاميين وصنّاع الرأي، وأسهمت في رسم إطار لما يجوز طرحه وما يجب تجنّبه، إضافة إلى الطريقة التي يُقدَّم بها الخطاب.
ومن بين أبرز الأسماء المرتبطة بها: مات والش، وجيريمي بورينغ، والدكتور جوردان بيترسون الذي حاز نفوذاً واسعاً بوصفه من أبرز الأصوات المناهضة لثقافة الإلغاء، ويمتدّ تأييده من يمين الوسط إلى تيّارات أكثر تشدّداً. كما برزت كانديس أوينز في هذا الفضاء، إلى جانب شخصيّات أخرى، مع تقاطعات غير مباشرة مع شبكات ومؤسّسات تأثير متعدّدة.
لم تكتفِ The Daily Wire بمنافسة الإعلام التقليدي، بل تجاوزت ذلك إلى إعادة تشكيل المجال العامّ، بتحويل الاستقطاب السياسي إلى منتج إعلامي منظّم، تلتقي فيه الرسائل الأيديولوجية مع آليّات السوق الرقمية والمنصّات الحديثة. وفي قلب هذا المشهد، يظهر بوضوح أثر المال السياسي وجماعات الضغط، ولا سيّما الجماعات المؤيّدة لإسرائيل، التي تؤثّر في توجيه الأولويات والخطابات داخل السياسة والإعلام على حدّ سواء.
أمام هذا الواقع، يصبح من الصعب ضبط اليمين الأكثر تطرّفاً، إذ إن القوى التي توهّمت بقدرتها على احتواء هذا التيّار ضمن أطر إعلامية محكمة، انتهت فعلياً بإعادة إنتاجه وتضخيم حضوره في الفضاء العامّ، ما جعله أكثر قدرة على الخروج عن السيطرة.
في موازاة ذلك، شهدنا تحوّلاً دراماتيكياً مع تحرير إيلون ماسك، أحد أبرز أنصار حرّية التعبير، لمنصّة “تويتر”. اختفى العصفور الأزرق، لتحلّ مكانه إشارة X السوداء، معلنة عن بداية حقبة جديدة في فضاء التعبير المفتوح.
وفي الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل 2023، وصلت الخلافات إلى ذروتها بين إدارة قناة “فوكس نيوز” المعروفة بدعمها لليمين، وأحد أبرز وجوهها الإعلامية، تاكر كارلسون.
لم يكن خروج كارلسون من “فوكس” مجرّد خبر إعلامي، بل كان إعلاناً عن انتقال مركز الثقل من التلفاز إلى الفضاء الرقمي المفتوح. فحين يغادر نجم بحجمه مؤسّسة ضخمة، لا يرحل وحده، بل يصطحب معه جمهوراً كبيراً اعتاد استهلاك السياسة كما تُستهلك وجبات الوجبات السريعة.
ومع صعود البودكاست، برز فضاء جديد: وقت أطول، لغة أقلّ انضباطاً، ضيوف أكثر صدمة أو تطرّفاً، ونظريات مؤامرة تُجرّد من قدسيتها وتُطرح على العلن من جديد. وإن كان تاكر كارلسون، باعتباره يمينياً تقليدياً، قد حافظ على انضباط نسبي داخل مؤسّسة يمتلكها أحد كبار أقطاب الإعلام الصهاينة، روبرت مردوخ، فإن خروجه من هذا الإطار ستكون له تبعات ثقيلة داخل المؤسّسة وخارجها.
وصل السابع من أكتوبر
جاء “طوفان الأقصى” في لحظة كان يُظَنّ فيها أن المشهد الإعلامي الأميركي مُحكَم السيطرة بالكامل، لكنّ الحدث قلب الطاولة وفتح الباب أمام تحوّلات دراماتيكية متسارعة. ومع ثقل ما جرى، انفجرت التغطية الإعلامية على الشاشات ومنصّات التواصل، وامتلأت بالمناظرات والحوارات الحادّة. بدا واضحاً أن الجانب الإسرائيلي، الذي فاجأه الحدث، لم يكن مستعدّاً لا خطابياً ولا تنظيمياً؛ فـ”الهاسباراه” — جهاز الدعاية الموجّه للجمهور الغربي — عجز عن تجهيز متحدّثين غير رسميين قادرين على الدفاع عن الرواية الإسرائيلية، وما يزال حتى اليوم يتخبّط في ارتباكه.
إقرأوا أيضاً:
انغلاق الأفق السياسي للمعسكر الإسرائيلي، وضعف مصداقية سرديته، وتناقض رسائله، كلّها عوامل جعلته يخسر كثيراً من المواجهات الإعلامية. وفي المقابل، برزت منصّات لعبت دوراً محورياً في كشف هذا الارتباك، وعلى رأسها برنامج Piers Morgan Uncensored. ورغم أن بيرس مورغان ليس جزءاً من الساحة الإعلامية الأميركية، فإن تموضعه خارج الهيمنة المباشرة لمؤسّسة مردوخ — مع احتفاظ New UK بحصّة من العوائد ضمن اتّفاق مشاركة أرباح، منحه مساحة أوسع للتحرّك، وجعل برنامجه أحد أهم الساحات التي رُصد فيها تحوّل خطابه تجاه العدوان الإسرائيلي مع تصاعد مشاهد الإبادة في غزّة.
وبالنظر إلى أبرز الشخصيّات التي استضافها البرنامج، يتّضح التباين الحادّ بين الطرفين. فقد مثّل المعسكر المؤيّد لإسرائيل كلّ من دوغلاس موراي، الذي تبنّى الرواية الإسرائيلية بمنظور أيديولوجي صارم، وآلان ديرشوفيتز، المحامي الشخصي لجيفري إبستين، وجوناثان كونريكوس المتحدّث العسكري السابق، إضافة إلى الحاخام شولي بوتيتش.
على الجهة المقابلة، وقف المدافعون عن الحقّ الفلسطيني: مهدي حسن، الذي فكّك الخطاب الإسرائيلي بمهارة؛ نورمان فينكلستاين، الذي قدّم في كلّ ظهور قراءة قانونية وتاريخية أربكت خصومه؛ وفرانشيسكا ألبانيزي، بصفتها مقرّرة أممية، وقد كشفت الكثير من الانتهاكات من زاوية حقوقية واضحة.
ولا يمكن تجاهل اللقاء المفصلي مع باسم يوسف في الأسابيع الأولى من الحرب، الذي شكّل، بغضّ النظر عن الموقف من مسيرته السابقة، نقطة انعطاف في السردية الإعلامية العالمية تجاه غزّة.
وبمقارنة بسيطة بين الفريقين، تتّضح المفارقة: معسكر مؤيّد لإسرائيل يعاني من ضعف التحضير وارتباك الخطاب، في مقابل صور دامغة من غزّة، وتوحّش ميداني في الضفّة، وأزمة قانونية تطوّق نتنياهو، وتصريحات متطرّفة لوزرائه مثل بينيت وبن غفير. كلّ ذلك جعل ميزان السردية يميل بوضوح لصالح الفلسطينيين.
هل وصل ترمب المنقذ حقّاً أم زاد اليمين انقساماً؟
فاز دونالد ترامب في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بوصفه المرشّح الذي سيُوقف حربَي غزّة وأوكرانيا “خلال أيّام”، لكنّ وعوده سرعان ما اصطدمت بالواقع، لتتعمّق الانقسامات داخل حركة MAGA بدلاً من أن تنحسر. ومع صدور التدابير المؤقّتة عن محكمة العدل الدولية في 24 أيّار/ مايو 2024 بشأن الإبادة في غزّة، وجد الخطاب المحافظ المساند لإسرائيل نفسه أمام امتحان قانوني وأخلاقي غير مسبوق، فتح الباب أمام أصوات داخل اليمين كانت صامتة لتعلن اعتراضها علناً.
هذا الشرخ لم يبقَ سياسياً فحسب، بل تمدّد إلى البنية الإعلامية المحافظة نفسها. خروج كانديس أوينز من منصّتها “The Daily Wire” كان إشارة واضحة إلى أن الخلاف تجاوز حدود الرأي، ليصبح أزمة بنيوية داخل الإعلام اليميني. ثم جاءت الإجراءات الأميركية ضدّ المقرّرة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي بسبب توصيفها لما يجري في غزّة، لتعمّق الفجوة بين المؤسّسة السياسية والقاعدة الشعبية، التي رأت في ذلك قمعاً لأصوات ناقدة، خصوصاً داخل معسكر طالما قدّم نفسه بوصفه خصماً لثقافة الإلغاء. وبعدها حلّت الصدمة الأكبر: اغتيال تشارلي كيرك، أحد أهم منظّمي الشباب المحافظ، لتبدأ مرحلة جديدة من الاضطراب.
وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، انفجر المشهد الإعلامي على نحو غير مسبوق بعد مقابلة نيك فوينتس المثيرة للجدل مع تاكر كارلسون، على بودكاست “The Tucker Carlson Show”. تصريحات فوينتس قبل اللقاء وبعده أعادت رسم الحدود داخل MAGA، ودَفعت مؤسّسات محافظة إلى إعادة تموضعها. ومع كانون الأوّل/ ديسمبر 2025، خرج الانقسام إلى العلن عبر المسارح الكبرى ومراكز التفكير، لتكشف فلسطين عن عمق التصدّعات داخل هويّة اليمين المتطرّف الأميركي، لا مجرّد سبب عابر للخلاف.
هذا التحوّل ترافق مع خروج أبرز الأصوات المحافظة من الإطار التلفزيوني التقليدي: تاكر كارلسون، بيرس مورغان، ثم ميغان كيلي، الذين انتقلوا إلى فضاء الإعلام البديل — بودكاستات، منصّات فيديو، وسلاسل على منصّة “أكس”، وهي منصّات باتت لدى شرائح واسعة أكثر تأثيراً من نشرات الأخبار.
في المقابل، غابت فلسطين شبه كلّياً عن برامج الكوميديا الليلية، التي تُعتبَر المنهل الرئيسي للشباب الأميركي كمصدر للمعلومات، باستثناء ظهور جون ستيوارت الأسبوعي. ومع ضعف التغطية الإخبارية التقليدية، أصبح الإعلام البديل اليميني المصدر الأكثر انتشاراً لرواية الشرق الأوسط، متقدّماً على نظيره اليساري الذي يفتقر إلى الانتشار نفسه على هذه المنصّات.
وهنا يبدأ صراع العروش الحقيقي داخل اليمين. فحركة MAGA لم تكن يوماً جبهة موحّدة، بل تحالف هشّ جمعته وعود ترامب الشعبوية. ومع الوقت، بدأت المعسكرات تتنازع الزعامة والاتّجاه: كانديس أوينز تحوّلت إلى رمز للانقسام الذي تفجّر بعد حرب غزّة، فيما تتراكم خلفية من الصراعات التي غذّاها ترامب نفسه بعد سقوط عدد من وعوده الانتخابية، وسياساته الاقتصادية، وعلى رأسها قانون التعريفات الجمركية، التي أثقلت كاهل المواطن الأميركي وأطلقت سؤالاً شعبوياً واضحاً: لماذا نستمرّ في خوض حروب “الآخرين” من أوكرانيا وروسيا إلى غزّة؟ حيث يرى كثيرون أن ما يجري هو إبادة بعد السابع من أكتوبر.
ومع تزايد الوعي بتأثير جماعات الضغط على الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وعلى رأسها اللوبي الصهيوني الأقوى في البلاد AIPAC، تتآكل الثقة بالمؤسّسات السياسية، وتعود إلى الواجهة ملفّات قديمة تُستدعى بوصفها أدلّة على عمق الأزمة: قضيّة جيفري إبستين وعلاقاته بالنخب، اغتيال جون كينيدي بوصفه نموذجاً لـ”قدرة الدولة العميقة”، أحداث 11 أيلول/ سبتمبر التي أعادت تشكيل العالم، وفضيحة إيران- كونترا بما تحمله من رمزية للعمليّات السرّية والتجاوزات التاريخية. كلّها تُستحضر اليوم ضمن سردية صاعدة تعيد قراءة التاريخ السياسي الأميركي تحت مجهر الشكّ والمراجعة.
وهكذا وصل العالم إلى لحظة يعيد فيها التموضع من جديد. فجأة، بدأ جزء واسع من اليمين المحافظ في الولايات المتّحدة يتحدّث عن فلسطين بلهجة كانت لعقود طويلة، حكراً على اليسار. ظهرت في أدبيات هذا التيّار أسئلة حول جدوى الدعم غير المشروط لإسرائيل، وبرز خطاب يركّز على المصلحة الأميركية وحدها، تحت شعار America First. ومع هذا التحوّل، تصاعدت الجرأة على فتح ملفّات كانت مطموسة في الأدراج، لتخرج إلى العلن روايات طالما وُصفت بأنها “نظريات مؤامرة”، قبل أن يتبيّن أن كثيراً منها أقرب إلى الوقائع منه إلى الوهم.
من أبرز هذه الملفّات حادثة السفينة USS Liberty في عام 1967، التي ما زالت تُستدعى كجرح في الوعي الأميركي، وتُستخدم — يميناً ويساراً — دليلاً على أن التحالفات ليست دائماً بريئة.
في هذا السياق، لم يعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مجرّد ملفّ خارجي، بل تحوّل إلى مفتاح لفهم شبكة النفوذ والمال والسياسة في الولايات المتّحدة. ومع اتّساع دائرة الشكّ، صار استدعاء الأرشيف السياسي أشبه بآلة لإنتاج المعنى: ما هو واقعي يطغى على ما هو حقيقي، وما يمكن تصديقه يتقدّم على ما يمكن إثباته. تتكاثر القصص لأن الخوارزميات تكافئ الإقناع لا الحقيقة، وهنا يبرز سؤال أخلاقي حادّ: هل نحن أمام معرفة سياسية جديدة، أم أمام سوق متجدّد لإعادة تدوير الهوس؟
في المقابل، تستمرّ القوى الصهيونية في محاولة مقاومة الحقائق على الأرض، وبدأ عدد من الأثرياء المقرّبين من إسرائيل بشراء مؤسّسات إعلامية مؤثّرة — وصولاً إلى منصّات مثل تيك توك — ما وضع المدافعين عن القضيّة الفلسطينية في خندق واحد، إعلامياً ورقمياً، مع اليمين المتطرّف في مواجهة نفوذ إعلامي صهيوني متجذّر.
هذا التحوّل الدراماتيكي داخل أجزاء من اليمين الأميركي تجاه فلسطين، رغم كونه انقلاباً على مسلّمات تاريخية، يضعنا أمام معضلة استراتيجية وأخلاقية. فالصوت الناقد للدعم الأعمى لإسرائيل، الذي يخرج من قلب معاقل كان يُظنّ أنها منيعة، هو صوت يرحّب به كلّ من يدافع عن العدالة. لكنّه في الوقت نفسه يأتي محمّلاً بأجندة اليمين المتطرّف: شعبوية مناهضة للمؤسّسة، نزعة انعزالية، ومواقف عنصرية تجاه الهويّات الأخرى. إنه تحالف مصلحة مرحلي، يقوم على الشكّ في النخب، لا على التضامن الإنساني أو الاعتراف بالحقوق.
ومع ذلك، يفتح هذا الصراع داخل اليمين الأميركي نافذة مهمّة لتعرية تناقضاته وإدخال الرواية الفلسطينية بقوّة إلى النقاش العامّ. لكنّ تحويل هذه النافذة إلى مكسب دائم لا يتحقّق إلا بالبناء على الحقّ والقانون والتضامن الإنساني العابر للحدود، لا على تحالفات هشّة قد تجرّنا إلى مسارات لا نريدها.
وربما يكون المسار الأكثر نضجاً لمواجهة نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتّحدة — دون الانزلاق إلى دعم اليمين المتطرّف — هو التحالف التقدّمي الجديد Reject AIPAC، الذي ظهر بوصفه محاولة منظّمة لكبح تأثير المال السياسي في العمليّة الديمقراطية.
يضمّ هذا التحالف عشرات المنظّمات، من بينها Justice Democrats وInstitute for Middle East Understanding وAdalah Justice Project، إلى جانب مجموعات ناشطة في قضايا العدالة الاجتماعية. يقوم التحالف على مبدأ واضح: دعم السياسيين الذين يرفضون علناً أيّ تمويل أو تأييد صادر عن هذا اللوبي، وإطلاق حملات دفاع انتخابي بميزانيات كبيرة لتحصين المرشّحين التقدّميين من ضغوط المال السياسي.
لأن ما لنا، في نهاية المطاف، هو الشقوق التي تُربك آلة النفوذ المالي والسياسي وتفتح نافذة للرواية الفلسطينية؛ وما علينا هو ألا نخلط بين نافذة للخطاب وبين باب للتحالف.
فلسطين لا تحتاج حلفاء ظرفيين، بل تحتاج خطاباً مستقلاً ومواقف لا تتبدّل بتبدّل الخوارزميات.
إقرأوا أيضاً:












