“طلعنا وقت تهديد الليلكي على أساس بتخلص الضربة وراجعين، صرلنا أربع ليالي عالكورنيش”، تقول مريم (37 سنة) بحرقة بعد نزوحها من منزلها في منطقة الليلكي في الضاحية الجنوبية لبيروت، إثر التهديد الإسرائيلي بقصف المنطقة.
توجهت وأسرتها المؤلفة من 5 أشخاص، زوجها وثلاثة أطفال لم يتجاوز الكبير فيهم الـ 14 سنة، إلى الكورنيش البحري في مدينة بيروت، تقول مريم: “مكان مفتوح وبعيد عن الضاحية ولقينا الناس كلها جايي مشينا وراهن، ما كنا واعيين كان بس بدنا نهرب من الموت”.
تلقت مريم وعائلتها مساعدات عينية من شبان متطوعين لخدمة النازحين، تقول: “أول ليلة ما نمنا بقينا بالسيارة بس طلع الضو إجوا شباب عطونا فرش وشراشف وأكل ودبرنا حالنا”. استخدمت عائلة مريم الشراشف كشادر يقيهم من حر الشمس في النهار وكستار في الليل ينامون وسطه، ولجأوا إلى مسجد قريب في عين المريسة لقضاء حاجتهم.
لم يجد هؤلاء النازحون سقفاً يقيهم من المطر، أو مأوى يحميهم وأطفالهم، بعدما تركوا بيوتهم وغادروا من دون حمل أي أمتعة، إذ تقيم آلاف العائلات في العراء منذ ليلة 27 أيلول/ سبتمبر، عقب مقتل أمين عام حزب الله حسن نصرالله في غارة جوية إسرائيلية.

أكثر من ألف وخمسمئة شخص قتلتهم إسرائيل إثر غارات مكثفة على لبنان من جنوبه إلى أقصى شماله. ووصل عدد النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت إلى ما يقارب المليون نازح، بحسب رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي اعتبر أن عملية النزوح هذه قد تكون “الأكبر” في البلاد.
تتفاقم الأزمة مع بدء إسرائيل غزواً برياً واقتراب احتلال جديد للجنوب أو “منطقة عازلة” حسب الرواية الإسرائيليّة، ما يعني استمرار محنة النازحين بل وربما مضاعفة عدد من سيجبرون على مغادرة قراهم بفعل الغزو والاشتباكات بين عناصر حزب الله والجيش الإسرائيلي في مناطق المواجهة في الجنوب.

أفراد الأسر النازحة جراء القصف الإسرائيلي على مناطقهم حاولوا العثور على سكن في أماكن آمنة على رغم صعوبته بسبب الشح في الشقق وارتفاع أسعارها في ظل الحرب مقارنة بما كانت عليه سابقاً، بينما لجأ آخرون الى مراكز الإيواء التي بلغ عددها 778 مركزاً تضمّ حتى الآن 118 ألف شخص مسجلين فقط، مع محدودية القدرات المالية لديهم وشحّ في المستلزمات الأساسية.
عنصريّة في ظل الحرب
في ظلّ الفوضى الكبيرة التي تعصف بلبنان، يبحث عمال وعاملات أجانب مقيمون في لبنان، من بينهم سودانيون وسريلانكيون وإثيوبيون وبنغلاديشيون كما اللاجئون السوريون، عن ملجأ بعيد عن أماكن إيواء اللبنانيين، بعدما منع الكثير منهم من الدخول إلى مراكز الإيواء، التي أشترط فيها دخول اللبنانيين حصراً.
كما زادت الأزمة من معاناة العاملات الأجنبيات، اللاتي اضطررن لافتراش الأرصفة والشوارع بعدما تركهن أصحاب المنازل الذين يعملن لديهم تحت القصف في الجنوب، لاحقاً تمكنت مبادرات مدنية من إيجاد ملجأ للكثيرات منهم وعائلاتهن، إذ استقبلت كنيسة القديس جوزيف عدداً من العاملات وعائلاتهن ووفرت لهن مكاناً آمناً.

النزوح نحو سوريا
بدأت حركة النزوح من لبنان إلى سوريا بعد ازدياد حدة الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان، واقترب عدد النازحين باتجاه الأراضي السورية من الــ 200 ألف نازح، معظمهم من السوريين الذين كانوا لاجئين في لبنان.
وبعد ازدياد الانتقادات للحكومة من السوريين، بسبب تقديمها الاستجابة السريعة للبنانيين المتّجهين إلى سوريا وتجاهلها معاناة اللاجئين السوريين العائدين من لبنان، أوقفت الحكومة العمل لمدة أسبوع بقرارها المتضمن إلزام المواطنين العائدين إلى سوريا بتصريف 100 دولار في المنافذ الحدودية.

لا أفق واضح لكيفية التعامل مع أكبر أزمة نزوح يشهدها لبنان في تاريخه، خصوصاً مع قصور خطط الطوارئ والاستجابة، ومع شحّ المساعدات، والأهم مع معاناة لبنان المزمنة من انهيار اقتصادي وترهّل سياسي يجعل من الهاربين والنازحين فريسة فشل مضاعف، فشل السلطات المتعاقبة وخطر الموت الإسرائيلي الذي لا يستثني أحداً.
إقرأوا أيضاً:












