في غضون أيام قليلة، انشغل المصريون بحادثتين فادحتين: حادث الطريق الإقليمي الذي حصد أرواح عاملات شابات، ثم حريق «سنترال رمسيس» الذي ارتدّ أثره على البنوك ونُظم الدفع وحياة الناس اليومية. في تلك اللحظة، خرج محمد نعيم بـ«دخول مفاجئ» لا ليُعلّق على الحدثين فحسب، بل ليُعلق على طريقة تلقّيهما: غيابُ المعلومات الدقيقة، ارتفاعُ منسوب القلق العام، وبوادرُ يقظةٍ غير مألوفة تُعيد ربط ما هو اجتماعي بما هو وطني وبما هو حقوقي، وتضع سؤال التنظيم والمعرفة في صلب النقاش العام.
من هذه العتبة، يعلن نعيم أن أي قراءة جادة للوضع المصري تبدأ من الوقائع كما هي، لا من الروايات المعلبة ولا من «الفانتازيا» المهدّئة أو المُخيفة؛ وأن ما يلزمنا قبل الحلول التقنية هو استعادة المعرفة الموثوقة والفعل الجماعي بوصفهما شرطين لأي إصلاح ممكن.
بعدها مباشرة، يعيد نعيم ترتيب البوصلة: ثلاث قضايا مترابطة لا تُجزأ – القضية الوطنية، والقضية الاجتماعية، وقضية الحريات – ومن دون معالجتها معًا تتحول «الإصلاحات» إلى ترميمٍ يُعدل «البنطلون» فتتمزق «الجاكيت». هذه ليست استعارة بل خلاصة تجربة عقدٍ كامل من حلولٍ فنية تُراكم سؤال الكلفة والتمويل والأمن على نحوٍ يجرّنا إلى المأزق نفسه كل مرة.
وعندما ينتقل إلى تفاصيل المعيشة، يلتقط نعيم ما يسميه «تعميم البؤس»، تسليع ما كان مُشاعًا (الماء، الهواء، الكورنيش، حتى «الاحترام»، وانحدار جودة الحياة، بحيث يدفع الناس أثمانًا أعلى لقاء خدمات أردأ، على نحوٍ يُفقِد الجنيه قيمته الرمزية قبل قيمته الشرائية. هنا تنكشف هشاشة الحراك الاجتماعي بوصفه وهمًا يغطي على تدهورٍ بنيوي في التعليم والصحة والنقل وروابط العيش المشترك.
«غناك لا يُقاس بفقر الآخرين – تعميم البؤس في مصر»
ثم يرفع السقف الإقليمي: «قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك». في قراءته للحظة الاشتباك الإيراني – الإسرائيلي، يطبّق نعيم «قانون الأواني المستطرقة»: ما يُستباح في غزة ويُجرب على الهوامش، يعود على العواصم جميعًا – من «أخلوا طهران» إلى «أخلوا القاهرة». بذلك يضع الاجتماع المصري في تماس مباشر مع اختلالات النظام العالمي، ويُحاجج بأن الأمن لا يُشترى على حساب الحرية والعدالة من دون أن يدفع المجتمع الثمن مضاعفًا.
هذه المقدّمة تفتح الباب لقراءة مشروعٍ لا يكتفي بتشخيص العطب، بل يعيد ترتيب الأسئلة: كيف نفهم تهاوي الطبقة الوسطى؟ بأي معنى صارت «العصامية» قناعًا لـ«الجربعة»؟ وما الذي يبقى من «الدولة الوطنية» إذا انفصل الأمن عن الحرية، والاقتصاد عن العدالة؟ عبر سرد تحليلي ممتع يقدمه محمد نعيم عبر قناته على يوتيوب.
نعيم كاتب ومحلل سياسي عمل لسنوات في القطاع المالي بين مصر وأستراليا وإنكلترا، من دون أن يفقد شغفه بالمشاركة في الشأن العام. اعتاد نشر مقالاته أسبوعيًا على موقع المنصة الإخباري، لكن أصدقاءه رأوا أن أفكاره الجريئة لا تصل الى الجمهور الذي تستحقه، فنصحوه بخوض غمار الفيديو. لم يكن نعيم من عشاق الظهور أمام الكاميرا، غير أنه أدرك أن الزمن تغير وأن الكلمة المكتوبة قد تحتاج الى من يوصلها بصوت وصورة.
هكذا وُلدت قناته التي أخذت تقدم لجمهور متعطش جرعة منتظمة من التفكير النقدي في أوضاع مصر الاجتماعية والسياسية، مستندة حصريًا إلى سرديات التاريخ والواقع المحلي كما يفهمها نعيم. بأسلوب سردي تحليلي، يستعرض نعيم مشروعه الفكري الذي يتمحور حول نقد عميق لجملة من المفاهيم والتصورات السائدة: العصامية (نزعة بناء الذات اعتمادًا على النفس) في مقابل الجربعة (وهي لفظة عامية مصرية يستخدمها نعيم لوصف حال التدهور أو الهشاشة الملازمة للصعود الفردي غير المستند إلى قواعد متينة)، تفكك الطبقة الوسطى وصعود وهم الحراك الاجتماعي، نقد فكرة الدولة الوطنية الراسخة، وربط كل ذلك بتحولات العالم الأوسع وانعكاساتها على المجتمع المصري.
يستقي نعيم أمثلته وحججه من تاريخ مصر الحديث ومعيشها اليومي، ويفعل ذلك بلغة لا تخلو من سخرية ومصطلحات دارجة يدمغها بطابعه الخاص، مستعينًا بخبرته كمؤلف لكتب وأبحاث في تاريخ المجتمع المصري. في السطور التالية، سنقوم بجولة عبر أبرز محاور مشروع محمد نعيم كما تتبدى في سلسلة حلقاته لنرى كيف يفكك أوهامنا الجمعية عن الفرد والمجتمع والدولة في مصر اليوم.
العصامية والجربعة: نقد وهم الصعود الفردي
يستهل محمد نعيم مشروعه بنقد معمّق لأسطورة العصامية في الثقافة المصرية، أي فكرة صعود الفرد من القاع إلى القمة بجهده الذاتي وحده. يرى نعيم أن هذه الأسطورة تُستخدم لتبرير الفوارق الطبقية وإخفاء العوامل البنيوية التي تتيح لقلة حصد المكاسب على حساب الغالبية. وقد عكف نعيم على دراسة تاريخية لهذه الظاهرة، حتى أنه أصدر قبل سنوات كتابًا بعنوان “تاريخ العصامية والجربعة” عن دار المحروسة.
في هذا الكتاب – الذي يذكره مرارًا في حلقاته – يتتبع نعيم ما يسميه “شفرات التمييز الاجتماعي” في مصر: لهجات الكلام، ولون البشرة، وأساليب التعامل، وغيرها من العلامات التي يُفرز الناس من خلالها طبقيًا واجتماعيًا على نحو خاطف. إنه نظام فرز مستمر يجعل كل فرد مصنفا ومحسوبًا موقعه منذ اللحظة الأولى للقاء.
يرى نعيم مصر البلد الذي “ينتصر فيه ماركس على فيبر” – إذ يتغلب التفسير الطبقي (المادي) على أي تفسيرات ثقافوية لموقع الفرد. كل الرموز الثقافية والتفاعلات اليومية في نظره تخدم هدفًا جوهريًا: تحديد المركز الطبقي وترسيخ حدود الصراع الطبقي في المجتمع. ولا عجب أن تصبح العصامية، كفكرة النجاح الفردي، جزءًا من هذه الرموز الخادعة التي تشوش عملية الفرز الطبقي المستمرة؛ فهي تَعِدُ أبناء الطبقات الكادحة بإمكانية كسر السقف الاجتماعي عبر العمل والمثابرة، بينما الواقع أن حراكهم محكوم بسقف واطئ لا يكاد يُرى.
ضمن هذا السياق، لا ينكر نعيم وجود نماذج لأفراد بدأوا من قاع السلم الاجتماعي وارتقوا بأشواط. لكنه يفكك الآليات التاريخية التي أفضت إلى تلك الترقيات ليبين أنها لم تكن صعودًا فرديًا خالصًا بقدر ما كانت نتاج تضافر ظروف سياسية واجتماعية أوسع.
يضرب مثلًا بتحول أبناء الفلاحين في القرن التاسع عشر من الشادوف إلى كرسي الضابط في جيش محمد علي: حين أُدخل الفلاحون إلى سلك الجندية فتحت أمامهم أبواب الترقي الاجتماعي داخل أجهزة الدولة الحديثة. خلال بضعة عقود، أصبح الجيش أشبه بـ”بلاط للفلاحين”، ساحة يتدرجون فيها ويحصلون على المكانة والنفوذ.
ولم يقتصر الأمر على العسكرية، بل شمل جهاز الدولة المدني أيضًا: مع تأسيس المدارس الحديثة وابتعاث المتفوقين إلى الخارج، تمكن بعض أبناء الريف المتعلمين من تقلد وظائف حكومية عليا. ثم جاءت اللائحة السعيدية في ستينات القرن التاسع عشر تمنح ملكيات زراعية خاصة للمرة الأولى لهؤلاء الموظفين المترقّين. هكذا، عبر قفزة تاريخية، نشأت شريحة جديدة من ملاك الأراضي ذوي الأصول الفلاحية.
قد يبدو ذلك قصة نجاح “عصامية”، لكن نعيم ينبّهنا إلى الوجه الآخر للعملة – وجه “الجربعة“ أو الهشاشة المختبئة خلف هذا الصعود. فمن ناحية، لم يكن حصول هؤلاء على الأراضي نتيجة كدّهم الفردي الصرف، بل أيضًا بفضل منح وإقطاعات من السلطة مكافأةً لهم.
ومن ناحية أخرى، كثيرًا ما حصل هذا الصعود على أكتاف الفلاحين الكادحين أنفسهم.
يروي نعيم كيف اعترض صديق أرستقراطي له على ما ورد في كتاب تاريخ العصامية والجربعة، قائلاً إن كثراً من أعيان الريف “كوّنوا ثرواتهم بجهدهم واجتهادهم في استصلاح الأرض وتوسيع الرقعة الزراعية” وليس بالوساطة وحدها. يرد نعيم: “الحقيقة أنها كانت نتيجة كدح الفلاحين أنفسهم”. صحيحٌ أن بعض كبار الملاك الجدد عملوا بجدية، لكن جزءًا معتبرًا من ثرواتهم أتى كهبات من السلطة وعبر استغلال عمل المزارعين الفقراء؛ تلك كانت الطريقة التي أصبح بها أبناء الفلاحين ملاكًا للأرض في نهاية المطاف.
لا يكتفي مشروع نعيم بنقد عصامية الماضي، بل ينتقل إلى عصامية الحاضر المزعومة. في إحدى حلقاته، يفند نعيم خطابات رجال أعمال مصريين معاصرين يحبون الظهور الإعلامي بمظهر “العصاميين” أصحاب المشاريع الذاتية. يشير ساخرًا إلى أحدهم – ملياردير معروف – يخرج في بودكاستات ليروي قصص كفاحه وعبقريته في تكوين إمبراطوريته المالية.
بالنسبة الى نعيم، هذا ضرب من تزوير الوعي: “من الذي أرسا عليك عطاءات العمل أول مرة؟ ولماذا أنا لستُ مكانك؟”. الحقيقة التي يوضحها نعيم أن هؤلاء الأثرياء الجدد في غالبيتهم لم يصنعوا ثرواتهم من لا شيء كما يزعمون، بل هم امتداد لسلالة من البرجوازية البيروقراطية التي خرجت من رحم الدولة في عهد الانفتاح الساداتي.
يستعرض نعيم كيف احتكر أبناء شبكات السلطة والمال المعلومات والفرص وقت إطلاق سياسات الاقتصاد الحر في سبعينات القرن الماضي، فاقتنصوا توكيلات الاستيراد والشراكات الأجنبية، وحازوا السبق في السوق. وبينما ركز الخطاب الرسمي آنذاك على بضعة “قطط سمان” فاسدة تم التشهير بها، كانت الكتلة الأكبر من الرأسماليين الصاعدين هم أبناء وأقارب رجال الدولة أنفسهم الذين نفذوا سياسات الانفتاح. بكلمات أخرى، لم يكن صعود هذه الطبقة نتيجة روح المبادرة الفردية بقدر ما كان امتدادًا للكارنيه (أي النفوذ الحكومي) جنبًا إلى جنب مع الجنيه – حسب استعارة نعيم الشهيرة عن زواج السلطة بالثروة في مصر. ومهما ادعى هؤلاء “العصاميون” الجدد غير ذلك، يرى نعيم أن ادعاءهم “كذب صريح” هدفه إخفاء حقيقة الامتيازات البنيوية التي مكّنتهم منذ البداية.
يتساءل المرء: لماذا تجد فكرة العصامية وأشباهها من أطروحات “الحل الفردي” هذا الرواج في المجتمع المصري أخيرًا؟ يعزو نعيم ذلك إلى ظروف تاريخية محلية وعالمية تكاتفت لنشر تلك الأفكار. فمع صعود النيوليبرالية عالميًا في الثمانينات، تعرضت المؤسسات الجماعية التفاوضية – كالنقابات العمالية – للتفكيك المتعمد، ما أضعف قدرة الجماعات على انتزاع الحقوق جماعيًا.
في ظل هذا الفراغ، يصبح من الأسهل تسويق حقن الوهم الفردي للشباب: أنت وحدك المسؤول عن نجاحك أو فشلك. ويشير نعيم إلى أنه في بعض البلدان الغربية يحقق الحل الفردي مكاسب واقعية؛ فهناك عامل أو حرفي قد ينصب على تطوير مهاراته فيجني دخلًا جيدًا من دون حاجة إلى تضامن نقابي أو نشاط سياسي. أما في مصر، فالصورة أكثر خداعًا: جيل السبعينات وما بعده شهد انسحابًا تدريجيًا للناشطين والحالمين بأعمال خاصة أو سفر للخليج لتحسين الأوضاع الفردية، بالتوازي مع تدهور الضمانات الجماعية.
هكذا بزغ خطاب “اعمل على نفسك… كن إيجابيًا واستثنائيًا” ليملأ الفراغ، وتحديدًا داخل شرائح من الطبقة الوسطى المدينية التي التحقت بسوق العمل في الشركات المتعددة الجنسيات. لكن الجديد في الأعوام العشر الماضية، برأي نعيم، هو تبني شرائح أوسع من الشباب المصري هذا الخطاب، بما في ذلك من لا يملكون تعليمًا جيدًا أو ظروف عمل مستقرة. لقد أصبحوا يسمعون صباحاً ومساء، أنه لا حاجة الى تنظيم أو تضامن جماعي، بل كل ما عليهم هو تطوير الذات وإتقان فن البقاء في منافسة قاسية.
يرى نعيم في هذا مخدرًا جماعيًا يغذي الوهم ويخدر الألم مؤقتًا. لكنه يؤكد أن “مخدرات النجاة الفردية” هذه لم تعد تُجدي نفعًا في مصر اليوم – تمامًا كما حمل عنوان أحد مقالاته – والسبب أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وصلت حدًا من العمق لم يعد يجدي معه الإنكار أو الحلول الفردية الترقيعية.
تفكيك الطبقة الوسطى وتعميم البؤس
على الجانب الآخر من معادلة العصامية، نجد الطبقة الوسطى المصرية تتهاوى تحت ضغط سنوات من التدهور الاقتصادي والاجتماعي. يقدم محمد نعيم في مشروعه قراءة مؤلمة لمسار هذه الطبقة التي كانت تاريخيًا عماد الاستقرار والتحديث في المجتمع المصري. ففي سلسلة حلقاته الأخيرة، يتتبع نعيم ما يسميه “تعميم البؤس” في مصر – أي انتشار الفقر والتدهور في جودة الحياة ليشمل شرائح أوسع من المجتمع، بعدما كان محصورًا في هوامشه التقليدية.
يلاحظ نعيم أنه لم يعد من السهل اليوم رسم حدود واضحة للطبقة الوسطى كما اعتدنا؛ فقد تآكلت المعالم الفارقة بين الشرائح الاجتماعية بشكل كبير. يسأل نعيم مستنكرًا: منذ متى تهتم الطبقة الوسطى بقضايا الفقراء ومآسيهم كما نراها الآن على مواقع التواصل والإعلام؟ الإجابة عنده تكمن في أن أفرادًا كثيرين من هذه الطبقة انزلقوا بأنفسهم نحو حافة الفقر، أو باتوا مهددين به بشكل مباشر. خلال النصف الثاني من العقد الماضي، ظلت أسر مصرية متوسطة الحال تقاوم الاعتراف بتدهور أحوالها: استنزفت مدخراتها، استدانت للقشة الأخيرة، ودفنت رأسها في رمال إنكار طويلة. لكن بعد ثلاث أو أربع سنوات من الصدمات الاقتصادية المتوالية – بدءًا من تحرير سعر الجنيه أواخر 2016 وما تلاه من موجات تضخم وغلاء – لم يعد بالإمكان تجاهل الحقيقة. يعبر نعيم عن ذلك بقوله إن عملية إفقار تاريخية متعمدة للطبقة الوسطى قد حدثت ولم يعد ممكنًا إنكارها؛ وعلى الناس أن يتعاملوا انطلاقًا من هذا الواقع الجديد.
هذا الواقع الجديد هو الذي يفسر، في رأي نعيم، تعاظم تعاطف قطاعات من الطبقة الوسطى مع قضايا الفقراء أخيرًا. فعندما انتشر مثلًا خبر مأساوي عن فتيات عاملات اضطررن للمبيت في سنترال مكشوف وتعرضن لحادث مدمر، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالغضب والتعاطف من شتى الأطياف. وعلى رغم أن المشهد المأساوي لم يكن جديدًا إلا أن الجديد هو أن أسرًا متوسطة باتت تشعر أن بناتها وأبناءها معرضون لمصير مماثل في أي لحظة. لقد “أفقرَت الأزمةُ أسر الطبقة الوسطى نفسها” بعدما كانت ترى الفقر مشكلة تخص غيرها.
ومع تدهور القدرة الشرائية وانفلات الأسعار، أصبحت تفاصيل الحياة اليومية للطبقة الوسطى أشبه بكفاح مستمر للحفاظ على الكرامة والبقاء. يشير نعيم إلى ظواهر صادمة لم يعهدها أبناء الطبقة الوسطى من قبل: ندرة البروتين الحيواني وارتفاع أسعاره الجنوني، حتى صار الحصول على بيضة أمراً غير يسير، وظهر ما يسميه المصريون “الفراخ الكدابة” و”البفتيك الكداب” – أي بدائل زهيدة الثمن ومنخفضة الجودة للحوم والدجاج – وانتشر استخدام تلك البدائل بشكل يائس.
يقول نعيم بمرارة: “كل البروتين بقى كداب” (أي مغشوش أو زائف)، حتى بلغ سعر كيلوغرام السمك البلطي الشعبي قرابة المئة جنيه. هذه المؤشرات اليومية البسيطة تدل على عمق الانحدار في مستوى معيشة الأسر المتعلمة والكادحين معًا. فالفقر المدقع اتسعت دائرته لتشمل كثيرين ممن كانوا يصنفون أنفسهم مستورين، وبالمعايير النسبية أصبحوا هم أيضًا “جياعًا“ وإن كان جوعهم لا يعني بالضرورة سوء تغذية حاد بقدر ما يعني حرمانًا من أساسيات اعتادوا عليها وإحساسًا بالعجز والإذلال.
يربط نعيم بين هذه التحولات الاجتماعية وبين تصاعد المخاوف والهواجس في الخطاب العام. ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح “ثورة الجياع” في الإعلام التحذيري، وأخذ البعض يلوح به كفزاعة تنذر بأن الفقراء إذا انتفضوا فسيأكلون الأخضر واليابس. لكن نعيم يفكك هذا المصطلح أيضًا، موضحًا أن من يطلقونه غالبًا ما يكونون من أبناء الطبقات العليا أنفسهم. إنهم يتحدثون عن “الجياع” بصيغة الغائب بينما الحقيقة أنهم يصفون حال شريحة كبيرة من المجتمع المصري أصبحت “إما تحت خط الفقر أو على حافته”. والمفارقة – كما يشير – أن كثرًا ممن يحذرون من ثورة الجياع قد أصبحوا جياعًا بالمعايير النسبية من دون أن يدروا أنهم يتحدثون عن أنفسهم.
ففي اللحظة الراهنة، التبدلات العنيفة التي وقعت في بنية المجتمع – وأبرزها الإفقار الشديد للطبقة الوسطى المصرية كما عرفناها – تعني أن أي انفجار اجتماعي لن يكون صراعًا بين فقراء وأغنياء بقدر ما سيكون صراعًا بين الغالبية الساحقة التي طحنها البؤس وبين قلة معزولة استفادت من الوضع القائم.
من هي هذه القلة المستفيدة؟ يرسم نعيم مشهدًا كاريكاتوريًا لها: شاب يجلس على شاطئ منتجع فاخر يحتسي مشروب الطاقة بينما يدخن الشيشة، وبجواره فتاة ترتدي لباسًا عصريًا جريئًا. هذه الفئة الصغيرة المترفة – والتي يسمي حالتها الاجتماعية “جربوعية”، في دلالة تهكمية على ابتذالها وانفصالها عن واقع الغالبية – هي وحدها صاحبة المصلحة في الخوف من غضب الجموع. أما السواد الأعظم ممن تهشموا في السنوات الأخيرة، فلم يعد لديهم ما يخسرونه من تبدل المعادلة الاجتماعية؛ بل على العكس، قد يرجون تغييرًا يعيد التوازن ولو قليلًا. من هنا يرى نعيم أن التخويف من ثورة الجياع ليس إلا أداة أيديولوجية بأيدي الفئة الحاكمة وحلفائها لإبقاء الوضع الراهن، تمامًا كما كان خطاب الحل الفردي مخدرًا لإطالة أمد الصبر.
في الحالتين، يتم تغييب النقاش الحقيقي عن بدائل منطقية وعاقلة يمكن أن تنتشل المجتمع من مسار الفوضى المنظمة التي ينحدر فيها. والمشكلة الأكبر التي يشخصها نعيم هنا، هي حالة الشلل السياسي وغياب الحركة المنظمة القادرة على تخيل مستقبل مختلف. لقد انكفأت الطبقة الوسطى على تدبير أزماتها اليومية وانكمش المجال العام تحت الضغط الأمني، فغاب الحوار المجتمعي الواعي الذي يمكن أن يطرح المخاوف على الطاولة ويحولها إلى قوة دافعة للتغيير الإيجابي.
إقرأوا أيضاً:
نقد الدولة الوطنية وأساطير الاستقرار
يشغل نقد الدولة الوطنية المصرية مكانة خاصة في مشروع محمد نعيم، إذ يفرد له مساحة معتبرة من التحليل التاريخي والسياسي. يعيد نعيم النظر في الروايات الرسمية المترسخة حول الدولة المصرية الحديثة، ويضعها تحت مجهر النقد، كاشفًا عن محدودية أفق المشروع الوطني الذي قادته النخب التقليدية في القرن العشرين، وعن المفارقات التي أحاطت بنشوء دولة ما بعد الاستعمار. فمن منظور نعيم، لم يكن المشروع الوطني الذي قادته البرجوازية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين مشروعًا تحرريًا جذريًا كما يُتصور أحيانًا، بل كان مشروعًا معتدل الطموح حتى النخاع.
يقول نعيم صراحة إن طبيعة الطبقة المهيمنة على الحركة الوطنية آنذاك – “الباشوات من زعماء حزب الوفد وأمثالهم” – انعكست في تواضع خيالها السياسي. هذه طبقة تكونت في ظل الهيمنة البريطانية، وهدفها الأسمى كان انتقالًا محدودًا للسلطة يضمن مصالحها بدل أي تغيير اجتماعي عميق.
يشير نعيم إلى أطروحة المؤرخ الراحل صلاح عيسى عن “الكتلة التاريخية” التي قادت ثورة 1919، وكيف أنها افتقدت الرؤية لتغيير البنية الاجتماعية الاستعمارية جذريًا. ولما حاول جمال عبد الناصر بعد 1952 أن يدفع حدود هذا الأفق مستفيدًا من ظرف دولي مواتٍ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اعترضته عقبتان كبيرتان بحسب نعيم: أولاهما قصور الإرث الوطني الداخلي المشار إليه، وثانيهما زرع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة.
هنا يبرز واحداً من أهم أفكار نعيم: دور وجود إسرائيل في تعويق تطور الدولة الوطنية المصرية على مدار العقود اللاحقة. يذكرنا نعيم بأن تأسيس دولة إسرائيل كقاعدة استعمارية في المنطقة كان موجهًا “لنا نحن بالأساس”، وقد تأسس على سلسلة من الانتصارات المتتالية أحرزها هذا الكيان رسخت قدمه وأوجدت واقعًا جديدًا تمامًا. نتيجة ذلك، وجدت الدولة المصرية نفسها منذ 1948 في حالة استنفار وتهديد وجودي مستمر، ما جعل القضية الوطنية (الأمنية/القومية) تطغى بشكل كاسح على بقية القضايا الداخلية.
يشرح نعيم هذه الفكرة ببلاغة: منذ منتصف القرن العشرين أصبحت الأجندة الوطنية المصرية منحازة إلى معركة البقاء أمام العدو الخارجي، على حساب أجندة العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي الداخلي. صحيح أن ناصر حاول المزج بين الاثنين عبر مشروع تحرري عربي واجتماعي، لكن حضور إسرائيل “كعدو استعماري مزروع” عجل بعسكرة الدولة المصرية وأولويتها للأمن القومي فوق كل اعتبار.
هكذا يرى نعيم أن كثيرًا من العلل التي نعانيها – كهيمنة الجيش والمؤسسة الأمنية على السلطة وتغولها – يعود جزء كبير منها إلى هذا الظرف التاريخي المتمثل في وجود إسرائيل. لقد طغت القضية الوطنية على القضية الاجتماعية وقضية الحريات في مصر منذ 1948 وما تلاها، ما أدى إلى تأجيل مستمر للاستحقاقات الديمقراطية والاقتصادية الداخلية بدعوى الخطر الخارجي الداهم.
لكن نقد نعيم للدولة الوطنية لا يتوقف عند حدود التاريخ البعيد، بل يطاول أيضًا الخطاب السياسي المعاصر وألاعيبه في تزييف وعي الجمهور. يلفت الانتباه إلى ما يسميه “الفانتازيا السالبة” في خطاب السلطة الحالية: تلك التخويفات غير الواقعية التي يتم التلويح بها كلما برز تحدٍّ سياسي أو معارضة داخلية. من أبرز هذه الفزاعات المتكررة فزاعة تقسيم مصر أو تفكيك الدولة.
يقول نعيم إن مجرد الحديث عن احتمال “تقسيم مصر” هو كارت ممجوج يظهر في الإعلام لشيطنة أي حراك أو احتجاج، على رغم أنه “لم يحدث في تاريخ مصر أن طرحت أي حركة سياسية جادة فكرة الانفصال أو التقسيم”. يستعيد هنا حادثة تداولها الإعلام المصري في الثمانينات عن مزاعم إنشاء “دولة قبطية في صعيد مصر” خلال اضطرابات أمنية في أسيوط. يروي نعيم كيف رد حينها البابا شنودة – رئيس الكنيسة الأرثوذكسية – على مذيع سأله عن تلك الفكرة بقوله الساخر: “يعني لو أسيوط انفصلت هاحتاج فيزا عشان أروح بني سويف؟
“يحلل نعيم هذه الظاهرة مبينًا ألا أساس واقعيّ لها على الإطلاق: “الشعب المصري شديد التجانس” كما يؤكد، فلا النوبة تريد الانفصال على رغم ما عانته من تهجير، ولا سيناء يمكن أن تنفصل (بل مشكلتها خطر الغزو الخارجي كما حدث في 1967). بالتالي، من يلوح بورقة التقسيم هو في الحقيقة يعبر عن مخاوفه الذاتية كجزء من السلطة من فقدان السيطرة، أو يسعى متعمدًا إلى تخويف الناس من أي تغيير محتمل.
يصف نعيم هذا الخطاب صراحة بأنه “كلام تافه وفارغ غرضه إخافة الناس”، ويصنفه ضمن “الفانتازيات السلبية” التي تفتقر الى المنطق وتنتشر بدرجة اللاعقلانية نفسها كالأوهام الإيجابية (مثل أحلام الثراء المفاجئ). في كلتَي الحالتين – التخويف المبالغ أو التمني الساذج – يكون القاسم المشترك هو التنصل من المسؤولية وإلقاء مصير البلد إما على قوى كونية غامضة أو مؤامرات خارجية. أما السلطة الحاكمة، فهي – كما يصورها نعيم – تعتمد هذا التكتيك للهروب من المحاسبة الشعبية: ترفع شعار “نحن أو الفوضى” لتمنع أي مساءلة حقيقية عن أدائها وفشلها في تلبية احتياجات الناس.
يعيد نعيم تذكيرنا بحقيقة بديهية يحاول خطاب الدولة طمسها: وهي أن المصريين قادرون على التغيير عندما تتوافر الفرصة وتشتد الضرورة. سبق لنعيم أن سجل في إحدى مقالاته أن المصريين عبر تاريخهم الحديث “ما فوتوش فرصة” أتيحت لهم لاكتساب معرفة أو ترقّ اجتماعي إلا واقتنصوها، داحضًا المقولة المتشائمة أن “طبع المصريين الثبات وعدم القابلية للتغيير عبر آلاف السنين”.
لقد تغيّر المصريون كثيرًا وفي زمن قصير كلما انفتحت أمامهم أبواب العالم وأفكاره الجديدة – من انبهار رفاعة الطهطاوي بباريس في القرن التاسع عشر إلى اعتناق العمال أفكار العدالة الاجتماعية مطلع القرن العشرين. المشكلة إذًا ليست في “طبع” الشعب، بل في قمع الدولة لأي محاولة لتنظيم هذا التغيير ضمن حراك سياسي ذي معنى.
ينبه نعيم إلى مفارقة لافتة: مصر هي بلد الصراع الطبقي بامتياز – الىى درجة أن السلطة جرمت هذا الصراع قانونيًا. فالقوانين المصرية منذ زمن الاحتلال البريطاني ثم عهد الاستقلال حرمت تأسيس أحزاب شيوعية أو ذات أساس طبقي، وظل ذلك قائمًا عقودًا طويلة. لقد اعتُبر النشاط الشيوعي جريمة قانونًا، فقط لأن الدولة أدركت عمق الحضور الكامن للصراع الاجتماعي الحقيقي وخشيت ترجمته إلى تنظيم سياسي. هكذا تعيش مصر مفارقة أن دستورها الاجتماعي غير المكتوب قائم على الفرز الطبقي الحاد، بينما دستورها السياسي المكتوب يمنع التعبير الصريح عن هذا الفرز. يعلق نعيم أن الصراع الطبقي حاضر “في كل لحظة” على أرض الواقع المصري، لكن تمثيله سياسيًا “ممنوع تمثيله”، وكأنه مسرحية محظورة.
الاجتماع المصري والتحولات العالمية
لا ينظر محمد نعيم إلى المجتمع المصري بمنأى عن العالم وتحولاته، بل يؤكد في مشروعه التلازم الوثيق بين الداخلي والخارجي. فهو كثيرًا ما يربط الأحداث الجارية في مصر والسلوكيات الاجتماعية السائدة فيها بأصداء تطورات عالمية أوسع – سياسية كانت أم اقتصادية. يتنقل نعيم بسهولة في تحليلاته بين حارة مصرية شعبية وبين أروقة واشنطن وموسكو، ليبين كيف يرسم الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية ملامح الحياة اليومية للمصريين، وكيف يتفاعل المصريون بدورهم مع تلك التحولات الكونية.
من الناحية التاريخية، يلفت نعيم إلى أن مصر لم تكن يومًا جزيرة معزولة؛ فمنذ الحملة الفرنسية عام 1798 وهي منخرطة في دوامة التحديث العالمي بحلوها ومرها. يروي نعيم واقعة ذات دلالة من مطلع القرن التاسع عشر: عندما حوكم الشاب السوري سليمان الحلبي وأُعدم في مصر لاغتياله الجنرال كليبر قائد الاحتلال الفرنسي، سجل المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي دهشته من إجراءات المحاكمة الحديثة التي أقامها الفرنسيون – قضاة نظاميون، ونيابة عامة، ومحامٍ للدفاع عن متهم اعترف سلفًا بجريمته.
لم يفهم الجبرتي مغزى هذه الإجراءات لأن مفهوم سيادة القانون الحديث وحقوق المتهمين كان لا يزال جديدًا على العالم بأسره، بالكاد وُلد مع الثورة الفرنسية 1789.
يشير نعيم إلى أن الفجوة الزمنية بين إعلان حقوق الإنسان في فرنسا وبين اندهاش الجبرتي من محاكمة 1800 لم تتجاوز الـ 11 عامًا، وهي فترة قصيرة تاريخيًا. لكن خلال العقود اللاحقة – 40 أو 50 سنة فقط – كانت مصر شهدت تحولات فكرية كبرى: ظهرت فيها طلائع ليبرالية، وحركات إحياء إسلامي، بل وحتى تيارات فوضوية واشتراكية. كل ذلك حدث بمجرد أن أتيحت للمصريين نافذة على العالم الخارجي وعلومه وأفكاره في القرن التاسع عشر.
هذه القصة التاريخية تعني الكثير لنعيم: فهي دليل على أن التغيير في الاجتماع المصري كان دومًا مرتبطًا بالتفاعلات العالمية واستجابة لها. وأن ما قد يبدو “ثابتًا” في طباع المصريين سرعان ما ينقلب إذا تبدلت الشروط والمعطيات المحيطة.
في عالمنا المعاصر، يرصد نعيم أمثلة صارخة لكيفية تشابك المصير المصري مع التحولات العالمية. فالأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المصريون اليوم ليست منفصلة عن سياق أوسع من هيمنة النظام الرأسمالي العالمي الذي يمر بدوره بأزمة.
يشير نعيم إلى أن الولايات المتحدة – مركز هذا النظام – باتت تتصرف بعدوانية غير مسبوقة للحفاظ على موقعها المهيمن، حتى لو أدى ذلك إلى زعزعة استقرار العالم. في إحدى حلقاته التي حملت عنوانًا لافتًا “أميركا أعلنت الحرب على العالم = الرأسمالية أعلنت الحرب على البشر“، يناقش نعيم قرارات الإدارة الأميركية فرض تعريفات جمركية شاملة عام 2018 (إبان إدارة دونالد ترامب) باعتبارها إعلانًا لحرب اقتصادية عالمية. يرى نعيم في تلك الإجراءات الأحادية والعدائية مؤشرًا الى دخول الرأسمالية العالمية طورًا من الفوضى المنفلتة، إذ لم تعد الولايات المتحدة مستعدة للقيام بدور الضامن للاستقرار الدولي بل تميل أكثر فأكثر إلى سياسة حافة الهاوية. وينبه إلى أن هذا المزاج العدواني ليس محصورًا في شخص ترامب؛ فقد ساهمت إدارات ديمقراطية أيضًا في تأجيج صراعات كبرى كالحرب في أوكرانيا، ما يدل على نسق عام في السياسة الأميركية.
أهمية هذا التحليل لدى نعيم تكمن في إسقاطه على الحالة المصرية: فهو يلمح أن انخراط مصر الأعمى في تحالفات دولية أو تبعيتها لسياسات اقتصادية عالمية متهورة، يعرّضان سلامتها لمخاطر جسيمة. فعندما تتصارع الأفيال، تدوس العشب تحتها – والعشب هنا هو دول نامية مثل مصر.
غير أن أخطر التشابكات العالمية في نظر نعيم هي تلك التي تدور في محيط مصر الإقليمي الساخن. ففي حلقاته الأخيرة، توقف مطولًا عند الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران وتداعياتها المحتملة على مصر والمنطقة. بدأ إحدى الحلقات باقتباس شهير من الثوري الروسي ليون تروتسكي: “قد لا تكون مهتمًا بالحرب، لكن الحرب مهتمة بك”. وهذا القول يلخص فلسفة نعيم في هذا الصدد: ربما ينأى المصري العادي بنفسه عن صراعات الشرق الأوسط، لكن هذه الصراعات ستطرق بابه عاجلًا أم آجلًا.
يذكّر نعيم مشاهديه بأننا نعيش لحظة حرب جديدة في الشرق الأوسط، تختلف عن سابقاتها من الحروب الإقليمية بأنها مفتوحة على كل الاحتمالات. فبعد سنوات من مشاهد القتل والتدمير في سوريا واليمن وليبيا، وصل التوتر إلى صراع مباشر بين إسرائيل وإيران – خصمين إقليميين كبيرين – الأمر الذي “يعرض البشرية كلها للخطر” كما يقول. ويتحدث نعيم بانفعال عن مشاهد غير مسبوقة: رئيس أكبر دولة في العالم (الولايات المتحدة) يخاطب عبر منصات التواصل الاجتماعي سكان عاصمة إقليمية كطهران مطالبًا إياهم بإخلاء مدينتهم فورًا؛ إسرائيل تنفذ عمليات اغتيال بتقنيات غامضة (تفجير هواتف وأجهزة اتصال عن بعد) ضد كوادر عسكرية إيرانية وحلفائها؛ ورئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتانياهو يظهر مخاطبًا الشعب الإيراني بلغة الوصي داعيًا إياهم لقلب نظامهم.
هذه التطورات تدل لدى نعيم إما على حالة انهيار في منظومة الردع الدولية، أو على امتلاك القوى العظمى أسلحة خفية جديدة تغريها بالتصرف بطيش وغرور غير مسبوق. ويشبه نعيم هذا الطور بما فعلته الولايات المتحدة حين امتلكت القنبلة الذرية عام 1945: ألقتها على هيروشيما ثم عاودت إلقاء أخرى على ناكازاكي لمجرد إثبات هيمنتها المطلقة، معلنة بذلك قواعد لعبة دولية جديدة قوامها الرعب النووي. لكن كما ظهر لاحقًا، لم تحتكر واشنطن ذلك السلاح طويلًا، إذ امتلكه خصومها الواحد تلو الآخر. الرسالة التي يستخلصها نعيم: أي تفوق عسكري نوعي لقوة ما يجرّ العالم كله إلى معادلة رعب جديدة، ودورة سباق تسلح ربما لا تنتهي إلا بإفناء الحضارة الإنسانية.
من منظور مصر، يعني ذلك أن تجاهل النار المشتعلة في الجوار ليس خيارًا آمنًا. يستحضر نعيم مبدأ الأواني المستطرقة الشهير: ما يصب في وعاء منها يفيض في البقية. يقول إن ما تتعرض له غزة من إبادة على يد إسرائيل – وهي تُعامَل كـ”نصف إقليم صغير فقير يمكن إبادته إن تمرد” – لن يظل محصورًا هناك.
إذا سُمح بتطبيع تلك الوحشية ضد جزء من البشر، فإن عدواها ستعم الجميع في النهاية. وبالفعل، يرى أن الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الناشبة حاليًا هي امتداد منطقي لانحطاط السقف الأخلاقي العالمي بعد التغاضي عن الفظائع في فلسطين. فمن يضمن ألا تُمارس القوة العمياء نفسها ضد شعوب أخرى إذا سنحت الفرصة؟ بل من يضمن ألا تُهدد إسرائيل النووية – التي يصفها نعيم بأنها أصبحت “داعش يهودية” في طورها الراهن – باستخدام سلاحها الرهيب ضد عواصم عربية إذا واجهت خطرًا وجوديًا؟
ويشير إلى أن إسرائيل لم تتورع عن التلويح الضمني بالفناء النووي لخصومها، وهي الأكثر تطرفًا قوميًا ودينيًا في تاريخ المنطقة الحديث. من هنا يصل نعيم إلى طرح استراتيجي جريء: إذا كان الشعار التقليدي لمصر هو شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، فإن تحقيق ذلك لا يكون بإدانة طموح إيران النووي فقط بينما تحتكر إسرائيل ترسانة نووية ضخمة. بل إما أن تنزع قدرات إسرائيل النووية قسرًا – وذلك شبه مستحيل حاليًا – أو تمتلك دول المنطقة جميعًا القدرة النووية الرادعة ليتم نزعها جماعيًا. بكلمات أخرى، لا يمكن القبول باحتكار إسرائيل السلاح النووي فيما قيادتها تتبنى عقلية إباديّة موثقة الأفعال.
قد تختلف أو تتفق مع أطروحات نعيم، لكنها تعكس إيمانًا عميقًا لديه بأن مصير الاجتماع السياسي المصري مربوط بمصير محيطه والعالم. فحين ينظر إلى الخريطة الكبيرة، لا يفعل ذلك من قبيل التنظير الأكاديمي، بل ليستشرف انعكاس كل موجة عالمية على الداخل المصري.
شبه نعيم عملية الخصخصة ونهب الأصول العامة التي حصلت في مصر خلال عقود الانفتاح والتكيف الهيكلي، بما حدث في روسيا عقب سقوط الاتحاد السوفياتي. يشير إلى أن روسيا في التسعينات شهدت ربما “أكبر عملية نهب منظم لأصول عامة في تاريخ البشرية” حين وزعت ثروات الدولة على حفنة من المحظيين الذين تحولوا إلى أقلية من الأوليغارشية الثرية. ويعلق بأن مصر سبقت روسيا في هذا المضمار – ولكن بطريقة أكثر تدرجًا ومواربة. فمنذ السبعينات، بدأت شبكات “الجنيه والكارنيه” (الزواج بين رأس المال الخاص ونفوذ الدولة) بالاستيلاء على مقدرات الاقتصاد المصري تدريجيًا. ومع أن المشهد لم يكن فوضويًا وفجًا تمامًا كما حصل في روسيا يلتسين، إلا أن النتيجة كانت واحدة: إعادة تكوين الطبقة الرأسمالية المصرية من جديد على أسس المحسوبية والاستحواذ الخاص. ومثلما جاء بوتين لاحقًا ليعيد شيئًا من انضباط الدولة الروسية بعد فوضى النهب، جاء في مصر عهد أحكمت فيه الدولة قبضتها من جديد على الاقتصاد عبر الجيش وأجهزتها – لكن من دون مساس جذري بجوهر التفاوت الطبقي المتراكم.
مثل هذه المقارنات العابرة للحدود تزيد فهم المشاهد المصري لبلده: فهو يرى مشكلاته ليست استثناءً فريدًا، بل لها نظائر في تجارب أمم أخرى مرت بتحولات مماثلة تحت مظلة النظام العالمي السائد.
إلى أين يمضي المصير؟
أضحى المظهر يغالب الجوهر، والخوف يتغلب على الأمل، والوهم الفردي يحجب الرؤية عن الخطر الجماعي. نجح محمد نعيم عبر حلقاته في إظهار كم التصدعات التي أصابت البنية الاجتماعية: طبقة وسطى ممزقة بين تطلعات العصامية وواقع الجربعة، دولة وطنية تتشبث بقشرة الاستقرار بينما تضطرب في الداخل تحت وطأة الفشل التنموي، مجتمع خائف من فوضى يتخيلها من دون أن يدرك أن الفوضى الفعلية تغزو حياته بالفعل على شكل “تعميم البؤس”اليومي. على أن مشروع نعيم ليس مشروع تيئيس، بل هو جرس إنذار ومشروع وعي. إنه يدعونا إلى مواجهة حقائقنا كما هي، بلا مساحيق ولا أقنعة، علّنا نفيق من غفلة المخدرات الفكرية التي أدمنّاها طويلًا.
في النهاية، يتركنا محمد نعيم أمام سؤال مفتوح لا مفر من التأمل فيه: ما هو مصير الاجتماع السياسي المصري في السنوات المقبلة؟ هل تستمر الحلقة المفرغة: طبقة وسطى تزداد هشاشة فتزداد تبعية وخوفًا، وسلطة تتشبث بشرعيات بالية وتزداد استبدادًا، ومجتمع ينكمش على همومه اليومية بينما تعصف به أمواج العالم من حوله؟ أم نشهد ولادة وعي جديد – و ربما حراك جديد – يستعيد للمصريين زمام مصيرهم الجماعي؟
لا يدعي نعيم امتلاك إجابة جاهزة، لكنه يقدّم لنا أدوات الفهم والتحليل وأضواءً كاشفة لما يحدث خلف الستار. في عالم محمد نعيم، التفاؤل الحذر ممكن إذا ما تخلصنا من أوهامنا الخادعة. لقد حان الوقت كي نطرح على أنفسنا بصراحة الأسئلة الصعبة التي يطرحها هو علينا: ماذا لو كان “الأسوأ قد أتى بالفعل” ولم نعِ ذلك إلا متأخرين؟ وماذا لو كانت لدينا أيضًا فرصة لصناعة “ما هو أحسن” إن امتلكنا الرؤية والإرادة؟ بين الخوف من المجهول والأمل في التغيير، يقف الاجتماع المصري على مفترق طرق تاريخي. والأكيد أن مصيره – مثل ذلك البائع وزبونه – لن يتغير حقًا بتبديل الجلابيب أو الواجهات، بل بتغيير جوهري في طريقة فهمنا لذاتنا الجماعية وبنائنا لمستقبلنا المشترك. هل نحن مستعدون لذلك؟
إقرأوا أيضاً:












