ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

صفقة أسهم بقيمة 79 مليون يورو تربط بنك IBL اللبناني بتاجر مخدرات إيطالي!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في دولة لا تزال محاكمها تتعثر في ملاحقة ومحاسبة كبار المتورطين في الانهيار المالي، يطرح ملف بنك IBL وسواه من الملفات التي يكشفها القضاء الأجنبي سؤالاً أعمق: هل يملك لبنان فعلاً القدرة والإرادة لمحاسبة أي طرف مصرفي يثبت، أمام القضاء، أنه سهّل، عن علم أو عن تقصير جسيم، مرور أموال منظمات الجريمة الدولية عبر النظام المالي اللبناني؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تفاجأنا في “درج” باتصال من شركائنا الدوليين في الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) حول بنك IBL. لم تكن لدينا معطيات كثيرة عن هذا المصرف، سوى أنه يضم عدداً من الأشخاص المكشوفين سياسياً، أو ما يُعرف بـ”الـ PEPs” (Politically Exposed Persons)، في مجلس إدارته، من بينهم النائب والوزير السابق إيلي الفرزلي، والنائب والوزير الراحل محمد بيضون، فضلاً عن رئيس مجلس الإدارة النائب السابق سليم حبيب.

لم نكن قد أجرينا بحثاً معمّقاً عن بنك IBL من قبل، إذ لم يكن في مقدمة المصارف التي ثبت تورطها مع حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. غير أننا اليوم اكتشفنا جزءًا مما كان مخفياً: فبنك IBL ليس مجرد مصرف يضم أشخاصاً مكشوفين سياسياً، بل إن ما أفضى إليه شركاؤنا يتخطى ذلك بمراحل.

فخلال التحقيقات حول تاجر المخدرات الإيطالي جياكومو تامبوريللو، تبيّن، أنّ زوجته السابقة ماريا أنتونينا برونو وابنه لوكا تامبوريللو يملكان شركة “سينزانو المحدودة” (Cinzano Ltd) المسجّلة في جزر كايمان. ووفقاً للمدّعين العامين الإيطاليين، في 6 كانون الأول/ ديسمبر عام 2021 اشترت شركة “سينزانو المحدودة” 682,240 سهماً في بنك IBL من شركة “ماردِكو إس إيه” (Mardeco Sa)  المسجّلة في جزر فيرجن البريطانية. وتُقدَّر قيمة الصفقة بـ 79 مليون يورو. 

ما موقع بنك IBL في قضية الإتجار بالمخدرات التي يحقق فيها القضاء الإيطالي؟

توصّل المحققون الإيطاليون إلى أن شركة “سينزانو المحدودة” تعود ملكيتها إلى ماريا أنتونينا برونو ولوكا تامبوريللو، الزوجة السابقة ونجل جياكومو تامبوريللو، الذي تشير أحكام صدرت بحقه في إيطاليا إلى إدانته في قضايا الإتجار بالمخدرات. 

وبحسب التحقيقات الإيطالية، يُتَّهَم كل من برونو ولوكا تامبوريللو بتوظيف عائدات الإتجار بالمخدرات في شراء أصول عدّة، من بينها، وفقاً لتلك التحقيقات، حصة قدرها 3.5 في المئة من أسهم بنك IBL بتاريخ 6 كانون الأول/ ديسمبر 2021، تُقدَّر قيمتها بنحو 79 مليون يورو، وهو الاستثمار الأبرز لشركة CINZANO Ltd التي تصفها التحقيقات الإيطالية بأنها إحدى الأدوات المالية الأحدث التي استخدمها جياكومو تامبوريللو لتوظيف عائدات الإتجار بالمخدرات، بحسب ما يرد في الأمر القضائي بتطبيق تدبير احترازي شخصي ومرسوم الحجز الاحتياطي. تامبوريللو هو أحد الوسطاء الماليين الذين أدّوا دوراً محورياً في إدارة عائدات تجارة المخدرات لصالح زعيم المافيا الصقلية ماتيو ميسينا دينارو، وبأنهما تشاركا ثروة تقدَّر بأكثر من 200 مليون يورو موزّعة بين إسبانيا وجزر فيرجن البريطانية وأندورا ولبنان وغيرها من الملاذات الضريبية.

 ولا تشير الوثائق الإيطالية التي اطلع عليها “درج” حتى الآن إلى مشاركة بنك IBL نفسه في هذه الأفعال، بل إلى استخدام أسهمه ضمن محفظة استثمارات شركة Cinzano Ltd.

لكنّ المحققين أيضاً عثروا على أدلة تُشير إلى أن صلة العائلة ببنك IBL تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: إذ تُسجِّل مذكرة داخلية في كانون الثاني/ يناير 2013 أن برونو صرَّحت بأنها لا ترغب في الاستثمار في أحد البنوك في الخارج لأن العوائد أدنى مما يُتيحه “البنك الذي تُشارك فيه بصفتها شريكة”، وهو ما فسَّره المحققون على أنه إشارة إلى بنك IBL، ما يشير إلى أنّ برونو كانت تحمل صفة المساهمة في بنك IBL منذ عام 2013 على الأقل. لكن المحكمة لم تتمكن رسمياً إلا من توثيق صفقة شراء الأسهم عام 2021.

لا بدّ من الإشارة الى أنّ الحسابات المصرفية والاستثمارات التي تحتفظ بها شركة CINZANO Ltd هي في لوكسمبورغ، وتحديداً في BEMO Europe Banque Privée. فأسهم بنك IBL محتفَظٌ بها ضمن محفظة أوراق الشركة المالية لدى هذا المصرف.

حتى آب/ أغسطس 2025، تضمّنت أصول شركة CINZANO Ltd في لوكسمبورغ:

أ-  أوراقاً مالية في BEMO Europe بقيمة تزيد عن 7 ملايين يورو منها:

أسهم في شركات عدّة كـ Nestlé SA وغيرها. 

سندات في جهات عدة، من بينها جمهورية النمسا، مجموعة OBEGI، Pfizer، Philip Morris، Shell، Total Energies، الخزانة الأميركية، Walt Disney وغيرها.

معادن ثمينة (12 كغ من سبائك الذهب + 163 أوقية ذهب).

ب- حسابات جارية بعملات عدة (دولار أميركي، فرنك سويسري وجنيه استرليني) بقيمة نحو 57 ألف دولار. 

ج- الحصة في بنك IBL Bank S.A.L،  نحو 79 مليون يورو (3.5 في المئة من الأسهم)، وهي الأكبر بين أصول الشركة.

لم يكن بإمكان جياكومو تامبوريللو التعامل شخصياً في الأسواق المالية بسبب وضعه القضائي، فلجأ إلى الاستثمار عبر شركات وأشخاص واجهة. فوُجِّهت صفقة الشراء عبر شركة زوجته (السابقة) المسجَّلة في جزر كايمان، التي اشترت الأسهم من شركة مسجَّلة في جزر فيرجن البريطانية هي MARDECO S.A، وليست هناك معلومات واضحة حول هذه الشركة حتى اللحظة.

بناءً على ذلك، تأسست شركة CINZANO Ltd في جزر كايمان بتاريخ 6 نيسان/ أبريل 2011، ومنذ تأسيسها، يتولى إدارة الشركة كلٌّ من ماريا أنتونينا برونو (المالكة الفعلية للشركة) وابنها لوكا تامبوريللو.

تتضمّن التهم الموجَّهة بحق جياكومو تامبوريللو التدوير الذاتي، بالإضافة إلى توظيف العائدات غير المشروعة بحق ماريا أنتونينا برونو ولوكا تامبوريللو، وعائدات تهريب المخدرات خلال الفترة الممتدة من عام 1983 حتى عام 2017.

استعان جياكومو تامبوريللو بعدد من الشركات الأجنبية المسجَّلة باسم برونو، وابنه لوكا، وغيرهما، منها سينزانو، بهدف تنفيذ عمليات متعددة لإيداع الأموال وتحويلها عبر حسابات مصرفية عدّة في دول مختلفة، واستخدمها لشراء العقارات والمعادن الثمينة كالذهب بشكل أساسي،  وأسهم في شركات ومصارف وأوراق وأدوات مالية مختلفة، ذلك كله لتبييض الأموال وإخفاء العائدات الجرمية لتجارة المخدرات. 

يقضي أمر المحكمة، الصادر في 4 أيار/ مايو 2026، بالحجز الاحترازي على الأصول. فصدر قراران متوازيان: أحدهما إلى لوكسمبورغ، لتجميد حسابات شركة CINZANO Ltd ومحفظتها الاستثمارية لدى بنك BEMO Europe Banque Privée، مع الإشارة الصريحة إلى أن حصة بنك IBL المصرفية، وهي “أبرز مشاركة في رأس المال”، مشمولة بهذا الحجز. والقرار الآخر  إلى إسبانيا لتجميد جميع العقارات والحصص في الشركات والحسابات المصرفية العائدة إلى الأشخاص المذكورين آنفاً. 

لم يردّ البنك على أسئلة “درج” حول “سينزانو”. 

مَن هم أبرز مساهمي IBL؟

أُسِّس بنك IBL (المعروف سابقاً ببنك إنتركونتيننتال للبنان) عام 1961 في بيروت، ومرّ بتحولات وتغيّرات عدة قبل أن يعيد مجلس الإدارة تسميته بـ”بنك IBL” عام 2008. بحلول نهاية عام 2024، بلغ إجمالي الأصول نحو 222.6 تريليون ليرة لبنانية (ما يعادل تقريباً 2.5 مليار دولار أميركي بحسب السعر الرسمي)، مع 14 فرعاً في لبنان.

بالإضافة إلى “سينزانو”، لدى البنك مساهمون عدة، أهمهم نائب رئيس مجلس النواب والوزير السابق إيلي الفرزلي. الّا أنّ الاسم الذي جاء مفاجئًا كعضو في مجلس الإدارة (غير مساهم) هو اسم القاضي عماد قبلان.

تظهر لائحة أعضاء مجلس الإدارة اسم قبلان، المدعي العام السابق لدى محكمة التمييز اللبنانية، والذي تولّى خلال مسيرته ملفات بارزة من بينها حظر سفر رياض سلامة وإجراءات الإنتربول المتعلقة بكارلوس غصن. وحضوره في مجلس إدارة بنك تجاري بعد شغله هذا المنصب الرفيع يطرح، من منظور الحوكمة، أسئلة جدّية حول تضارب المصالح وحدود الفصل بين الوظيفة القضائية السابقة والمصالح المصرفية الخاصة.

اللافت في قضية عماد قبلان أن اسمه ورد للمرة الأولى في الإصدار السنوي لعام 2024 الصادر عن دليل جمعية المصارف اللبنانية (ABL Almanac)، في حين لم يكن مذكوراً في إصدار عام 2022.  لكن على موقع بنك IBL الإلكتروني، الذي يبدو أنه غير محدَّث، ورد ما يلي: “انتُخب الأعضاء الحاليون لمجلس إدارة بنك IBL sal في اجتماع الجمعية العمومية العادية المنعقد في 3 آب/ أغسطس 2017، ويشغلون مناصبهم لفترة تنتهي في تاريخ الجمعية العمومية العادية التي ستنظر في حسابات ونشاط السنة المالية 2019”. ويتضمن مجلس الإدارة المذكور اسم عماد قبلان.

وأحيل قبلان كقاضٍ إلى التقاعد في تموز/ يوليو 2023، ومن ثَمّ فإن أي انتساب له إلى مجلس إدارة البنك، في ضوء حساسية موقعه السابق، يُثير مخاطر واضحة لتصوّر تضارب المصالح في الرأي العام، حتى لو تمّ هذا الانتساب بعد التقاعد وبما لا يخالف النصوص القانونية النافذة حالياً.

وأفاد مصدر لـ”درج” بأن قبلان انضم إلى مجلس الإدارة بعد أشهر قليلة من تقاعده، إلا أن “درج” لم يتمكن من التحقق المستقل من هذه المعلومة. وإذا صحّ هذا التوقيت، فهو يُغذّي النقاش الحقوقي حول الحاجة إلى قواعد أكثر صرامة تنظّم انتقال القضاة المتقاعدين إلى مجالس إدارة مصارف تجارية.

لم يرد القاضي عماد قبلان على أسئلة “درج” حتى تاريخ نشر التحقيق.

أهم المساهمين في البنك، بحسب الإصدار السنوي لعام 2024 الصادر عن دليل جمعية المصارف اللبنانية (ABL Almanac)، هم: 

1. سليم حبيب يملك حصة 12.50 في المئة من أسهم البنك، وشغل منصب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام منذ عام 1998، حين قاد مجموعة المستثمرين التي استحوذت على البنك. وهو أكبر المساهمين الأفراد بحصة 12.50 في المئة من رأس المال. وكان عضواً في البرلمان اللبناني سابقاً. 

2. شركة كريديت بنك SAL  تملك حصة 10.84 في المئة من أسهم البنك.

3. شركة Bicom SAL Holding، تملك حصة 9.58 في المئة، وهي شركة قابضة لبنانية مرتبطة بعائلة البزري. وممثلها في مجلس إدارة بنك IBL هو مازن البزري، المعروف برئاسته لمجموعة Biven International وBicorp Holding وCity Developers Lebanon، فضلاً عن عضويته المؤسِّسة في مجلس أمناء منظمة Ajialouna.org الخيرية. 

4. كمال أبي غصن: المدير العام المساعد والعضو المُفوَّض في مجلس إدارة بنك IBL، يمتلك حصةً شخصية بنسبة 8.51 في المئة. وهو ثاني أعلى المسؤولين التنفيذيين في البنك، ومُدرَج رئيساً لـ ACI Lebanon، جمعية الأسواق المالية، الهيئة المهنية للمتخصصين اللبنانيين في مجالَي الخزينة والعملات الأجنبية. 

علم “درج” من بعص المصادر، أنّ سليم حبيب تنحى عن رئاسة مجلس الإدارة واستلم الإدارة مكانه من جهة ابنه كريم حبيب، وهو مساهم في البنك وعضو في مجلس الإدارة ممثلًا لـ IBL Independent sal، ومن جهة أخرى شريكه كمال أبي غصن.

5. شركة Trydnt SAL Holding، تملك 9.70 في المئة من البنك، وهي شركة قابضة مسجَّلة في لبنان. بحسب السجل التجاري اللبناني،  أبرز مساهمي الشركة عائلة موصلي وبشكل أساسي نادر عيسى صالح الموصلي.  

6. الشيخ خالد البراهيم: مواطن سعودي يمتلك 5.69 في المئة من أسهم بنك IBL. 

7. حافظ جميل أبي شاكر، يملك حصة 4.50 في المئة من أسهم البنك، وهو مصرفي لبناني متمرّس، عمل مديراً أول في الخزينة وأسواق رأس المال في بنك لبنان والمهجر بين عامَي 1972 و2005، وقبلها مساعداً في العملات الأجنبية لدى Moscow Narodny Bank (1967-1972). ومنذ عام 2005 يعمل مستشاراً مالياً مستقلاً. كما يمتلك حصة 2.82 في المئة في بنك سيدروس.

8. الأمير السعودي ساجر سلطان السديري، يمتلك 3.62 في المئة من بنك IBL، وهو في الوقت ذاته عضو مستقل في مجلس إدارته. وتُعدّ عائلة السديري من القبائل التي تملك نفوذاً داخل السعودية. 

9. شركة Cinzano Ltd، تملك حصة 3.50 في المئة من أسهم البنك Cinzano ،Ltd وهي شركة مُسجَّلة في جزر كايمان، إحدى أبرز الولايات القضائية المالية الخارجية في العالم. 

10. الراحل محمد عبد الحميد بيضون، يملك حصة 3.43 في المئة، وهو نائب ووزير لبناني سابق. توفي في 17 أيار/ مايو 2022. كان عضواً في البرلمان اللبناني من 1992 إلى 2005، وتولّى حقائب وزارية عدة. 

11. إيلي الفرزلي (مساهم بنسبة 2.01 في المئة): نائب رئيس سابق لمجلس النواب ووزير سابق، تربطه صلات موثّقة بحركة أمل والنظام السوري السابق.

أرباح IBL من هندسات مصرف لبنان

وفقاً للتقرير الجنائي الأولي الذي أعدّته شركة Alvarez & Marsal بشأن مصرف لبنان، حقّق بنك IBL وكياناته المرتبطة أرباحاً ضخمة من منظومة الهندسات المالية التي أقامها مصرف لبنان مع المصارف التجارية. إذ تُشير البيانات المستخرجة من جداول التقرير التحليلية إلى أن ثلاثة كيانات مرتبطة بـ IBL استفادت من هذه المنظومة: بنك IBL SAL وحده جنى نحو 41 مليار ليرة لبنانية عام 2018 و107 مليارات ليرة عام 2020 من عمليات الرافعة المالية على الودائع لأجل (loans under leverage against term deposits)، فيما سجّل بنك إنتركونتيننتال للبنان SAL، الاسم السابق للبنك، ما يزيد عن 106 مليارات ليرة من الأرباح ذاتها عام 2019 وحده وسجل IBL Invest SAL نحو 3.55 مليار ليرة لبنانية أرباح عام 2019 و3.61 مليار ليرة لبنانية عام 2020. فكان مصرف لبنان يمنح المصارف قروضاً بفوائد مدعومة، فتُعيد هذه المصارف توظيف الأموال في أدوات مالية يُصدرها المصرف نفسه، كأذونات الخزينة والودائع لأجل، بأسعار فائدة أعلى، محقّقةً بذلك هامش ربح مضمون وخالٍ من المخاطر على حساب احتياطيات الدولة وأموال المودعين. وتبلغ الأرباح الإجمالية المُقدَّرة لمجموعة IBL من هذه العمليات طوال الفترة الممتدة بين 2017 و2020 نحو 452 مليار ليرة لبنانية، بعد حساب أرباح السنوات الأربع في الكيانات الثلاثة المرتبطة بالبنك: IBL Bank Sal, IBL Invest Bank SAL, Intercontinential Bank of Lebanon.

المصدر: تقديرات الأرباح السنوية مستخرجة من تقرير شركة Alvarez & Marsal الجنائي الأولي بشأن مصرف لبنان. أمّا مجموع الأرباح فهو حساب أعدّه التحقيق استناداً إلى تلك الأرقام.

وجّه “درج” أسئلة مكتوبة إلى بنك IBL للاستيضاح حول طبيعة علاقته بشركة “سينزانو”، وعمّا إذا كان للبنك أي دور مباشر في قبول أو تسجيل حصة Cinzano Ltd في رأسماله، وما إذا كانت قد أُجريت إجراءات العناية الواجبة (Due Diligence) وفقاً للقانون اللبناني عند تقييد هذه الحصة باسم الشركة، إلا أنه لم يرد حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق. وفي ضوء ما تذكره وثائق القضاء الإيطالي عن شبهات غسيل أموال مرتبطة باستثمارات Cinzano، يبقى السؤال المطروح على النظام المصرفي اللبناني أوسع: كيف تُعالَج صفقات استثمارية بهذا الحجم  79 مليون يورو عندما يربطها قضاء أجنبي بعائدات تجارة مخدرات؟

في دولة لا تزال محاكمها تتعثر في ملاحقة ومحاسبة كبار المتورطين في الانهيار المالي، يطرح ملف بنك IBL وسواه من الملفات التي يكشفها القضاء الأجنبي سؤالاً أعمق: هل يملك لبنان فعلاً القدرة والإرادة لمحاسبة أي طرف مصرفي يثبت، أمام القضاء، أنه سهّل، عن علم أو عن تقصير جسيم، مرور أموال منظمات الجريمة الدولية عبر النظام المالي اللبناني؟ وبالتالي فإنّ هذا التحقيق هو بمثابة إخبار للنيابة العامة المالية. 

في دولة لا تزال محاكمها تتعثر في ملاحقة ومحاسبة كبار المتورطين في الانهيار المالي، يطرح ملف بنك IBL وسواه من الملفات التي يكشفها القضاء الأجنبي سؤالاً أعمق: هل يملك لبنان فعلاً القدرة والإرادة لمحاسبة أي طرف مصرفي يثبت، أمام القضاء، أنه سهّل، عن علم أو عن تقصير جسيم، مرور أموال منظمات الجريمة الدولية عبر النظام المالي اللبناني؟

تفاجأنا في “درج” باتصال من شركائنا الدوليين في الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) حول بنك IBL. لم تكن لدينا معطيات كثيرة عن هذا المصرف، سوى أنه يضم عدداً من الأشخاص المكشوفين سياسياً، أو ما يُعرف بـ”الـ PEPs” (Politically Exposed Persons)، في مجلس إدارته، من بينهم النائب والوزير السابق إيلي الفرزلي، والنائب والوزير الراحل محمد بيضون، فضلاً عن رئيس مجلس الإدارة النائب السابق سليم حبيب.

لم نكن قد أجرينا بحثاً معمّقاً عن بنك IBL من قبل، إذ لم يكن في مقدمة المصارف التي ثبت تورطها مع حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. غير أننا اليوم اكتشفنا جزءًا مما كان مخفياً: فبنك IBL ليس مجرد مصرف يضم أشخاصاً مكشوفين سياسياً، بل إن ما أفضى إليه شركاؤنا يتخطى ذلك بمراحل.

فخلال التحقيقات حول تاجر المخدرات الإيطالي جياكومو تامبوريللو، تبيّن، أنّ زوجته السابقة ماريا أنتونينا برونو وابنه لوكا تامبوريللو يملكان شركة “سينزانو المحدودة” (Cinzano Ltd) المسجّلة في جزر كايمان. ووفقاً للمدّعين العامين الإيطاليين، في 6 كانون الأول/ ديسمبر عام 2021 اشترت شركة “سينزانو المحدودة” 682,240 سهماً في بنك IBL من شركة “ماردِكو إس إيه” (Mardeco Sa)  المسجّلة في جزر فيرجن البريطانية. وتُقدَّر قيمة الصفقة بـ 79 مليون يورو. 

ما موقع بنك IBL في قضية الإتجار بالمخدرات التي يحقق فيها القضاء الإيطالي؟

توصّل المحققون الإيطاليون إلى أن شركة “سينزانو المحدودة” تعود ملكيتها إلى ماريا أنتونينا برونو ولوكا تامبوريللو، الزوجة السابقة ونجل جياكومو تامبوريللو، الذي تشير أحكام صدرت بحقه في إيطاليا إلى إدانته في قضايا الإتجار بالمخدرات. 

وبحسب التحقيقات الإيطالية، يُتَّهَم كل من برونو ولوكا تامبوريللو بتوظيف عائدات الإتجار بالمخدرات في شراء أصول عدّة، من بينها، وفقاً لتلك التحقيقات، حصة قدرها 3.5 في المئة من أسهم بنك IBL بتاريخ 6 كانون الأول/ ديسمبر 2021، تُقدَّر قيمتها بنحو 79 مليون يورو، وهو الاستثمار الأبرز لشركة CINZANO Ltd التي تصفها التحقيقات الإيطالية بأنها إحدى الأدوات المالية الأحدث التي استخدمها جياكومو تامبوريللو لتوظيف عائدات الإتجار بالمخدرات، بحسب ما يرد في الأمر القضائي بتطبيق تدبير احترازي شخصي ومرسوم الحجز الاحتياطي. تامبوريللو هو أحد الوسطاء الماليين الذين أدّوا دوراً محورياً في إدارة عائدات تجارة المخدرات لصالح زعيم المافيا الصقلية ماتيو ميسينا دينارو، وبأنهما تشاركا ثروة تقدَّر بأكثر من 200 مليون يورو موزّعة بين إسبانيا وجزر فيرجن البريطانية وأندورا ولبنان وغيرها من الملاذات الضريبية.

 ولا تشير الوثائق الإيطالية التي اطلع عليها “درج” حتى الآن إلى مشاركة بنك IBL نفسه في هذه الأفعال، بل إلى استخدام أسهمه ضمن محفظة استثمارات شركة Cinzano Ltd.

لكنّ المحققين أيضاً عثروا على أدلة تُشير إلى أن صلة العائلة ببنك IBL تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: إذ تُسجِّل مذكرة داخلية في كانون الثاني/ يناير 2013 أن برونو صرَّحت بأنها لا ترغب في الاستثمار في أحد البنوك في الخارج لأن العوائد أدنى مما يُتيحه “البنك الذي تُشارك فيه بصفتها شريكة”، وهو ما فسَّره المحققون على أنه إشارة إلى بنك IBL، ما يشير إلى أنّ برونو كانت تحمل صفة المساهمة في بنك IBL منذ عام 2013 على الأقل. لكن المحكمة لم تتمكن رسمياً إلا من توثيق صفقة شراء الأسهم عام 2021.

لا بدّ من الإشارة الى أنّ الحسابات المصرفية والاستثمارات التي تحتفظ بها شركة CINZANO Ltd هي في لوكسمبورغ، وتحديداً في BEMO Europe Banque Privée. فأسهم بنك IBL محتفَظٌ بها ضمن محفظة أوراق الشركة المالية لدى هذا المصرف.

حتى آب/ أغسطس 2025، تضمّنت أصول شركة CINZANO Ltd في لوكسمبورغ:

أ-  أوراقاً مالية في BEMO Europe بقيمة تزيد عن 7 ملايين يورو منها:

أسهم في شركات عدّة كـ Nestlé SA وغيرها. 

سندات في جهات عدة، من بينها جمهورية النمسا، مجموعة OBEGI، Pfizer، Philip Morris، Shell، Total Energies، الخزانة الأميركية، Walt Disney وغيرها.

معادن ثمينة (12 كغ من سبائك الذهب + 163 أوقية ذهب).

ب- حسابات جارية بعملات عدة (دولار أميركي، فرنك سويسري وجنيه استرليني) بقيمة نحو 57 ألف دولار. 

ج- الحصة في بنك IBL Bank S.A.L،  نحو 79 مليون يورو (3.5 في المئة من الأسهم)، وهي الأكبر بين أصول الشركة.

لم يكن بإمكان جياكومو تامبوريللو التعامل شخصياً في الأسواق المالية بسبب وضعه القضائي، فلجأ إلى الاستثمار عبر شركات وأشخاص واجهة. فوُجِّهت صفقة الشراء عبر شركة زوجته (السابقة) المسجَّلة في جزر كايمان، التي اشترت الأسهم من شركة مسجَّلة في جزر فيرجن البريطانية هي MARDECO S.A، وليست هناك معلومات واضحة حول هذه الشركة حتى اللحظة.

بناءً على ذلك، تأسست شركة CINZANO Ltd في جزر كايمان بتاريخ 6 نيسان/ أبريل 2011، ومنذ تأسيسها، يتولى إدارة الشركة كلٌّ من ماريا أنتونينا برونو (المالكة الفعلية للشركة) وابنها لوكا تامبوريللو.

تتضمّن التهم الموجَّهة بحق جياكومو تامبوريللو التدوير الذاتي، بالإضافة إلى توظيف العائدات غير المشروعة بحق ماريا أنتونينا برونو ولوكا تامبوريللو، وعائدات تهريب المخدرات خلال الفترة الممتدة من عام 1983 حتى عام 2017.

استعان جياكومو تامبوريللو بعدد من الشركات الأجنبية المسجَّلة باسم برونو، وابنه لوكا، وغيرهما، منها سينزانو، بهدف تنفيذ عمليات متعددة لإيداع الأموال وتحويلها عبر حسابات مصرفية عدّة في دول مختلفة، واستخدمها لشراء العقارات والمعادن الثمينة كالذهب بشكل أساسي،  وأسهم في شركات ومصارف وأوراق وأدوات مالية مختلفة، ذلك كله لتبييض الأموال وإخفاء العائدات الجرمية لتجارة المخدرات. 

يقضي أمر المحكمة، الصادر في 4 أيار/ مايو 2026، بالحجز الاحترازي على الأصول. فصدر قراران متوازيان: أحدهما إلى لوكسمبورغ، لتجميد حسابات شركة CINZANO Ltd ومحفظتها الاستثمارية لدى بنك BEMO Europe Banque Privée، مع الإشارة الصريحة إلى أن حصة بنك IBL المصرفية، وهي “أبرز مشاركة في رأس المال”، مشمولة بهذا الحجز. والقرار الآخر  إلى إسبانيا لتجميد جميع العقارات والحصص في الشركات والحسابات المصرفية العائدة إلى الأشخاص المذكورين آنفاً. 

لم يردّ البنك على أسئلة “درج” حول “سينزانو”. 

مَن هم أبرز مساهمي IBL؟

أُسِّس بنك IBL (المعروف سابقاً ببنك إنتركونتيننتال للبنان) عام 1961 في بيروت، ومرّ بتحولات وتغيّرات عدة قبل أن يعيد مجلس الإدارة تسميته بـ”بنك IBL” عام 2008. بحلول نهاية عام 2024، بلغ إجمالي الأصول نحو 222.6 تريليون ليرة لبنانية (ما يعادل تقريباً 2.5 مليار دولار أميركي بحسب السعر الرسمي)، مع 14 فرعاً في لبنان.

بالإضافة إلى “سينزانو”، لدى البنك مساهمون عدة، أهمهم نائب رئيس مجلس النواب والوزير السابق إيلي الفرزلي. الّا أنّ الاسم الذي جاء مفاجئًا كعضو في مجلس الإدارة (غير مساهم) هو اسم القاضي عماد قبلان.

تظهر لائحة أعضاء مجلس الإدارة اسم قبلان، المدعي العام السابق لدى محكمة التمييز اللبنانية، والذي تولّى خلال مسيرته ملفات بارزة من بينها حظر سفر رياض سلامة وإجراءات الإنتربول المتعلقة بكارلوس غصن. وحضوره في مجلس إدارة بنك تجاري بعد شغله هذا المنصب الرفيع يطرح، من منظور الحوكمة، أسئلة جدّية حول تضارب المصالح وحدود الفصل بين الوظيفة القضائية السابقة والمصالح المصرفية الخاصة.

اللافت في قضية عماد قبلان أن اسمه ورد للمرة الأولى في الإصدار السنوي لعام 2024 الصادر عن دليل جمعية المصارف اللبنانية (ABL Almanac)، في حين لم يكن مذكوراً في إصدار عام 2022.  لكن على موقع بنك IBL الإلكتروني، الذي يبدو أنه غير محدَّث، ورد ما يلي: “انتُخب الأعضاء الحاليون لمجلس إدارة بنك IBL sal في اجتماع الجمعية العمومية العادية المنعقد في 3 آب/ أغسطس 2017، ويشغلون مناصبهم لفترة تنتهي في تاريخ الجمعية العمومية العادية التي ستنظر في حسابات ونشاط السنة المالية 2019”. ويتضمن مجلس الإدارة المذكور اسم عماد قبلان.

وأحيل قبلان كقاضٍ إلى التقاعد في تموز/ يوليو 2023، ومن ثَمّ فإن أي انتساب له إلى مجلس إدارة البنك، في ضوء حساسية موقعه السابق، يُثير مخاطر واضحة لتصوّر تضارب المصالح في الرأي العام، حتى لو تمّ هذا الانتساب بعد التقاعد وبما لا يخالف النصوص القانونية النافذة حالياً.

وأفاد مصدر لـ”درج” بأن قبلان انضم إلى مجلس الإدارة بعد أشهر قليلة من تقاعده، إلا أن “درج” لم يتمكن من التحقق المستقل من هذه المعلومة. وإذا صحّ هذا التوقيت، فهو يُغذّي النقاش الحقوقي حول الحاجة إلى قواعد أكثر صرامة تنظّم انتقال القضاة المتقاعدين إلى مجالس إدارة مصارف تجارية.

لم يرد القاضي عماد قبلان على أسئلة “درج” حتى تاريخ نشر التحقيق.

أهم المساهمين في البنك، بحسب الإصدار السنوي لعام 2024 الصادر عن دليل جمعية المصارف اللبنانية (ABL Almanac)، هم: 

1. سليم حبيب يملك حصة 12.50 في المئة من أسهم البنك، وشغل منصب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام منذ عام 1998، حين قاد مجموعة المستثمرين التي استحوذت على البنك. وهو أكبر المساهمين الأفراد بحصة 12.50 في المئة من رأس المال. وكان عضواً في البرلمان اللبناني سابقاً. 

2. شركة كريديت بنك SAL  تملك حصة 10.84 في المئة من أسهم البنك.

3. شركة Bicom SAL Holding، تملك حصة 9.58 في المئة، وهي شركة قابضة لبنانية مرتبطة بعائلة البزري. وممثلها في مجلس إدارة بنك IBL هو مازن البزري، المعروف برئاسته لمجموعة Biven International وBicorp Holding وCity Developers Lebanon، فضلاً عن عضويته المؤسِّسة في مجلس أمناء منظمة Ajialouna.org الخيرية. 

4. كمال أبي غصن: المدير العام المساعد والعضو المُفوَّض في مجلس إدارة بنك IBL، يمتلك حصةً شخصية بنسبة 8.51 في المئة. وهو ثاني أعلى المسؤولين التنفيذيين في البنك، ومُدرَج رئيساً لـ ACI Lebanon، جمعية الأسواق المالية، الهيئة المهنية للمتخصصين اللبنانيين في مجالَي الخزينة والعملات الأجنبية. 

علم “درج” من بعص المصادر، أنّ سليم حبيب تنحى عن رئاسة مجلس الإدارة واستلم الإدارة مكانه من جهة ابنه كريم حبيب، وهو مساهم في البنك وعضو في مجلس الإدارة ممثلًا لـ IBL Independent sal، ومن جهة أخرى شريكه كمال أبي غصن.

5. شركة Trydnt SAL Holding، تملك 9.70 في المئة من البنك، وهي شركة قابضة مسجَّلة في لبنان. بحسب السجل التجاري اللبناني،  أبرز مساهمي الشركة عائلة موصلي وبشكل أساسي نادر عيسى صالح الموصلي.  

6. الشيخ خالد البراهيم: مواطن سعودي يمتلك 5.69 في المئة من أسهم بنك IBL. 

7. حافظ جميل أبي شاكر، يملك حصة 4.50 في المئة من أسهم البنك، وهو مصرفي لبناني متمرّس، عمل مديراً أول في الخزينة وأسواق رأس المال في بنك لبنان والمهجر بين عامَي 1972 و2005، وقبلها مساعداً في العملات الأجنبية لدى Moscow Narodny Bank (1967-1972). ومنذ عام 2005 يعمل مستشاراً مالياً مستقلاً. كما يمتلك حصة 2.82 في المئة في بنك سيدروس.

8. الأمير السعودي ساجر سلطان السديري، يمتلك 3.62 في المئة من بنك IBL، وهو في الوقت ذاته عضو مستقل في مجلس إدارته. وتُعدّ عائلة السديري من القبائل التي تملك نفوذاً داخل السعودية. 

9. شركة Cinzano Ltd، تملك حصة 3.50 في المئة من أسهم البنك Cinzano ،Ltd وهي شركة مُسجَّلة في جزر كايمان، إحدى أبرز الولايات القضائية المالية الخارجية في العالم. 

10. الراحل محمد عبد الحميد بيضون، يملك حصة 3.43 في المئة، وهو نائب ووزير لبناني سابق. توفي في 17 أيار/ مايو 2022. كان عضواً في البرلمان اللبناني من 1992 إلى 2005، وتولّى حقائب وزارية عدة. 

11. إيلي الفرزلي (مساهم بنسبة 2.01 في المئة): نائب رئيس سابق لمجلس النواب ووزير سابق، تربطه صلات موثّقة بحركة أمل والنظام السوري السابق.

أرباح IBL من هندسات مصرف لبنان

وفقاً للتقرير الجنائي الأولي الذي أعدّته شركة Alvarez & Marsal بشأن مصرف لبنان، حقّق بنك IBL وكياناته المرتبطة أرباحاً ضخمة من منظومة الهندسات المالية التي أقامها مصرف لبنان مع المصارف التجارية. إذ تُشير البيانات المستخرجة من جداول التقرير التحليلية إلى أن ثلاثة كيانات مرتبطة بـ IBL استفادت من هذه المنظومة: بنك IBL SAL وحده جنى نحو 41 مليار ليرة لبنانية عام 2018 و107 مليارات ليرة عام 2020 من عمليات الرافعة المالية على الودائع لأجل (loans under leverage against term deposits)، فيما سجّل بنك إنتركونتيننتال للبنان SAL، الاسم السابق للبنك، ما يزيد عن 106 مليارات ليرة من الأرباح ذاتها عام 2019 وحده وسجل IBL Invest SAL نحو 3.55 مليار ليرة لبنانية أرباح عام 2019 و3.61 مليار ليرة لبنانية عام 2020. فكان مصرف لبنان يمنح المصارف قروضاً بفوائد مدعومة، فتُعيد هذه المصارف توظيف الأموال في أدوات مالية يُصدرها المصرف نفسه، كأذونات الخزينة والودائع لأجل، بأسعار فائدة أعلى، محقّقةً بذلك هامش ربح مضمون وخالٍ من المخاطر على حساب احتياطيات الدولة وأموال المودعين. وتبلغ الأرباح الإجمالية المُقدَّرة لمجموعة IBL من هذه العمليات طوال الفترة الممتدة بين 2017 و2020 نحو 452 مليار ليرة لبنانية، بعد حساب أرباح السنوات الأربع في الكيانات الثلاثة المرتبطة بالبنك: IBL Bank Sal, IBL Invest Bank SAL, Intercontinential Bank of Lebanon.

المصدر: تقديرات الأرباح السنوية مستخرجة من تقرير شركة Alvarez & Marsal الجنائي الأولي بشأن مصرف لبنان. أمّا مجموع الأرباح فهو حساب أعدّه التحقيق استناداً إلى تلك الأرقام.

وجّه “درج” أسئلة مكتوبة إلى بنك IBL للاستيضاح حول طبيعة علاقته بشركة “سينزانو”، وعمّا إذا كان للبنك أي دور مباشر في قبول أو تسجيل حصة Cinzano Ltd في رأسماله، وما إذا كانت قد أُجريت إجراءات العناية الواجبة (Due Diligence) وفقاً للقانون اللبناني عند تقييد هذه الحصة باسم الشركة، إلا أنه لم يرد حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق. وفي ضوء ما تذكره وثائق القضاء الإيطالي عن شبهات غسيل أموال مرتبطة باستثمارات Cinzano، يبقى السؤال المطروح على النظام المصرفي اللبناني أوسع: كيف تُعالَج صفقات استثمارية بهذا الحجم  79 مليون يورو عندما يربطها قضاء أجنبي بعائدات تجارة مخدرات؟

في دولة لا تزال محاكمها تتعثر في ملاحقة ومحاسبة كبار المتورطين في الانهيار المالي، يطرح ملف بنك IBL وسواه من الملفات التي يكشفها القضاء الأجنبي سؤالاً أعمق: هل يملك لبنان فعلاً القدرة والإرادة لمحاسبة أي طرف مصرفي يثبت، أمام القضاء، أنه سهّل، عن علم أو عن تقصير جسيم، مرور أموال منظمات الجريمة الدولية عبر النظام المالي اللبناني؟ وبالتالي فإنّ هذا التحقيق هو بمثابة إخبار للنيابة العامة المالية. 

|

اشترك بنشرتنا البريدية