fbpx

“صندوق أسود مجهول الموارد”… لماذا على المؤسسات الإعلاميّة الالتزام بالشفافية لاستعادة ثقة جمهورها؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

سنواتٌ مضت على محاولات إقرار قانون إعلام جديد في لبنان، لكن بلا نتيجة. أخيراً، تجّدد النقاش حول نسخة مُعدّلة من قانون الإعلام، بعدما أطلق وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد مكاري، بالتعاون مع “اليونيسكو”، مشروع قانون إعلام جديد، هذا عدا اقتراح لجنة الإدارة والعدل المطروح على طاولة المجلس النيابي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

سنواتٌ مضت على محاولات إقرار قانون إعلام جديد في لبنان، لكن بلا نتيجة. أخيراً، تجّدد النقاش حول نسخة مُعدّلة من قانون الإعلام، بعدما أطلق وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد مكاري، بالتعاون مع “اليونيسكو”، مشروع قانون إعلام جديد، هذا عدا اقتراح لجنة الإدارة والعدل المطروح على طاولة المجلس النيابي.

اللافت، أن الاقتراح الأخير يتطرّق إلى الشفافية وملكية وسائل الإعلام، فيما لا يتضمّن أي مواد مرتبطة بالشفافية المالية، الأمر الذي يُحيّد أي جديّة بالتعامل مع تلك النسخة، لا سيما أن الشفافية المالية هي عنصر أساسي من إصلاح القانون، إذ إن معرفة الجمهور الجهة التي تموّل المؤسسة الإعلامية لا تقلّ أهمية عن حقّه بمعرفة مالكها. 

يميل الأفراد إلى متابعة وسائل الإعلام التي تتوافق مع آرائهم السياسية، ما يُعزّز معتقداتهم وتحيّزاتهم، ويؤدّي إلى مزيد من الاستقطاب، خصوصاً في ظلّ ما نعيشه من أزمات. وتكمن الخطورة في وقوع وسائل إعلام تحت تأثير مجموعات نافذة اقتصادياً، كالقطاع المصرفي، واستغلالها لنشر معلومات مضلّلة عن الاقتصاد والإصلاحات التي يُعتبر لبنان بأمسّ الحاجة إليها، وفق ما أظهرته التغطية الإعلامية لخطة التعافي المالي الخاصة بصندوق النقد الدولي في الآونة الأخيرة.

خلّف هذا الأمر تبعاتٍ هائلةً على إمكان الوصول إلى المعلومات غير المنحازة، خصوصاً أن اعتماد وسائل الإعلام على التمويل من القطاع المصرفي والأحزاب السياسية يُجبرها على الترويج لرواية معيّنة عن الأحداث. ناهيك بمحاولات النخب السياسية والمالية تقويض وسائل الإعلام المستقلّة للهيمنة على الخطاب العامّ. 

في هذا السياق، توضح وفاء أبو شقرا، الأستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية ورئيسة مركز الأبحاث فيها، أن “المعايير والأخلاقيات الإعلامية تفرض على المؤسسة الإعلامية الكشف عن سياستها التحريرية ومصدر تمويلها، وأي تكتّم من المؤسسة عن مموّليها يطرح أسئلة حول سياستها الاقتصادية، وبالتالي أي شيء مبهم تتقلّص الثقة به”. وتشبّه أبو شقرا اقتصاد المؤسسات الإعلامية بـ”الصندوق الأسود المجهول الموارد الحقيقية”، وهو “ما يضاعف الشكوك حول واقعها الحالي ومصادر تمويلها وسياستها الاقتصادية”، وفق أبو شقرا. 

“المعايير والأخلاقيات الإعلامية تفرض على المؤسسة الإعلامية الكشف عن سياستها التحريرية ومصدر تمويلها، وأي تكتّم من المؤسسة عن مموّليها يطرح أسئلة حول سياستها الاقتصادية، وبالتالي أي شيء مبهم تتقلّص الثقة به”.

كيف تموَّل وسائل الإعلام؟

يضمّ الفضاء الإعلامي اللبناني 9 محطات تلفزيونية، وأكثر من 10 صحف خاصة و40 محطة إذاعية. وفق مسحٍ أجرته مؤسسة “سمير قصير” في 2018، تبيّن أن 78.4 في المئة من وسائل الإعلام لها انتماءات سياسية. كما أن نسبة 32 في المئة منها تابعة لثماني أسر لبنانية نافذة، علماً أن تلك الوسائل لا تُصرّح على مواقعها الرسمية عن مصادر تمويلها. 

وفق دراسة أعدتها “مبادرة سياسات الغد”، في تموز/ يوليو 2023، تحت عنوان “إتبع الأموال: القنوات غير الرسمية في تمويل وسائل الإعلام اللبنانية”، يتبيّن أن القطاع المصرفي والحملات الانتخابية هما أبرز القنوات غير الرّسمية لتمويل وسائل الإعلام. وفق الدراسة، نحو 30 مليون دولار من عائدات وسائل الإعلام كانت ترد من القطاع المصرفي قبل الأزمة الاقتصادية في 2019، وكانت تتوزّع على الوسائل الإعلامية وفق الانتماء السياسي وليس على أساس عدد القراء أو المشاهدين.

 أمّا حالياً، فترعى المصارف برامج حوارية أو مقالات أو تقارير. وقد زعم أحد المشاركين في مقابلات الدراسة، أن القطاع المصرفي أنفق 55 مليون دولار في عام 2018 وحده، مقارنة بـ15 مليون دولار بعد الأزمة، عدا الإعلانات. وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على ضخّ القطاع المصرفي تمويلاً هائلاً في وسائل الإعلام.   

من جهةٍ أخرى، تُظهر الدراسة أن للحملات الانتخابية حصة أساسية بتمويل وسائل الإعلام. إذ تجني تلك الوسائل، خلال فترات الانتخابات، أرباحاً من الدعاية لحملات المرشحين واللوائح الانتخابية واستضافتهم في برامجها الحوارية. ووفق الدراسة، تتراوح تكلفة كل ظهور على الشاشة في الفترة الانتخابية بين 10 آلاف دولار إلى أكثر من 100 ألف دولار. هذا بالإضافة إلى شراء المرشحين واللوائح الانتخابية حِزماً مقابل الظهور المتكرّر، من دون التصريح من المرشحين أو وسائل الإعلام، ومن دون إعلام الجمهور بأنه محتوى مدفوع، وهو ما يُعتبر مخالفة لقانون الانتخابات في الجزء المتعلّق بالإعلام والإعلان الانتخابي. 

تُموَّل المواقع الإخبارية الإلكترونية غالباً من أصحابها. على سبيل المثال، تملك مجموعة ميقاتي موقع “ليبانون24”، الذي يُموَّل من رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، علماً أن ذلك لا يُذكر على الموقع. يُحقق الموقع بعض إيراداته من الإعلانات، التي شكّلت قبل الأزمة نحو 100 ألف دولار سنوياً، وفق ما ذكرته الدراسة، بينما يُغطّي ميقاتي النفقات المتبقّية. 

من جهة أخرى، تعتمد وسائل إعلامية قليلة على مبدأ الاشتراكات الشهرية أو السنوية للتمويل، ومنها صحيفتا “النهار” و”لوريان لوجور”. 

تبلغ نسبة الاشتراكات في “لوريان لوجور” 50 في المئة، “وهي نسبة لا تكفي لتمويل المؤسسة”، وفق القيمين عليها. يوضح أحد الإداريين في “لوريان لوجور” لـ”درج”، أن “الاشتراكات تفرض على الصحيفة الالتزام بجودة معيّنة للمحتوى، تتمثّل أولاً بالسرعة في نقل الخبر، وتقديم تحليل سريع للخبر وإنما دقيق، هذا بالإضافة إلى تناول الخبر من زوايا عدّة وبأشكال صحافية مختلفة”. وتلجأ “لوريان لوجور” إلى مصادر أخرى للتمويل، منها الإعلانات والاتفاقات مع شركات ومؤسسات Partenrship، والدعم المباشر من مؤسسات دولية.  

في هذا السياق، استضافت “مهارات” خبراء إعلاميين أوروبيين لمناقشة نماذج الأعمال لوسائل الإعلام في أوروبا في إطار عمل المؤسسة على إصدار مبادئ توجيهية للمؤسسات الإعلامية، منها ديمومة الإعلام والنماذج الاقتصادية المعتمدة. أحد هؤلاء كان الصحافي والخبير الإعلامي الهنغاري أتيلا مونغ، الذي يرى أن اعتماد الاشتراكات الشهرية أو السنوية في بعض وسائل الإعلام اللبنانية يندرج ضمن نمط عالمي. 

يشرح مونغ لـ”درج”، أن “التكنولوجيا الرقمية تطوّرت بسرعة، فبات نموذج الأعمال التقليدي للصحافة الذي كان يعتمد على الإعلانات والاشتراكات خلال العقد الماضي، بالياً. في هذا السياق، تسعى وسائل الإعلام الأوروبية بشكل عام، إلى استكشاف طرق جديدة للبقاء على قيد الحياة، لا سيما في العالم الرقمي. تشمل هذه الجهود استكشاف نماذج أعمال جديدة، تعزيز مشاركة المجتمع، تنويع مصادر الإيرادات، تقديم حزم محتوى متجانسة، واعتماد الابتكارات في صيغ وسائل الإعلام الإخبارية، التي غالباً ما تكون مدعومة بالذكاء الاصطناعي”.

شبهة “الأجندات الخارجية”

فيما تعتمد وسائل الإعلام التقليدية على التمويل السياسي وما يعكسه ذلك على خطّها التحريريّ، تلجأ المنصات المستقلة إلى المانحين الدوليين الذين يدعمون تطوير الإعلام والديمقراطية في العالم العربي، إلا أن ذلك تترتّب عليه “شُبهة الأجندات الخارجيّة” التي تلاحق المؤسسات الإعلامية المستقلّة ذات التمويل الخارجي. علماً أن تلك المؤسسات تؤكّد مراراً، ضرورة الاستقلال التحريري الذي لا يمكن تحقيقه إلا عبر التمويل غير المشروط إطلاقاً، وعليه فإن الإفلات من عقبات الاحتكار والاستقطاب السياسي لا يمكن أن يتم إلا من خلال التمويل الأجنبي. فعلى سبيل المثال، تذكر منصّة “ميغافون” على موقعها أنها تقبل “التمويل الذي لا يفرض قيوداً تحريرية فقط، لضمان أن يبقى خطّها التحريري غير مساوم”. كما تعتبر مؤسسات أخرى ممولة أجنبيّاً، أن هذا التمويل هو مرحلة إلى حين تمكّنها من جني الربح إما عبر تمويل القرّاء والاشتراكات، أو تقديم خدمات الاستشارات والتدريب، أو الاستثمار صغير الحجم. فمثلاً، يذكر موقع “درج” على منصته، أنه يبتغي الرّبح في مرحلة لاحقة، لكن بانتظار ذلك يلجأ إلى تمويل دولي يحرص على مكاشفة مستخدميه بهويّة أصحابه، فيما يعلن عن المؤسسات التي تساهم في تمويله على الموقع.

ماذا عن قانون الإعلام؟

بنسخته الحالية، لا يفرض قانون المطبوعات (1962) ولا قانون الإعلام المرئي والمسموع (1994) تمويل الدولة اللبنانية لوسائل الإعلام. فتميل هذه الوسائل إلى الاعتماد على المستثمرين السياسيين أو الأجانب، وبالتالي، تتمتّع الأحزاب السياسية بالقدرة على التأثير على وسائل الإعلام الرئيسية، وتأطير المعلومات على نحوٍ يصبّ في مصالحها. علماً أن اقتراح قانون الإعلام العالق منذ أكثر من 13 سنة في المجلس النيابي، يفرض على المؤسسات الإعلامية الشفافية لجهة الملكية والتمويل. 

إلا أن أبو شقرا ترى أن “قانون الإعلام الجديد قد لا يحلّ المشكلة”، إذ تتوقّع أن يذهب أصحاب النفوذ إلى تخطّي القانون لصالح أهوائهم الشخصية. والمشكلة أن سيطرة التمويل السياسي على المؤسسات الإعلامية توجِد مشكلة هيكلية في النظام الإعلامي. إذ لا تُبدي وسائل الإعلام اهتماماً كبيراً بإنتاج صحافة جيّدة لزيادة نسبة القرّاء أو المشاهدين، طالما أنه بمقدورها الاعتماد على كبار المستثمرين لتأمين إيراداتها. 

من جهته، يوضح مونغ أن “الاتحاد الأوروبي طرح آليات دعم مباشرة وغير مباشرة لصالح قطاع الإعلام. تتمثّل أولاً بمنح الصحافة في بعض الدول الأوروبية، إذ تقدّم الدولة فرص تمويل مباشر لوسائل الإعلام، علماً أنها تلقى أحياناً نقداً من المنظمات الحقوقية كونها تدعم في كثير من الأحيان وسائل إعلامية تابعة للسلطة”. ثانياً، “الإعفاءات الضريبية، إذ يتم منح دعم ضريبي غير مباشر للصحف على شكل إعفاء من ضريبة القيمة المضافة في كل من فرنسا وألمانيا ودول أخرى، وأخيراً، خفض ضريبة القيمة المضافة للصحف. ففي عام 2018، وافق الاتحاد الأوروبي على أن يكون للدول الأعضاء الحق في تطبيق أسعار ضريبة القيمة المضافة المخفضة أو إلغاء الضرائب حتى على الكتب الإلكترونية والصحف الرقمية. منذ ذلك الحين، نفّذت دول أوروبية عدة هذا الإجراء.

يُنشر هذا التقرير ضمن برنامج زمالة مشروع “إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان”، الذي تنفّذه مؤسسة “مهارات” بدعم من الاتحاد الأوروبي. هذا المحتوى لا يعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
12.11.2023
زمن القراءة: 6 minutes

سنواتٌ مضت على محاولات إقرار قانون إعلام جديد في لبنان، لكن بلا نتيجة. أخيراً، تجّدد النقاش حول نسخة مُعدّلة من قانون الإعلام، بعدما أطلق وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد مكاري، بالتعاون مع “اليونيسكو”، مشروع قانون إعلام جديد، هذا عدا اقتراح لجنة الإدارة والعدل المطروح على طاولة المجلس النيابي.

سنواتٌ مضت على محاولات إقرار قانون إعلام جديد في لبنان، لكن بلا نتيجة. أخيراً، تجّدد النقاش حول نسخة مُعدّلة من قانون الإعلام، بعدما أطلق وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد مكاري، بالتعاون مع “اليونيسكو”، مشروع قانون إعلام جديد، هذا عدا اقتراح لجنة الإدارة والعدل المطروح على طاولة المجلس النيابي.

اللافت، أن الاقتراح الأخير يتطرّق إلى الشفافية وملكية وسائل الإعلام، فيما لا يتضمّن أي مواد مرتبطة بالشفافية المالية، الأمر الذي يُحيّد أي جديّة بالتعامل مع تلك النسخة، لا سيما أن الشفافية المالية هي عنصر أساسي من إصلاح القانون، إذ إن معرفة الجمهور الجهة التي تموّل المؤسسة الإعلامية لا تقلّ أهمية عن حقّه بمعرفة مالكها. 

يميل الأفراد إلى متابعة وسائل الإعلام التي تتوافق مع آرائهم السياسية، ما يُعزّز معتقداتهم وتحيّزاتهم، ويؤدّي إلى مزيد من الاستقطاب، خصوصاً في ظلّ ما نعيشه من أزمات. وتكمن الخطورة في وقوع وسائل إعلام تحت تأثير مجموعات نافذة اقتصادياً، كالقطاع المصرفي، واستغلالها لنشر معلومات مضلّلة عن الاقتصاد والإصلاحات التي يُعتبر لبنان بأمسّ الحاجة إليها، وفق ما أظهرته التغطية الإعلامية لخطة التعافي المالي الخاصة بصندوق النقد الدولي في الآونة الأخيرة.

خلّف هذا الأمر تبعاتٍ هائلةً على إمكان الوصول إلى المعلومات غير المنحازة، خصوصاً أن اعتماد وسائل الإعلام على التمويل من القطاع المصرفي والأحزاب السياسية يُجبرها على الترويج لرواية معيّنة عن الأحداث. ناهيك بمحاولات النخب السياسية والمالية تقويض وسائل الإعلام المستقلّة للهيمنة على الخطاب العامّ. 

في هذا السياق، توضح وفاء أبو شقرا، الأستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية ورئيسة مركز الأبحاث فيها، أن “المعايير والأخلاقيات الإعلامية تفرض على المؤسسة الإعلامية الكشف عن سياستها التحريرية ومصدر تمويلها، وأي تكتّم من المؤسسة عن مموّليها يطرح أسئلة حول سياستها الاقتصادية، وبالتالي أي شيء مبهم تتقلّص الثقة به”. وتشبّه أبو شقرا اقتصاد المؤسسات الإعلامية بـ”الصندوق الأسود المجهول الموارد الحقيقية”، وهو “ما يضاعف الشكوك حول واقعها الحالي ومصادر تمويلها وسياستها الاقتصادية”، وفق أبو شقرا. 

“المعايير والأخلاقيات الإعلامية تفرض على المؤسسة الإعلامية الكشف عن سياستها التحريرية ومصدر تمويلها، وأي تكتّم من المؤسسة عن مموّليها يطرح أسئلة حول سياستها الاقتصادية، وبالتالي أي شيء مبهم تتقلّص الثقة به”.

كيف تموَّل وسائل الإعلام؟

يضمّ الفضاء الإعلامي اللبناني 9 محطات تلفزيونية، وأكثر من 10 صحف خاصة و40 محطة إذاعية. وفق مسحٍ أجرته مؤسسة “سمير قصير” في 2018، تبيّن أن 78.4 في المئة من وسائل الإعلام لها انتماءات سياسية. كما أن نسبة 32 في المئة منها تابعة لثماني أسر لبنانية نافذة، علماً أن تلك الوسائل لا تُصرّح على مواقعها الرسمية عن مصادر تمويلها. 

وفق دراسة أعدتها “مبادرة سياسات الغد”، في تموز/ يوليو 2023، تحت عنوان “إتبع الأموال: القنوات غير الرسمية في تمويل وسائل الإعلام اللبنانية”، يتبيّن أن القطاع المصرفي والحملات الانتخابية هما أبرز القنوات غير الرّسمية لتمويل وسائل الإعلام. وفق الدراسة، نحو 30 مليون دولار من عائدات وسائل الإعلام كانت ترد من القطاع المصرفي قبل الأزمة الاقتصادية في 2019، وكانت تتوزّع على الوسائل الإعلامية وفق الانتماء السياسي وليس على أساس عدد القراء أو المشاهدين.

 أمّا حالياً، فترعى المصارف برامج حوارية أو مقالات أو تقارير. وقد زعم أحد المشاركين في مقابلات الدراسة، أن القطاع المصرفي أنفق 55 مليون دولار في عام 2018 وحده، مقارنة بـ15 مليون دولار بعد الأزمة، عدا الإعلانات. وهذا إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على ضخّ القطاع المصرفي تمويلاً هائلاً في وسائل الإعلام.   

من جهةٍ أخرى، تُظهر الدراسة أن للحملات الانتخابية حصة أساسية بتمويل وسائل الإعلام. إذ تجني تلك الوسائل، خلال فترات الانتخابات، أرباحاً من الدعاية لحملات المرشحين واللوائح الانتخابية واستضافتهم في برامجها الحوارية. ووفق الدراسة، تتراوح تكلفة كل ظهور على الشاشة في الفترة الانتخابية بين 10 آلاف دولار إلى أكثر من 100 ألف دولار. هذا بالإضافة إلى شراء المرشحين واللوائح الانتخابية حِزماً مقابل الظهور المتكرّر، من دون التصريح من المرشحين أو وسائل الإعلام، ومن دون إعلام الجمهور بأنه محتوى مدفوع، وهو ما يُعتبر مخالفة لقانون الانتخابات في الجزء المتعلّق بالإعلام والإعلان الانتخابي. 

تُموَّل المواقع الإخبارية الإلكترونية غالباً من أصحابها. على سبيل المثال، تملك مجموعة ميقاتي موقع “ليبانون24”، الذي يُموَّل من رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، علماً أن ذلك لا يُذكر على الموقع. يُحقق الموقع بعض إيراداته من الإعلانات، التي شكّلت قبل الأزمة نحو 100 ألف دولار سنوياً، وفق ما ذكرته الدراسة، بينما يُغطّي ميقاتي النفقات المتبقّية. 

من جهة أخرى، تعتمد وسائل إعلامية قليلة على مبدأ الاشتراكات الشهرية أو السنوية للتمويل، ومنها صحيفتا “النهار” و”لوريان لوجور”. 

تبلغ نسبة الاشتراكات في “لوريان لوجور” 50 في المئة، “وهي نسبة لا تكفي لتمويل المؤسسة”، وفق القيمين عليها. يوضح أحد الإداريين في “لوريان لوجور” لـ”درج”، أن “الاشتراكات تفرض على الصحيفة الالتزام بجودة معيّنة للمحتوى، تتمثّل أولاً بالسرعة في نقل الخبر، وتقديم تحليل سريع للخبر وإنما دقيق، هذا بالإضافة إلى تناول الخبر من زوايا عدّة وبأشكال صحافية مختلفة”. وتلجأ “لوريان لوجور” إلى مصادر أخرى للتمويل، منها الإعلانات والاتفاقات مع شركات ومؤسسات Partenrship، والدعم المباشر من مؤسسات دولية.  

في هذا السياق، استضافت “مهارات” خبراء إعلاميين أوروبيين لمناقشة نماذج الأعمال لوسائل الإعلام في أوروبا في إطار عمل المؤسسة على إصدار مبادئ توجيهية للمؤسسات الإعلامية، منها ديمومة الإعلام والنماذج الاقتصادية المعتمدة. أحد هؤلاء كان الصحافي والخبير الإعلامي الهنغاري أتيلا مونغ، الذي يرى أن اعتماد الاشتراكات الشهرية أو السنوية في بعض وسائل الإعلام اللبنانية يندرج ضمن نمط عالمي. 

يشرح مونغ لـ”درج”، أن “التكنولوجيا الرقمية تطوّرت بسرعة، فبات نموذج الأعمال التقليدي للصحافة الذي كان يعتمد على الإعلانات والاشتراكات خلال العقد الماضي، بالياً. في هذا السياق، تسعى وسائل الإعلام الأوروبية بشكل عام، إلى استكشاف طرق جديدة للبقاء على قيد الحياة، لا سيما في العالم الرقمي. تشمل هذه الجهود استكشاف نماذج أعمال جديدة، تعزيز مشاركة المجتمع، تنويع مصادر الإيرادات، تقديم حزم محتوى متجانسة، واعتماد الابتكارات في صيغ وسائل الإعلام الإخبارية، التي غالباً ما تكون مدعومة بالذكاء الاصطناعي”.

شبهة “الأجندات الخارجية”

فيما تعتمد وسائل الإعلام التقليدية على التمويل السياسي وما يعكسه ذلك على خطّها التحريريّ، تلجأ المنصات المستقلة إلى المانحين الدوليين الذين يدعمون تطوير الإعلام والديمقراطية في العالم العربي، إلا أن ذلك تترتّب عليه “شُبهة الأجندات الخارجيّة” التي تلاحق المؤسسات الإعلامية المستقلّة ذات التمويل الخارجي. علماً أن تلك المؤسسات تؤكّد مراراً، ضرورة الاستقلال التحريري الذي لا يمكن تحقيقه إلا عبر التمويل غير المشروط إطلاقاً، وعليه فإن الإفلات من عقبات الاحتكار والاستقطاب السياسي لا يمكن أن يتم إلا من خلال التمويل الأجنبي. فعلى سبيل المثال، تذكر منصّة “ميغافون” على موقعها أنها تقبل “التمويل الذي لا يفرض قيوداً تحريرية فقط، لضمان أن يبقى خطّها التحريري غير مساوم”. كما تعتبر مؤسسات أخرى ممولة أجنبيّاً، أن هذا التمويل هو مرحلة إلى حين تمكّنها من جني الربح إما عبر تمويل القرّاء والاشتراكات، أو تقديم خدمات الاستشارات والتدريب، أو الاستثمار صغير الحجم. فمثلاً، يذكر موقع “درج” على منصته، أنه يبتغي الرّبح في مرحلة لاحقة، لكن بانتظار ذلك يلجأ إلى تمويل دولي يحرص على مكاشفة مستخدميه بهويّة أصحابه، فيما يعلن عن المؤسسات التي تساهم في تمويله على الموقع.

ماذا عن قانون الإعلام؟

بنسخته الحالية، لا يفرض قانون المطبوعات (1962) ولا قانون الإعلام المرئي والمسموع (1994) تمويل الدولة اللبنانية لوسائل الإعلام. فتميل هذه الوسائل إلى الاعتماد على المستثمرين السياسيين أو الأجانب، وبالتالي، تتمتّع الأحزاب السياسية بالقدرة على التأثير على وسائل الإعلام الرئيسية، وتأطير المعلومات على نحوٍ يصبّ في مصالحها. علماً أن اقتراح قانون الإعلام العالق منذ أكثر من 13 سنة في المجلس النيابي، يفرض على المؤسسات الإعلامية الشفافية لجهة الملكية والتمويل. 

إلا أن أبو شقرا ترى أن “قانون الإعلام الجديد قد لا يحلّ المشكلة”، إذ تتوقّع أن يذهب أصحاب النفوذ إلى تخطّي القانون لصالح أهوائهم الشخصية. والمشكلة أن سيطرة التمويل السياسي على المؤسسات الإعلامية توجِد مشكلة هيكلية في النظام الإعلامي. إذ لا تُبدي وسائل الإعلام اهتماماً كبيراً بإنتاج صحافة جيّدة لزيادة نسبة القرّاء أو المشاهدين، طالما أنه بمقدورها الاعتماد على كبار المستثمرين لتأمين إيراداتها. 

من جهته، يوضح مونغ أن “الاتحاد الأوروبي طرح آليات دعم مباشرة وغير مباشرة لصالح قطاع الإعلام. تتمثّل أولاً بمنح الصحافة في بعض الدول الأوروبية، إذ تقدّم الدولة فرص تمويل مباشر لوسائل الإعلام، علماً أنها تلقى أحياناً نقداً من المنظمات الحقوقية كونها تدعم في كثير من الأحيان وسائل إعلامية تابعة للسلطة”. ثانياً، “الإعفاءات الضريبية، إذ يتم منح دعم ضريبي غير مباشر للصحف على شكل إعفاء من ضريبة القيمة المضافة في كل من فرنسا وألمانيا ودول أخرى، وأخيراً، خفض ضريبة القيمة المضافة للصحف. ففي عام 2018، وافق الاتحاد الأوروبي على أن يكون للدول الأعضاء الحق في تطبيق أسعار ضريبة القيمة المضافة المخفضة أو إلغاء الضرائب حتى على الكتب الإلكترونية والصحف الرقمية. منذ ذلك الحين، نفّذت دول أوروبية عدة هذا الإجراء.

يُنشر هذا التقرير ضمن برنامج زمالة مشروع “إصلاح الإعلام وتعزيز حرية التعبير في لبنان”، الذي تنفّذه مؤسسة “مهارات” بدعم من الاتحاد الأوروبي. هذا المحتوى لا يعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي.

12.11.2023
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية