ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

صواريخ “حزب الله” التعبّدية!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم يلتقط “حزب الله” الوجوه القلقة والخائبة في ساحة عزاء خامنئي في الضاحية الجنوبية قبل إطلاق الصواريخ، ولم يقرأ بعد الوجوه التي تهرب من الجنوب والبقاع والضاحية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ستّة صواريخ أطلقها “حزب الله” على شمال إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد علي خامنئي… 

ستّة صواريخ ليست ردّاً عسكرياً بالمعنى التقني، إنها أقرب إلى فعل تعبّدي، ليست حتى رمزية بالمعنى السياسي البارد، بل طقس لإعادة تثبيت المعنى. قد نراها نحن إيماناً مريضاً لأننا نقيس الفعل بميزان المنفعة والخسارة، لكنّ أبناء العقيدة قد يشاهدونها صلاة في الهواء، سجدة نارية تحفظ صورة الذات المقدّسة. 

الفعل هنا لا يهدف إلى إصابة دقيقة، بل إلى حفظ خطاب، إلى صيانة رسالة إلهية تُرى بوصفها سارية في التاريخ، إنه عقل الاستدعاء الشرعي، النصّ يُستحضر، الشهادة تُستعاد، النور الإلهي يُعاد إنتاجه في مشهد مادّي، الصاروخ يصبح آية لا قذيفة، آية تفعل شيئاً ما خاصّاً. 

ضرب إسرائيل يتحوّل إلى شيء تعبّدي لاهوتي علينا الإيمان به، ويُلغى بهذا أيّ ناسوت ممكن، الناسوت بالمعنى الزماني والمادّي والواقعي، الناس الآن يجرّون أولادهم، ويكتفون بأخذ جوازات سفرهم وأوراقهم الثبوتية إلى الطرقات خوفاً من الموت،هذا هو الناسوت الحقيقي، الخوف، الجسد، الزمن، الغريزة، الحساب… بينما الفعل التعبّدي يتصرّف كما لو أن هذا البُعد غير موجود.

 ليست المسألة عند “التعبّديين” نتيجة عسكرية، بل صون صورة مهدّدة، الجماعة التي تفقد الاعتراف الخارجي وتُحاصر داخلياً لا ترى التعويض في التراجع، بل في تصعيد يُعيد تثبيت قدسيتها أمام نفسها أوّلاً، هنا تلتقي جدلية الاعتراف مع البنية العقدية، الهويّة حين تُهدّد قد تختار المخاطرة القصوى كي لا تفقد ذاتها.

لكن في هذه المخاطرة مفارقة خطرة، البحث عن اعتراف يبدو مستحيلاً قد ينقلب إلى ما يشبه الانتحار الرمزي أو الفعلي، ليس لأنه يريد الفناء لذاته، بل لأنه يرى في الفناء الممكن تأكيداً أعلى لمعناه، الشهادة تصبح تعويضاً عن الاعتراف المفقود. ذلّ الناس هو تجربة تعبّدية  أيضاً. كلّ لغة الإعلام اللبناني عن تصوير ضحايا الضربة لا يعني “حزب الله”، أنه ناسوت يؤجّل امتلاء في اللاهوت والمعنى، ثم أن هذا الألم هو تجربة يعرف الحزب نهايتها، الشهادة والتماثل مع الأبطال المقدّسين.

غير أن هذا المسار يحمل تناقضه الداخلي، كلما ازداد الفعل انفصالاً عن ميزان الواقع، ازداد اعتماده على سردية مغلقة لا تقبل تصحيحاً، سيتحوّل الطقس إلى ضرورة وجودية، الاستعداد للموت والألم والردّ لا يُقاس بفاعليته، بل بقدرته على إبقاء الجماعة في حالة إيمان مستمرّ وتجربة الألم المُعمّمة. المشكلة ليست في أن هناك عقلاً أسطورياً مقابل عقل واقعي، بل في أن الفعل يتحرّك ضمن نظام معنى مختلف بالكامل، نحن نقرأ خبر ستّة صواريخ تسبّبت في تشريد مئات آلاف النازحين، وهم قد يقرأون الصواريخ كصلاة، نحن نرى مخاطرة وهم يرون صوناً للكرامة المقدّسة، وفي المسافة بين القراءتين يتشكّل خطر حقيقي، حين يصبح الاعتراف مستحيلاً في الخارج يُستبدل باعتراف داخلي متصلّب قد يدفع الجماعة إلى حدود لا عودة منها. 

“حزب الله” لا يفكّر مثلنا، أو بالأدقّ لا يتحرّك داخل الإطار الزمني نفسه الذي نتحرّك فيه، نحن نقرأ الوقائع وفق حساب الممكن والنتيجة، وهم يعرّفون الإنسان بوصفه كائناً يعيش دوماً باتجاه ما لم يتحقّق بعد، أو ما يُفترض أنه قابل للتحقّق في أفق مؤجّل، هنا تلتقي بنية الفعل مع فكرة الله، أسطورة الوعد الإلهي، الخلاص، النصر المؤجّل، كلّها تعبيرات عن مستقبل يُستدعى باستمرار كي يمنح الحاضر معنى.

المشكلة ليست في وجود وعد بل في انفصاله الكامل عن أيّ لغة واقعية لبلوغه، حين ينقطع الوعد عن شروط تحقّقه، يبقى الوعد نفسه لا باعتباره مشروعاً سياسياً بل كطاقة تعبئة خالصة، هكذا يستمرّ الوعد المتخيَّل بوصفه ضرورة نفسية وهويّاتية حتى لو تآكلت شروطه المادّية، الصواريخ الستّ والمُسيّرة، في هذا السياق ليست خطوة نحو نتيجة، بل علامة على أن الأفق لم يُغلق بعد وأن الرسالة ما تزال قائمة.

“حزب الله” فقد فقد كثيراً من شروط يوتوبياه الملموسة، لم يعد يمتلك الأفق الإقليمي المتماسك ذاته، ولا الاعتراف الذي كان يغذّي سرديته، لذلك يبدو فعله أقرب إلى محاولة استعادة ما كان لا إنتاج ما سيكون، إنه يتحرّك داخل ذاكرة قوّة سابقة أكثر مما يتحرّك داخل مشروع قابل للتوسّع، البحث عن الاعتراف هنا لا يتّجه إلى الأمام فقط بل إلى الوراء، إلى لحظة كان فيها الوعد قابلاً للتصديق اجتماعياً.

 المفارقة ها هنا، حين تتحوّل الحركة من مشروع مستقبل إلى حنين إلى ذروة سابقة، يصبح الفعل أقرب إلى إعادة تمثيل طقسي لما مضى، ليس انتحاراً بالمعنى المباشر بل مخاطرة نابعة من عجز عن إنتاج أفق جديد، الوعد يبقى لكنّ شروطه تتآكل، والزمن بدل أن يكون مفتوحاً على تحقّق قادم، يصبح دائرة تحاول إعادة إنتاج صورة مقدّسة لذاتها، ولو عبر أفعال لا تغيّر الواقع بل تحافظ على معنى يتآكل بصمت.

لم يلتقط “حزب الله” الوجوه القلقة والخائبة في ساحة عزاء خامنئي في الضاحية الجنوبية قبل إطلاق الصواريخ، ولم يقرأ بعد الوجوه التي تهرب من الجنوب والبقاع والضاحية. 

 هناك تحوّل صامت يجري في العمق، الفرد الذي كان ذائباً في جماعة تمنحه معنى مطلقاً سيبدأ البحث عن استعادة ذاته بوصفه كائناً يريد النجاة قبل الخلود، حين يصبح المعنى مكلفاً إلى هذا الحدّ، حين يتحوّل إلى عبء اقتصادي وأمني ونفسي، تبدأ قدسيته بالتآكل.

المشكلة ليست في انهيار العقيدة فجأة، بل في تآكل قدرتها على تعبئة الحياة اليومية، حين يصبح الوعد المؤجّل أقلّ إقناعاً من الحاجة الآنية، وحين تتقدّم النجاة على التضحية، يتشكّل انفصال بطيء بين القيادة وقاعدتها، الحزب قد يستمرّ في تمثيل ذروة سابقة، لكنّ المجتمع يتحرّك داخل زمن مختلف، زمن يريد أن يفكّر في النتائج. 

الجماعة التي بنت هويّتها على وعد متعالٍ، قد تجد نفسها أمام أفراد لم يعودوا يريدون العيش داخل مسرح الخلاص بل خارجه، وإذا لم يُدرك الحزب هذا التحوّل فإن الفجوة بين المعنى الذي يعرضه والواقع الذي يعيشه الناس ستتّسع، لا بصخب أيديولوجي بل بصمت براغماتي فقير ومتهالك وبارد.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
02.03.2026
زمن القراءة: 4 minutes

لم يلتقط “حزب الله” الوجوه القلقة والخائبة في ساحة عزاء خامنئي في الضاحية الجنوبية قبل إطلاق الصواريخ، ولم يقرأ بعد الوجوه التي تهرب من الجنوب والبقاع والضاحية.

ستّة صواريخ أطلقها “حزب الله” على شمال إسرائيل ردّاً على مقتل المرشد علي خامنئي… 

ستّة صواريخ ليست ردّاً عسكرياً بالمعنى التقني، إنها أقرب إلى فعل تعبّدي، ليست حتى رمزية بالمعنى السياسي البارد، بل طقس لإعادة تثبيت المعنى. قد نراها نحن إيماناً مريضاً لأننا نقيس الفعل بميزان المنفعة والخسارة، لكنّ أبناء العقيدة قد يشاهدونها صلاة في الهواء، سجدة نارية تحفظ صورة الذات المقدّسة. 

الفعل هنا لا يهدف إلى إصابة دقيقة، بل إلى حفظ خطاب، إلى صيانة رسالة إلهية تُرى بوصفها سارية في التاريخ، إنه عقل الاستدعاء الشرعي، النصّ يُستحضر، الشهادة تُستعاد، النور الإلهي يُعاد إنتاجه في مشهد مادّي، الصاروخ يصبح آية لا قذيفة، آية تفعل شيئاً ما خاصّاً. 

ضرب إسرائيل يتحوّل إلى شيء تعبّدي لاهوتي علينا الإيمان به، ويُلغى بهذا أيّ ناسوت ممكن، الناسوت بالمعنى الزماني والمادّي والواقعي، الناس الآن يجرّون أولادهم، ويكتفون بأخذ جوازات سفرهم وأوراقهم الثبوتية إلى الطرقات خوفاً من الموت،هذا هو الناسوت الحقيقي، الخوف، الجسد، الزمن، الغريزة، الحساب… بينما الفعل التعبّدي يتصرّف كما لو أن هذا البُعد غير موجود.

 ليست المسألة عند “التعبّديين” نتيجة عسكرية، بل صون صورة مهدّدة، الجماعة التي تفقد الاعتراف الخارجي وتُحاصر داخلياً لا ترى التعويض في التراجع، بل في تصعيد يُعيد تثبيت قدسيتها أمام نفسها أوّلاً، هنا تلتقي جدلية الاعتراف مع البنية العقدية، الهويّة حين تُهدّد قد تختار المخاطرة القصوى كي لا تفقد ذاتها.

لكن في هذه المخاطرة مفارقة خطرة، البحث عن اعتراف يبدو مستحيلاً قد ينقلب إلى ما يشبه الانتحار الرمزي أو الفعلي، ليس لأنه يريد الفناء لذاته، بل لأنه يرى في الفناء الممكن تأكيداً أعلى لمعناه، الشهادة تصبح تعويضاً عن الاعتراف المفقود. ذلّ الناس هو تجربة تعبّدية  أيضاً. كلّ لغة الإعلام اللبناني عن تصوير ضحايا الضربة لا يعني “حزب الله”، أنه ناسوت يؤجّل امتلاء في اللاهوت والمعنى، ثم أن هذا الألم هو تجربة يعرف الحزب نهايتها، الشهادة والتماثل مع الأبطال المقدّسين.

غير أن هذا المسار يحمل تناقضه الداخلي، كلما ازداد الفعل انفصالاً عن ميزان الواقع، ازداد اعتماده على سردية مغلقة لا تقبل تصحيحاً، سيتحوّل الطقس إلى ضرورة وجودية، الاستعداد للموت والألم والردّ لا يُقاس بفاعليته، بل بقدرته على إبقاء الجماعة في حالة إيمان مستمرّ وتجربة الألم المُعمّمة. المشكلة ليست في أن هناك عقلاً أسطورياً مقابل عقل واقعي، بل في أن الفعل يتحرّك ضمن نظام معنى مختلف بالكامل، نحن نقرأ خبر ستّة صواريخ تسبّبت في تشريد مئات آلاف النازحين، وهم قد يقرأون الصواريخ كصلاة، نحن نرى مخاطرة وهم يرون صوناً للكرامة المقدّسة، وفي المسافة بين القراءتين يتشكّل خطر حقيقي، حين يصبح الاعتراف مستحيلاً في الخارج يُستبدل باعتراف داخلي متصلّب قد يدفع الجماعة إلى حدود لا عودة منها. 

“حزب الله” لا يفكّر مثلنا، أو بالأدقّ لا يتحرّك داخل الإطار الزمني نفسه الذي نتحرّك فيه، نحن نقرأ الوقائع وفق حساب الممكن والنتيجة، وهم يعرّفون الإنسان بوصفه كائناً يعيش دوماً باتجاه ما لم يتحقّق بعد، أو ما يُفترض أنه قابل للتحقّق في أفق مؤجّل، هنا تلتقي بنية الفعل مع فكرة الله، أسطورة الوعد الإلهي، الخلاص، النصر المؤجّل، كلّها تعبيرات عن مستقبل يُستدعى باستمرار كي يمنح الحاضر معنى.

المشكلة ليست في وجود وعد بل في انفصاله الكامل عن أيّ لغة واقعية لبلوغه، حين ينقطع الوعد عن شروط تحقّقه، يبقى الوعد نفسه لا باعتباره مشروعاً سياسياً بل كطاقة تعبئة خالصة، هكذا يستمرّ الوعد المتخيَّل بوصفه ضرورة نفسية وهويّاتية حتى لو تآكلت شروطه المادّية، الصواريخ الستّ والمُسيّرة، في هذا السياق ليست خطوة نحو نتيجة، بل علامة على أن الأفق لم يُغلق بعد وأن الرسالة ما تزال قائمة.

“حزب الله” فقد فقد كثيراً من شروط يوتوبياه الملموسة، لم يعد يمتلك الأفق الإقليمي المتماسك ذاته، ولا الاعتراف الذي كان يغذّي سرديته، لذلك يبدو فعله أقرب إلى محاولة استعادة ما كان لا إنتاج ما سيكون، إنه يتحرّك داخل ذاكرة قوّة سابقة أكثر مما يتحرّك داخل مشروع قابل للتوسّع، البحث عن الاعتراف هنا لا يتّجه إلى الأمام فقط بل إلى الوراء، إلى لحظة كان فيها الوعد قابلاً للتصديق اجتماعياً.

 المفارقة ها هنا، حين تتحوّل الحركة من مشروع مستقبل إلى حنين إلى ذروة سابقة، يصبح الفعل أقرب إلى إعادة تمثيل طقسي لما مضى، ليس انتحاراً بالمعنى المباشر بل مخاطرة نابعة من عجز عن إنتاج أفق جديد، الوعد يبقى لكنّ شروطه تتآكل، والزمن بدل أن يكون مفتوحاً على تحقّق قادم، يصبح دائرة تحاول إعادة إنتاج صورة مقدّسة لذاتها، ولو عبر أفعال لا تغيّر الواقع بل تحافظ على معنى يتآكل بصمت.

لم يلتقط “حزب الله” الوجوه القلقة والخائبة في ساحة عزاء خامنئي في الضاحية الجنوبية قبل إطلاق الصواريخ، ولم يقرأ بعد الوجوه التي تهرب من الجنوب والبقاع والضاحية. 

 هناك تحوّل صامت يجري في العمق، الفرد الذي كان ذائباً في جماعة تمنحه معنى مطلقاً سيبدأ البحث عن استعادة ذاته بوصفه كائناً يريد النجاة قبل الخلود، حين يصبح المعنى مكلفاً إلى هذا الحدّ، حين يتحوّل إلى عبء اقتصادي وأمني ونفسي، تبدأ قدسيته بالتآكل.

المشكلة ليست في انهيار العقيدة فجأة، بل في تآكل قدرتها على تعبئة الحياة اليومية، حين يصبح الوعد المؤجّل أقلّ إقناعاً من الحاجة الآنية، وحين تتقدّم النجاة على التضحية، يتشكّل انفصال بطيء بين القيادة وقاعدتها، الحزب قد يستمرّ في تمثيل ذروة سابقة، لكنّ المجتمع يتحرّك داخل زمن مختلف، زمن يريد أن يفكّر في النتائج. 

الجماعة التي بنت هويّتها على وعد متعالٍ، قد تجد نفسها أمام أفراد لم يعودوا يريدون العيش داخل مسرح الخلاص بل خارجه، وإذا لم يُدرك الحزب هذا التحوّل فإن الفجوة بين المعنى الذي يعرضه والواقع الذي يعيشه الناس ستتّسع، لا بصخب أيديولوجي بل بصمت براغماتي فقير ومتهالك وبارد.