ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

صوتٌ يعلو فوق صوت المعركة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الأشجار تقاوم. في الأشجار الجنوبية شيء يشبه الاستعارات الرمزية الموجودة مِن الأعمال الفنّية، التي نجت من حروب العالم وما خلفها من مصالح. إنّها وسيلة لتمثيل الوجود بوصفه مقتطّعاً من سياق، وفي كونه مخترقاً من قوى اجتماعية وتاريخية. تحاول الشجرة في صمودها الفعلي أن تكون روحاً متماسكة ومستقلّة، وعندما تسقط… تُعيد تقديم العالم بوصفه أطلالاً على أطلال، وبطولات زائلة على طريق زوال، وتهزأ بالتحليلات الظرفية. الأشجار والصخور والعاديون، أهل الأرض وأصحابها: هذا هو التاريخ الحيّ، أمّا الأيديولوجيات فتاريخ ميّت.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مثل السير في شارع باتجاه وحيد، حيث تنتشر الشظايا والوجوه النائمة، تتفتّت الحياة قبل تفتّت المدينة نفسها. وإن كان رأس المال قد علّم الناس أن يرتّبوا حياتهم وفقاً لوقت لا يملكونه، فإنّ الحروب العبثية ما انفكت تعدهم بانتصارات تتيح لهم الاحتفال باتّساع عمق الهاوية، وقد لا يكون الشبه في اللغة العربية بين “الهاوية” و”الهويّة” سوى علامة من علامات التشظّي، ودليل على النفور المزمن مِن الاغتراب المؤلم والمتواصل.

مَن يقود المجتمع؟ لطالما كان هذا السؤال هو الأكثر الأهمّية، قبل الوصول إلى الحرب، خلالها، وسيبقى قائماً بعدها أيضاً، هناك مَن يدفع دائماً في اتجاه تأجيل الإجابة أو تمييعها، وهناك الذات التي تعاني من أشكال متعدّدة من الاغتراب. 

في الحالة الأولى، إذا كانت الأفكار المُهيمنة تبدو ناجعة وقادرة على السيطرة، فلا يعود السؤال عن مصدرها قادراً على استعارة أي انتباه. مِن الصعوبة البالغة، أن يعاد تشكيل القيم الأخلاقية في مجتمع ما، مِن دون التحرّر ممَن يهيمن على تحديد البديهي مِن الإشكالي. ومِن الصعب جداً، أن تصير قيمة الإنسان الذي يسقط بريئاً وضعيفاً أكثر أهمّية من الشِعار الغيبي، الذي يسبق الموت ويتبعه ويحيط به من كل جانب. ومِن الصعب جداً أن تصير قيمة الأرض نفسها، أهمّ من قيمة القِتال العشوائي الكئيب، ما لم يُعدّ تشكيل المجتمع وفق منظومة أخلاقية جديدة، تتخّلص من الهيمنة الثقافية ولا تغرق فيها، كما لو أنّ الناس أسماك جامدة، والأيديولوجيا نهر باتجاه وحيد. يجب الدفاع عن المجتمع لا عن الهيمنة على المجتمع.

وفي الحالة الثانية، كل ما تقدّمه الحرب هو الاغتراب، الانفصال المتواصل عن كل ما يتورّط فيه الإنسان من مشاعر الحزن والتعب والخوف. مِن رفض الحرب، ورفض الانزلاق إليها، ورفض قاعدة أساسية مفادها أنّ ما ينتج عن الحرب من مأساة، لا يبرّر خطيئة السير نحوها. كل ما تقدّمه الحرب هو الاغتراب، شيء مثل ألم متواصل وغير مرئي، وهو ليس مهمّاً بحدّ ذاته، لكنّ آثاره لا تزول بسهولة. مِن الأطفال الذين كان يجب أن يكملوا حياتهم إلى حيث تكون الحياة، وصولاً إلى الشُرفات التي بسقوطها ينتهي تماماً ذلك الشعور الذي كان يرافق أصحابها، عندما كانوا يخرجون وينظرون إلى السماء، وأمّا الآن حيث لم يتبقَّ شرفات، ولا سماء، فإنّ في ذلك تأكيد آخر على عبثيّة الحرب ولا شيء سوى ذلك، أما همجية الطائرات والقذائف، فلشدّة سطوعها لا تحتاج إلى تأكيد.

أحياناً نسأل أنفسنا، لماذا ولدنا هنا، أو هناك، أو في أي مكان في العالم، وليس بالضرورة أن يكون ذلك تذمّراً مِن المكان، أو دعوة للانفصال عنه، ففي النهاية نحن والأمكنة والأحداث، نشكّل معاً ما يمكننا أن نسمّيه تاريخاً، والتاريخ هو سلسلة من العلاقات، يجب أن نكون في داخلها، وفي لحظات القسوة نحاول العيش خارجها أيضاً. مع ذلك يجب أن نعترف نحن البشر، أنّ ثمّة فجوة بيننا، بين هويّتنا كما نعرّف عنها، وبين ما هو مفروض علينا، وهذا يطالنا جميعنا. بيننا وبين ما لم نختره أو ما لم نوافق عليه، وبيننا وبين وعينا الشخصي بالأيّام التي انقضت، وقد كنّا جزءاً منها، لا لشيء إلا لوجودنا في هذا العالم. ثمّة فجوة، ننتبه في الحرب إلى عمقها، بحيث لا يسمع أحد صوتنا سوانا، نحن الذي نعترض.

بغاية السذاجة، يسمّون ما يحدث “خيارات سياسية”، وتلك ليست سوى قراءة ظرفية شديدة التبسيط. فالهيمنة السياسية لا تُمَارس عبر القمع الصارم والمباشر دائماً، إنّما عبر آليّات معقّدة لكنّها ملموسة، تتغلغل في حياتنا اليومية، ولا تصبح الهيمنة فعالةً تماماً، إلا عندما تصير “معادلة طبيعية”، تنتظم العلاقات الاجتماعية حولها، بينما هي في الواقع ليست سوى قمع لا لُبس فيه. ما نفعله كل يوم، وفي الحرب بوتيرة أكثر سرعة، هو استيعاب آليّات السلطة في حياتنا اليومية، بحيث تصبح تصرّفاتنا وطرق استجابتنا وكل شعور من مشاعرنا، جزءاً من منظومة الهيمنة الثقافية، وهناك من يسعى إلى “تطبيع” هذه الهيمنة، عبر اختراع نظرية “المبالغة في النقد”، كما لو أنّ الاحتلال الشنيع، يجعل الهيمنة الطائفية الشنيعة حدثاً عرضياً، وكما لو أنّ العلاقة بين الأمرين ليست إيجابية فعلاً وممارسة.

في الأصل، لا تشيّد الهويّة الطائفية بمعزل عن السلطة، يُعاد إنتاجها بصورة يومية من خلال التفاعل مع المؤسّسات التي تجسّد القانون والخطابات، وفجأة، لا يعود تجاهل المعاناة ممكناً، يحلّ شعور غريب بالثقل، كمَن يحمل على كتفيه تاريخاً لا أثر له فيه، وذاكرة عندما تمرّ أمامه تبدو أشبه بسلسلة من الأحداث المنقطعة، تخصّ آخرين، وقد توّجب عليه أن يتحمّلها. 

للهويّة جذور في التاريخ، أحياناً تدفع إلى الابتسام والقبول، فتعزّز العلاقة مع الأرض ومع البحر والنهر ومع المكان، وأحياناً تصير قيوداً غير مرئية، وعندما تُفرض على الإنسان هويّة تتعارض مع إحساسه بذاته، مثل وجوب الاعتراف العنيف بجدوى الإحتراب، فإنّ ذلك يحدث عبر الأعراف وعبر الانتماء القسري وعبر الهيمنة، وبذلك، يصير الإنسان غريباً.

الأشجار تقاوم. في الأشجار الجنوبية شيء يشبه الاستعارات الرمزية الموجودة مِن الأعمال الفنّية، التي نجت من حروب العالم وما خلفها من مصالح. إنّها وسيلة لتمثيل الوجود بوصفه مقتطّعاً من سياق، وفي كونه مخترقاً من قوى اجتماعية وتاريخية. تحاول الشجرة في صمودها الفعلي أن تكون روحاً متماسكة ومستقلّة، وعندما تسقط… تُعيد تقديم العالم بوصفه أطلالاً على أطلال، وبطولات زائلة على طريق زوال، وتهزأ بالتحليلات الظرفية. الأشجار والصخور والعاديون، أهل الأرض وأصحابها: هذا هو التاريخ الحيّ، أمّا الأيديولوجيات فتاريخ ميّت.

والأيديولوجيا الغيبية التي أمامنا، على أي حال، ليست تقليدية تماماً، إنّها نتاج تحوّلات وصراعات كثيرة، بين عدّة عوالم، وبين عدّة طبقات، وبين عدّة طوائف وسرديات. ما هو أمامنا، نظام ثقافي صلب، يتولّى بدقّة ولكن من دون جهد كبير، تنظيم معنى الأخلاق في المجتمع وماهيّتها. إنّ انهيار نظام مثل هذا لن يمرّ بسهولة، وسيكون سقوطه مدوّياً، سيخلّف ذواتاً تائهة، وقد تعجز في المراحل الأولى عن العثور على معانٍ أخلاقية بديلة، فما كان مربوطاً بالغيب سيبقى كذلك، لكنّ ارتباط الغيب نفسه بالنظام الاجتماعي المتبقّي لن يكون ممكناً. 

حتى التفسيرات الأخلاقية للسلطة التي اعتاد الجمهور على تلقّيها، سواء كان ذلك في الاشتراك الشائن خلال عقد انقضى في القتال ضدّ شعوب جارة ومقهورة، أو في غيرها من الحروب الصغيرة والكبيرة، لن تعود موجودة، وما كان قائماً كصرح عملاق يصل إلى السماء، كامتداد لنظام متعالٍ، من دون أن يكون ذلك معلناً، سيخلّف بعد سقوطه فراغاً يتجاوز البنى التحتية والاقتصاد والأعمال وإدارة الحياة، سيصير بحثاً عن شرعية الوجود بحدّ ذاته.

تعمل الهيمنة الثقافية بين البنى، لا فوقها ولا تحتها، وما السياسة إلا الظاهر مِن الظاهر، ليست الهيمنة عبارة عن أوامر يجب تنفيذها، إنّها أفكار شائعة تصير “حسّاً مشتركاً”، أو قواعد بديهية، لا يمكن الخروج عنها، أو رفضها، أو الاعتراض عليها. شيء مثل الحرب التي أمامنا، حيث لا يمكن الخروج عن التعريفات السائدة للحياة والموت، ولا عن آليّة انتاجات العلاقات بين الأفراد خارج الإطار الجماعي القمعي، وحيث لا يمكن تصوّر أفراد من الأساس، وذلك تحت ذريعة حماية المجتمع. 

هذه الهيمنة تحدّد متى يمكنك أن تخاف، ومتى يمكنك أن تقلق، ومتى يمكنك أن تحزن، وما الذي يمكن أن تنتظره، ومتى يمكنك أن تنتقد ومَن وكيف، تحدّد كل رغبة وكل شعور، وليس الآراء المجرّدة وحسب.

في ظاهره، يبدو خطاب الحرب بسيطاً، يقوم على مفردات بسيطة، حيث يمكن للعاديين أن يشعروا بامتلاكه، وبامتلاك معرفة كافية لاكتساب المعنى في العالم، لكنّه في الوقت نفسه، خطاب مُحكم لتأكيد الهيمنة، ليس الآن وحسب بل في كل حرب. وأكثر من أي وقت، يخضع المشرق، وتحديداً لبنان، لعملية طاحنة لإعادة إنتاج الهويّة، على نحو بالغ التعسّف، وبصورة رئيسية في المسألة الطائفية، ومَن يشارك اليوم في الدفاع عن الهيمنة الماضوية، يشارك في إعادة إنتاج المسألة الطائفية وفي تكريسها، ولا شيء يدفع إلى مزيد من الاغتراب سوى الإهمال المتواصل، مِن كل مَن يعتقدون أنفسهم ناجين أخلاقياً، مِن “ما بعد استعماريين” و”معادين للإمبريالية”، بينما يعيدون تأكيد الهيمنة الثقافية على آخرين، بسكوتهم عن القمع الرهيب القائم على الاعتبار الطائفي، طالما أنّ الآخرين هم الذين يموتون، وطالما أنّهم هم “يتعاطفون” مِن مكان آمن. 

الاستقطاب جريمة… إنّ رفض الاحتلال يستدعي المقاومة، والدفاع بكل طريقة ممكنة عن الأرض وعن الضحايا… لكن ليس عن هيمنة الطائفة على الروح، ولا عن هيمنة الأيديولوجيا الطائفية على الوعي، ولا يوجد شيء في الواقع اسمه “أبناء جِلدتك” الطائفية، يوجد شيء اسمه قيد. قيد طائفي، أو باللغة البيروقراطية القمعية: “إخراج قيد”.

قبل كل ذلك…

ليست الهويّة أمراً هشّاً بحدّ ذاتها، وليست هذه الكلمات دعوة إلى جلد الذات، وإلى تمرد تقليدي على الجماعة، أو محاولة للتنصّل من أي شيء. فما يجعل الهويّة هشّة بالفعل هو تحوّلها إلى “قيد”، إن كان ذلك في سجلّ، أو في سلوك، قبل أن يتمّ ربطنا عبرها بآليّات السلطة الرسمية، وهذا ينسحب على جميع الطوائف اللبنانية، وعلى كل حروبنا. تصير الهويّة هشّة عندما لا نعود أصحاب ذوات حرّة، إنما أصحاب معاناة ذاتية قاسية، تدفعنا نحو اغتراب شاسع إلى درجة لا يمكن حصرها. 

لا تُعيد السيطرة المؤسّسية إنتاج السلطة وحسب، بل تُعيد إنتاج هويّاتنا، عبر المؤسّسات المختلفة، من الإدارة والتعليم إلى الأمن والاقتصاد، وتزجّنا في أقفاص. بذلك، تصبح الهويّة نتيجة تفاعل مستمرّ مع أنظمة السلطة والبيروقراطية، وتؤدّي – تحديداً في حالة الحرب – إلى شعور بالاغتراب والإذعان، أو حتى التفاوض على الذات في مواجهة تصنيفات السلطة، وإنّ ما نطلق عليه لقب “البيروقراطية” ليس مجرّد آليّات متشابكة وتنظيم وظيفي، إنّه شبكة من القواعد والمعايير والإجراءات، والأنظمة التي تُمارَس في الحياة اليومية. بالتالي، لن يكون ممكناً أن تكون شخصاً من دون “بطاقة هويّة”، أو أن تعمل في مكان ما، من دون تصنيف جندري، وهكذا دواليك، وفي لبنان، هناك كارثة التداخل بين البيروقراطية بحدّ ذاتها، وبين التعسّف الطائفي الذي يلازمها. 

وفي بلدان أخرى، يمكن أن تكون البيروقراطية الحديثة أداة لضبط السلوك والتنميط، ولوضع الأفراد ضمن تصنيفات معتمدة رسمياً، ما قد يجعل الهويّة أكثر ارتباطاً بإجراءات حكومية، لكن في لبنان، لا تبقى الهويّة تمثيلاً اجتماعياً داخلياً مجرّداً إنّما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأنظمة القوّة نفسها التي تتحكّم في حياة الناس. 

كل بطاقة هويّة، كل سجلٍ من سجلات النفوس، وكل تصريح عن “مسقط الرأس” الذي لم يختره أحد، كل مؤشّر شخصي وخاصّ، كل معيار إداري يتعلّق بالانتخاب وجواز السفر وغيره، ينفي صفة الذات الأساسية، يجعلها عقدة في سلسلة بيروقراطية شديدة التعقيد، وكل قول يدافع عن الهيمنة الثقافية وعن تكريس الطائفية هويّة قطعية للفرد والجماعة، هو سجن عملاق.

مثل الكلمات والأفكار، لا تعمل الأنظمة الإدارية على تنظيم الحياة وحسب، لديها وظيفة موازية تتمثّل بتوزيع التصنيفات الرسمية على الناس وتكريسها، مثل مسألة الجنسية، الحالة القانونية، الخلفية التعليمية، والوضع الوظيفي، و”كل ما هو ذي صلة”، بلغة پياتريس إيبوه، وهذه التصنيفات ليست محايدة، وتحدّد للمؤسّسة ومن خلالها ما معنى أن تكون شخصاً داخل المجتمع: هل أنت مواطن؟ ما هي حقوقك؟ ما هي واجباتك؟  وعندما يضعك النظام في خانة معينة، مثل “عاطل مِن العمل”، أو “دون إقامة”، وفي لبنان، وطالما أنّ الأمر مقونن، يمكن أن نقول “درزي”، “شيعي”، “ماروني”، أو “مكتوم القيد”، فهذا ليس وصفاً إدارياً مجرّداً، هذا الوعي المنتج والمعزّز هو مسألة سياسية تدعم الاستقطاب، بحيث تصير السلطة أكثر قدرة على التحكّم بالأفراد، أما التطبّع مع ذلك، والسكوت عنه، فسيتّخذ دائماً شكل المشاركة والقبول، سواء كان ذلك في الحرب أو في السلم.

يصير الأمر أشبه بوعي ذاتي يحدّد معنى أساسياً من معاني وجودك في العالم، من دون أن يكون ذلك ذي أي معنى فعلي عملياً، وإذا كان التهجير المريع نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، فإنّ شعور المهجّرين “المعلّب” بأنّهم جميعهم من طائفة محدّدة، بالمعنيين “الوجودي” الذي يحدد علاقتهم بالعالم، و”البيروقراطي” الذي تنتظم فيه علاقاتهم بهذا العالم وبالآخرين الموجودين فيه، ليس سوى نتيجة تناسل تاريخ طويل من علاقات السلطة، وعندما تتحوّل بطاقة الهويّة، أو الاسم الذي لم تختره، في مكان لم تختره (حتى لو كنت متصالحاً معه، أو حتى متعلّقاً به)، إلى تصنيف، إلى تمثيل اجتماعي تقليدي، وإلى عامل يجعل الشعور أمراً محبطاً، والنقد خروجاً عن الجماعة في كل دقيقة، وكل ثانية، تصير الهويّة بحدّ ذاتها عبئاً على الوجود من أساسه، وقد تسبب كارثة أكبر: تحوّل التضامن إلى فانتازيا نخبوية، تبعث على مزيج مِن السأم واليأس.

تتكوّن حياتنا نحن البشر، عموماً، وتتشكّل من أحداث لم نخترها، ولم نكن جزءاً أساسياً فيها، حتى لو تصرّفنا كما لو أنّ المسألة تجري على هذا النحو، هذا هو التاريخ عموماً. لكن، عندما يكون هذا هو الحاضر… كيف يمكن التعامل مع هذا الاختلال؟ إنّ الذات التي تقبل أن تؤدّي دوراً اجتماعياً، بدلاً من أن تكون ذاتاً حرّة، ليست سوى عبئاً على صاحبها أو صاحبتها، ومَن يُجبر على هويّة زائفة يعاني من ألم لا يتوقّف، ليس ألماً غير مرئي وحسب، إنّه ألم غير محسوس أيضاً، ندبة ظاهرة، وفي أحسن الأحوال وشم غير محبّب على جلد صاحبه.

في الحرب، تُنسى “الهيمنة الثقافية” أكثر وأكثر، تصير الشعارات أكثر صخباً من الأشكمانات المثقوبة، وقد يصيران معاً تمثيلين مختلفين لهيمنة ثقافية واحدة، على مجال واحد، أو مجالات متعدّدة، لا تحافظ المجموعة التي تسيطر على مجتمع ما على سلطتها بالقوّة وحدها، وتحتاج دائماً… إلى الهيمنة الثقافيّة.  

يتمسّك المسيطرون بهذه الهيمنة، وبفكرة واحدة لا غيرها، وهي أن يبدو التصوّر الذي يقدّمونه عن العالم تصوّراً نهائياً ومُطلقاً لا سجال فيه ولا حوله، التصوّر المثالي والبديهي، المعمّم على جميع الذين يعتبرونهم “مجتمعهم”… بينما هذا المجتمع في الواقع لا يكون سوى مجموعة “الخاضعين لهيمنتهم المباشرة”، وفي لبنان، يملك هؤلاء اسماً قانونياً: “الطائفة”، ولا يكفي هؤلاء أن يكون تصوّر المهيمنين هو الأعمّ أو الأكثر قبولاً، من أجل تأكيد الهيمنة، يجب أن يكون هو التصوّر الوحيد.

الحرب مرحلة لاحقة، اختبار نموذجي لحدود الهيمنة، وبالمعنى الغرامشي المتأخّر للكلمة، وعلى مراحل تاريخية طويلة، استفادت جميع الأيديولوجيات الطائفية لبنانياً من ضعف الدولة النسبي، ومن ضحالة المجتمع المدني وانتهازيته المفرطة، ومن تمركز المثقفّين حول ذواتهم، فطوّرت أدوات الهيمنة على أفضل وجه، وبدلاً من المدرسة أنشأت مدارس وجامعات، وبدلاً من الإعلام التقليدي، هيمنت بقوّة على مصادر إنتاج الخبر والتحليل عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحديداً في المجتمعات المحافظة التي تتضاعف ريبتها من الحداثة والتحديث، وإلى ذلك، سيطرت على أدب الجماعة وأدبياتها، وصارت تحدّد ما هو لائق وما هو ليس كذلك، حتى أنّها اخترعت تاريخاً وتخيّلت جغرافيا، وها هي تنشط في إعادة الشريط من أوّله.

منذ زمن، والأيديولوجيات الطائفية تؤدي أدوارها في إنتاج “حسّ جماعي مشترك”، ذلك الذي يجعل الناس يقبلون كل ما هو قائم، وكل ما ينتج عنه، من دون مساءلة، ومن دون أن يشعروا بأنّه فُرض عليهم فرضاً، من الجنوب، إلى الشمال. ولطالما كانت الهيمنة الثقافية في أشدّ مراحلها وضوحاً خلال فترات الحرب، الأهلية وغيرها، حيث تظهر عبارات من نوع “الوحدة أهمّ من النقد”، أو وفق التجربة العربية الشمولية المريرة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وفجأة يكثر استخدام مفردات القاموس الذكوري التقليدي، من نوع “التصدّي”، “البطولة”، “الالتزام”، و”البأس”، وفي حالات الخطر الشديد والشعور باقتراب الهزيمة، قد يقال “حرب وجودية”.

في كتاباته المتأخّرة، وفيما بدا للوهلة الأولى آنذاك هذياناً فلسفياً، لمّح ڤالتر بنجامين مراراً إلى إمكان حدوث “لحظة خلاصية”، لحظة انقطاع مفاجئ في الزمن، تسمح بإعادة توجيه التاريخ نحو العدالة. اليوم، وبينما يزحف جنود الاحتلال فوق أنقاض بيوت الأبرياء في الجنوب، تبدو اللحظة الخلاصية بعيدة، ثم تبدو مستحيلة، ونكاد نختنق نحن الذين لا يمكننا أن نتصوّر حياتنا من دون الجنوب، ولا يوجد في وعينا ما يعوّض الخسارة، فنحن ببساطة، لسنا أبطالاً بالضرورة، نحن عاديون، نتعب، نحزن، نقلق، ونخاف، نعترف بما نشعر به، وليس بما يُملى علينا من مشاعر، ولا يهمّنا النصر، بقدر ما يهمّنا البقاء: الأشجار، الأرض، اللغة، وجميع مكوّنات الثقافة التي أنفقنا أعمارها ونحن ننهل منها، ونضيف إليها… الحياة، وليس الموت، هي بالتحديد كل ما نقاوم لأجله.

01.04.2026
زمن القراءة: 11 minutes

الأشجار تقاوم. في الأشجار الجنوبية شيء يشبه الاستعارات الرمزية الموجودة مِن الأعمال الفنّية، التي نجت من حروب العالم وما خلفها من مصالح. إنّها وسيلة لتمثيل الوجود بوصفه مقتطّعاً من سياق، وفي كونه مخترقاً من قوى اجتماعية وتاريخية. تحاول الشجرة في صمودها الفعلي أن تكون روحاً متماسكة ومستقلّة، وعندما تسقط… تُعيد تقديم العالم بوصفه أطلالاً على أطلال، وبطولات زائلة على طريق زوال، وتهزأ بالتحليلات الظرفية. الأشجار والصخور والعاديون، أهل الأرض وأصحابها: هذا هو التاريخ الحيّ، أمّا الأيديولوجيات فتاريخ ميّت.


مثل السير في شارع باتجاه وحيد، حيث تنتشر الشظايا والوجوه النائمة، تتفتّت الحياة قبل تفتّت المدينة نفسها. وإن كان رأس المال قد علّم الناس أن يرتّبوا حياتهم وفقاً لوقت لا يملكونه، فإنّ الحروب العبثية ما انفكت تعدهم بانتصارات تتيح لهم الاحتفال باتّساع عمق الهاوية، وقد لا يكون الشبه في اللغة العربية بين “الهاوية” و”الهويّة” سوى علامة من علامات التشظّي، ودليل على النفور المزمن مِن الاغتراب المؤلم والمتواصل.

مَن يقود المجتمع؟ لطالما كان هذا السؤال هو الأكثر الأهمّية، قبل الوصول إلى الحرب، خلالها، وسيبقى قائماً بعدها أيضاً، هناك مَن يدفع دائماً في اتجاه تأجيل الإجابة أو تمييعها، وهناك الذات التي تعاني من أشكال متعدّدة من الاغتراب. 

في الحالة الأولى، إذا كانت الأفكار المُهيمنة تبدو ناجعة وقادرة على السيطرة، فلا يعود السؤال عن مصدرها قادراً على استعارة أي انتباه. مِن الصعوبة البالغة، أن يعاد تشكيل القيم الأخلاقية في مجتمع ما، مِن دون التحرّر ممَن يهيمن على تحديد البديهي مِن الإشكالي. ومِن الصعب جداً، أن تصير قيمة الإنسان الذي يسقط بريئاً وضعيفاً أكثر أهمّية من الشِعار الغيبي، الذي يسبق الموت ويتبعه ويحيط به من كل جانب. ومِن الصعب جداً أن تصير قيمة الأرض نفسها، أهمّ من قيمة القِتال العشوائي الكئيب، ما لم يُعدّ تشكيل المجتمع وفق منظومة أخلاقية جديدة، تتخّلص من الهيمنة الثقافية ولا تغرق فيها، كما لو أنّ الناس أسماك جامدة، والأيديولوجيا نهر باتجاه وحيد. يجب الدفاع عن المجتمع لا عن الهيمنة على المجتمع.

وفي الحالة الثانية، كل ما تقدّمه الحرب هو الاغتراب، الانفصال المتواصل عن كل ما يتورّط فيه الإنسان من مشاعر الحزن والتعب والخوف. مِن رفض الحرب، ورفض الانزلاق إليها، ورفض قاعدة أساسية مفادها أنّ ما ينتج عن الحرب من مأساة، لا يبرّر خطيئة السير نحوها. كل ما تقدّمه الحرب هو الاغتراب، شيء مثل ألم متواصل وغير مرئي، وهو ليس مهمّاً بحدّ ذاته، لكنّ آثاره لا تزول بسهولة. مِن الأطفال الذين كان يجب أن يكملوا حياتهم إلى حيث تكون الحياة، وصولاً إلى الشُرفات التي بسقوطها ينتهي تماماً ذلك الشعور الذي كان يرافق أصحابها، عندما كانوا يخرجون وينظرون إلى السماء، وأمّا الآن حيث لم يتبقَّ شرفات، ولا سماء، فإنّ في ذلك تأكيد آخر على عبثيّة الحرب ولا شيء سوى ذلك، أما همجية الطائرات والقذائف، فلشدّة سطوعها لا تحتاج إلى تأكيد.

أحياناً نسأل أنفسنا، لماذا ولدنا هنا، أو هناك، أو في أي مكان في العالم، وليس بالضرورة أن يكون ذلك تذمّراً مِن المكان، أو دعوة للانفصال عنه، ففي النهاية نحن والأمكنة والأحداث، نشكّل معاً ما يمكننا أن نسمّيه تاريخاً، والتاريخ هو سلسلة من العلاقات، يجب أن نكون في داخلها، وفي لحظات القسوة نحاول العيش خارجها أيضاً. مع ذلك يجب أن نعترف نحن البشر، أنّ ثمّة فجوة بيننا، بين هويّتنا كما نعرّف عنها، وبين ما هو مفروض علينا، وهذا يطالنا جميعنا. بيننا وبين ما لم نختره أو ما لم نوافق عليه، وبيننا وبين وعينا الشخصي بالأيّام التي انقضت، وقد كنّا جزءاً منها، لا لشيء إلا لوجودنا في هذا العالم. ثمّة فجوة، ننتبه في الحرب إلى عمقها، بحيث لا يسمع أحد صوتنا سوانا، نحن الذي نعترض.

بغاية السذاجة، يسمّون ما يحدث “خيارات سياسية”، وتلك ليست سوى قراءة ظرفية شديدة التبسيط. فالهيمنة السياسية لا تُمَارس عبر القمع الصارم والمباشر دائماً، إنّما عبر آليّات معقّدة لكنّها ملموسة، تتغلغل في حياتنا اليومية، ولا تصبح الهيمنة فعالةً تماماً، إلا عندما تصير “معادلة طبيعية”، تنتظم العلاقات الاجتماعية حولها، بينما هي في الواقع ليست سوى قمع لا لُبس فيه. ما نفعله كل يوم، وفي الحرب بوتيرة أكثر سرعة، هو استيعاب آليّات السلطة في حياتنا اليومية، بحيث تصبح تصرّفاتنا وطرق استجابتنا وكل شعور من مشاعرنا، جزءاً من منظومة الهيمنة الثقافية، وهناك من يسعى إلى “تطبيع” هذه الهيمنة، عبر اختراع نظرية “المبالغة في النقد”، كما لو أنّ الاحتلال الشنيع، يجعل الهيمنة الطائفية الشنيعة حدثاً عرضياً، وكما لو أنّ العلاقة بين الأمرين ليست إيجابية فعلاً وممارسة.

في الأصل، لا تشيّد الهويّة الطائفية بمعزل عن السلطة، يُعاد إنتاجها بصورة يومية من خلال التفاعل مع المؤسّسات التي تجسّد القانون والخطابات، وفجأة، لا يعود تجاهل المعاناة ممكناً، يحلّ شعور غريب بالثقل، كمَن يحمل على كتفيه تاريخاً لا أثر له فيه، وذاكرة عندما تمرّ أمامه تبدو أشبه بسلسلة من الأحداث المنقطعة، تخصّ آخرين، وقد توّجب عليه أن يتحمّلها. 

للهويّة جذور في التاريخ، أحياناً تدفع إلى الابتسام والقبول، فتعزّز العلاقة مع الأرض ومع البحر والنهر ومع المكان، وأحياناً تصير قيوداً غير مرئية، وعندما تُفرض على الإنسان هويّة تتعارض مع إحساسه بذاته، مثل وجوب الاعتراف العنيف بجدوى الإحتراب، فإنّ ذلك يحدث عبر الأعراف وعبر الانتماء القسري وعبر الهيمنة، وبذلك، يصير الإنسان غريباً.

الأشجار تقاوم. في الأشجار الجنوبية شيء يشبه الاستعارات الرمزية الموجودة مِن الأعمال الفنّية، التي نجت من حروب العالم وما خلفها من مصالح. إنّها وسيلة لتمثيل الوجود بوصفه مقتطّعاً من سياق، وفي كونه مخترقاً من قوى اجتماعية وتاريخية. تحاول الشجرة في صمودها الفعلي أن تكون روحاً متماسكة ومستقلّة، وعندما تسقط… تُعيد تقديم العالم بوصفه أطلالاً على أطلال، وبطولات زائلة على طريق زوال، وتهزأ بالتحليلات الظرفية. الأشجار والصخور والعاديون، أهل الأرض وأصحابها: هذا هو التاريخ الحيّ، أمّا الأيديولوجيات فتاريخ ميّت.

والأيديولوجيا الغيبية التي أمامنا، على أي حال، ليست تقليدية تماماً، إنّها نتاج تحوّلات وصراعات كثيرة، بين عدّة عوالم، وبين عدّة طبقات، وبين عدّة طوائف وسرديات. ما هو أمامنا، نظام ثقافي صلب، يتولّى بدقّة ولكن من دون جهد كبير، تنظيم معنى الأخلاق في المجتمع وماهيّتها. إنّ انهيار نظام مثل هذا لن يمرّ بسهولة، وسيكون سقوطه مدوّياً، سيخلّف ذواتاً تائهة، وقد تعجز في المراحل الأولى عن العثور على معانٍ أخلاقية بديلة، فما كان مربوطاً بالغيب سيبقى كذلك، لكنّ ارتباط الغيب نفسه بالنظام الاجتماعي المتبقّي لن يكون ممكناً. 

حتى التفسيرات الأخلاقية للسلطة التي اعتاد الجمهور على تلقّيها، سواء كان ذلك في الاشتراك الشائن خلال عقد انقضى في القتال ضدّ شعوب جارة ومقهورة، أو في غيرها من الحروب الصغيرة والكبيرة، لن تعود موجودة، وما كان قائماً كصرح عملاق يصل إلى السماء، كامتداد لنظام متعالٍ، من دون أن يكون ذلك معلناً، سيخلّف بعد سقوطه فراغاً يتجاوز البنى التحتية والاقتصاد والأعمال وإدارة الحياة، سيصير بحثاً عن شرعية الوجود بحدّ ذاته.

تعمل الهيمنة الثقافية بين البنى، لا فوقها ولا تحتها، وما السياسة إلا الظاهر مِن الظاهر، ليست الهيمنة عبارة عن أوامر يجب تنفيذها، إنّها أفكار شائعة تصير “حسّاً مشتركاً”، أو قواعد بديهية، لا يمكن الخروج عنها، أو رفضها، أو الاعتراض عليها. شيء مثل الحرب التي أمامنا، حيث لا يمكن الخروج عن التعريفات السائدة للحياة والموت، ولا عن آليّة انتاجات العلاقات بين الأفراد خارج الإطار الجماعي القمعي، وحيث لا يمكن تصوّر أفراد من الأساس، وذلك تحت ذريعة حماية المجتمع. 

هذه الهيمنة تحدّد متى يمكنك أن تخاف، ومتى يمكنك أن تقلق، ومتى يمكنك أن تحزن، وما الذي يمكن أن تنتظره، ومتى يمكنك أن تنتقد ومَن وكيف، تحدّد كل رغبة وكل شعور، وليس الآراء المجرّدة وحسب.

في ظاهره، يبدو خطاب الحرب بسيطاً، يقوم على مفردات بسيطة، حيث يمكن للعاديين أن يشعروا بامتلاكه، وبامتلاك معرفة كافية لاكتساب المعنى في العالم، لكنّه في الوقت نفسه، خطاب مُحكم لتأكيد الهيمنة، ليس الآن وحسب بل في كل حرب. وأكثر من أي وقت، يخضع المشرق، وتحديداً لبنان، لعملية طاحنة لإعادة إنتاج الهويّة، على نحو بالغ التعسّف، وبصورة رئيسية في المسألة الطائفية، ومَن يشارك اليوم في الدفاع عن الهيمنة الماضوية، يشارك في إعادة إنتاج المسألة الطائفية وفي تكريسها، ولا شيء يدفع إلى مزيد من الاغتراب سوى الإهمال المتواصل، مِن كل مَن يعتقدون أنفسهم ناجين أخلاقياً، مِن “ما بعد استعماريين” و”معادين للإمبريالية”، بينما يعيدون تأكيد الهيمنة الثقافية على آخرين، بسكوتهم عن القمع الرهيب القائم على الاعتبار الطائفي، طالما أنّ الآخرين هم الذين يموتون، وطالما أنّهم هم “يتعاطفون” مِن مكان آمن. 

الاستقطاب جريمة… إنّ رفض الاحتلال يستدعي المقاومة، والدفاع بكل طريقة ممكنة عن الأرض وعن الضحايا… لكن ليس عن هيمنة الطائفة على الروح، ولا عن هيمنة الأيديولوجيا الطائفية على الوعي، ولا يوجد شيء في الواقع اسمه “أبناء جِلدتك” الطائفية، يوجد شيء اسمه قيد. قيد طائفي، أو باللغة البيروقراطية القمعية: “إخراج قيد”.

قبل كل ذلك…

ليست الهويّة أمراً هشّاً بحدّ ذاتها، وليست هذه الكلمات دعوة إلى جلد الذات، وإلى تمرد تقليدي على الجماعة، أو محاولة للتنصّل من أي شيء. فما يجعل الهويّة هشّة بالفعل هو تحوّلها إلى “قيد”، إن كان ذلك في سجلّ، أو في سلوك، قبل أن يتمّ ربطنا عبرها بآليّات السلطة الرسمية، وهذا ينسحب على جميع الطوائف اللبنانية، وعلى كل حروبنا. تصير الهويّة هشّة عندما لا نعود أصحاب ذوات حرّة، إنما أصحاب معاناة ذاتية قاسية، تدفعنا نحو اغتراب شاسع إلى درجة لا يمكن حصرها. 

لا تُعيد السيطرة المؤسّسية إنتاج السلطة وحسب، بل تُعيد إنتاج هويّاتنا، عبر المؤسّسات المختلفة، من الإدارة والتعليم إلى الأمن والاقتصاد، وتزجّنا في أقفاص. بذلك، تصبح الهويّة نتيجة تفاعل مستمرّ مع أنظمة السلطة والبيروقراطية، وتؤدّي – تحديداً في حالة الحرب – إلى شعور بالاغتراب والإذعان، أو حتى التفاوض على الذات في مواجهة تصنيفات السلطة، وإنّ ما نطلق عليه لقب “البيروقراطية” ليس مجرّد آليّات متشابكة وتنظيم وظيفي، إنّه شبكة من القواعد والمعايير والإجراءات، والأنظمة التي تُمارَس في الحياة اليومية. بالتالي، لن يكون ممكناً أن تكون شخصاً من دون “بطاقة هويّة”، أو أن تعمل في مكان ما، من دون تصنيف جندري، وهكذا دواليك، وفي لبنان، هناك كارثة التداخل بين البيروقراطية بحدّ ذاتها، وبين التعسّف الطائفي الذي يلازمها. 

وفي بلدان أخرى، يمكن أن تكون البيروقراطية الحديثة أداة لضبط السلوك والتنميط، ولوضع الأفراد ضمن تصنيفات معتمدة رسمياً، ما قد يجعل الهويّة أكثر ارتباطاً بإجراءات حكومية، لكن في لبنان، لا تبقى الهويّة تمثيلاً اجتماعياً داخلياً مجرّداً إنّما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأنظمة القوّة نفسها التي تتحكّم في حياة الناس. 

كل بطاقة هويّة، كل سجلٍ من سجلات النفوس، وكل تصريح عن “مسقط الرأس” الذي لم يختره أحد، كل مؤشّر شخصي وخاصّ، كل معيار إداري يتعلّق بالانتخاب وجواز السفر وغيره، ينفي صفة الذات الأساسية، يجعلها عقدة في سلسلة بيروقراطية شديدة التعقيد، وكل قول يدافع عن الهيمنة الثقافية وعن تكريس الطائفية هويّة قطعية للفرد والجماعة، هو سجن عملاق.

مثل الكلمات والأفكار، لا تعمل الأنظمة الإدارية على تنظيم الحياة وحسب، لديها وظيفة موازية تتمثّل بتوزيع التصنيفات الرسمية على الناس وتكريسها، مثل مسألة الجنسية، الحالة القانونية، الخلفية التعليمية، والوضع الوظيفي، و”كل ما هو ذي صلة”، بلغة پياتريس إيبوه، وهذه التصنيفات ليست محايدة، وتحدّد للمؤسّسة ومن خلالها ما معنى أن تكون شخصاً داخل المجتمع: هل أنت مواطن؟ ما هي حقوقك؟ ما هي واجباتك؟  وعندما يضعك النظام في خانة معينة، مثل “عاطل مِن العمل”، أو “دون إقامة”، وفي لبنان، وطالما أنّ الأمر مقونن، يمكن أن نقول “درزي”، “شيعي”، “ماروني”، أو “مكتوم القيد”، فهذا ليس وصفاً إدارياً مجرّداً، هذا الوعي المنتج والمعزّز هو مسألة سياسية تدعم الاستقطاب، بحيث تصير السلطة أكثر قدرة على التحكّم بالأفراد، أما التطبّع مع ذلك، والسكوت عنه، فسيتّخذ دائماً شكل المشاركة والقبول، سواء كان ذلك في الحرب أو في السلم.

يصير الأمر أشبه بوعي ذاتي يحدّد معنى أساسياً من معاني وجودك في العالم، من دون أن يكون ذلك ذي أي معنى فعلي عملياً، وإذا كان التهجير المريع نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، فإنّ شعور المهجّرين “المعلّب” بأنّهم جميعهم من طائفة محدّدة، بالمعنيين “الوجودي” الذي يحدد علاقتهم بالعالم، و”البيروقراطي” الذي تنتظم فيه علاقاتهم بهذا العالم وبالآخرين الموجودين فيه، ليس سوى نتيجة تناسل تاريخ طويل من علاقات السلطة، وعندما تتحوّل بطاقة الهويّة، أو الاسم الذي لم تختره، في مكان لم تختره (حتى لو كنت متصالحاً معه، أو حتى متعلّقاً به)، إلى تصنيف، إلى تمثيل اجتماعي تقليدي، وإلى عامل يجعل الشعور أمراً محبطاً، والنقد خروجاً عن الجماعة في كل دقيقة، وكل ثانية، تصير الهويّة بحدّ ذاتها عبئاً على الوجود من أساسه، وقد تسبب كارثة أكبر: تحوّل التضامن إلى فانتازيا نخبوية، تبعث على مزيج مِن السأم واليأس.

تتكوّن حياتنا نحن البشر، عموماً، وتتشكّل من أحداث لم نخترها، ولم نكن جزءاً أساسياً فيها، حتى لو تصرّفنا كما لو أنّ المسألة تجري على هذا النحو، هذا هو التاريخ عموماً. لكن، عندما يكون هذا هو الحاضر… كيف يمكن التعامل مع هذا الاختلال؟ إنّ الذات التي تقبل أن تؤدّي دوراً اجتماعياً، بدلاً من أن تكون ذاتاً حرّة، ليست سوى عبئاً على صاحبها أو صاحبتها، ومَن يُجبر على هويّة زائفة يعاني من ألم لا يتوقّف، ليس ألماً غير مرئي وحسب، إنّه ألم غير محسوس أيضاً، ندبة ظاهرة، وفي أحسن الأحوال وشم غير محبّب على جلد صاحبه.

في الحرب، تُنسى “الهيمنة الثقافية” أكثر وأكثر، تصير الشعارات أكثر صخباً من الأشكمانات المثقوبة، وقد يصيران معاً تمثيلين مختلفين لهيمنة ثقافية واحدة، على مجال واحد، أو مجالات متعدّدة، لا تحافظ المجموعة التي تسيطر على مجتمع ما على سلطتها بالقوّة وحدها، وتحتاج دائماً… إلى الهيمنة الثقافيّة.  

يتمسّك المسيطرون بهذه الهيمنة، وبفكرة واحدة لا غيرها، وهي أن يبدو التصوّر الذي يقدّمونه عن العالم تصوّراً نهائياً ومُطلقاً لا سجال فيه ولا حوله، التصوّر المثالي والبديهي، المعمّم على جميع الذين يعتبرونهم “مجتمعهم”… بينما هذا المجتمع في الواقع لا يكون سوى مجموعة “الخاضعين لهيمنتهم المباشرة”، وفي لبنان، يملك هؤلاء اسماً قانونياً: “الطائفة”، ولا يكفي هؤلاء أن يكون تصوّر المهيمنين هو الأعمّ أو الأكثر قبولاً، من أجل تأكيد الهيمنة، يجب أن يكون هو التصوّر الوحيد.

الحرب مرحلة لاحقة، اختبار نموذجي لحدود الهيمنة، وبالمعنى الغرامشي المتأخّر للكلمة، وعلى مراحل تاريخية طويلة، استفادت جميع الأيديولوجيات الطائفية لبنانياً من ضعف الدولة النسبي، ومن ضحالة المجتمع المدني وانتهازيته المفرطة، ومن تمركز المثقفّين حول ذواتهم، فطوّرت أدوات الهيمنة على أفضل وجه، وبدلاً من المدرسة أنشأت مدارس وجامعات، وبدلاً من الإعلام التقليدي، هيمنت بقوّة على مصادر إنتاج الخبر والتحليل عبر شبكات التواصل الاجتماعي تحديداً في المجتمعات المحافظة التي تتضاعف ريبتها من الحداثة والتحديث، وإلى ذلك، سيطرت على أدب الجماعة وأدبياتها، وصارت تحدّد ما هو لائق وما هو ليس كذلك، حتى أنّها اخترعت تاريخاً وتخيّلت جغرافيا، وها هي تنشط في إعادة الشريط من أوّله.

منذ زمن، والأيديولوجيات الطائفية تؤدي أدوارها في إنتاج “حسّ جماعي مشترك”، ذلك الذي يجعل الناس يقبلون كل ما هو قائم، وكل ما ينتج عنه، من دون مساءلة، ومن دون أن يشعروا بأنّه فُرض عليهم فرضاً، من الجنوب، إلى الشمال. ولطالما كانت الهيمنة الثقافية في أشدّ مراحلها وضوحاً خلال فترات الحرب، الأهلية وغيرها، حيث تظهر عبارات من نوع “الوحدة أهمّ من النقد”، أو وفق التجربة العربية الشمولية المريرة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وفجأة يكثر استخدام مفردات القاموس الذكوري التقليدي، من نوع “التصدّي”، “البطولة”، “الالتزام”، و”البأس”، وفي حالات الخطر الشديد والشعور باقتراب الهزيمة، قد يقال “حرب وجودية”.

في كتاباته المتأخّرة، وفيما بدا للوهلة الأولى آنذاك هذياناً فلسفياً، لمّح ڤالتر بنجامين مراراً إلى إمكان حدوث “لحظة خلاصية”، لحظة انقطاع مفاجئ في الزمن، تسمح بإعادة توجيه التاريخ نحو العدالة. اليوم، وبينما يزحف جنود الاحتلال فوق أنقاض بيوت الأبرياء في الجنوب، تبدو اللحظة الخلاصية بعيدة، ثم تبدو مستحيلة، ونكاد نختنق نحن الذين لا يمكننا أن نتصوّر حياتنا من دون الجنوب، ولا يوجد في وعينا ما يعوّض الخسارة، فنحن ببساطة، لسنا أبطالاً بالضرورة، نحن عاديون، نتعب، نحزن، نقلق، ونخاف، نعترف بما نشعر به، وليس بما يُملى علينا من مشاعر، ولا يهمّنا النصر، بقدر ما يهمّنا البقاء: الأشجار، الأرض، اللغة، وجميع مكوّنات الثقافة التي أنفقنا أعمارها ونحن ننهل منها، ونضيف إليها… الحياة، وليس الموت، هي بالتحديد كل ما نقاوم لأجله.