ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ضحالة حجج المكوّعين

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

‏قد تكون هذه التكويعة قناعة لدى البعض، لكن ألا يتطلّب أقل الإيمان نقداً ذاتياً أو اعتذاراً، عما صدر عنهم بحق معارضي النظام السوري المخلوع، سواء كانوا سوريين أم لبنانيين أم فلسطينيين؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

‏مفردات جديدة شاع استخدامها بعد سقوط النظام السوري، أبرزها “مكوّع”،‏المكوّع هو من انحاز إلى صف النظام إبان الثورة السورية، متبنياً سرديته بحذافيرها، كما امتاز بحس المبادرة في اختلاق حجج تخوينية دفاعاً عن نظام الأسد.

الشخص ذاته تنصّل من مواقفه تلك بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، مدعياً عدم انحيازه إلى صف  بشار الأسد، بل غايته الفعلية ‏كانت مقارعة “الإمبريالية الصهيونية الاسلاموية”، وبالتالي تموضعه السابق ليس إلا ترجمة لأهداف مشتركة جمعته بالنظام السوري.

المكوع دون نقد ذاتيّ

‏شخصيات عامة وأفراد واظبوا على تخويننا منذ العام 2011، إن على وسائل الإعلام أو في المجالس الخاصة والعامة كما على وسائل التواصل الاجتماعي. هؤلاء باتوا يدّعون اليوم أنهم لم يكونوا يوماً في صف النظام. 

بعيداً عن كل المواد الموثقة لانحيازهم، ‏تنطوي تكويعتهم على إيجابية، تتلخّص في إقرارهم الضمني بجرائم النظام، ‏جرائم لم يعد ينفع معها أية عملية تجميل، مما أفقدهم جرأة الدفاع عنه، بخلاف ما كان يجري في السنوات الماضية، حين أنكروا تلك الجرائم والانتهاكات. 

‏قد تكون هذه التكويعة قناعة لدى البعض، لكن ألا يتطلّب أقل الإيمان نقداً ذاتياً أو اعتذاراً، عما صدر عنهم بحق معارضي النظام السوري المخلوع، سواء كانوا سوريين أم لبنانيين أم فلسطينيين؟

‏عدم تحلّيهم بهذه الشجاعة يدفع إلى التشكيك في صدق نواياهم، فمن الركائز الدعائية لمحور الممانعة هو عدم الاعتراف بالخطأ، لأن الاعتراف هو نقطة ضعف برأيهم وفرصة للتصويب عليهم. وعليه من المبرر افتراض أن تكويعتهم ليست سوى انحناء للعاصفة.

‏سبب آخر يدفع إلى التشكيك في عدم انحيازهم إلى النظام، إذ لم يصدر عنهم ما يشير إلى فرحتهم بسقوطه، والمقصود بهذا السياق الأفراد الذين نحتك بهم يومياً في العالمين الواقعي و الافتراضي. ‏لم يذرفوا دمعة فرح ولم ترتسم الضحكة على وجهوهم ولم يكتبوا منشورا أو تغريدة للتعبير عن سعادتهم، كل ما صدر عنهم عبارات ارتياب وتحذير من المستقبل المجهول، التي تسبقها تهنئة مقتضبة للشعب السوري على حريته. 

‏جميعنا لدينا هذا الهاجس من المستقبل، ولا يتوهم أحد منا أن سقوط النظام هو خاتمة الطريق. بالمقابل كل من عارض النظام السوري بصدق، أخذ قسطاً من السعادة، وأفرجت عيناه عن دمعة فرح بعد سنوات من دموع القهر. 

‏من جانب آخر، مضمون كلامهم يرتكز على ادّعاء أن مشاهد السجون، لا سيما في صيدنايا، هزّتهم من أعماقهم.

خطورة منطق “لو كنت أعلم”

من حقنا أن نسأل، لماذا الآن؟ ألم يتصفّحوا رواية القوقعة؟ ألم يطّلعوا على شهادات المحررين؟ ألم يشاهدوا الوثائقيات، لا سيما ذاك الذي تناول اغتصاب النساء؟ ألم يسمعوا بمحاكمة قادة وضباط وعناصر النظام أمام المحاكم الوطنية الأوروبية؟ يا ليتهم يخبروننا ما الذي هزّهم على وجه التحديد، حتى تفتّحت أعينهم عما كان غافلاً عنهم؟ كيف نجحت ثوانٍ معدودة في إفراغ مخزون حججهم التخويني الذي لم ينضب يوماً؟

على أي أساس يتبنّون، وعن حق، ما يصدر عن المحررين والمنظمات الحقوقية حيال ما يدور في المعتقلات الاسرائيلية من انتهاكات؟ واستطراداً كيف جزم وئام وهاب وسالم زهران، في معرض الرد على فظاعات صيدنايا، أن هذا الواقع موجود في باقي الدول العربية؟ 

استناداً إلى هذا المنطق الشبيه ب “لو كنت أعلم”، ألا يدركون أنهم بذلك يوفّرون لأنصار إسرائيل والديكتاتوريات العربية حجة دفاعية، إذ على مبدأ المعاملة بالمثل قد ينكرون ما يدور في المعتقلات المذكورة حتى إشعار آخر؟

المقاومة…مرة أخرى !

ودائماً في معرض الدفاع – الهجومي، يتمسك السواد الأعظم من المكوّعين بفكرة أن مساندتهم للنظام ليس موافقة على ممارساته، إنما لدعمه حركات المقاومة ضد إسرائيل. يظنون بذلك أنهم نجحوا في التملّص من هذا العار، لكنهم لا يدركون أن كلامهم يدينهم ولا يبرّئهم، بل تساهم حجتهم هذه في تأكيد المؤكد: لا مانع لديهم في انتهاك الحريات وقمع الشعوب، طالما يحدث ذلك باسم فلسطين “بخلافنا نحن الذين نساوي بين القضيتين ونرفض اعتبار إحداها أرفع شأناً من الأخرى”، كما لا نرى في القمع تعبيداً لطريق القدس.

الخلاصة: استناداً إلى أولوياتهم تلك، التي يبدو أنهم متمسكون بها، لا يُنتظر من المكوّعين إلا وضع العصي في الدواليب، والترحّم عند أول مناسبة على “الأسدين” الأب والابن، وحتى التباكي على إهدار فرصة توريث سوريا للأسد الحفيد.

خير مثال على ما سبق، هو تعليق على منشور يعود للفنان سميح شقير، إذ كتب صاحبه (بما معناه): “لازم تغني يا حيف لما تشوف الإسرائيليين بدرعا”. كلمات ذُيلت بعبارات تقليدية من نوع أنه مع حرية الشعب السوري وضد القمع.

بعيداً عن مناهضة الشخص المذكور للثورة السورية منذ بدايتها، التدقيق في مضمون تعليقه يضعه حكماً في خانة المكوّعين. فأغنية “يا حيف” تحاكي بدايات الثورة السورية، بالتالي أداؤها بغرض مناهضة الاحتلال الإسرائيلي هو خارج السياق. 

علاوة على ذلك، لسميح شقير أرشيف حافل بالأغاني التي تمجّد حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لماذا لم يطلب منه أداء إحداها بدلاً من يا حيف؟

لا أجد إلا تفسيراً واحداً: سميح شقير هو أحد الذين يجسّدون بشخصهم الترابط بين مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي للاستبداد. ترابط لا قدرة للممانعين (مكوّعين كانوا أم لا) على استيعابه، بنظرهم هما “خطان متوازيان لا يلتقيان”. 

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
04.01.2025
زمن القراءة: 4 minutes

‏قد تكون هذه التكويعة قناعة لدى البعض، لكن ألا يتطلّب أقل الإيمان نقداً ذاتياً أو اعتذاراً، عما صدر عنهم بحق معارضي النظام السوري المخلوع، سواء كانوا سوريين أم لبنانيين أم فلسطينيين؟

‏مفردات جديدة شاع استخدامها بعد سقوط النظام السوري، أبرزها “مكوّع”،‏المكوّع هو من انحاز إلى صف النظام إبان الثورة السورية، متبنياً سرديته بحذافيرها، كما امتاز بحس المبادرة في اختلاق حجج تخوينية دفاعاً عن نظام الأسد.

الشخص ذاته تنصّل من مواقفه تلك بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، مدعياً عدم انحيازه إلى صف  بشار الأسد، بل غايته الفعلية ‏كانت مقارعة “الإمبريالية الصهيونية الاسلاموية”، وبالتالي تموضعه السابق ليس إلا ترجمة لأهداف مشتركة جمعته بالنظام السوري.

المكوع دون نقد ذاتيّ

‏شخصيات عامة وأفراد واظبوا على تخويننا منذ العام 2011، إن على وسائل الإعلام أو في المجالس الخاصة والعامة كما على وسائل التواصل الاجتماعي. هؤلاء باتوا يدّعون اليوم أنهم لم يكونوا يوماً في صف النظام. 

بعيداً عن كل المواد الموثقة لانحيازهم، ‏تنطوي تكويعتهم على إيجابية، تتلخّص في إقرارهم الضمني بجرائم النظام، ‏جرائم لم يعد ينفع معها أية عملية تجميل، مما أفقدهم جرأة الدفاع عنه، بخلاف ما كان يجري في السنوات الماضية، حين أنكروا تلك الجرائم والانتهاكات. 

‏قد تكون هذه التكويعة قناعة لدى البعض، لكن ألا يتطلّب أقل الإيمان نقداً ذاتياً أو اعتذاراً، عما صدر عنهم بحق معارضي النظام السوري المخلوع، سواء كانوا سوريين أم لبنانيين أم فلسطينيين؟

‏عدم تحلّيهم بهذه الشجاعة يدفع إلى التشكيك في صدق نواياهم، فمن الركائز الدعائية لمحور الممانعة هو عدم الاعتراف بالخطأ، لأن الاعتراف هو نقطة ضعف برأيهم وفرصة للتصويب عليهم. وعليه من المبرر افتراض أن تكويعتهم ليست سوى انحناء للعاصفة.

‏سبب آخر يدفع إلى التشكيك في عدم انحيازهم إلى النظام، إذ لم يصدر عنهم ما يشير إلى فرحتهم بسقوطه، والمقصود بهذا السياق الأفراد الذين نحتك بهم يومياً في العالمين الواقعي و الافتراضي. ‏لم يذرفوا دمعة فرح ولم ترتسم الضحكة على وجهوهم ولم يكتبوا منشورا أو تغريدة للتعبير عن سعادتهم، كل ما صدر عنهم عبارات ارتياب وتحذير من المستقبل المجهول، التي تسبقها تهنئة مقتضبة للشعب السوري على حريته. 

‏جميعنا لدينا هذا الهاجس من المستقبل، ولا يتوهم أحد منا أن سقوط النظام هو خاتمة الطريق. بالمقابل كل من عارض النظام السوري بصدق، أخذ قسطاً من السعادة، وأفرجت عيناه عن دمعة فرح بعد سنوات من دموع القهر. 

‏من جانب آخر، مضمون كلامهم يرتكز على ادّعاء أن مشاهد السجون، لا سيما في صيدنايا، هزّتهم من أعماقهم.

خطورة منطق “لو كنت أعلم”

من حقنا أن نسأل، لماذا الآن؟ ألم يتصفّحوا رواية القوقعة؟ ألم يطّلعوا على شهادات المحررين؟ ألم يشاهدوا الوثائقيات، لا سيما ذاك الذي تناول اغتصاب النساء؟ ألم يسمعوا بمحاكمة قادة وضباط وعناصر النظام أمام المحاكم الوطنية الأوروبية؟ يا ليتهم يخبروننا ما الذي هزّهم على وجه التحديد، حتى تفتّحت أعينهم عما كان غافلاً عنهم؟ كيف نجحت ثوانٍ معدودة في إفراغ مخزون حججهم التخويني الذي لم ينضب يوماً؟

على أي أساس يتبنّون، وعن حق، ما يصدر عن المحررين والمنظمات الحقوقية حيال ما يدور في المعتقلات الاسرائيلية من انتهاكات؟ واستطراداً كيف جزم وئام وهاب وسالم زهران، في معرض الرد على فظاعات صيدنايا، أن هذا الواقع موجود في باقي الدول العربية؟ 

استناداً إلى هذا المنطق الشبيه ب “لو كنت أعلم”، ألا يدركون أنهم بذلك يوفّرون لأنصار إسرائيل والديكتاتوريات العربية حجة دفاعية، إذ على مبدأ المعاملة بالمثل قد ينكرون ما يدور في المعتقلات المذكورة حتى إشعار آخر؟

المقاومة…مرة أخرى !

ودائماً في معرض الدفاع – الهجومي، يتمسك السواد الأعظم من المكوّعين بفكرة أن مساندتهم للنظام ليس موافقة على ممارساته، إنما لدعمه حركات المقاومة ضد إسرائيل. يظنون بذلك أنهم نجحوا في التملّص من هذا العار، لكنهم لا يدركون أن كلامهم يدينهم ولا يبرّئهم، بل تساهم حجتهم هذه في تأكيد المؤكد: لا مانع لديهم في انتهاك الحريات وقمع الشعوب، طالما يحدث ذلك باسم فلسطين “بخلافنا نحن الذين نساوي بين القضيتين ونرفض اعتبار إحداها أرفع شأناً من الأخرى”، كما لا نرى في القمع تعبيداً لطريق القدس.

الخلاصة: استناداً إلى أولوياتهم تلك، التي يبدو أنهم متمسكون بها، لا يُنتظر من المكوّعين إلا وضع العصي في الدواليب، والترحّم عند أول مناسبة على “الأسدين” الأب والابن، وحتى التباكي على إهدار فرصة توريث سوريا للأسد الحفيد.

خير مثال على ما سبق، هو تعليق على منشور يعود للفنان سميح شقير، إذ كتب صاحبه (بما معناه): “لازم تغني يا حيف لما تشوف الإسرائيليين بدرعا”. كلمات ذُيلت بعبارات تقليدية من نوع أنه مع حرية الشعب السوري وضد القمع.

بعيداً عن مناهضة الشخص المذكور للثورة السورية منذ بدايتها، التدقيق في مضمون تعليقه يضعه حكماً في خانة المكوّعين. فأغنية “يا حيف” تحاكي بدايات الثورة السورية، بالتالي أداؤها بغرض مناهضة الاحتلال الإسرائيلي هو خارج السياق. 

علاوة على ذلك، لسميح شقير أرشيف حافل بالأغاني التي تمجّد حركات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لماذا لم يطلب منه أداء إحداها بدلاً من يا حيف؟

لا أجد إلا تفسيراً واحداً: سميح شقير هو أحد الذين يجسّدون بشخصهم الترابط بين مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي للاستبداد. ترابط لا قدرة للممانعين (مكوّعين كانوا أم لا) على استيعابه، بنظرهم هما “خطان متوازيان لا يلتقيان”.