آثار الحرب التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي بحق مواطني قطاع غزة، تتكشفت يوماً بعد يوم بجملة من الأمور التي لم تكن ظاهرة الى العلن، فاليوم يعيش المواطنون رحلة كفاح للبقاء على قيد الحياة والحصول على قوت يومهم، إلا أن هذه هي المحطة الأكثر تعقيداً وصعوبة في حياة الفلسطينيين في غزة اليوم.
عبّر مواطنون لـ”درج” عن استيائهم الكبير جراء استمرار غلاء الأسعار في الأسواق بشكل كبير من دون أدنى مراعاة لواقعهم المزري، فلا مصدر للدخل يستطيعون من خلاله توفير مستلزماتهم الحياتية، مشتكين من التجار الذين يتلاعبون بأسعار البضائع والسلع الغذائية، ما أدى إلى زيادة معاناتهم وعجزهم عن توفير متطلبات الحياة الأساسية جداً.
المواطن أحمد حمادة (38 عاماً) لديه أربعة أبناء، يقول لـ”درج”، “اضطررت للنزوح من منزلي في منطقة أبراج الندى في مدينة غزة إلى الجنوب، لأواجه بذلك الواقع الأكثر مرارة، والمتمثّل في توفير قوت العيش”، لافتاً إلى أن السلع المتوافرة في الأسواق غير ثابتة الأسعار وتتغير خلال اليوم ما لا يقل عن 3 مرات، في حين أن الأسعار كافة تفوق قدرة المواطن على شرائها.
وأضاف، “التجار لا يرحمون المواطن” ويطلبون في السلعة ما يزيد عن عشرة أضعاف سعرها السابق، بخاصة المستلزمات الأساسية من خضار وسلع غذائية، منوّهاً إلى أن الحرب تسببت بإفلاس المواطنين وإنفاق ما لديهم من أموال بل وأسوأ من ذلك، فقد أصبح كثر مدانون لبعضهم.
عمل الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، على تدمير القطاع الصناعي والزراعي وتعطيل الحركة الاقتصادية، وذلك بالتوازي مع سياسة التدمير الواسعة التي استخدمها ضد المنشآت المدنية والتجارية والصناعية، سعياً منه لاستباق مرحلة ما بعد الحرب عبر الإبادة الاقتصادية لغزة.
ضحايا الاقتصاد المنهار!
يرى بائع الخضار بالتجزئة في المواصي، خان يونس سلامة السويركي، أنّ باعة التجزئة والبسطات هم ضحايا ما وصفهم “تجار الحروب” الكبار الذين لا يهتمون لمعاناة الناس ويواصلون نهب أموال المواطنين تحت ذرائع واهية، ويرفعون الأسعار بشكل تدريجي، ويستغلون أزمات المواطنين، فضلاً عن احتكار سلع ومواد غذائية وإظهارها في وقت لاحق، ما يجعلهم المتحكمين فعلياً بالسلع وأسعارها داخل القطاع.
وأوضح السويركي أن ارتفاع الأسعار يعود الى عوامل عدة، أهمها جشع التجار لكسب المال، ورفعهم الأسعار تحت ذريعة سرقة البضائع عند المعبر وارتفاع أسعار نقل الشاحنات والتأمين عليها، وتسلسل بيع البضائع بين التجار، مما يؤدي إلى رفع مكاسبهم، وارتفاع أسعار السلع بشكل جنوني فور وصولها إلى المواطن.
مؤشرات الغلاء
أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن مؤشر غلاء المعيشة لقطاع غزة يسجل ارتفاعاً حاداً نسبته 359 في المئة بعد عام وأشهر عدة من العدوان الإسرائيلي المستمر. بينما سجّل مؤشر أسعار المستهلك زيادة مذهلة بلغت 283 في المئة، الأمر الذي يحصل للمرة الأولى في تاريخ الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وكان برنامج الأغذية العالمي حذر أخيراً من تضاؤل إمدادات دقيق القمح، لافتاً الى وصول الأزمة الاقتصادية، على حد تعبير الوكالة، إلى “نقطة الانهيار”.
عند مقارنة الأسعار خلال شهر تشرين أول/ أكتوبر 2024 مع الشهر نفسه من عام 2023، تظهر البيانات ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك في فلسطين بنسبة 70.40 في المئة، بواقع 309.41 في المئة في قطاع غزة.
“اضطررت للنزوح من منزلي في منطقة أبراج الندى في مدينة غزة إلى الجنوب، لأواجه بذلك الواقع الأكثر مرارة، والمتمثّل في توفير قوت العيش”
ما أسباب ارتفاع الأسعار بشكل جنوني؟
أرجع عدد من المواطنين الذين تحدث “درج” إليهم، أسباب ارتفاع الأسعار إلى إغلاق الاحتلال المعابر والتحكّم بها، بينما السبب الآخر والأخطر بنظرهم هو تحكم التجار في سوق السلع واحتكارها بهدف رفع الأسعار ومضاعفتها وفق رغباتهم، إضافة إلى غياب الدور الحكومي لحكومة غزة التي ما زالت تدير القطاع، ووقوفها بجانب التجار على حساب المواطن جراء فضّ الاحتجاجات التي خرجت خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر مطالبةً بخفض التجار للأسعار!
وأشار المواطنون إلى بروز مجموعات لصوص يترصدون قوافل المساعدات التي تدخل إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم التجاري مع الجانب الإسرائيلي، على الرغم من قلّتها، فيسرقونها ومن ثم يعاودون عرضها في السوق ويبيعونها أيضاً بأسعار فلكية باتفاق مع التجار الذين يديرون العملية، ما يعكس حالة الفوضى التي بات يعيشها القطاع في ظل غياب القانون أو أية جهات رقابية يمكن أن تضبط الأسواق أو أن تضع حداً لحوادث السرقة ومجموعات السطو على القوافل، وهو أيضاً ما فاقم من أوضاع السكان الذين أصبحوا غير قادرين على شراء البضائع سواء التي يبيعها اللصوص أو التجار المحتكرون.
آليات دخول البضائع إلى غزة
ما زال الاحتلال ينفذ عمليات عسكرية في محافظات القطاع كافة، من ضمنها رفح التي يحدّها من الجنوب معبر رفح وبوابة صلاح الدين ومعبر كرم أبو سالم التجاري. وعقب السيطرة العسكرية على المنطقة الحدودية الجنوبية للقطاع، منع الاحتلال إدخال المساعدات والبضائع عبرها لشهور عدة، بعدها بدأت تسمح بإدخال كميات محدودة من البضائع إلى القطاع سواء التي تأتي على شكل مساعدات أو التي يشتريها تجار محدّدون داخل القطاع من الخارج بهدف التجارة .
وتتم عملية التنسيق لتجار القطاع لإدخال بضائعهم من خلال ما يعرف بدائرة الاقتصاد في الجيش الإسرائيلي، ومقرّها حالياً في معبر بيت حانون “إيرز” شمال قطاع غزة.
تجار يردّون وآخرون يتهربون!
يفيد التاجر إياد البزم بأن عملية إدخال البضائع الى القطاع يحتكرها اليوم خمسة تجار يعملون على إدخالها، وبالتالي يتحكمون في الأسعار بشكل مباشر، موضحاً أن عملية الإدخال تتم من خلال طريقتين، الأولى عبر التنسيق مع الجهات الإسرائيلية لإدخال البضائع، أما الثانية والتي تتمثل في شراء أذونات من بعض الجمعيات والمؤسسات الدولية، فتتم عبر أخذ السلع لصالحهم وترويجها داخل الأسواق ضمن رغبتهم، مع تحديد السعر المحدد.
ويشير البزم إلى أن قطاع الاقتصاد بات اليوم بدون رقيب ولا حسيب نظراً الى وجود عناصر بحكومة غزة التابعة لحماس كجزء من العملية الجارية من خلال فرض ضوابط على التجار في أخذ تأمين سلعهم بمقابل مالي يصل إلى 4000 دولار على الشاحنة، ما يزيد كلفة السلع على المستهلك.
بينما يقول صاحب شركة القصاص للشاحنات، “كنا نعمل على نقل المساعدات للمؤسسات الدولية منذ بداية الحرب، لكن تضررت ثلاث شاحنات خلال اعتداءات اللصوص وأصيب أحد السائقين، ما دفعني إلى العمل في نقل بضائع التجار التي اكتُشف لاحقاً بأنها توضع في مستودعات لهم مؤمنة وفيها كميات كبيرة من السلع.
وكشف أحد التجار الذي رفض ذكر اسمه، عن أن تكلفة استيراد شاحنة واحدة من الضفة الغربية إلى غزة كانت لا تتجاوز 300 دولار قبل الحرب، بينما تصل اليوم إلى ما بين 5000 و35000 دولار، حسب قيمة البضائع التي تحملها الشاحنة، بالإضافة إلى 3000 دولار للحماية و4000 دولار كحد أدنى لرسوم النقل.
وفي محاولتنا الحصول على ردود من التجار المتحكمين في المشهد التجاري الحالي بالقطاع، رفضوا التعقيب على المعلومات أو الإجابة عن الأسئلة التي طرحت عليهم. كذلك رفض المكتب الإعلامي الحكومي التابع لحكومة حماس التعقيب على الموضوع بأي معلومات.
اقتصاديون يتّهمون المنظمات الدولية والتجار
يقول المحلل الاقتصادي محمد أبو جياب، إن الاحتلال الإسرائيلي، وبعدما أوقف آلية التنسيق الخاصة بالتجار، بدأ فقط بمنح منظمات دولية معروفة تنسيقات الدخول إلى قطاع غزة، وخمسة تجار فقط.
واتهم المنظمات بلعب دور وصفه “بالفساد والتلاعب والاحتكار” من التجار، وذلك جراء بيعهم أذونات الدخول التي يحصلون عليها من الجيش إلى بعض التجار الذين يشترون بدورهم البضائع من الخارج ويدخلونها إلى القطاع عبر تلك التصاريح ليستفيد الطرفان في كسب الأموال.
من جهتها، أوضحت الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون الإنسانية في غزة (كوغات)، أن الكثير من التجار يسمح لهم بتسليم المساعدات، بشرط اجتيازهم فحوصات أمنية دقيقة.
إقرأوا أيضاً:










