ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ضدّ الصمت القسري

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يُطلب منّا أن نصمت عمّن يعدموننا بمحاكمات على الأرصفة، خشية أن يسمعنا من يحتلّ أرضنا ويستخدمه. هذه المعادلة تجعلنا مرئيين فقط عندما يكون لغيابنا وظيفة، غير مرئيين عندما يكون لوجودنا ثمن.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هذا المقال يأتي استكمالاً للنقاش الذي أثاره نصّي السابق “عن اليسار الكويري الضائع بين الجنسانية ومحور المقاومة”، وردّاً على موجة الانتقادات التي رافقته على وسائل التواصل الاجتماعي. 

أكتب لا بهدف إعادة السجال بقدر ما هو محاولة لإعادة طرح الأسئلة نفسها، بعد أن جرى تأطيرها بطرق غيّرت معناها ومسارها. ما أكتبه هنا ليس تراجعاً عن تلك الأسئلة، بل توسيع لها، وفحص لما كشفه الجدل حولها من آليّات في استقبال الشهادات داخل سياقات سياسية مشحونة.

لم تُناقش الأسئلة التي طرحتها في مقال اليسار الكويري بالقدر نفسه الذي أعيد فيه تأطيرها. لم ينشغل النقاش طويلاً بما إذا كان القمع المشار إليه واقعاً أو مبالغاً فيه، إذ اتّجه سريعاً نحو مسار مغاير. انشغلت الانتقادات بتساؤلات حول “من تتكلّم؟” و”لصالح من؟” و”ما الذي قد يترتّب على هذا الكلام سياسياً؟”، في هذه النقلة تغيّرت وظيفة شهادتي جوهرياً، فلم تعد طريقاً لمعرفة ما يجري، وأصبحت موضع اشتباه، وارتبط الخطر بإمكانية البوح في لحظة يُعتقد أنها غير مناسبة . 

ولم تكن الردود على هذا التأطير متشابهة. بعضها قرأ النصّ على حقيقته كمحاولة لطرح سؤال صعب عن معنى انحياز الجسد الكويري إلى ميليشيات لا تعترف بإنسانيته، الميليشيات ذاتها التي كانت وما زالت وستبقى تمارس عنفاً ممنهجاً ضدّ مجتمع الميم عين، مع تواطؤ الدول معها. 

وانطلقت ردود أخرى من تأويل يفترض أن النصّ يقيم تعارضاً بين الكويرية ومناهضة الاستعمار، وكأن السؤال عن الجرائم المستمرّة ومحاولة استشراف مستقبل ما، يعني التخلّي عن موقف سياسي. 

هذا التحوّل من مناقشة ما قيل إلى ما يفترض أنه قيل، كان هو ما استوقفني أكثر من التهم التي كنت قد أشرت مسبقاً إلى أنها سترمى على النصّ، لأنه كشف عن آليّة تتجاوز النصّ بعينه وتمتدّ إلى طريقة استقبال الشهادات في سياقات مشحونة سياسياً وإنسانياً. 

ذلك التأطير المضادّ لا يحتاج إلى أن يكون صريحاً لكي يؤدّي وظيفته، يكفي أن تزرع حول الشهادة اسئلة تتعلّق بالنيّة والتوقيت والأثر، حتى ينتقل عبء الإثبات من المتلقّي إلى المتكلّم .عندها لا يجري إسكات الصوت بالمعنى الحرفي، إنما يحاصر بما يجعل إطلاقه مكلفاً اجتماعياً وسياسياً. 

هذا الشكل من ضبط الخطاب يقدّم نفسه على أنه حذر مشروع ووعي سياسي، ويمرّر عبر ضغط أخلاقي وعاطفي، لتبدو من تتحدّث عن جرائم الميليشيات بحقّ مجتمع الميم عين في العراق، أو السلطة في إيران واليمن وتسأل كيف أقف معهم؟ فهي تقف على الجانب الآخر من هذا الصراع.

الغسيل الوردي كآليّة إسكات

الحديث عن الغسيل الوردي في إطاره النقدي ضروري. فقد وُظّفت قضايا الكويريين/ ات وحقوق الإنسان كثيراً في سياقات تاريخية متعدّدة للتلميع والتغطية على عنف استعماري مستمرّ، وتظلّ الإشارة إلى هذا التوظيف ضرورة لا يمكن إهمالها. غير أن ما لاحظته هو أن هذه الخشية من التوظيف، عندما تصبح الإطار الأساسي لاستقبال الشهادات لا مجرّد أداة لتحليل الخطاب السياسي الاستعماري، تعيد تشكل طبيعة السؤال بكامله. يتراجع الاهتمام بالأذى الواقع، ويقدّم سؤال بديل يتعلّق بما قد يترتّب على قوله. مع هذا التحوّل، تجد من تكلّمت عن تجربتها المعاشه نفسها مطالبة، قبل أن تُسمع، بتحديد موقعها وشرح نواياها وتقديم ما يشبه الضمان بأن كلامها لن يُستخدم ضدّ قضيّة أوسع، كما لو أن تلك الجرائم الموثّقة أممياً لم تكن كافية بذاتها.
في هذه اللحظة، لا يجري إنكار الأذى المستمرّ بشكل مباشر، بل يتمّ التعامل معه باعتباره مسألة مؤجّلة، ويطلب من الشهادة أن تنتظر وأن تمرّ عبر شروط إضافية قبل أن يُعترف بها، هذا الإطار وإن بدا مؤقّتاً ظاهرياً يتحوّل في كثير من الأحيان إلى صيغة دائمة لإدارة ما يمكن قوله ومتى يقال. وهنا يبدو الفرق الجوهري واضحاً بين استخدام أداة نقدية لفهم ظاهرة ما، واستخدامها معياراً يقرّر من يحقّ له  الكلام. عندما تتحوّل مفاهيم نقدية كالغسيل الوردي من أدوات تحليل إلى محاكم استئناف مسبقة، تفقد دقّتها النقدية وتصبح آليّات إقصاء، وتلغي التجربة المعاشة باعتبارها شاهداً مشبوعاً بطبيعته.

توزيع الكلفة: من تدفع ثمن الانتظار؟

ليس كلّ نقاش حول التوقيت شكلاً من أشكال القمع، كما أن التأجيل ليس موقفاً محايداً. لكنّ المسألة تتغيّر عندما ينتقل العبء كلّه إلى من عاشت التجربة. عندها لا تصبح الشهادة ناقلةً للمأساة المعاشة فحسب، بل تحمل أيضاً مسؤولية إدارة كلّ ما قد ينجم عن قولها. يُطلب منها أن تحسب أثر كلامها على سرديات أكبر منها، وأن تؤجّل ما يمكن تأجيله، وتختار لغة أقلّ إزعاجاً… ويمرّ هذا الضغط عبر لغة العقلانية والمسؤولية الجماعية لا بوصفه فرضاً للصمت، وإنما دعوة إلى الحكمة والتريّث والتقدير. 

لكن، عندما يُطلب من الأشخاص الذين يعيشون تحت خطر ميليشيات المحور أن يكونوا الأكثر تحفّظاً والأبطأ في الكلام، يكفّ هذا الطلب عن كونه عقلانياً ويصبح ضغطاً موجّهاً. المسؤولية الجماعية تعني توزيع الكلفة بالتساوي، لا إلقاءها على من هم أصلاً في موقع أضعف داخل البنية. حين تتراكم هذه الكلفة دون توزيع  ينتقل النقاش تدريجياً من مضمون الشهادة إلى شروط سماعها، وتخرج معها أسئلة التوقيت والأثر والعقلانية المبرّرة بالصراعات المعقّدة. إلا أن تكرارها الممنهج ينتج أثراً واحداً، تأجيل الاعتراف إلى أن يفقد جدّيته وفاعليته.

وما يمنح هذه البنية استمراريتها هو أنها لا تحتاج إلى قرار واعٍ واحد. لا يوجد طرف يقرّ صراحة إسكات أحد أو تأجيل الاعتراف بأذاه، الأمر يمرّ في افتراضات حول ما يُعدّ خطاباً مناسباً أو مسؤولاً أو مفيداً، وهذه الافتراضات توزّع في أغلب الأحيان بين من يدينون الصمت القسري نظرياً، في الوقت الذي يعيدون إنتاجها من خلال المعايير التي يضعونها لما يصحّ قوله ومتى وكيف.

حدود الخوف: متى يصبح الحذر سلطة؟ 

 أعرف أن الخشية من التوظيف الإسرائيلي ليست وهماً، لكن هل يكفي احتمال الاستخدام الإسرائيلي لتأجيل الاعتراف بأن الميليشيات تقتلنا في بلداننا؟ ماذا يحدث حين يصبح هذا الاحتمال شرطاً دائماً قبل سماع أيّ شهادة؟ في هذه الحالة، لا تنتقل كلفة الصراع فحسب إلى من تعيش الأذى، لكنّها تُحمّل أيضاً مسؤولية ما قد تفعله إسرائيل بكلامها. 

يُطلب منّا أن نصمت عمّن يعدموننا بمحاكمات على الأرصفة، خشية أن يسمعنا من يحتلّ أرضنا ويستخدمه. هذه المعادلة تجعلنا مرئيين فقط عندما يكون لغيابنا وظيفة، غير مرئيين عندما يكون لوجودنا ثمن. 

وعندما يصبح الخوف من الغسيل الوردي السبب الوحيد الكافي لاستبعاد هذه الشهادات، يصبح هو ذاته أداة سلطة تعمل داخل الحراك الكويري لا خارجه، لأن القرار بشأن ما هو “قابل للاستغلال إسرائيلياً”، يبقى بيد من يحتلّون مواقع أعلى في التراتبية الخطابية، وغالباً ليس بيد من يعيشون تحت خطر هذه الميليشيات فعلياً.

هذا يقودني إلى سؤال أكثر إلحاحاً. من يملك أصلاً صلاحية تحديد اللحظة المناسبة؟ هذه الصلاحية تُنتج في الغالب من خلال الضغوط والتوقّعات الاجتماعية غير المصرّح بها، كسؤال الاستغلال، لكن ماذا عن صمتنا؟ ماذا يعطي للميليشيات؟ 

النتيجة أن الكثير من الأصوات تجد نفسها في وضع دائم من انتظار الإذن. انتظار اللحظة التي تهدأ فيها المواجهات، وهذه اللحظة لا تأتي في الغالب. الصراعات السياسية، وفي حالتنا الاستعمارية لا تتوقّف وما يعتبر توقيتاً مناسباً اليوم قد يصبح غير مناسب غداً لأسباب مختلفة، كسؤال الميليشيات الذي طرحته وكان من السذاجة التفكير به قبل عدّة سنوات، فلماذا أقف مع من يهشّم رأسي على رصيف؟ يعني ذلك أن يطلب إليهم الانتظار لاعتبارات لا يملكها من يطلب منهم الانتظار؟

وإذا كان سؤال التوقيت يخفي في جوهره سؤالاً عن السلطة، فإن الصمت ذاته لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار. الصمت ليس غياباً للكلام فحسب، هو في جوهره نتاج علاقة سلطة تحدد من يتكلّم، ومن ينتظر، ومن يختار كلامه ليمثّل تجربة اجتماعية. عندما نُمنَع من الحديث عن عنف المحور خشية إسرائيل، نجد أن كلّ الاتّجاهات مسدودة إلا اتّجاه الصمت والصمت هذا لا يحمي أحداً منّا.

كلّ قرار حول التوقيت هو قرار حول التراتبية، كلّ شرط مسبق للاستماع هو رسم حدود لمن ينتمي إلى دائرة الفاعلين السياسيين المعترف بهم. لا أقول هذا لإلقاء التعقيد أو لإنكار أن الخطاب السياسي يعمل دائماً في حقل من التوتّرات المتشابكة، وإنما لأن التعقيد لا يبرّر توزيع كلفته بصوره غير متساوية، ولأن الاعتراف بعلاقات السلطة أو الامتياز في آليّات الصمت، شرط ضروري لأيّ ممارسة تدّعي الالتزام بالعدالة.

الشهادة كوثيقة

لا يمكنني التعامل مع شهادتي بوصفها خطراً في حدّ ذاتها. الأذى الذي لا يقال لا يختفي من الواقع ويظلّ يعمل في الخفاء ويستمرّ في التأثير حتى في غياب الاعتراف به. وأن تستخدم إسرائيل حقيقة قتلنا كورقة دعائية لا يجعل تلك الحقيقة أقلّ حقيقة ودمنا أقلّ فظاعة. 

الشهادة ليست تعبيراً فردياً فحسب، بل هي وثيقة اجتماعية تساهم في بناء الذاكرة الجماعية وتشكّل الفهم المشترك لما يجري. وعندما تُحاصَر بشروط الاستماع، لا تُمحى التجارب الفردية وحدها، لكنّها تشوّه معها الخريطة الاجتماعية للأذى والقمع. 

أيّ مشروع تحرّري لا يمكنه أن يبني نفسه على تأجيل شهادات الناجين والناجيات، لأن في ذلك تكراراً داخلياً للأنظمة نفسها التي نعلن معارضتها. 

لا يمكن أن تكون العدالة التي نطالب بها للأرواح والأجساد التي تُقتل في غزّة ولبنان، مشروطة بتجاهل أجساد تُقتل في إيران والعراق واليمن .

هذا التلاعب يمرّر قتلنا في كلّ هذه الأماكن، أجسادنا ليست لنا، وحياتنا قابلة للتفاوض عندما تتعارض مع مشاريع أكبر، وأن نقبل بهذا داخل الحراك خشية من أن يسمعنا العدو، يعني أننا نعيد إنتاجه بأيدينا .
أكتب هذا لأُبقي السؤال حاضراً لا لأغلقه، الصمت القسري لا يُنتج استقراراً حقيقياً، وما يؤجّل باستمرار لا يتلاشى، بل يعود في أشكال أخرى مختلفة، أكثر تعقيداً وأصعب احتواءً. ما أسعى إليه هو فضاء يُعترف فيه بالتجربة المعاشة بوصفها معرفة لا مادّة خام تحتاج إلى تصفية سياسية قبل أن تُقبل.

الكتابة هنا ليست موقفاً نهائياً، لكنّها دعوة إلى نقاش أكثر أمانة مع أنفسنا، نقاش يجرؤ على الاعتراف بأن العدالة التي لا تنطبق على من هم في الداخل، تفقد مصداقيتها في مواجهة من هم في الخارج، وأن الصمت الذي لا يسأل عن نفسه يصبح بشكل أو بآخر جزءاً من المشكلة التي يزعم تجنّبها.

الخوف من الغسيل الوردي مشروع، لكنّه لا يلغي سؤالنا عن أنفسنا، ولا يمكن لأيّ حركة تدّعي السعي نحو التحرّر أن تغلق حياة أناسها على حسابات لا يملكون فيها صوتاً.

04.04.2026
زمن القراءة: 7 minutes

يُطلب منّا أن نصمت عمّن يعدموننا بمحاكمات على الأرصفة، خشية أن يسمعنا من يحتلّ أرضنا ويستخدمه. هذه المعادلة تجعلنا مرئيين فقط عندما يكون لغيابنا وظيفة، غير مرئيين عندما يكون لوجودنا ثمن.

هذا المقال يأتي استكمالاً للنقاش الذي أثاره نصّي السابق “عن اليسار الكويري الضائع بين الجنسانية ومحور المقاومة”، وردّاً على موجة الانتقادات التي رافقته على وسائل التواصل الاجتماعي. 

أكتب لا بهدف إعادة السجال بقدر ما هو محاولة لإعادة طرح الأسئلة نفسها، بعد أن جرى تأطيرها بطرق غيّرت معناها ومسارها. ما أكتبه هنا ليس تراجعاً عن تلك الأسئلة، بل توسيع لها، وفحص لما كشفه الجدل حولها من آليّات في استقبال الشهادات داخل سياقات سياسية مشحونة.

لم تُناقش الأسئلة التي طرحتها في مقال اليسار الكويري بالقدر نفسه الذي أعيد فيه تأطيرها. لم ينشغل النقاش طويلاً بما إذا كان القمع المشار إليه واقعاً أو مبالغاً فيه، إذ اتّجه سريعاً نحو مسار مغاير. انشغلت الانتقادات بتساؤلات حول “من تتكلّم؟” و”لصالح من؟” و”ما الذي قد يترتّب على هذا الكلام سياسياً؟”، في هذه النقلة تغيّرت وظيفة شهادتي جوهرياً، فلم تعد طريقاً لمعرفة ما يجري، وأصبحت موضع اشتباه، وارتبط الخطر بإمكانية البوح في لحظة يُعتقد أنها غير مناسبة . 

ولم تكن الردود على هذا التأطير متشابهة. بعضها قرأ النصّ على حقيقته كمحاولة لطرح سؤال صعب عن معنى انحياز الجسد الكويري إلى ميليشيات لا تعترف بإنسانيته، الميليشيات ذاتها التي كانت وما زالت وستبقى تمارس عنفاً ممنهجاً ضدّ مجتمع الميم عين، مع تواطؤ الدول معها. 

وانطلقت ردود أخرى من تأويل يفترض أن النصّ يقيم تعارضاً بين الكويرية ومناهضة الاستعمار، وكأن السؤال عن الجرائم المستمرّة ومحاولة استشراف مستقبل ما، يعني التخلّي عن موقف سياسي. 

هذا التحوّل من مناقشة ما قيل إلى ما يفترض أنه قيل، كان هو ما استوقفني أكثر من التهم التي كنت قد أشرت مسبقاً إلى أنها سترمى على النصّ، لأنه كشف عن آليّة تتجاوز النصّ بعينه وتمتدّ إلى طريقة استقبال الشهادات في سياقات مشحونة سياسياً وإنسانياً. 

ذلك التأطير المضادّ لا يحتاج إلى أن يكون صريحاً لكي يؤدّي وظيفته، يكفي أن تزرع حول الشهادة اسئلة تتعلّق بالنيّة والتوقيت والأثر، حتى ينتقل عبء الإثبات من المتلقّي إلى المتكلّم .عندها لا يجري إسكات الصوت بالمعنى الحرفي، إنما يحاصر بما يجعل إطلاقه مكلفاً اجتماعياً وسياسياً. 

هذا الشكل من ضبط الخطاب يقدّم نفسه على أنه حذر مشروع ووعي سياسي، ويمرّر عبر ضغط أخلاقي وعاطفي، لتبدو من تتحدّث عن جرائم الميليشيات بحقّ مجتمع الميم عين في العراق، أو السلطة في إيران واليمن وتسأل كيف أقف معهم؟ فهي تقف على الجانب الآخر من هذا الصراع.

الغسيل الوردي كآليّة إسكات

الحديث عن الغسيل الوردي في إطاره النقدي ضروري. فقد وُظّفت قضايا الكويريين/ ات وحقوق الإنسان كثيراً في سياقات تاريخية متعدّدة للتلميع والتغطية على عنف استعماري مستمرّ، وتظلّ الإشارة إلى هذا التوظيف ضرورة لا يمكن إهمالها. غير أن ما لاحظته هو أن هذه الخشية من التوظيف، عندما تصبح الإطار الأساسي لاستقبال الشهادات لا مجرّد أداة لتحليل الخطاب السياسي الاستعماري، تعيد تشكل طبيعة السؤال بكامله. يتراجع الاهتمام بالأذى الواقع، ويقدّم سؤال بديل يتعلّق بما قد يترتّب على قوله. مع هذا التحوّل، تجد من تكلّمت عن تجربتها المعاشه نفسها مطالبة، قبل أن تُسمع، بتحديد موقعها وشرح نواياها وتقديم ما يشبه الضمان بأن كلامها لن يُستخدم ضدّ قضيّة أوسع، كما لو أن تلك الجرائم الموثّقة أممياً لم تكن كافية بذاتها.
في هذه اللحظة، لا يجري إنكار الأذى المستمرّ بشكل مباشر، بل يتمّ التعامل معه باعتباره مسألة مؤجّلة، ويطلب من الشهادة أن تنتظر وأن تمرّ عبر شروط إضافية قبل أن يُعترف بها، هذا الإطار وإن بدا مؤقّتاً ظاهرياً يتحوّل في كثير من الأحيان إلى صيغة دائمة لإدارة ما يمكن قوله ومتى يقال. وهنا يبدو الفرق الجوهري واضحاً بين استخدام أداة نقدية لفهم ظاهرة ما، واستخدامها معياراً يقرّر من يحقّ له  الكلام. عندما تتحوّل مفاهيم نقدية كالغسيل الوردي من أدوات تحليل إلى محاكم استئناف مسبقة، تفقد دقّتها النقدية وتصبح آليّات إقصاء، وتلغي التجربة المعاشة باعتبارها شاهداً مشبوعاً بطبيعته.

توزيع الكلفة: من تدفع ثمن الانتظار؟

ليس كلّ نقاش حول التوقيت شكلاً من أشكال القمع، كما أن التأجيل ليس موقفاً محايداً. لكنّ المسألة تتغيّر عندما ينتقل العبء كلّه إلى من عاشت التجربة. عندها لا تصبح الشهادة ناقلةً للمأساة المعاشة فحسب، بل تحمل أيضاً مسؤولية إدارة كلّ ما قد ينجم عن قولها. يُطلب منها أن تحسب أثر كلامها على سرديات أكبر منها، وأن تؤجّل ما يمكن تأجيله، وتختار لغة أقلّ إزعاجاً… ويمرّ هذا الضغط عبر لغة العقلانية والمسؤولية الجماعية لا بوصفه فرضاً للصمت، وإنما دعوة إلى الحكمة والتريّث والتقدير. 

لكن، عندما يُطلب من الأشخاص الذين يعيشون تحت خطر ميليشيات المحور أن يكونوا الأكثر تحفّظاً والأبطأ في الكلام، يكفّ هذا الطلب عن كونه عقلانياً ويصبح ضغطاً موجّهاً. المسؤولية الجماعية تعني توزيع الكلفة بالتساوي، لا إلقاءها على من هم أصلاً في موقع أضعف داخل البنية. حين تتراكم هذه الكلفة دون توزيع  ينتقل النقاش تدريجياً من مضمون الشهادة إلى شروط سماعها، وتخرج معها أسئلة التوقيت والأثر والعقلانية المبرّرة بالصراعات المعقّدة. إلا أن تكرارها الممنهج ينتج أثراً واحداً، تأجيل الاعتراف إلى أن يفقد جدّيته وفاعليته.

وما يمنح هذه البنية استمراريتها هو أنها لا تحتاج إلى قرار واعٍ واحد. لا يوجد طرف يقرّ صراحة إسكات أحد أو تأجيل الاعتراف بأذاه، الأمر يمرّ في افتراضات حول ما يُعدّ خطاباً مناسباً أو مسؤولاً أو مفيداً، وهذه الافتراضات توزّع في أغلب الأحيان بين من يدينون الصمت القسري نظرياً، في الوقت الذي يعيدون إنتاجها من خلال المعايير التي يضعونها لما يصحّ قوله ومتى وكيف.

حدود الخوف: متى يصبح الحذر سلطة؟ 

 أعرف أن الخشية من التوظيف الإسرائيلي ليست وهماً، لكن هل يكفي احتمال الاستخدام الإسرائيلي لتأجيل الاعتراف بأن الميليشيات تقتلنا في بلداننا؟ ماذا يحدث حين يصبح هذا الاحتمال شرطاً دائماً قبل سماع أيّ شهادة؟ في هذه الحالة، لا تنتقل كلفة الصراع فحسب إلى من تعيش الأذى، لكنّها تُحمّل أيضاً مسؤولية ما قد تفعله إسرائيل بكلامها. 

يُطلب منّا أن نصمت عمّن يعدموننا بمحاكمات على الأرصفة، خشية أن يسمعنا من يحتلّ أرضنا ويستخدمه. هذه المعادلة تجعلنا مرئيين فقط عندما يكون لغيابنا وظيفة، غير مرئيين عندما يكون لوجودنا ثمن. 

وعندما يصبح الخوف من الغسيل الوردي السبب الوحيد الكافي لاستبعاد هذه الشهادات، يصبح هو ذاته أداة سلطة تعمل داخل الحراك الكويري لا خارجه، لأن القرار بشأن ما هو “قابل للاستغلال إسرائيلياً”، يبقى بيد من يحتلّون مواقع أعلى في التراتبية الخطابية، وغالباً ليس بيد من يعيشون تحت خطر هذه الميليشيات فعلياً.

هذا يقودني إلى سؤال أكثر إلحاحاً. من يملك أصلاً صلاحية تحديد اللحظة المناسبة؟ هذه الصلاحية تُنتج في الغالب من خلال الضغوط والتوقّعات الاجتماعية غير المصرّح بها، كسؤال الاستغلال، لكن ماذا عن صمتنا؟ ماذا يعطي للميليشيات؟ 

النتيجة أن الكثير من الأصوات تجد نفسها في وضع دائم من انتظار الإذن. انتظار اللحظة التي تهدأ فيها المواجهات، وهذه اللحظة لا تأتي في الغالب. الصراعات السياسية، وفي حالتنا الاستعمارية لا تتوقّف وما يعتبر توقيتاً مناسباً اليوم قد يصبح غير مناسب غداً لأسباب مختلفة، كسؤال الميليشيات الذي طرحته وكان من السذاجة التفكير به قبل عدّة سنوات، فلماذا أقف مع من يهشّم رأسي على رصيف؟ يعني ذلك أن يطلب إليهم الانتظار لاعتبارات لا يملكها من يطلب منهم الانتظار؟

وإذا كان سؤال التوقيت يخفي في جوهره سؤالاً عن السلطة، فإن الصمت ذاته لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار. الصمت ليس غياباً للكلام فحسب، هو في جوهره نتاج علاقة سلطة تحدد من يتكلّم، ومن ينتظر، ومن يختار كلامه ليمثّل تجربة اجتماعية. عندما نُمنَع من الحديث عن عنف المحور خشية إسرائيل، نجد أن كلّ الاتّجاهات مسدودة إلا اتّجاه الصمت والصمت هذا لا يحمي أحداً منّا.

كلّ قرار حول التوقيت هو قرار حول التراتبية، كلّ شرط مسبق للاستماع هو رسم حدود لمن ينتمي إلى دائرة الفاعلين السياسيين المعترف بهم. لا أقول هذا لإلقاء التعقيد أو لإنكار أن الخطاب السياسي يعمل دائماً في حقل من التوتّرات المتشابكة، وإنما لأن التعقيد لا يبرّر توزيع كلفته بصوره غير متساوية، ولأن الاعتراف بعلاقات السلطة أو الامتياز في آليّات الصمت، شرط ضروري لأيّ ممارسة تدّعي الالتزام بالعدالة.

الشهادة كوثيقة

لا يمكنني التعامل مع شهادتي بوصفها خطراً في حدّ ذاتها. الأذى الذي لا يقال لا يختفي من الواقع ويظلّ يعمل في الخفاء ويستمرّ في التأثير حتى في غياب الاعتراف به. وأن تستخدم إسرائيل حقيقة قتلنا كورقة دعائية لا يجعل تلك الحقيقة أقلّ حقيقة ودمنا أقلّ فظاعة. 

الشهادة ليست تعبيراً فردياً فحسب، بل هي وثيقة اجتماعية تساهم في بناء الذاكرة الجماعية وتشكّل الفهم المشترك لما يجري. وعندما تُحاصَر بشروط الاستماع، لا تُمحى التجارب الفردية وحدها، لكنّها تشوّه معها الخريطة الاجتماعية للأذى والقمع. 

أيّ مشروع تحرّري لا يمكنه أن يبني نفسه على تأجيل شهادات الناجين والناجيات، لأن في ذلك تكراراً داخلياً للأنظمة نفسها التي نعلن معارضتها. 

لا يمكن أن تكون العدالة التي نطالب بها للأرواح والأجساد التي تُقتل في غزّة ولبنان، مشروطة بتجاهل أجساد تُقتل في إيران والعراق واليمن .

هذا التلاعب يمرّر قتلنا في كلّ هذه الأماكن، أجسادنا ليست لنا، وحياتنا قابلة للتفاوض عندما تتعارض مع مشاريع أكبر، وأن نقبل بهذا داخل الحراك خشية من أن يسمعنا العدو، يعني أننا نعيد إنتاجه بأيدينا .
أكتب هذا لأُبقي السؤال حاضراً لا لأغلقه، الصمت القسري لا يُنتج استقراراً حقيقياً، وما يؤجّل باستمرار لا يتلاشى، بل يعود في أشكال أخرى مختلفة، أكثر تعقيداً وأصعب احتواءً. ما أسعى إليه هو فضاء يُعترف فيه بالتجربة المعاشة بوصفها معرفة لا مادّة خام تحتاج إلى تصفية سياسية قبل أن تُقبل.

الكتابة هنا ليست موقفاً نهائياً، لكنّها دعوة إلى نقاش أكثر أمانة مع أنفسنا، نقاش يجرؤ على الاعتراف بأن العدالة التي لا تنطبق على من هم في الداخل، تفقد مصداقيتها في مواجهة من هم في الخارج، وأن الصمت الذي لا يسأل عن نفسه يصبح بشكل أو بآخر جزءاً من المشكلة التي يزعم تجنّبها.

الخوف من الغسيل الوردي مشروع، لكنّه لا يلغي سؤالنا عن أنفسنا، ولا يمكن لأيّ حركة تدّعي السعي نحو التحرّر أن تغلق حياة أناسها على حسابات لا يملكون فيها صوتاً.