عاد الجيش الإسرائيلي لتكثيف هجماته على قطاع غزة بشكل متزامن وارتكاب مزيد من المجازر بحق المدنيين واستهداف مدارس ومراكز الإيواء التابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، التابعة للأمم المتحدة، والضغط مجدداً على سكان شمال قطاع غزة بهدف ترحيلهم إلى جنوب القطاع.
تركّز التصعيد الإسرائيلي على مخيم جباليا شمال قطاع غزة، حيث يواصل الجيش حصار المخيم لليوم الخامس على التوالي مع ارتكاب مجازر بحق المدنيين هناك، وتهديد المستشفيات التي لا تزال تعمل بضرورة الإخلاء.
يمارس الجيش الإسرائيلي ضغطاً عسكرياً على سكان المخيم بهدف دفعهم إلى النزوح لجنوب القطاع، تنفيذاً لما يُعرف بخطة “الجنرالات” التي وضعها اللواء الإسرائيلي المتقاعد غيورا إيلاند، والهادفة إلى إجلاء المدنيين بعد حصار محكم.
وتم الكشف عن “خطة الجنرالات” مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي، وتقضي بتهجير جميع الفلسطينيين من شمال القطاع ضمن مهلة تستمر أسبوعاً قبل فرض حصار على المنطقة ووضع المقاتلين الفلسطينيين فيها بين خيار الموت أو الاستسلام.
ورسمياً، وجّه الجيش الإسرائيلي تحذيراً على وسائل التواصل الاجتماعي إلى سكان بلدات بيت لاهيا وجباليا وبيت حانون في شمال غزة وأحياء أخرى، بضرورة إخلائها والانتقال إلى جنوب غزة. وكتب بالعربية قائلاً، إن القوات الإسرائيلية تقوم حالياً بعمليات مكثّفة في المنطقة.
وأنذر الجيش مستشفيات “كمال عدوان” و”الإندونيسي” و”العودة” بالإخلاء من الطواقم الطبية والمرضى، كما هدد بـ”القتل والتدمير والاعتقال” على غرار ما حدث في “مستشفى الشفاء” قبل شهور، وفقاً لوزارة الصحة.
ومن شمال قطاع غزة، أكد مدير مستشفى كمال عدوان الطبيب حسام أبو صفية، أن الجيش وجه تهديدات باقتحام المستشفى في حال لم يتم إخلاؤها من جميع المرضى والجرحى والطواقم الطبية خلال الساعات المقبلة.
وفي حديثه لـ”درج”، بيّن أبو صفية أن الوضع شمال قطاع غزة كارثي، ونعمل في ظروف صعبة تحت التهديد المستمر من الجيش الذي هدّد بأن يكون مصير مستشفى كمال عدوان كمصير مجمع الشفاء الطبي في حالة عدم تنفيذ أوامر الإخلاء.
وأوضح أن الجيش الإسرائيلي حدّد طريق شارع صلاح الدين كطريق آمن للتوجه إلى مدينة غزة، ولكن عند خروج سيارة إسعاف بها مريض، اعترضها الجنود واعتقلوا السائق.
ويوجد تهديد كبير على حياة الجرحى إذا أُخلي المستشفى بسبب خطورة حالتهم الصحية، إذ أكد أبو صفية أن هناك 8 أطفال مصابين بشظايا في جميع أنحاء أجسامهم داخل غرفة العناية المركزة، وجميعهم يعتمدون على جهاز التنفس الاصطناعي.
حصار مطبق
وحول ما يحدث على الأرض في شمال قطاع غزة، أكد جهاز الدفاع المدني الفلسطيني أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يفرض حصاراً مطبقاً على شمال قطاع غزة ويعزله عن مدينة غزة بشكل كامل.
وأكد الناطق باسم الجهاز لـ”درج”، أن الجيش الإسرائيلي يمنع دخول الإمدادات الأساسية لمحافظة شمال غزة، ما يهدد حياة الفلسطينيين الموجودين هناك.
وبيّن أن عشرات الجثث عالقة في الطرقات شمال القطاع، ولم يتم انتشالها بسبب القصف الإسرائيلي المستمر والعنيف.
وذكر أن الجيش دمّر البنية التحتية في محافظة الشمال، ما جعل عملية الانتقال فيها أمراً شبه مستحيل.
واعتبر أن إخلاء مستشفيات شمال القطاع من شأنه أن يؤدي الى انهيار كامل في النظام الصحي، ما يضاعف من معاناة المواطنين هناك.
نقص الماء والغذاء
أمام الحصار الإسرائيلي المطبق على مخيم جباليا، يرفض سكانه الاستجابة للتهديدات الإسرائيلية والخروج من مخيمهم والتوجّه إلى جنوب قطاع غزة.
الحاج أحمد موسى، وهو أحد سكان مخيم جباليا شمال قطاع غزة، يصف ما يحدث حوله بأهوال يوم القيامة، إذ لا يتوقف القصف الإسرائيلي بخاصة من سلاح المدفعية والطيران من الجو.
وبصوت خافت يقول الستيني موسى في حديثه لـ”درج”: “منذ خمسة أيام دخل الجيش الإسرائيلي مخيم جباليا، وقتل الناس بالشارع وآخرين داخل منازلهم، والآن نفد الماء والطعام في العمارة التي اسكن بها وتوجد فيها خمس عائلات”.
يصرّ موسى على البقاء بمنزله في جباليا وعدم الاستجابة لمطالب الجيش الإسرائيلي بالنزوح الى جنوب قطاع غزة، حتى ولو تعرض للقصف.
يقول موسى: “جيراني قبلي نزحوا إلى جنوب القطاع، وعاشوا بالخيام، واستشهد بعضهم بغارات إسرائيلية، وهناك موت وهنا موت، لذا أفضل الموت على مذلة النزوح”.
كذلك، يرفض محمد أبو وردة الخروج من منزله بمخيم جباليا والنزوح إلى جنوب قطاع غزة كما دعا الجيش الإسرائيلي.
يقول أبو وردة لـ”درج”: “نموت في كل لحظة بشمال قطاع غزة مع القصف الإسرائيلي الذي لا يتوقف ويستهدف المنازل والشوارع”.
ويعيش الثلاثيني أبو وردة وعائلته المكوّنة من 4 أطفال وزوجته، أوقاتاً مستمرة من الخوف، بخاصة مع قرب نفاد الطعام والماء في منزله، وعدم وجود أي مصدر للطاقة للإنارة على أطفاله.
“نموت في كل لحظة بشمال قطاع غزة مع القصف الإسرائيلي الذي لا يتوقف ويستهدف المنازل والشوارع”.
منع الوقود
إلى جانب الحصار ومنع إدخال الطعام والماء للسكان، يرفض الجيش الإسرائيلي أيضاً السماح بإدخال الوقود الى المستشفيات ضمن خطته العسكرية الهادفة إلى تشديد الخناق على مخيم جباليا وإجبار السكان على النزوح.
مدير المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، إسماعيل الثوابتة، أكد أن جيش الاحتلال “الإسرائيلي” أرجع السولار القادم إلى مستشفيات محافظتي غزة وشمال غزة للمرة الخامسة على التوالي، وهذا يعني أن جميع مستشفيات ومرافق وزارة الصحة مهددة بالتوقف خلال أقل من 24 ساعة، وأن ما يتوافر من الوقود لا يكفي لأكثر من 24 ساعة، وأن بعض المرافق رصيدها صفر.
وقال الثواتبة في تصريح لـ”درج”: “نحن أمام جريمة مكتملة الأركان ينفّذها جيش الاحتلال في إطار تدمير وإسقاط المنظومة الصحية والمستشفيات، وبخاصة في محافظتي غزة والشمال”.
وذكر أن هذه الجريمة تأتي في ظل الواقع المرير الذي يعيشه الواقع الصحي المنهار في المحافظتين، خصوصاً مع وجود 700,000 إنسان فيهما.
وحمّل مدير المكتب الإعلامي الحكومي الاحتلال “الإسرائيلي” والإدارة الأميركية كامل المسؤولية عن استمرار جريمة إسقاط المنظومة الصحية بشكل مقصود ومتعمّد وفق خطة مرتّبة أعدها الجانبان.
وطالب المجتمع الدولي وكل المنظمات الأممية والدولية بالتدخل الفوري والعاجل لإدخال مادة الوقود إلى المحافظتين قبل خروج جميع مستشفيات ومرافق وزارة الصحة عن الخدمة بمحافظتي غزة والشمال.
مجازر بالوسط والجنوب
في وسط قطاع غزة، ارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة مروّعة من خلال استهدافه مدرسة (رفيدة) في دير البلح، ما أدى إلى استشهاد 28 من النازحين وإصابة 54 آخرين، وفقاً لآخر إحصاء صدر عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، نهار الخميس 10 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.
وهذه المدرسة هي الثانية التي يستهدفها الجيش الإسرائيلي في أقل من 24 ساعة، بعد قصفه مدرسة الرافعي التي تؤوي آلاف النازحين في جباليا شمال قطاع غزة.
ورصد المكتب الإعلامي الحكومي قصف الاحتلال 187 مركزاً للإيواء والنزوح، استشهد في داخلها أكثر من 1060 شهيداً، منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على القطاع، في السابع من تشرين الأول 2023.
وفي مدينة خان يونس، لا يتوقف الطيران الحربي الإسرائيلي عن استهداف منازل المدنيين وارتكاب مجازر بحقهم، إذ استهدف الطيران 4 منازل لعائلات شرق المدينة، ما أدى إلى وقوع شهداء بين المدنيين.
كما وجه الجيش للسكان في مناطق بني سهيلا والمحطة والشيخ ناصر ومعن في جنوب قطاع غزة، أوامر إخلاء جديدة.
إقرأوا أيضاً:










