قبل أيام قليلة، اتصلت بصديق موريتاني وفيّ هاتفياً للاطمئنان على صحته، وخلال حديثنا أخبرني قصة طريفة عن صديق له يعمل كسائق سيارة أجرة، ففي إحدى المرات طلب شخصان منه أن يقلّهما إلى منطقة معزولة في شاطئ المحيط الأطلسي.
لم يكن هذا السائق معتاداً الذهاب إلى تلك الوجهة، فعمله كسائق أجرة يتركّز وسط المدينة، لكن طول المسافة والأجرة المرتقبة أغرياه من دون أن يسأل عن غايتهما. وعند الوصول إلى هناك اكتشف أنهما كانا ينويان الهجرة السرية نحو جزر الكناري الإسبانية.
لكن المفاجأة أنه استُدرج بالقوة نحو المركب المتهالك للصعود فيه والهجرة مع باقي المجموعة حتى لا يوشي بهم عند خفر السواحل، ليجد نفسه بعد أيام قليلة في السواحل الإسبانية.
طريق الكناري
دفعتني هذه القصة الى البحث أكثر في مسألة الهجرة غير النظامية من السواحل الموريتانية نحو البر الأوروبي أو ما يُعرف بـ”طريق الكناري”، فبعد تشديد الخناق على المهاجرين غير النظاميين من سواحل ليبيا وتونس والمغرب وتصاعد التوترات الأمنية في دول الساحل والقرن الأفريقي، أصبحت موريتانيا طريق المهاجرين الجديد من أفريقيا صوب أوروبا.
وعلى رغم الإجراءات الموريتانية والأوروبية للحدّ من هذه الهجرة، ما زالت أعداد المهاجرين الوافدين إلى جزر الكناري مرتفعة، ففي شهر كانون الثاني/ يناير الماضي وصل 4752 شخصاً إلى جزر الكناري على متن 72 قارباً وفق أرقام نشرتها وزارة الداخلية الإسبانية، ووصل المئات أيضاً خلال شهر شباط/ فبراير الماضي.
تقدّر السلطات الإسبانية أعداد المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى سواحل جزر الكناري السنة الماضية، بما يقرب من 47 ألف مهاجر مقارنة بـ31 الف شخص خلال سنة 2023، وهي حصيلة غير مسبوقة في هذه الجزر التي لا تستطيع مرافقها استقبال مزيد من المهاجرين.
يضم أرخبيل الكناري –الذي يعتبر جزءاً من التراب الإسباني- 7 جزر رئيسية تقع قبالة السواحل الأفريقية، إلا أن المهاجرين غير النظاميين يختارون في غالبيتهم التوجه إلى جزر “لانزاروتي” و”فويرتيفنتورا” و”إل هييرو”، حتى أن هذه الأخيرة أصبحت شبيهة بلامبيدوزا الإيطالية -الوجهة المفضّلة للمهاجرين القادمين من سواحل شمال أفريقيا-.
خلال السنوات الماضية، وصل آلاف المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء الأفريقية ودول آسيوية إلى هذه الجزر الواقعة قبالة الساحل الشمالي الغربي للقارة الأفريقية، رغبة في الهرب من الواقع المأساوي في دولهم والعيش الكريم في أوروبا.
وينطلق معظم القوارب المتهالكة من سواحل نواذيبو ونواكشوط الموريتانية، قادمةً من مالي والسينغال وغامبيا والجزائر، وينحدر المهاجرون في غالبيتهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء كالتشاد والنيجر وكذلك الكاميرون والكونغو والسودان، بمن فيهم عدد كبير قادم من دول آسيوية كباكستان وبنغلاديش والهند وسوريا أيضاً.
طريق الموت
يحلم هؤلاء المهاجرون غير النظاميين في الوصول إلى السواحل الأوروبية والابتعاد عن المآسي والصعاب التي تواجههم في بلدانهم الأصلية، حتى أن البعض منهم يلجأ الى بيع كل ما يملك لتأمين ثمن المغامرة، فيما يلجأ البعض الآخر إلى السرقة أو استلاف ثمن الرحلة.
يظن المهاجرون في غالبيتهم أن حياة وردية تنتظرهم في الجهة المقابلة للأطلسي، لكن عليهم فقط أن يجتازوا “طريق الموت” عبر قوارب خشبية صغيرة ومتهالكة تجاوزت عمرها الافتراضي وأصبحت بالية وغير قابلة للاستعمال.
دائماً ما نسمع عن مآسٍ على طول طريق الكناري وانتشال جثث لمهاجرين أثناء محاولتهم الوصول إلى السواحل الإسبانية، وفي 16 كانون الثاني/ يناير الماضي لقي أكثر من 50 مهاجراً مصرعهم-معضهم من الباكستانيين- عند غرق سفينة صيد كانت غادرت سواحل موريتانيا في 2 كانون الثاني وعلى متنها 86 شخصاً.
وفي 4 شباط/ فبراير الماضي، عثرت السلطات الموريتانية على تسع جثث لمهاجرين قبالة سواحل مدينة نواذيبو الواقعة على بعد نحو 500 كيلومتر من العاصمة نواكشوط. لم تُحدَّد جنسية الضحايا لكن غالب الظن أنهم من مالي والسينغال.
وكشف تقرير صادر عن منظمة “كاميناندو فرونتيراس” أن 9757 مهاجراً غير شرعي لقوا مصرعهم أو اختفوا عام 2024 أثناء محاولتهم الوصول إلى جزر الكناري، ليكون هذا الطريق الأكثر فتكاً بالمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا في 2024، وفق المنظمة نفسها.
وفق هذه الأرقام، تُسجل يومياً وفاة 30 مهاجراً غير نظامي، أي مهاجر كل 45 دقيقة، ورغم هول هذه الأرقام فمن المؤكد أن ثمة وفيات وحطام سفن أخرى لم يسمع عنها أحد على طول الطريق بين السواحل الأفريقية وجزر الكناري.
وأحياناً، تضل قوارب الموت طريقها، ففي نيسان/ أبريل الماضي، عثر صيادون برازيليون على 9 جثث لمهاجرين على متن قارب قبالة سواحل بارا شمال البرازيل، وتبين في ما بعد أن من بينها جثّتين تعودان لمواطن مالي وآخر موريتاني.
انطلق هذا القارب –الذي تحول إلى مقبرة صغيرة- من الساحل الموريتاني متوجهاً إلى جزر الكناري، إلا أنه ضلّ طريقه وجرفته مياه المحيط إلى سواحل البرازيل. ووفق الوثائق والملابس التي وُجدت على القارب، بقي الأخير في المحيط 3 أشهر وكان يحمل على متنه 25 مهاجراً يرجّح أن جميعهم لقوا حتفهم جوعاً وعطشاً.
إقرأوا أيضاً:
انتهاكات كثيرة
تعد الرحلة إلى جزر الكناري واحدة من أكثر طرق الهجرة صعوبة، مع ذلك فإن أعداد المهاجرين في تزايد، ومن حالفه الحظ ووصل إليها فسيجد مشاكل أخرى في انتظاره، أي أن الحياة الوردية التي يحلم بها لن ينعم بها بسهولة.
ويخاطر الآلاف بحياتهم للوصول إلى جزر الكناري، لكن ما إن يصلوا إلى هناك حتى يتفاجأوا بالوضع المزري الذي ينتظرهم، فيضطر عدد منهم إلى تعاطي المخدرات والإتجار بها، ومنهم من يصاب بحالة من القلق والاكتئاب القاتل.
ويُحكى دائماً عن تحقيقات فتحتها السلطات القضائية في جزر الكناري للبحث عن جرائم في حق المهاجرين ارتُكبت في الشوارع وأماكن العمل وحتى في مراكز استقبالهم، لكن غالباً لا نسمع عن مآلات تلك التحقيقات التي تُدفن بسرعة.
ونتيجة للانتهاكات الكثيرة في حقهم وخوفاً من ردات فعل المجتمع في جزر الكناري، يضطر عدد كبير من المهاجرين غير النظاميين إلى إخفاء وجودهم وأنشطتهم اليومية تجنباً للتعرف عليهم فتزداد عزلتهم.
تجارة البشر
على رغم المخاطر الكثيرة التي تحيط بهذه المغامرة وبالمهاجرين الواصلين إلى جزر الكناري، تحولت الرحلة من السواحل الموريتانية إلى البر الإسباني الى تجارة مربحة يغتنم منها “تجار البشر” أموالاً طائلة تفوق أحياناً تجارة السلاح والمخدرات.
لنجاح هذه التجارة، كونت عصابات تهريب البشر شبكات لنقل المهاجرين غير النظاميين من دول أفريقية وآسيوية، يصلون إلى موريتانيا بحجة السياحة والتجارة إلى جزر الكناري مقابل مبالغ مالية كبيرة تصل أحياناً إلى ما يزيد عن 10 آلاف دولار.
ودائماً ما يقال إن السلطات الموريتانية تفكك شبكات تهريب مهاجرين- منهم موريتانيون ومن جنسيات أجنبية- ووصل الأمر بهذه المجموعات الى نشر عروض للهجرة غير النظامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
استطاعت هذه المجموعات استمالة أفراد من الشرطة الموريتانية للعمل معها وتسهيل عمليات الهجرة لها، لكن تمكنت السلطات من إطاحة عدد من هؤلاء، ففي شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أقالت السلطات الموريتانية 14 شرطياً وضابطاً بعدما وجهت لهم اتهامات بقبول رشى لإطلاق سراح مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، كما أقيل مدير المكتب المركزي لمكافحة الهجرة والإتجار بالبشر.
ولمواجهة تجار البشر وتنامي عمليات الهجرة غير النظامية من سواحلها، أقرت موريتانيا إجراءات وقوانين جديدة تتضمن عقوبات بالسجن تتراوح بين شهرين إلى 5 أشهر وغرامات مالية على كل “من دخل التراب الوطني من دون المرور بأحد المعابر الرسمية المحددة من طرف السلطات المختصة”، أو من “أقام في البلاد بطريقة مخالفة لأحكام أنظمة الهجرة”.
وتصل العقوبة السجنية إلى سنتين لكل من يستخدم وثائق ثبت أنها مزوّرة أو مزيّفة، أو حصل على هذه الوثائق بهوية مزورة، أو باستخدام بيانات حالة مدنية مزورة، وكل من زوّر تأشيرة قنصلية، فيما نص القانون الجديد على استبعاد أي شخص أجنبي ارتكب مخالفات التشريعات الموريتانية المنظمة للهجرة، ومنعه من دخول البلد لفترة تتراوح بين سنة و10 سنوات.
إجراءات أوروبيّة
على رغم الإجراءات الأخيرة، لم تتمكن السلطات الموريتانية من الحد من رحلات الموت، وهو ما أثار حفيظة السلطات الأوروبية وبخاصة إسبانيا، ودفع هذا الأمر بالمسؤولين الأوروبيين الى تكثيف زياراتهم إلى نواكشوط في الفترة الماضية لدفع السلطات الموريتانية إلى مضاعفة جهودها للتصدي لظاهرة الهجرة غير النظامية من سواحلها.
وأصبحت موريتانيا في الأشهر الأخيرة قبلة المسؤولين الأوروبيين الراغبين في إقامة اتفاقات جديدة مع نظام الرئيس محمد ولد الغزواني، حتى وإن لم تكن هذه الاتفاقات تحترم حقوق الإنسان وتشجع على ارتكاب الانتهاكات في حق المهاجرين.
وترتبط موريتانيا باتفاقات في مجال التصدي للهجرة غير النظامية مع دول أوروبية عدة، خصوصاً إسبانيا، تتلقى نواكشوط بموجبها ملايين الدولارات سنوياً لتعقب ومنع أفواج المهاجرين من الوصول إلى السواحل الإسبانية.
يأمل الأوروبيون بأن تتحول موريتانيا إلى حارس لسواحلهم وتمنع وصول المهاجرين غير النظاميين إليهم، إلا أن السلطات الموريتانية لم تتمكن من ذلك لارتفاع أعداد المهاجرين القادمين إلى البلاد نتيجة الحروب والتوترات في مناطق مختلفة من أفريقيا.
إقرأوا أيضاً:












